النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ كتاب الطّهارة/ باب أحكام المياه في إناء منطبع، وهو ما يمتد تحت المطرقة من غير النقدين في قطر حار وقت الحر؛ أي: لا تستعملوه في أبدانكم قليلاً كان أو كثيرًا أو مثله كل مائع كما أفهم ذلك كله التعليل بقوله: (فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ) أي: طبًّا؛ لأن الشمس تجذبها بفضل منه زهومة تعلو الماء، فإذا لاقت البدن بسخونتها قبضت على مسام الشعر، ومنعت جريان الماء فيخشى منها البرص. وبيَّن هذا إمام المتأخرين من الأطباء الجامع بين الطب والفقه، وآلاتهما بأن الذي اقتضته القواعد الطبية أن المشمس بشروطه يورثه؛ لأن جوهر المنطبع مركب من الزئبق والكبريت، ومن شأن الشمس تصعيد الزئبق، فإذا كانت قوتها بحيث لا يعجز عن تصعيد قدر يعتد به، ولا تقوى على تحليل ما يصعده خالط المتصعد الماء، فإذا لاقى البشرة من خارج غاص في المسام، وأضعف القوة لما في الزئبق من السمية، فيحدث البرص ولا كذلك إذا ورد من داخل البدن؛ لأن الحرارة الباطنة لقوتها تحل تلك الأجزاء وتدفع مضرتها، وأما الذهب - أي: وألحقوا به الفضة - فامتزاجه شديدًا جدًّا، فلا تقوى الشمس على أن تصعد منه أحرار تبقيه إلا إذا كانت شديدة جدًا، وحينئذٍ يقوى على تحليل المتصعد من الماء. ثم فرق بين الشمس والنار بأن النار لقوتها تحلل المتصعد؛ أي: فلا يخشى من المسخن بها برص لفقد علته السابقة. وأجاب عن كون الأطباء المتقدمين لم يذكروا ذلك بأن حصول الشروط المذكورة نادر، ونقل كثيرًا جدًّا حدوث البرص عن هذا الماء خصوصًا، وهو من الأسباب الضعيفة، وإنما تؤثر عند شدة الاستعداد، وأجاب أيضًا عن كون ملابسة الزئبق نفسه لا تورث برصًا بأنه إذا لم تتصعد أجزاؤه، فلا ينفذ في المسام. (رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ) بإسناد صحيح، وله طريق آخر صحيح أيضًا عند جماعة وضعيف عند آخرين، ولا نظير إليه اكتفاء بالطريق الأول، ولم ينقل عن أحد من الصحابة - رضوان الله عليهم - مخالفة عمر في ذلك، فكان كالإجماع ثم الظاهر، كما ٣٦٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني قاله جماعة: إنه ﴾ قال ذلك توفيقًا؛ إذ لا مجال للاجتهاد فيه. ويؤيده خبر الدارقطني وأبي نعيم عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: سخنت للنبي ◌ّ ما في الشمس، فقال: ((لا تفعلي فإنه يورث البرص)) وهو وإن كان ضعيفًا لكن يتأيد به ما مرَّ عن عمر؛ لأنه ليس بموضوع، وبما تقرر من أن الحق أنه يورث البرص، وأن ذلك صحَّ عن عمر، وأنه تأيد بما ذكر وبالحديث الصحيح: (دع ما یریبك إلى ما لا یریبك». ولا شك أن استعمال المشمس مريب، اتضح ما ذهب إليه الشافعي ضه من كراهة استعمال المشمس بالشروط المذكورة في البدن مادامت حرارته موجودة، وإن خالف أكثر العلماء في ذلك، ومنهم الأئمة الثلاثة، واختاره جماعة من أئمتنا، واندفع قول من قال: ((لم يثبت عن الأطباء فيه شيء)) وأثر عمر ضعيف، فثبت أنه لا أصل لكراهته. انتهى. (باب تطهير النجاسات) جمع: نجاسة، وهي لغةً: المستقذر حسًّا أو معنى كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسَّ﴾ [التوبة: ٢٨]. وشرعًا: مستقذر يمنع صحة الصلاة حيث لا مرخص، فهي كما يطلق على كل من الآتي بعضها، يطلق أيضًا على معنى يوصف به المحل الذي لاقته عين منها مع رطوبة في أحد الجانبين، وبهذا الاعتبار يعرف بأنها صفة حكمية يوجب؛ أي: تصحيح لموصوفها المنع من الصلاة به أو فيها. وبالاعتبار الأول عرَّفوها بأنها كل عين حرام تناولها على الإطلاق مع إمكان التناول لا لحرمتها، أو استقدارها أو ضررها في نحو بدن أو عقل في حالة الاختيار مع سهولة التمييز، وفي هذا الحد أبحاث طويلة الذيل بينتها مع ما فيها في ((شرح العباب)). (الفصل الأول) ٤٩٠ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيْهِ: إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ (١). مُتَفَقُّ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لمُسْلِمِ قَالَ: ظُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ(٢)]. