النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ كتاب الطّهارة/ باب تطهير النجاسات وعللوه بأنه أخبر عن فعل نفسه؛ أي: فبعد تطرق التهمة إليه غالبًا بخلاف ما لو أخبر لا عن فعل نفسه، کقوله: طهر الشوب أو تنجس فلا یقبل خبره حينئذ. ويؤخذ منه أيضًا: إنه لا فرق في النائب العدل بين الذكر والأنثى، ولا بين القن والحر؛ لأن المدار على ما يغلب ظن الصدق، وهو موجود في المرأة والقن العدلين. (قَالَ: إِنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الأَنْثَى، وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ) الأول لبيان الواجب، والثاني لبيان الجائز، فالنضح ممتنع في الأنثى ومثلها الخنثى سواء أبال من فرج الرجال أو النساء دون الذكر، لما مرَّ أن الابتلاء بحمله أكثر فكانت الرخصة به ألیق. قال الشافعي : ولأنها خلقت من لحم ودم؛ لأن حواء خلقت من ضلع آدم القصير وهو من ماءٍ وطين، فكان بولها ألصق بالمحل فلا يؤثر فيه النضح، بخلاف بوله فإنه أرق، فأثر فيه واعترض عليه بأن كلا منهما باعتبار آدم خلق من ماءٍ وطين، وحواء خلقت من دم ولحم، فذلك لحكم لا دليل عليه. ويرد بأن الشافعي لم يرد بمحض خلقه من ماءٍ وطين، وخلقها من دم ولحم، فإن هذا بديهي البطلان، ومثله لا يروج على أدنى الفضلاء، فكيف يتوهم رواجه على إمام الأئمة؟ وإنما أراد # أن المغلب على طبع الذكر طبع أبيه، وهكذا إلى آدم وهو مخلوق من ماءٍ وطين وعلى طبع الأنثى طبع أمها، وهكذا إلى حواء وهي مخلوقة من لحم ودم، فأثر ذلك الطبع المغلب في كل ما يليق به من الرقة، وبالنسبة للماء والطين والكثافة بالنسبة للدم واللحم، فلذلك إجزاء النضح في الأول دون الثاني (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه) وسنده حسن. ٥٠٢ - [وَ فِي رِوَايَة لأَّبِي دَاود وَالنَّسَائِيّ عَنْ أَبِي السَّمْجِ: يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ (١)]. (وَفِي رِوَايَة لأَبِي دَاود وَالنَّسَائِيٌّ) وَابْنُ مَاجَه وسندها صحيح و(عَنْ أَبِي السَّمْجِ) (١) أخرجه أبو داود (٣٧٦)، والنسائي (٣٠٤)، وابن ماجه (٥٢٦)، والطبراني (٩٥٨)، والحاكم (٥٨٩)، وأحمد (٧٥٧)، والبزار (٧١٧). ٣٨٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني قال: قال رسول الله وَّه: (يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ). وفي أخرى حسنها الترمذي: ((ينضح من بول الصبي، ويغسل من بول الجارية)). وافهم التعبير بالنضح تارة، والرش أخرى أن المراد بها هنا شيء واحد مغاير للغسل، وهو أن يغمر الماء موضع البول رشًا، وإن لم يسيل ولا تردد على المحل ولا قطر منه؛ إذ لا يشترط أن ينتهي إلى جريان الماء وسيلانه، واشترط أبي محمد الجويني من أصحابنا السيلان زيفه ولده إمام الحرمين، وملازمة الغمر للسيلان، إنما هي أغلبية أو في بعض المحال كالأواني أما نحو الثوب، فقد ينفك السيلان عن الغسل. ٥٠٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَيِّ: إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ فِي الأَذَى، فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَلابْنِ مَاجَه مَعْنَاه]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ فِي الأَذَى) أي: النجس (فَإِنَّ التَُّابَ لَهُ طَهُورٌ) ظاهره أن من أصاب أسفل خفه أو نعله نجس فأذهب أثره بدلكه بالأرض طهر وحلت الصلاة فيه، وبه أخذ جمع منهم الشافعي في القديم وأوّل في ((الجديد)) أكثر العلماء ذلك يحمله على نجس يابس تعلق به، ويكون بحيث يزيله الدلك بالكلية. ويبعد هذا التأويل قوله وَّل: ((فإن التراب له طهور)) إذ اليابس لا ينجس فلا تطهير، نعم يقربه ما يأتي في الثوب من إجماعهم بناءً على ما يأتي بحمله على ذلك مع أن المرأة يحتاج إلى جرِّ ثوبها؛ لأنها مأمورة به مبالغة في سترتها، ومع ذلك لم يطهرها التراب، فكذا الخف لا يطهره التراب قياسًا على الثوب، وإن أمكن الفرق بأن الخف يحتاج إليه الرجال والنساء بخلاف جرِّ الثوب، فَسُومح في الأول؛ لأن الحاجة فيه أعم بخلاف الثاني. وقد يقرب ذلك التأويل أيضًا أمره وَله بصب الماء من الدلو على البول، فإن (١) أخرجه أبو داود (٣٨٥)، والحاكم (٥٩١) وقال: صحيح على شرط مسلم، والبيهقي (٤٠٤٦). ٣٨٣ كتاب الطّهارة/ باب تطهير النجاسات ظاهره أنه لا يطهره غير الماء، وما يتوهم أن ذلك خاص بالنعل والخف لمشقة الاحتراز فيهما عن النجس، فسومح فيهما بما لم يسامح به في غيرهما بمنعه أنه لو كان النظر لذلك لكانت طهارة الأرض بالدلك، أولى بذلك لمشقة الاحتراز فيها أيضًا، فلما وجب الغسل فيها ولم ينظر لذلك وجب في نحو النعل من غير نظر لذلك بطريق الأولى (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَلِابْنِ مَاجَه مَعْنَاه) وسنده حسن. ٥٠٤ - [وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ لَهَا امْرَأَةِ: إِنِّي [امْرَأَةٌ](١) أُِيلُ ذَيْلِيٍ وَأَمْشِي فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ(٩). رَوَاهُ مَالِك وَأَحْمَدِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد [وَالذَّارِمِيُّ](٣) وَقَالَا المَرَأَةُ أَمّ وَلَدٍ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ]. (وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ لَهَا امْرَأَةُ: إِنَّي امْرَةُ أُطِيلُ ذَيْلٍ وَأَمْشِي فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ) أي: النجس (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ) هذا مؤول بجمله على نحو ما مرَّ أن المراد ما تعلق بالذيل من النجس الجاف يزيل انسحابه على المحل الذي بعده، وسبب هذا التأويل على ما قاله الطيبي تبعًا لغيره انعقاد الإجماع على أن الثوب إذا أصابته نجاسة لا يظهر إلا بالغسل بخلاف نحو الخف، فإن جمعًا ذهبوا إلى أن الدلك يطهره كما مر على أن حديث الثوب مطعون فيه بأن المرأة المقول لها ذلك التي هي أم الولد الآتية مجهولة. (رَوَاهُ مَالِك وَأَحْمَدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَالدَّارِيُّ، وَقَالَا المَرَأَةُ أُمّ وَلَدٍ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) ﴾ ومر أنها مجهولة، ومع ذلك الحدیث حسن. ٥٠٥ - [وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﴾ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِوَ عَنْ لُبْسِ (١) سقطت في الأصل، وهذا المثبت في المشكاة. (٢) أخرجه مالك (٤٥)، والطبراني (٨٤٥)، والدارمي (٧٤٢)، وأحمد (٢٧٢٤٥)، وأبو داود (٣٨٣)، والترمذي (١٤٣)، وابن ماجه (٥٣١). (٣) سقط من الأصل. ٣٨٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني جُلُودِ السِّبَاعِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيُّ]. (وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ ﴾ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ عَنْ لُبْسِ جُلُودٍ السِّبَاعِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا) فيحرم استعمالها قبل الدبغ، کزیل نجس العين في بدن آدمي أو شعره أو ثوبه لما عليه من التعبد في اجتناب النجاسة؛ لإقامة العبادة بخلاف غير الآدمي، وجواز لطخ رأس المولود بدم العقيقة خارج عن القياس، قصدًا للتبرك به لكونه دم قربة يعود منها بركة عليه، أما بعد الدبغ فيحرم افتراش جلد نحو الفهد والنمر وسائر السباع، كما قاله جمع من أصحابنا أخذًا بهذا الحديث والذي بعده. قال الأذرعي: وهو الصحيح لما فيه من التشبيه بالجبابرة، ومحله أن جلس على وبره، فإن دبغه وجعل الوبر للأرض، ففي التحريم نظر وهل يكره فيه احتمال. انتهى. والذي يتجه التحريم مادام وبره فيه، وإن جلس على ما لا وبر فيه؛ لأنه مادام فيه فهو من زي الجبابرة، وظاهر كلامهم أنه لا يشترط في تحريمه لما ذكره قصده التشبه بالجبابرة، وهو ظاهر؛ لأن ذلك صار شعارهم، فالجلوس عليه ظاهر في التشبيه فلم يحتج لخصوص قصده، وخرج بجلد السباع جلد غيرها الطاهر فيحل استعماله من غير كراهة. وقول جمع من أصحابنا: إن لبس غيره أولى منه منظر فيه، بل هو وغيره سواء وبافتراشها الشامل للركوب عليها لبسها بعد الدبغ فلا حرمة فيه، ومحله إن لم يكن عليه شعر، أخذًا من قول ابن الرفعة وغيره نقلاً عن البندنيجي والمتولي: إن حكم استعمال الجلد الطاهر بالدبغ الذي عليه شعر نجس بناء على الأصح أن الشعر لا يطهر بالدبغ؛ لأنه لا يتأثر به حكم استعماله قبل الدبغ فيحرم في بدن آدمي أو شعره أو ثوبه، والكلام في شعر كثير، أما غيره كالشعرتين والثلاث فتطهر بالدبغ تبعًا كدن الخمر. قال الزركشي: وعلى هذا يحرم فرو السنجاب ونحوه من الوبر، فإن حيوانها لا (١) أخرجه أبو داود (٤١٣٣)، والنسائي (٤٢٧٢)، والبيهقي في ((سننه)) (٧١). ٣٨٥ كتاب الطّهارة/ باب تطهير النجاسات يذكى، بل يخنق كما أخبر الثقات، قال: وبتقدير الذبح فصائدها ليس من أهل الزكاة، وقد عمت البلوى بها فليحذر منها في الصلاة وخارجها على الخلاف. انتهى. وسبقه إلى نحوه شيخه الأذرعي، وفيه نظر إن أراد وجوب تجنبها في ذلك؛ إذ لا موجب له، وما ذكره من أخبار الثقات، وأن الصائد غير أهل، إنما يعول عليه إن كان في شيء منها بعينه بأن يخبر ثقة إن هذا لم يذبح أو صائده غير أهل، وأما ذكر الثقات ذلك عن جنس هذا الحيوان، فإنه لا يفيد نظير ما اشتهر في الجوخ من أنه يحمل بشحم الخنزير، ولم يعول الأئمة على ذلك، بل قالوا: بطهارته عملاً بالأصل، فكذا هنا. والأوجه أن تجنبها إنما هو احتياط لا واجب، وكالسنجاب كل ما يحل أكله بخلاف نحو الوشق، فإنه لا يحل فشعره نجس، وإن ذبح ودبغ فلا يجوز لبسه ولا الصلاة فیه. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالنَّسَائِيُّ) وسنده حسن، بل صحيح وفي رواية لأبي داود: ((نهى عن ركوب جلود النمور)) وكأن هذه هي الحاملة لبعض أصحابنا على الاقتضاء في التحريم على جلد النمر والفهد، لكن القاعدة الأصولية وهي: إن ذكر بعض أفراد العام لا يخصصه، يرد ذلك التخصيص ويوجب بقاء العموم على حاله، اللَّهُمَّ إلا أن يقال: إنه استنبط من أنس معنى خصصه، وهو أن شعار الجبابرة انحصر في ذاينك فقط فحرما دون غيرهما، نعم إنما يتجه ذلك أن نبت الانحصار المذكور. ٥٠٦ - [وَعَنْ أَبِي الْمَلِيجِ بْنِ أُسَامَة عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِّ وَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ جُلُودٍ السِّبَاعِ أَنْ تُفْتَرَشَ(١) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالذَّارِمُّ]. (وَعَنْ أَبِي الْمَلِيجِ بْنِ أُسَامَة عَنْ أَبِيِهِ عَنِ النَِّّ ◌ََّ أَنَّهُ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ أَنْ تُفْتَرَشَ) فيحرم افتراشها، وإن دبغت وجلس على الجانب الذي لا شعر فیه، بل وإن لم يكن عليها شعر بالكلية كما مر؛ لأنها من شعار الجبارين والمتكبرين، وقد نهينا (١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٦٤١٧)، وأحمد (٢٠٧٢٥)، والدارمي (١٩٨٣)، وأبو داود (٤١٣٢)، والترمذي (١٧٧٠)، والنسائي (٤٢٥٣)، والحاكم (٥٠٧)، والطبراني (٥١١). ٣٨٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني عن شعارهم والتشبه بهم (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) وسنده حسن. ٥٠٧ - [وَعَنْ أَبِي الْمَلِيحِ أَنَّهُ كَرِهَ ثَمنَ جُلُودِ السِّبَاعِ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. (وَعَنْ أَبِي الْمَلِيجِ أَنَّهُ كَرِهَ ثَمنَ جُلُودِ السِّبَاعِ) ومذهبنا صحة بيعها بعد الدبغ، وإن كان عليها شعر ولا كراهة في ثمنها حينئذ، فإطلاق كراهة ثمنها محمول على غير ذلك أو هو مذهب لأبي المليح (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). ٥٠٨ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ وٍَّ: أَلَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَه]. (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ الله ◌ِ﴾: أَلَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ) أي: جلد، وهو يشمل المدبوغ وغيره كما يصرح به: «لو أخذتم إهابها فدبغتموه)) الآتي. (وَلَا عَصَبٍ) قبل هذا ناسخ لبقية الأخبار الصحيحة المصرحة بحل الانتفاع بجلد الميتة إذا دبغت لما في بعض طرقه: ((أتانا كتاب رسول الله (﴿ ﴿ قبل موته بشهر)) انتهى. وجمهور العلماء على خلاف ذلك، وأجاب حفاظ أصحابنا عن ذلك كالبيهقي وغيره بأن الحديث مرسل؛ لأن ابن عكيم غير صحابي، وأيضًا فهو مضطرب. ففي رواية: ((بشهر). وفي أخری: ((بشهرین". وفي أخرى: ((بأربعين يومًا». وفي أخرى: بغير ذكر تاريخ، فلم يبقَ تاريخ يعتمد على أن أحاديثنا مطلقة (١) أخرجه الترمذي (١٨٨١). (٢) أخرجه الطيالسي (١٢٩٣)، وأحمد (١٨٨٠٤)، وأبو داود (٤١٢٩)، وابن ماجه (٣٧٤٤)، وابن أبي شيبة (٣٣٨٨٦)، والترمذي (١٧٢٩) وقال: حسن، والنسائي (٤٢٤٩)، والبيهقي (٤٢). ٣٨٧ كتاب الطّهارة/ باب تطهير النجاسات يحتمل أن بعضها قبل موته بدون شهر ولا نسخ إلا بعد تحقق الناسخ، وأيضًا فهي خاصة بما قبل الدبغ، وهو عام والخاص مقدم عند الجمهور تقدم أو تأخر (رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَه) وهو مرسل مضطرب كما تقرر. ٥٠٩ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِي اللّهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ(١). رَوَاهُ مَالِك وَأَبُو دَاوُد]. (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِي اللهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَيهِ أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودٍ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ، رَوَاهُ مَالِك وَأَبُو دَاوُد) وسنده حسن، وهو من الأدلة الصريحة، فيما ذهب إليه الجمهور أن الدباغ يظهر ويجوز الانتفاع به. ٥١٠ - [وَعَنْ مَيْمُونَة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ◌َ رِجَالُّ مِنْ قُرَيْشِ يَجْرُّونَ شَاةً لَهُمْ مِثْلَ الْحِمَارِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبِغْتُمُوهُ. قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَُّ(٤). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد]. (وَعَنْ مَيْمُونَة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ رَهْ رِجَالٌّ مِنْ قُرَيْشٍ يَجْرُّونَ شَاةً لَهُمْ مِثْلَ الْحِمَارِ) أي: في كونها ميتة منتفخة (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله ◌ِوَلَّ: لَوْ) هي بمعنى: ليت بجامع أن كلاً منهما في معنى التقدير؛ أي: لو قدر كذا لكان كذا. ومن ثم كان جوابها هنا محذوفًا كما يأتي (أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبِغْتُمُوهُ) أي: لكان حسنًا أو لطهر، وحل لكم الانتفاع به (قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ) ظاهره أنه لا بد من الماء في أثناء الدبغ. والأصح عندنا أن ذلك ليس بشرط؛ لأن الدبغ عندنا من باب الإحالة لا (١) أخرجه مالك (١٠٦٩)، وأبو داود (٤١٢٦)، والنسائي (٤٢٦٩)، وابن ماجه (٣٧٤٣)، وأحمد (٢٥٤٦٧)، والدارمي (٢٠٣٩). (٢) أخرجه أحمد (٢٦٨٧٦)، وأبو داود (٤١٢٦)، والنسائي (٤٢٤٨)، وابن حبان (١٢٩١)، والدارقطني (٤٥/١)، والطحاوي (٤٧٠/١)، والطبراني في «الكبير)) (٢٤). ٣٨٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني الإزالة، ولهذا جاز بالنجس المحصل لذلك؛ لأن الغرض تطبيب الجلد وإزالة الفضول، وهذا حاصل بالنجس الحريف كالطاهر، وأن الحديث محمول على الندب أو على الطهارة الكاملة، فإن المدبوغ بعد الدبغ متنجس فلا بدَّ من غسله مرة، وأما في أثناء الدبغ فالقصد حصول الرطوبة لتوتر الحريف فيه، وهذا يحصل بغير الماء، وإن كان الماء ألطف وأرق. (وَالْقَرَظُ) بمثاله، وكتب في نسخ من الروضة وغيرها بالضاد، وهو تصحيف كما في المجموع وغيره، وهو ورق شجر السلم ينبت بنواحي تهامة؛ أي: هو فيها أكثر منها في غيرها، وقاس الأئمة به كل حريف، وهو ما يلدغ اللسان بحرافته، قيل: والتعبير بالقابض أحسن؛ لأن القبض هو المؤثر في الدبغ دون الحرفة. انتهى. ويرد بأن الحرافة تستدعي القبض فمآلهما واحد، وإن كان القابض يؤثر في المقصود (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) وسنده حسن. ٥١١ - [وَعَنْ سَلَمَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَه جَاءَ فِي