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ: إِذَا شَرِبَ) ضمنه معنى (ولغ)) فعداه تعديته (الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، مُتَّفَقُ عَلَيْهِ). (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: ظُهُورُ) بضم أوله ويجوز فتحه (إِنَاءٍ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ (١) أخرجه مالك (٦٥)، والبخاري (١٧٠)، ومسلم (٢٧٩)، والنسائي (٦٣)، وابن ماجه (٣٦٤)، والشافعي (٧/١)، وأحمد (٩٩٣١)، وابن الجارود (٥٠)، وأبو عوانة (٥٣٦)، والبيهقي (١٠٧٦). (٢) أخرجه مسلم (٢٧٩)، وأبو داود (٧١)، وعبد الرزاق (٣٢٩)، وابن أبي شيبة (١٨٣٠)، وأحمد (٩٥٠٧). ٣٦٣٠ ٠ ٣٦٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني الْكَلْبُ) أي: شرب منه لسانه، وهو ظرف لظهور المبتدأ، وخبره: (أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُوْلَاهُنَّ بِالتُّرَابِ). وفي رواية صحيحة: ((أولاهن أو أخراهن بالتراب)) و((أو)) فيها للشك كما بيَّنه البيهقي وغیره. وفي أخرى صحيحة أيضًا: ((وعفروه الثامنة بالتراب)» وأخذ بظاهرها أحمد وغيره. ومعناها عندنا: أن يصاحب التراب السابعة، لرواية: ((السابعة بالتراب)) المعارضة لرواية: ((أولاهن بالتراب)(١) في محله، فيتساقطان في تعيين محله، ويكفي في واحدة من السبع كما في رواية: ((إحداهن بالبطحاء)) وهي صحيحة أيضًا على ما ذكره النووي في بعض كتبه، لكنه بيَّن في محل آخر أن في سندها ضعيفًا ومجهولاً ويفرض صحتها، فإنما لم يحمل المطلق على المقيد؛ لأنه إذا قيد بقيدين متنافيين سقطًا؛ إذ لا يمكن إعمالهما وإعمال أحدهما تحكم. وأيضًا فشرط حمل المطلق على المقيد ظهور معنى المقيد، وتخصيص التراب بواحدة من السبع، لا يظهر له معنى على أن ما هنا ليس من المطلق والمقيد؛ لأن إحداهن عام إذ هو مفرد مضاف. وذكر أولاهن أو السابعة من باب ذكر بعض أفراد العام، وهو لا يخصه كذا كله بتسليم التعارض، وإلا ففي الحقيقة لا تعارض؛ لإمكان الجمع بحمل رواية ((أولاهن)) على الأكمل؛ إذ الأولى أحب من غيرها اتفاقًا، بل غير الأخيرة أحب منها؛ لأن في سبق التقريب على الأخيرة تخفيفًا في رشاش ما بعده مرة التتريب. وحمل رواية ((السابعة)) على الجواز، ورواية: ((إحداهن على الآخر)) أو نازع جمع في هذا بما بينت، ثم هذه الأحاديث مصرحة بنجاسة الكلب، ولو معلمًا لما فيها من الأمر - (١) تقدم تخريجه. ٣٦٥ كتاب الطّهارة/ باب تطهير النجاسات بالتطهير من ولوغه سبعًا إحداهن بالتراب. ومرت رواية مسلم المصرحة بالأمر بإراقة ما ولغ فيه، ورواية غيره المومئة إلى نجاسته وطهارة الهرة، ووجه دلالة الأول على نجاسته أن الطهارة إما لتكرمة أو حدث أو جنب، والأولان منتفيان هنا فتعين الثالث، ووجه دلالة الثاني أنه لو لم يكن نجسًا لما أمرنا بإراقته لنهيه عن إضافة المال. ودعوى التعبد في ذلك يردها أن الأصل في الأحكام أنها معقولة المعنى، هذا إن لم يظهر لها معنى، فكيف وله معنى ظاهر كما يأتي؟ وإذا ثبت نجاسة فمه وهو أطيب أجزائه، بل هو أطيب الحيوانات نكهة لكثرة ما يلهث، فبقيتها أولى وقسنا به فرعه مع مثله أو طاهر تغليبًا للنجاسة ولتولده منها، والفرع يتبع أخس أبويه فيها كتحريم الأكل والذبيحة والمناكحة وامتناع التضحية ونحو ذلك، والخنزير؛ لأنه أسوء حالاً من الكلب؛ إذ لا يُقتنى ولا ينتفع به بحال؛ أي: مع قبوله كذلك بل واعتياده فيه وبه فارق الحشرات وبولوغه غيره كعرقه وسائر أجزائه وفضلاته، والمتنجس بشيء من ذلك فيجب السبع والتتريب في الكل، وحكمة ذلك التنفير عن مخالطة الكلاب التي كانت الجاهلية تتقاناها وتتفاخر بها. وأمَّا خبر: «كانت الكلاب تبول، وتقبل وتدبر في المسجد في زمن النبي ◌َّ فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك)»(١) فجوابه: إن في المسجد يحتمل تعلقه بتبول، وبما بعده فقط فلم يكن صريحًا في مذهب الخصم، وبتسليم أنه عائد للجميع كما هو القاعدة، فيحتمل أن عدم الرش إنما هو لخفاء محل بوله، وعلى التنزل فهذا كان قبل الأمر بقتلها، وعلى التنزل فعدم الرش لا يستلزم الطهارة، بل العفو فلا دليل فيه للقائل بالطهارة. واحتج أبو حنيفة عه لمذهبه من الاكتفاء بثلاث برواية: ((غسله ثلاثًا أو خمسًا (١) تقدم تخريجه. ٣٦٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني أو سبعًا))(١) وهي ضعيفة اتفاقًا، وكذلك نقل الحنفية عن أبي هريرة أنه مع روايته للسبع أفتى بالثلاث، فإنه لم يصح عنه ذلك كما بيَّنه الحفاظ الدارقطني والبيهقي وغيرهما. واختلف أصحابنا في أن التسبيع مع الترتيب وجبا تبعدًا أو استظهارًا للجمع بين نوع طهور، وهذا هو الأصح ويكفيان، وإن تعدد الوالغ والولوغ وصحبه نجاسة أخرى؛ لاندراج الأصغر في الأكبر، وأفادت تلك الأحاديث أنه لا بد من مزج واحدة بتراب طاهر يصلح للتيمم به ولو بالقوة كالطين الرطب، والمراد بالمزج المذكور أن يكون قدرًا يكون الماء، ويصل بواسطته إلى جميع أجزاء محل النجاسة سواء سبق وضع التراب على محل الماء. وإن كان رطبًا؛ لأن الطهور الوارد لا ينجس بملاقاة النجاسة أو عكسه، أو من جاء قبل في إناءٍ ثم وضعا عليه، وهذا أولى خروجًا من الخلاف فلا يقوم غير التراب من نحو: أشنان، وسدر، وصابون - مقامه، وإن أفسد التراب الثوب؛ لأن القصد الجمع بين نوع طهور وغير التراب ليس مثله في ذلك، وإن كان أبلغ منه في النظافة. نعم التراب إذا تنجس بمغلظ لا يجب تتريبه؛ لأنه لا معنى لتتريبه، ويكفي اتفاقًا مرورًا سبع جزيات من ماءٍ كدر كالنيل أيام زيادته، وغمسه في راكد کثیر مع تحريكه سبعًا مع تحريكه، ولو كانت المغلظة عينية، فزالت بغسلات حسبت كلها واحدة. ومن أكل لحم كلب كفاه الاستنجاء بالماء وبالحجر؛ لزوال حكم المغلظ هنا باستحالته؛ إذ محل التخوف رد التخفيف فیه رخصة. ٤٩١ - [وَعَنهُ قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيُّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﴿: دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ (١) لم أقف عليه. ٣٦٧ كتاب الطّهارة/ باب تطهير النجاسات تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ (١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (وَعَنْهُ قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيُّ) وهو ذو الخويصرة اليمنى (فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ) بألسنتهم سبًّا وشتمًا (فَقَالَ لَهُمُ السَِّيُّ وَلَّ: دَعُوهُ) أي: لأنه جاهل بحرمة تنجس المسجد، معذور بجهله؛ لقرب إسلامه فبعده عنه وليه. (وَهَرِيقُوا) أي: صبوا، أمر من إهراق يهريق بسكون الهاء إهراقًا نحو إِسطاعًا، وأصله: أراق أبدلت همزته هاء، ثم جعلت عوضًا عن ذهاب حركة