غَزْوَةٍ تَبُوكَ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ، فَإِذَا قِرْبَةُ مُعَلَّقَةُ فَسَأَلَ الْمَاءَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: دِبَاغُهَا طَهُورُهَا (١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد]. (وَعَنْ سَلَمَةَ) بن الْمُحَبَّقِ بضم أوله فمهملة مفتوحة فموحدة مشددة مكسورة، والمحدثون يفتحونها فقاف (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله لَّهِ جَاءَ فِي غَزْوَةٍ تَبُوكَ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ، فَإِذَا قِرْبَةُ مُعَلَّقَةٌ) أي: فيها ماء وهي مدبوغة (فَسَأَلَ الْمَاءَ) أي: الذي في تلك القربة. (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا مَيْتَةٌ) أي: جلد ميتة دُبغ، وكأنهم إنما ذكروا له ذلك ليعلموا منه الحكم فيه بطريق النص، واستعمالهم لها قبل ذلك يحتمل أنهم استبدوا فيه إلى الاجتهاد، فأرادوا استعلامه ليظهر لهم مطابقة اجتهادهم للنص فيستمروا على قضیته أو مخالفته له فیرجعوا عنه. (١) أخرجه أحمد (٢٥٧١)، وأبو داود (٤١٢٧)، والنسائي (٤٢٥٥)، والبيهقي في (سننه)) (٥١)، والداري (٢٦٢٦)، والدارقطني (١١٤). ٣٨٩ كتاب الطّهارة/ باب تطهير النجاسات (فَقَالَ: دِبَاغُهَا طَهُورُهَا) وهو من الأدلة الصريحة على طهارة الجلد بالدباغ والتعبد به، جرى على الغالب؛ إذ لو وقع الجلد في مدبغة فاندفع ظهر أيضًا لحصول المقصود (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) وسنده حسن. (الفصل الثالث) ٥١٢ - [عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى الْمَسْجِدِ مُنْتِنَةً، فَكَيْفَ نَفْعَلُ إِذَا مُطِرْنَا؟ قَالَتْ: فَقَالَ: أَلَيْسَ بَعْدَهَا طَرِيقٌ هِيَ أَظْيَبُ مِنْهَا؟ قُلْتُ: بَلَ، قَالَ: فَهَذِهِ بِهَذِهِ(١) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى الْمَسْجِدِ مُنْتِنَةً) أي: فيها أثر الجيف والنجاسات (فَكَيْفَ نَفْعَلُ إِذَا مُطِرْنَا؟) أي: ومررنا على تلك النجاسات بأذيالنا المنسحبة على الأرض (قَالَتْ: فَقَالَ: أَلَيْسَ بَعْدَهَا طَرِيقُّ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَهَذِهِ بِهَذِهِ) أي: ما حصل التنجس بتلك يطهرها انسحابه على تراب هذه الطيبة (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) قيل: في سنده مجهول هي المرأة التي من بني عبد الأشهل نظير ما مر في حديث أم سلمة، فحينئذ لا حجة فيهما على طهارة الذيل المتنجس من الأرض بما يمر عليها منه بعد ذلك. انتهى. وزعم أن جهالة تلك المرأة يقتضي رد حديثها ليس في محله؛ لأنها صحابية وجهالة الصحابي لا تضر؛ لأن الصحابة كلهم عدول، وحمل أحمد الحديث على أن ما يحصل من القدر الطاهر في الذيل يزيله التراب الطيب الذي بعده، ويوافقه قول مالك ما روي: ((إن الأرض يطهر بعضها بعضًا)) إنما هو أن يطأ القذرة، ثم اليابسة النظيفة، فأما النجس يصيب الثوب أو البدن، فلا يطهره إلا الغسل بالإجماع. ٥١٣ . [وَعَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: كُنَّا نُصَلِي مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَلا نَتَوَضَّأُ مِنْ مَوْطِئٍ (٢) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. (١) أخرجه أبو داود (٣٨٤)، وأحمد (٢٨٢١٤)، والطبراني (٢٠٩٥٩). (٢) أخرجه البيهقي في السننه)) (٦٧٨)، والطبراني (١٠٣٠٦)، ولم أقف عليه عند الترمذي. ٣٩٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني (وَعَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَلا نَتَوَضَّأُ) الظاهر أن المراد الوضوء اللغوي؛ أي: ولا نتنظف (مِنْ مَوْطِئٍ) أي: محل الوطء، والمشي الذي تحققت فيه النجاسة؛ لكونها جافة لا رطبة للإجماع السابق أو الذي غلبت فيه النجاسة عملاً بأصل الطهارة، وإشارة إلى ترك الوسوسة. ومن ثم جاء أن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا يتوضؤون ويمشون حفاة، ثم يصلون ولا يغسلون أرجلهم (رَوَاهُ النِّزْمِذِيُّ) وصححه الحاكم. ٥١٤ - [وَعَن ابْنِ عُمَر - رَضِي اللهُ عَنهُمَا - قَالَ: كَانَتِ الْكِلَابُ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَان رَسُولِ اللهِ وَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (١)]. (وَعَن ابْنِ عُمَرٍ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَتِ الْكِلَابُ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ) أي: النبوي (فِي زَمَان رَسُولِ اللهِ وََّ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ) أي: يغسلون (شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ) أي: مما مسته ولا دلالة فيه لطهارتها؛ لأنه ليس فيه أنهم علموا أنها تمر فيه مع رطوبة في أحدهما، ثم تركوا غسل ما علموا مماستها مسه، وإنما فيه أن نجس العين لما مر أول الباب من الخبر الصحيح في نجاستها، وهو طهور الماء أحدكم الحدث لا ينجس ما مسه من غير تحقق رطوبة؛ لأن الأصل عدم الرطوبة، وبقاء طهارة ما مسته حتى يتحقق تنجسه بها. وفي رواية: ((كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد ... ))(٢) وأجيب عنها بأن قوله: في المسجد يحتمل تعلقه بتبول وما بعده وبما بعده فقط، فلم يكن صريحًا في مذهب الخصم، وعلى التنزل بأنه عائد للجميع كما يقتضيه ظاهر اللفظ. وقاعدة: أن نحو القيد يرجع إلى جميع ما سبقه فيحتمل أن عدم