عينه، فصارت كأنها من نفس الكلمة، ثم أدخل عليه الهمزة (عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً) مذكر، وهو الدلو قلَّ الماء فيه أو كثر (مِنْ مَاءٍ، أَوْ) إِمَّا للشك من الراوي، أو للتخيير منه وَّ لهم (ذَنُوبًا) يذكر ويؤنث وهو الدلو الممتلئة ماء، أو القريبة من ملئه. فقوله: (مِنْ مَاءٍ) تأكيد، ثم علل زجره إياهم عن شبه المقتضي لتنفيره، وتنفیر غيره؛ لأنه لما لم يصدر منه في الحقيقة ما يقتضيه بقوله: (فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ) خاطبهم بما هو من أوصافه الخاصة به، بعثًا لهم على المبالغة في التأسي بخلقه العظيم، ورأفته البالغة لا سيما بالجاهل أعلى مراتب اللين والعطف والتعليم والتفهيم، وتشريفًا لهم بأنهم لما صدقوا في الاقتداء بهديه صاروا متنوعين كما ورد: ((الناس تبع لكم))(٢). ثم عطف على هذا على طريقة الطرد، والعكس ما يزيده تقررًا وبيانًا وإيضاحًا وبرهانًا فقال: (وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ) إذ الأمر فينا على السهولة واليسر قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجَ﴾ [الحج: ٧٨] إذ ما من ضيق إلا وجعل الله منه فرجًا ومخرجًا، كما لا يخفى على من عرف الشرائع ودرب الأحكام والوقائع (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). وفيه دلالات لمذهبنا: منها: تعين الماء في غسل الخبيث كالحدث؛ إذ لو رفعهما غيره لم يجب تيمم (١) أخرجه البخاري (٢٢٠)، والنسائي (٥٦)، وأحمد (٨٠١٧)، والبيهقي في ((سننه)) (٤٤١٠). (٢) أخرجه تمام (١٤٧)، وابن عساكر (١٠٤/٣٧). ٣٦٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني لفقده ولا غسل البول به ولغاية الامتنان في: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لٌيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]. فإن قلت: الماء اسم لذات فيكون لقبًا، وتقييد الأمر به لا يدل على نفي الحكم عما عداه؛ لأنه لا مفهوم له فلا دلالة في الحديث على عدم جواز إزالة النجاسة بغير الماء. قلت: بل فيه دلالة؛ أي: دلالة؛ لأن الجار والمجرور له مفهوم، فنحن إنما أخذنا بمفهوم ما، وشتان ما بينهما. وأيضًا فنحن أجمعنا في الحديث على أنه لا يزيله إلا الماء، فالخبث مثله في ذلك؛ إذ لا فارق بينهما يعتد به، وحينئذ فهذا الاختصاص إن كان تعبدًا فواضح أنه لا يلحق به غيره، وإن كان معقول المعنى فسببه جمع اللطافة وعدم التركيب اللذين لا يوجدان في غيره. وإذا اختص بذلك من بين سائر المائعات، فكيف يقاس به بعضها في حدث أو خبث؟ على أن لك أن تقول: إن محل عدم دلالة اللقب على نفي الحكم عمَّا عداه ما لم تقم قرينة على الاختصاص، وهنا قامت عليه قرينة، بل قرائن تعلم ما قررته. فإن قلت: صرح الغزالي في ((المتحول)) بأن استدلالهم بهذا الخبر غير صحيح؛ لأن الغرض قطعًا من تخصيص الماء، ما اختص به الماء من عموم الموجود، والمقصود من الحديث الابتدار إلى تطهير المسجد، لا بيان ما تزال به النجاسة. قلت: قطعه بما ذكر ممنوع، بل الغرض من ذكره ما فيه من الرقة المقتضية لمنع قياس غيره عليه كما تقرر، ولا يضر في ذلك أن فيه أيضًا عموم الوجود؛ لأن ما قلناه: أفضى إلى الغرض في إزالة النجاسة مما قاله فكان اعتباره أولى، وقوله: القصد إلى آخره ممنوع، وما المانع من أن القصد كلا الأمرين. ومنها: إن الماء القليل إذا أريد تطهير بماء قليل، وفيه من المشقة لا يخفى ٣٦٩ كتاب الطّهارة/ باب تطهير النجاسات بخلاف ما إذا كان مورودًا، فإنه ينجس بمجرد ملاقاته لها على الأصل؛ إذ لا مخرج له عنه، أمَّا الكثير وهو قلتان فلا فرق بين كونه واردًا أو مورودًا. ومنها: طهارة غسالة النجاسة إذا زالت أوصافها أو بقي لون عسر أو ريح عسر ولم يتغير ولا زاد وزنها، وإلا لكان في الأمر بالصب هنا زيادة تنجيس المسجد بزيادة النجاسة فيه. ومنها: إن النجاسة تطهر بمجرد صب الماء، بخلاف ما لو بقيت عينها، فإن الماء يزيدها حينئذ ولا يزيلها، ومن ثم وجب على مطهر نجاسة من أرض مسجد بقيت عينها ألَّا يصب الماء عليها إلا بعد أن يزيل عينها. فعلم أن النجاسة: إمَّا حكمية: وهي التي لا تدرك عينها بالبصر، ولا وصفها بالشم والذوق. وإمّا عينية: وهي ما تدرك بذلك. وإن الحكمية يُكتفى بجري الماء مرة بحيث يغلب على الظن أنه أزالها، والعينية لا بد من محاولة إزالة أوصافها الثلاثة: الطعم، واللون، والريح، نعم يُعفى عما يعسر زواله من اللون أو الريح لا منهما جميعًا في محل واحد ولا من اللون؛ لأنه أدل على بقاء النجاسة منهما مع عدم تعسر إزالته غالبًا بخلافها، ولو توقفت إزالتهما على نحو حث أو قرض أو صابون وجب ذلك، وإلا سن استطهارًا. ومنها: إنه لا يجب تثلیث ولا جفاف ولا عصر، لکن یسن ذلك كله خروجًا من خلاف من أوجبه، والمراد بالتثليث: غسلتان بعد طهارة المحل سواء المغلظة، وهي نجاسة الكلب ونحوه، والمخففة وهي بول الصبي الآتي، والمتوسطة وهي ما عداهما من سائر النجاسات. وعن أحمد ﴾ رواية: ((غسل النجاسات كلها سبع مرات كالمغلظة))(١) وظاهر (١) لم أقف عليه. ٣٧٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني كلام أصحابنا، أنه لا يسن الخروج من خلاف هذه الرواية؛ لضعف تدركها جدًّا بمخالفها للحديث السابق. وفيه: إن غسل البول كان سبع مرات، وإنه وقلقه لم يزل يسأل حتى صار مرة، ولإطلاق الأحاديث الصحيحة المشهورة كحديث الباب وغيرها مما يأتي نعم في ((المجموع)) و((الجواهر)) أن لنا وجهًا أنه يشترط كون الماء المصبوب سبعة أمثال البول ووجهًا، أنه يشترط في بول كل رجل ذنوب، وأن النصين الموهمين لهذين محمولان على ما إذا لم يحصل المكاثرة إلا بذلك أو على الاستحباب والاحتياط. انتهى. وهو صريح في رعاية خلاف هذين، وهو متجه في الأرض؛ لأن الحديث الذي الكلام فيه قد يدل لذلك لا فيما عدا الثوب؛ إذ لا دليل عليه إلا القياس، وهو واضح الفساد، ومن ثم قال في ((المجموع)): عقب الوجه الأول وليس بشيء. ومنها: إن النجاسة إذا أصابت الأرض لا تطهر بجفاف من شمس أو غيرها، وعلى أنه لا يجب نقل ولا حفر خلافًا لما نقل عن أبي حنيفة عظه. ٤٩٢ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ إِذْ جَاءَهُ أَعْرَابِيُّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِوَِّ: مَهْ مَةْ، فَقَالَ رَسُولُ الله وَلَه: لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ، فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ دَعَاهُ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَالْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ الله وَكَ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ. قَالَ: وَأَمَرَ رَجُلاً مِنَ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: بَيْنَا) أصله بين، ومر الكلام عليه أول الكتاب (َحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ إِذْ جَاءَهُ أَعْرَابِيُّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله وَ لهُ: مَهْ) اسم فعل؛ بمعنى: اكفف، وكرروا زجره. (١) أخرجه البخاري (٥٦٧٩)، ومسلم (٢٨٤)، والنسائي (٥٣)، وأحمد (١٣٣٩٢)، وابن ماجه (٥٧١)، والبيهقي في ((سننه)) (٤٤٠٨)، وعبد بن حميد (١٣٨١). ٣٧١ كتاب الطّهارة/ باب تطهير النجاسات فقالوا: (مَوْ) مرة ثانية لعظيم ما وهمهم من فعل ذلك الأعرابي المنافي لما وقر في قلوبهم من تعظيم المسجد، ووجوب صونه عن كل قذر ولو طاهرًا، فكيف النجس؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّرَ: لَا تُزْرِمُوهُ) بفوقية فزاي فراء مكسورة؛ أي: لا تقطعوا عليه بوله، فإنه يضر أو ينشر النجاسة في المسجد بعد أن كانت بمحل منه (دَعُوهُ، فَتَرَّكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ دَعَاهُ) ليعلمه ما يجب للمساجد على أبلغ وجه وألطفه. (فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ) عدل لذلك عن أن هذا المسجد لئلا يتوهم تخصیص الحكم بمسجده ◌َليم، وجيء باسم الإشارة مع حضور المشار إليه وعدم اللبس فيه، للدلالة على تفخيم المشار إليه وتعظيمه ليكون كالوصف المناسب المشعر بنزاهتها عما لا يليق بالتعظيم، وصونها عن الأقذار والأنجاس. (لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَالْقَذَرِ) من عطف العام لإفادته أنه لا فرق في تحريم تقذيرها بين أن يكون بنجس أو طاهر مستقذر بخلاف ما لا تقدير فيه، فإنه لا يمنع فعله عليها كما يأتي ذلك في مبحثها بعد الأذان، وجيء باسم الإشارة هنا للتحقير عكس الأول. (إِنَّمَا هِيَ) موضوعة شرعًا وعرفًا (لِذِكْرِ الله وَكَ وَالصَّلَاةِ وَفِرَاءَةِ الْقُرْآنِ) صرح بها مع دخولها في ذكر الله إشارة لشرفها وتعظيمها (أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ وَةَ) كان أنس شك في أن ما ساقه، هل هو لفظ النبوة أو معناه؟ فاحتاط، وقال: ذلك على عادة الصحابة - رضوان الله عليهم - في رعاية ألفاظه وليه وعدم الخروج عنها ولو إلى مرادفها، وإن جاز ذلك مبالغة في اتباعه ◌َّله: (قَالَ) أنس: (وَأَمَرَ) رسول الله وَّةِ (رَجُلاً مِنَ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ) بالمهملة؛ أي: صبه (عَليهِ) من غير تفريق، فإن فرق قيل: شنه بالمعجمة (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ٤٩٣ - [وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَتْ: سَأَلَتِ امْرَأَةً رَسُولَ اللهِ وَِّ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَّأَيْتَ إِحْدَانَا إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنَ الْخَيْضَةِ ٣٧٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني كَيْفَ تَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: (إِذَا أَصَابَ)(١) تَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الْخَيْضَةِ فَلْتَقْرُصْهُ، ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءِ، ثُمَّ لِتُصَلِّ فِيهِ(٢). مُتَفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتٍ أَبِي بَكْرٍ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَتْ: سَأَلَتِ امْرَأَةُ رَسُولَ الله وَهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِحْدَانًا إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنَ الْخَيْضَةِ) بالكسر للاسم من الحيض، والحالة التي تلتزمها الحائض من نحو ترك الصلاة، وبالفتح اسم للمرة الواحدة من نوب الحيض (كَيْفَ تَصْنَعُ؟) أي: أخبرني في كيفية صنعها في تطهيره. (فَقَّالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِذَا أَصَابَ تَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الْخَيْضَةِ) ذكر الثوب ليس للتقييد، بل لموافقة الواقع فلا يتقيد الحكم به، بل يجري في كل متنجس (فَلْتَقْرُصْهُ) بالمهملة؛ أي: تدلكه بأطراف أصابعها