الرش، إنما هو لخفاء مكان بولها، وعلى التنزل فذلك قبل الأمر بالغسل من ولوغ الكلب، وأقول: يمكن أن يجاب أيضًا بأن عدم الرش لا يستلزم الطهارة، بل العفو لعسر صون (١) أخرجه البخاري (١٧٤)، وأبو داود (٣٨٢)، وأحمد (٥٥١٦)، والبيهقي في «سننه» (١١٩٧). (٢) تقدم تخريجه. ٣٩١ كتاب الطّهارة/ باب تطهير النجاسات المسجد عنها، وهذا وإن لم يقل به إلا أن الدليل يحتمله، وعند احتماله له فلا متمسك فيه للمخالف. ٥١٥ - [وَعَن [الْبَرَاءِ](١) ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: لَا بَأْسَ بِبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ ◌َحَمُهُ (٢)]. (وَعَنِ الْبَرَاءِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلهِ: لَا بَأْسَ بِيَوْلِ مَا يُؤْكَّلُ لَمُهُ). ٥١٦ - [وَفِي رِوَايَة جَابِرِ ﴾ قَالَ: مَا أُكِلَ لَخْمُّهُ فَلَا بَأْسَ بِيَوْلِهِ(٣). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالذَّارَقُطْنِيُّ]. (وَفِي رِوَايَةٍ جَابِ ﴾ قَالَ: مَا أُكِلَ لَخْمُهُ فَلَا بَأْسَ بِيَوْلِهِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ) وبه أخذ مالك وأحمد - رضي الله عنهما - والاصطخري من أكابر أصحابنا، فقالوا: بطهارة بول وروث ما يؤكل لحمه، واختاره جمع من أئمتنا كبني خزيمة، وابن حبان والروياني واستدلوا له أيضًا بأمره ◌َّ العرنيين بشرب أبوال الإبل، وبأنه كله لم يقطع الصلاة لما وضع المشركون على ظهره سلا الجزور، وهو ساجد. ورد عليهم أئمتنا بأن الحديث المذكور أولاً ضعيف واه، وبأن أمره مل* بشرب تلك الأبوال إنما كان للتداوي كما تصرح به الرواية، والتداوي بصرف النجاسة غير الخمر جائز عندنا بشرط ألا يوجد طاهر يقوم مقامها، ولا ينافيه الخبر الصحيح: ((إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها)) لأن معناه فيما حرم عليها تناوله، والنجاسة عند قصد التداوي بها لم يحرم تناولها، وفارقت الخمر بأن حرمتها لذاتها. ومن ثم اختلفوا في طهارتها، ولم يختلفوا في حرمتها، وأيضًا فالنفس تطلب تناولها مع أن الله لما حرمها سلبها سائر المنافع، فلم يتصور وجود شفاء فيها مطلقًا بخلاف بقية النجاسات، فإن حرمتها عارضة لنجاستها، فكان سلب نفعها مخصوصًا (١) هكذا في المشكاة، وفي الأصل: ((أنس)). (٢) أخرجه الدارقطني (٣) وقال: ضعيف. (٣) أخرجه البيهقي (٣٩٥٠)، والدارقطني (٤٧١)، ولم أقف عليه عند أحمد. ٣٩٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني بما إذا لم يضطر لتناولها لتعينها للتداوي بقول طبيب عدل: إنه لا يقوم طاهر مقامها، وبأن عدم قطعه وَليه واقعة حال فعليه، احتملت أنه لعدم علمه لاستغراقه حينئذٍ في شهود الأخذ به وتلذذه بالرضا بتلك الأذية، وعدم إعادته بعد علمه يحتمل أنه لكون الصلاة التي كان فيها نقلاً على أن الإعادة في مثل ذلك لا تجب فورًا. والوقائع الفعلية تُسقط الاستدلال بمثل ذلك، واعترض بأنه لا يقر على التمادي في صلاة فاسدة، كيف وقد أخبره جبريل وهو في الصلاة بأن في نعليه قذرًا فخلعهما، ويرد بأنه ليس فيه التمادي في صلاة فاسدة باتفاق من أئمتنا إلا بعد تحقق العلم بالنجاسة. وأما عند عدم علمه بخصوص كونه سلا جزور فصلاته صحيحة عند جماعة من أئمتنا تبعًا لقول الشافعي في ذلك، فالتمادي في الصلاة الفاسدة لم يتحقق فتأمله. (باب المسح على الخفين) هو من خصائص هذه الأمة ورخصته شرعت إرفاقًا ليتمكن العبد معها من الاستكثار من عبادة ربه، والتردد في حوائج معاشه. والأصل فيها: قبل الإجماع الذي رده ابن المنذر ردًا على من روى عن مالك عدم جوازه الأخبار الكثيرة الصحيحة المستفيضة في مسحه وَله سفرًا وحضرًا، وأمره بذلك وترخيصه فيه واتفاق الصحابة فمن بعدهم عليه، وقد صرح جمع من الحفاظ بأن أحاديثه متواترة، وجمع بعضهم رواته فبلغوا المائتين، ومن ثم قال بعض أئمة الحنفية: أخشى أن يكون إنكاره كفرًا. (الفصل الأول) ٥١٧ - [عَنْ شُرَيْحَ بْنِ هَانِئٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيِّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﴾ عَنِ الْمَسْجِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللهِ وَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَليَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﴾ عَنِ الْمَسْجِ عَلَى الْخُفَّيْنِ) أي: عن مدته أو عن جوازه، والجواب على الأول مطابق للسؤال، وعلى الثاني مستلزم له (فَقَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ) والمراد به عندنا المسافر سفرًا طويلاً يجوز له قصر الصلاة فيه (وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ) وألحق به ما في معناه من المسافر سفرًا لا يبيح له القصر بجامع أن الثلاثة لما كانت من رخص السفر أشبهت القصر، فاختصت بسفر يبيحه، وابتداء المدة بقسمها من انتهاء أول حدث يوجد بعد اللبس (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). (١) أخرجه مسلم (٦٦١)، وأحمد (١٢٥٨)، والبيهقي في ((سننه)) (١٣٥١)، والدارمي (٧٣٩)، والدارقطني (٧٧٨)، والحميدي (٥٠). ٣٩٣ ٣٩٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني ٥١٨ - [وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﴾ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ غَزْوَةَ تَبُوكَ، قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَتَبَرَّزَ رَسُولُ اللهِوَ قِبَلَ الْغَائِطِ، فَحَمَلْتُ مَعَهُ إِدَاوَةً قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا رَجَعَ أَخَذْتُ أُهَرِيقُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الإِدَاوَةِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، ثُمَّ ذَهَبَ يَحْسِرُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَضَاقَ كُمُّ الْجُبَّةِ فَأَخْرَجَ يَدَيْهُ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، وَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَعَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ أَهْوَيْت لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: دَعْهُمَا فَإِّ أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ رَكِبَ وَرَكِبْتُ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْمِ وَقَدْ قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَيُصَلِّ بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيِّ رَِّ ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَاً إِلَيْهِ فَأَدْرَكَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِحْدَى الرَّكْعَتين مَعَهُ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ ◌َّهِ وَقُمْتُ مَعَهُ فَرَكَعْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي سَبَقَتْنَا(١)]. (وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﴾ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ الله وَلِ غَزْوَةَ تَبُوكَ، قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَتَبَرَّزَّ رَسُولُ اللهِ وَه) أي: خرج إلى التبرز؛ أي: قضاء الحاجة (قِبَلَ الْغَائِطِ) هو في الأصل المكان المطمئن من الأرض يقضي فيه الحاجة، ثم سُمي باسم الخارج المجاورة، فإن أريد الحقيقة فواضح، والتقدير خرج للتبرز نحو المكان المذكور أو لمجاز، فالتقدير خرج للتبرز لأجل الغائط. (فَحَمَلْتُ مَعَهُ إِدَاوَةً) وهي بالكسر إناء صغير من جلد، وجمعها أداوى كمطايا، ويؤخذ منه ما مر أنه لا بأس بالاستعانة في حمل الماء للاستنجاء أو الوضوء، بل ربما يندب ذلك في التلميذ حتى يعلمه ويهذب نفسه ويوطنها على خدمة أهل الفضل والصلاح. (قَبْلَ الْفَجْرِ) ظرف لتبرز وما بعده، ويؤخذ منه أنه ينبغي الشروع في أسباب الطهارة قبل الوقت ليجوز فضيلة الصلاة في أوله. (فَلَمَّا رَجَعَ) أي: من قضاء حاجته وعبر به؛ لأنه ◌َّو كان ربما غاب حتى لا (١) أخرجه بنحوه البخاري (٥٧٩٩)، ومسلم (٦٥٦)، وأحمد (١٨٦٥٥)، والنسائي (١٠٨)، وأخرجه البيهقي في ((سننه)) (٥٢٤٨)، والطبراني (١٧٤١٥). ٣٩٥ كتاب الطّهارة/ باب المسح على الخفين يرى من معه شخصه الشريف؛ ولأجل ذلك قال أئمتنا: يسن للمتبرز أن يفعل ذلك؛ أي: حيث أمن على نفسه وماله. (أَخَذْتُ أُهَرِيقُ) بفتح الهاء؛ أي: أصب (عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الإِدَاوَةِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ) فيه دليل على عدم وجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء كما هو مذهبنا؛ إذ لو فعلهما لذكرهما المغيرة، واحتمال فعلهما وعدم ذكره لهما بعيد لا يعول عليه، ولا ينافي هذا وما بعده ما مر أن الاستعانة في الصب على الأعضاء خلاف الأولى؛ لأن هذا لبيان جوازها على أن محل ذلك حيث لم يقصد المتوضئ بتمكينه غيره من الصب عليه تعلیمه، وإلا ندبت كما هو ظاهر. فهذا يحتمل أنه كان كذلك (وَعَلَيْهِ) الواو للحال (جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، ثُمَّ ذَهَبَ) استئناف، ويصح أن يكون حالاً من الضمير المجرور (يَخْسِرُ) أي: أراد الحسر؛ أي: كشف كميها (عَنْ ذِرَاعَيْهِ) لغسلهما (فَضَاقَ كُمُّ الْحُبَّةِ) فيه دليل على جواز لبس الإنسان غير زي أهل إقليمه؛ لأن تلك الجبة أهديت إليه من غير العرب، ولم تكن العرب تعتاد لبس مثلها. وقول الأئمة: إن ذلك يسقط المروءة، محله فيمن لم يلبسه لحاجة أو يقصد التأسي بالسلف والخلف - رضوان الله عليهم - في عدم التكلف والنظر إلى الهيئات والعادات، فإن ذلك أمر حدث فأناطوا به حكمه حيث لا حاجة ولا قصد للتأسي بمن ذکر. وفيه أيضًا أن الأصل فيما يجلب من بلاد المجوس ونحوهم من المتدينين بالنجاسة الطهارة كالجوخ، وإن اشتهر أنهم يعملونه بشحم الخنزير والجبن، وإن قيل: إنهم يجعلون فيه أنافخ الخنزير، وكذا كل ما غلبت فيه النجاسة الأصل فيه الطهارة. ويدل له ذلك أيضًا خبر أحمد: ((أن عمر أراد أن ينهي عن حلل الحيرة؛ لأنها تصبغ بالبول، فقال له أبي: ليس لك ذلك، قد لبسهن النبي ◌َل﴾ ولبسناهن معه). وفي رواية للخلال من وجه آخر: أن أُبيًا قال له: ((يا أمير المؤمنين، قد لبسها ٣٩٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني نبي الله، ورأى الله مكانها، لو علم الله أنها حرام لنهي عنها، فقال: صدقت). وروى الطبراني بسند جيد لكنه غريب: إنه * أُتيّ بجبنة في غزوة فقال له أين تصنع هذا؟ قال: بفارس؛ أي: أرض المجوس؛ إذ ذاك قال ◌َله: ((ضعوا فيها السكين وكلوا، فقيل: يا رسول الله، نخشى أن تكون ميتة، فقال: سموا الله عليه وكلوا)). وأخرج الترمذي: ((أنه ◌ّي أُهدي إليه خفان فلبسهما ولا يعلم أهما ذكي أم لا)). وفي حديث سلمان: ((النهي عن السؤال عن الجبن والسمن والفراء)) مع أنها کانت تجلب من بلاد المجوس، وذکر عند عمر الجبن. وقيل: إنه يضع فيه أنافح الميتة، فقال: ((سموا الله وكلوا). قال أحمد: أصح حديث في جبن المجوس هذا الحديث، وبقيت أدلة أخرى بينتها مع الجواب عما يعارض ذلك في شرح ((العباب)). (فَأَخْرَجَ يَدَيْهُ مِنْ تَحْتِ الْحُبَّةِ، وَأَلْقَى الْحُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ) فيه دليل على أنه كان تحتها إزار وقميص وإلا لظهرت العورة (وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ) أي: مع مرفقيه (ثُمَّ مَسحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ) فيه أن مسح الرأس في الوضوء لا يجب استيعابه ولا استيعاب ربعه؛ لأن الناصية دونه بكثير، فالاكتفاء بها يمنع القول باستيعاب الكل، والربع وادعاء القائل باستيعاب الكل أن المسح على العمامة يحتمل أنه كان لعذر كمرض أو برد، يرد بأن العذر لا يثبت بالاحتمال مع أن الأصل عدمه، فأخذنا بظاهر الخبر من الاكتفاء في المسح بأدنى جزء. (ثُمَّ أَهْوَيْت) أي: قصدت الهوى من القيام إلى القعود أو من الأهواء، وهو إمالة اليد إلى الشيء لأخذه (لِأَنْزِعَ خُقَّيْهِ) يؤخذ منه أنه لا بأس بتمكين الأستاذ لتلميذه من خدمته، وإن كان فيها ما تستقبحه النفس في العادة. (فَقَالَ: دَعْهُمَا فَإِنِّ أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ) وفي رواية صحيحة أيضًا: ((فإني أُدخلتهما وهما طاهرتان)) وهي أصرح فيما ذهب إليه الشافعي أنه يشترط لصحة المسح إدخالهما بعد تمام الطهارة من الحدثين بحيث لا يبقى لمعة من بدنه بلا طهارة، ووجه ٣٩٧ كتاب الطّهارة/ باب المسح على الخفين أصرحيتها صدق الأولى بإدخال كل بعد تطهيرها بخلاف الثانية؛ إذ الحال فيها من كل منهما، فالتقدير أدخلت كلّا في حال طهارتهما، ويؤيد الرواية الآتية إذا تطهر فلبس خفيه. (فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ رَكِبَ وَرَكِبْتُ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْمِ، وَقَدْ قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ) أي: صلاة الصبح (وَ) الحال أنه (يُصَلِّ يِهِمْ) إمامًا لهم (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيِّ ◌َِّ ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَاً إِلَيْهِ) أي: أشار له ألا يتأخر، ويتم صلاته إمامًا بهم. (فَأَدْرَكَ النَّبِيُّ ◌َِّ إِحْدَى الرَّكْعَتين مَعَهُ) أي: مقتديًا به، وحكمة عدم تقدمه * هنا مع تقدمه في قصة أبي بكر *ه بالمدينة لما جاء النبي وَلثر ووجده إمام فتأخر، وتقدم النبي قبل أن عبد الرحمن # هنا كان ركع ركعتين، فترك النبي ◌َّ القوم بخلاف قضية أبي بكر فإنه له جاء قبل أن يركع، نعم وقع لأبي بكر أنه مع الإشارة له بعدم التأخر تأخر، ولعبد الرحمن أنه لم يتأخر. فإما أن يقال: بنظير ذلك من أن عبد الرحمن يذكر أن تأخره يضر بالقوم فلم يفعله، وأبا بكر علم أنه لا ضرر في تأخره فتأخر. وإما أن يقال وهو الأحسن: إن أبا بكر فهم أن سلوك الأدب أولى من امتثال الأمر، بخلاف عبد الرحمن، فإنه فهم أن امتثال الأمر أولى، ولا شك أن الأول أكمل؛ لأن الكلام في أمر علم بالقرائن لرعاية حال المأمور دون الأمر، ففي الامتثال إبهام إخلال بكمال الأدب مع الأوامر، وإن كان في الامتثال أدب أي أدب، وفي إيثار الأدب إظهار رعاية حال الأمر، والإعراض عن حال المأمور بكل وجه، فكان هذا أولى وأكمل، فمن ثم ألهمه الأولى والأكمل وهو أبو بكر ته وكرم وجهه. (فَلَمَّا سَلَّمَ) عبد الرحمن (قَامَ الشَّبِيُّ ◌َِّ وَقُمْتُ مَعَهُ فَرَكَعْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي سَبَقَتْنَا) بسكون الفوقية وجدت قبل حضورنا، ويؤخذ منه ما قاله أئمتنا: إن المسبوق لا يجوز له القيام إلا بعد سلام الإمام، فإن قام قبله بلا نية مفارقة عمدًا عالما بطلت صلاته، أو ٣٩٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني جاهلاً أو ناسيًا لم يحسب جميع ما أتى به، فإذا علم أن يأتي بما بقي عليه [(رَوَاهُ مُسْلِمْ)] (١). (الفصل الثاني) ٥١٩ - [عَنْ أَبِ بَكْرَةَ ﴾ عَنِ النَّبِيِّ وَ أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةٍ أَيَّامِ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمُ وَلَيْلَةٌ إِذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُقَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا(٢). رَوَاهُ الْأَثْرَمُ فِي (سُنَّنِهِ) وَابْنِ خُزَيمَة وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ الْخَطَّابِ: هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ هَكَذَا فِي ((المنْتَقَى))]. (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﴾ عَنِ النَِّيِّ رَِّ أَنَّهُ رَخَّصَ) فيه دليل لما مرَّ أنه مسح الخف رخصة (لِلْمُسَافِرِ) أي: سفر قصير كما مرَّ (ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهنَّ، وَلِلْمُقِيمِ) أي: ومن ألحق به كما مر أيضًا (يَوْمُ وَلَيْلَةُ إِذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ) صريح؛ إذ العطف بالفاء يستدعي تأخر اللبس عن كمال الطهارة فيما مرَّ أنه يشترط لصحة المسح أن لا يدخل واحدة من رجليه، وفي بدنه لمعة بلا طهارة من الحدثين. (أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا) مفعول رخص، وثلاثة أيام وما بعده ظرف له (رَوَاهُ الْأَثْرَمُ فِي ((سُنَنِهِ)) وَابْنِ خُزَيْمَة وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ الخَطَّابِي: هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ هَكَذَا فِي (المنْتَقَى») وغيره. وقال غير الخطابي: إنه حسن الإسناد، وعلى كل منهما هو حجة فيما تقرر فيه أيضًا وهو حجة في أن مدة المسح مقدرة، وهو ما عليه عامة العلماء. وقال مالك وجماعة: لا يقدر بل يمسح كل من المسافر والمقيم ما شاء لخبر فيه، لكنهم اتفقوا أنه ضعيف مضطرب لا يحتج به، وقول عمر لمن مسح من الجمعة إلى الجمعة: أصبت السنة معارض بما صح عنه من التوقيف، فإما رجع إليه حين بلغه، (١) سقطت في الأصل، وهذا المثبت في المشكاة. (٢) أخرجه أحمد (٢٢٥١٣)، وابن ماجه (٥٩٩)، وابن حبان (١٥٤)، والبيهقي في ((سننه)) (١٣٨٨)، والدارقطني (٧٩٦)، والطبراني (٣٦٦٦). ٣٩٩ كتاب الطّهارة/ باب المسح على الخفين وإما أن قوله: بالتوقيت هو المعتمد؛ لأنه الموافق للسنة الصحيحة. ٥٢٠ - [وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفْرًا أَلَّا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ [إِلَّ مِنْ جَنَابَةٍ وَلَكِنْ)(١) مِنْ غَائِطِ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ]. (وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّه ◌َ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفْرًا) بالتنوين جمع سافر، وقيل: اسم جمع له؛ إذ لم ينطقوا به. وفي رواية: إذا كنا مسافرين أو سفرًا وهو شك من الراوي (أَلَّا نَنْزِعَ خِفَافَئًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَّهُنَّ [إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ وَلَكِنْ)) يؤخذ منه أن النزع والمراد به ظهور شيء من محله الفرض أو ما عليه كلفافة على الرجل يبطل المدة، ثم إن نزع وهو يظهر المسح لزمه على قدميه فقط. وفي قول: يتوضأ وعلى الأول يسن الوضوء خروجًا من الخلاف بأي نوع كان من أنواع الجنابة، أو حاضت المرأة أو نفست بطلت المدة، وإن غسل رجليه في الخف فيلزمه إذا أراد المسح بعد ذلك أن ينزع، ثم يجدد لبسًا على طهارة ثم يمسح عليها فوجوب النوع لصحة المسح لا لارتفاع الحدث وصحة الصلاة. وقول ابن الرفعة من أئمتنا دلالة في الخبر على ما تقرر مردود عليه، بل وهمه فيه الأسنوي، وفارق الحدث الأكبر الأصغر بأنه لا يتكررا لتكرره، فلا يشق النزع في الأكبر، وإنما استويا في المسح على الجبيرة مع أن فيها مسحًا على سائر كالخف؛ لأن الحاجة فيها أشد مفادها مخالفة ما قبلها ما بعدها نفيًا، وإثباتا محققًا أو مؤولاً، وحينئذ فالتقدير أمرنا رسول الله * إذا كنا سفرًا أن ننزع خفافنا من الجنابة في المدة المذكورة ولكن لا ننزعها فيها. (١) سقط من الأصل. (٢) أخرجه الترمذي (٩٦)، والنسائي (١٢٧)، وابن ماجه (٥١٦)، وأحمد (١٨٥٧٩)، وابن حبان (١٥٠)، والبيهقي في «سننه» (٥٨٨)، والحميدي (٩٢١). ٤٠٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني (مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ) وغيرها، وزعم بعضهم هذه الرواية؛ لأن ظاهرها ينافي قاعدة العطف لكن ليس في محله غاية ما فيه أنها تحتاج إلى تأويل حتى توافق تلك القاعدة، ومثل ذلك لا يقتضي الرد (رَوَاهُ النِّزْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيّ) وسنده حسن. ٥٢١ - [وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﴾ قَالَ: وَضَّأْتُ النَّبِيَّ نَّهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَمَسَحَ أَعْلَى الُْفِّ وَأَسْفَلَهُ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالتِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ مَعْلُولٌ، وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ وَمُحَمَّدًا - يَعْنِي: البُخَارِيّ - عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَا: لَيْسَ بِصَحِيحِ، وَكَذَا ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُد]. (وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﴾ قَالَ: وَضَّأْتُ النَّبِيَّ ◌َ﴿) أي: صببت الوضوء، بفتح أوله على يديه ◌َّهِ (فِي غَزْوَةٍ تَبُوكَ فَمَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ). وفي رواية ((مسح على خفيه خطوطًا من الماء). وفي رواية ((خطوطًا بالأصابع)) وكلها ضعيفة، وقول النهاية في بعضها صحيح غلط، وكذا تأييد الأسنوي لها، لكن يحتج بها لمذهبنا، فإن الأكمل عندنا في مسح الخف أن يمسح أعلاه وأسفله وعقبه وحرفه خطوطًا، وهذا من الفضائل وهي يعمل فيها بالحديث الضعيف والمرسل والمنقطع بالاتفاق. كما قاله النووي، وأبيَّن ابن عمر ذلك كما رواه البيهقي وغيره بما أخذ به الشافعي وأصحابه وغيره حيث قالوا: الأكمل في كيفيته أن يضع أصابع يده اليمنى مفرجة على مقدم ظهر الخف، وأصابع يده اليسرى على أسفل العقب، ثم يمرها فتنتهي أصابع اليمنى إلى آخر الساق، واليسرى إلى أطراف الأصابع من تحت (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثُ مَعْلُولٌ) هو ما فيه سبب خفي يقتضي رده، وقيل: ما وهم فيه ثقة برفع أو تغيير إسناد أو زيادة أو نقص يغير المعنى. (وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ وَمُحَمَّدًا - يَعْنِي: البُخَارِيّ - عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَا: لَيْسَ (١) أخرجه الترمذي (٩٧)، وأبو داود (١٦٥)، وابن ماجه (٥٩٣)، والدار قطني (٧٦٧)، والبيهقي في («سننه» (١٤٢٩)، والطبراني (١٧٣١٨).