وأظفارها مع صب الماء عليه حتى يذهب أثره، وهو أبلغ في غسل الدم، وفيه خبر: ((حتيه ثم اقرصيه)»(٣) أوضح دليل خلافًا لجمع؛ للمعتمد عندنا أن كل نجس توقفت إزالة لونه أو طعمه أو ريحه على حت بالمثناة، وهو الحك بنحو عود أو قرض أو أشنان أو صابون، وجب ما توقف عليه حتى لو توقف على ذلك كله وجب؛ إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويستثنى من وجوب القرض وما في معناه الذي أفهمه فلتقرضه. وفي رواية: ((تحته ثم تقرضه بالماء)(٤) ما لو عسرت إزالة اللون أو الريح بشيء مما مرَّ، فإن المحل يطهر مع بقاء أحدهما، وإن كان من مغلظ لا هما في محل واحد ولا الطعم كما مرَّ لقوله ◌َ ل﴿ لمن سأله عن بقاء الأثر: ((الماء يكفيك ولا يضرك أثره) وهو (١) سقطت في الأصل، وهذا المثبت في المشكاة. (٢) أخرجه البخاري (٣٠١)، ومسلم (٢٩١)، وأبو داود (٣٦١)، ومالك (١٣٤)، والشافعي (٨/١)، والطبراني (٢٨٦). (٣) أخرجه أبو داود (٣٦٢)، والترمذي (١٣٨)، والنسائي (٢٩٢)، والبيهقي (٣٧). (٤) أخرجه الطبراني (١٩٧٧٢). ٣٧٣ كتاب الطّهارة/ باب تطهير النجاسات وإن كان ضعيفًا، لكنه اعتضد بخبر جماعة أنه وسيلة سألته امرأة عن دم الحيض تغسله فیبقی أثره. فقال: ((يكفيك ولا يضرك أثره)(١) وإنما استثنوا الطعم من ذلك؛ لأنه يجوز أن يستنبط من النص معنى تخصيصه، وهو هنا ما مرَّ من أنه أدل على بقاء النجاسة مع عدم عسر إزالته بخلاف الأخيرين، ويؤخذ من القاعدة الأصولية أن الأمر لا يقتضي فورًا أنه لا يجب إزالة النجاسة على الفور، بل يسن ومحله إن لم يتعد؛ وإلا بأن لطخ بها بدنه بلا حاجة، وهو مكلف لزمه الفور خروجًا من المعصية. قال الزركشي: ويلزمه في المغلظة أيضًا وإن لم يتعد بها، وفيه نظر الأوجه خلافه قاله ابن العماد، ويجب أيضًا فيما لو تعدى بتنجس ثوب غيره، أو خرجت نجاسة من الميت لوجوب المبادرة بدفنه أو ضاق الوقت أو رأى نجاسة في المسجد؛ أي: فليلزمه المبادرة لإزالتها؛ لأنها صارت فرض عين عليه. (ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ) أصل النضح الرش كما يأتي، وقد يستعمل في الغسل، وهو سيلان الماء على المحل بعد صبه عليه، وهو المراد هنا (بِمَاءٍ) فيه دليل لما مرَّ آنفًا من تعين الماء في غسل النجاسة، وأنه لا يقوم غيره مقامه؛ لأنه إذا ثبت ذلك في دم الحيض لزم طرده في كل نجاسة لم يعف عنها أو يعفى عنها وأريد غسلها؛ إذ لا قائل بالفرق بين دم الحيض وغيره (ثُمَّ لِتُصَلِّ فِيهِ مُتَّفَقُ عَلَيْهِ). ٤٩٤ - [وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ﴾ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ، فَقَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ تَوْبِ رَسُولِ اللهِ﴿ فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَثَرُ الْغَسْلِ فِي ثَوْبِهِ(٢). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارِ ﴾ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْمَنِيِّ يُصِيبُ القَوْبَ) أيجب غسله أو لا (فَقَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ تَوْبٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَثَرُ (١) أخرجه أحمد (٨٧٥٢)، والبيهقي (٣٩٢٠). (٢) أخرجه البخاري (٢٣٠)، والبيهقي في ((سننه)) (٤٣٥١). ٣٧٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني الْغَسْلِ فِي ثَوْبِهِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وغسلها له محمول عندنا على الاحتياط لطهارته عندنا من كل حيوان طاهر، ما يصرح به قولها أيضًا عند ابن خزيمة وابن حبان في ((صحیحە)). وكان النووي لم يره حيث قال: إنه غريب، كنت أفرك المني من ثوب رسول الله وَّر وهو يصلي فيه، فإن قلت: يحتمل أنه كان تأسيًا له، قلت: لا نظر لذلك مع قولها: كنت الدال عرفًا أو وضعًا على الخلاف فيه على تكرر ذلك ودوامه أيضًا، فلو كان نجسًا لنبه عليه * كما نبه على قذر نعليه، وهو في الصلاة كما يأتي؛ إذ لا يقر دليل على صلاة بنجاسة. ٤٩٥ - [وَعَنِ الأَسْوَدِ وَهِشَامِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ رَوَاهُ مُسْلِمْ (١)]. (وَعَنِ الأَسْوَدِ وَهِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبٍ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ رَوَاهُ مُسْلِمْ). ٤٩٦ - [وَفِي رِوَايَة عَلْقَمَة وَالأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوِهِ، وَفِيهِ ثُمَّ يُصَلِّ فِیهِ]. (وَفِي رِوَايَة عَلْقَمَة وَالأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ تَحْوِ، وَفِيهِ ثُمَّ يُصَلِّ فِيهِ) وفي رواية أخرى لمسلم: ((فيصلي فيه)) ومن هذه الأحاديث أخذ أئمتنا أنه يسن غسل المني خروجًا من خلاف من نجسه أخذًا بظاهر غسلها له. وقال غير واحد منهم: يسن غسله بماءٍ رطبًا وفركه يابسًا لحديث به رَوَاهُ أَحْمَدُ، وهو ظاهر ولا نظر لعدم إجزاء الفرك عند بعض المخالفين لمعارضته لسنة صحيحة، فلا یسن الخروج من خلافه. وقول عائشة كما في ((مسلم)) لمن أصابه شيء فغسل ثوبه كله: ((إِنَّمَا كَانَ يُجْزِئُكَ إِنْ رَأَيْتَهُ أَنْ تَغْسِلَ مَكَانَهُ)) محمول على الاستحباب؛ لأنها احتجت عليه بقولها: (لَقَدْ (١) أخرجه أبو داود (٣٧٢)، وأحمد (٢٥٦٧٨)، والدارقطني (٤٥٩)، والبيهقي في ((سننه)) (٤٣٤١). ٣٧٥ كتاب الطّهارة/ باب تطهير النجاسات رَأَيْتُنِي أَفْرُكُهُ)) ولو وجب الغسل لكانت الحجة عليها؛ إذ النجس لا يكفي فركه كالدم، نعم نقل عن الحنفية أنهم يقولون بإجزاء فركه يابسًا ووجوب غسله رطبًا، والحجة عليهم في فركها له أثناء الصلاة، وهو لا يكون إلا في ما يسن، فشروعه في الصلاة فيه يابسًا صريح في طهارته قبل الفرك. تنبيه: الاستدلال بذلك مبني على نجاسة فضلاته 0* القائل بها معظم أئمتنا ومخالفوهم، إما على ما اختاره كثيرون من طهارتها فلا دليل في ذلك من حيث إن الغالب، بل المطرد في منيه أنه من جماع فيغلب اختلاطه بمني أهله، واحتمال أنه من احتلام بناء على جوازه على الانقياد؛ إذا كان ناسيًا لا عن رؤية جماع؛ إذ هذا هو الذي من الشيطان كما قاله جمع لا يؤثر؛ لأنه بفرض تسليم وقعه نادر جدًّا، ومحل طهارة المني حيث غسل محل خروجه بماء، وإلا صار متنجسًا لملاقاته النجاسة في الظاهر بخلاف ملاقاة لها في الباطن، بناء على اتحاد مجراهما وإلا فقد قيل باختلافه كما شوهد في بعض من شق ذكره؛ لأن الملاقاة في الباطن لا تؤثر إلا إن اتصل بها شيء في الظاهر. ٤٩٧ - [وَعَنْ أُمِّ قَيْسِ بِنْتِ مِحْصَنٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّهَا أَتَتْ بِبْنِ [لَهَا](١) صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ الله ◌َّةِ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّهَا أَتَتْ بِبْنِ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ) أي: الذي يقصد به التغذي من غير اللبن (إِلَى رَسُولِ اللهِهِ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ الله ◌َِهُ فِي حِجْرِهِ) بفتح أوله وكسره (فَبّالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ) واستفيد من قولها بـ(ابن)) أن الأنثى يغسل من بولها مطلقًا، (١) سقطت في الأصل، وهذا المثبت في المشكاة. (٢) أخرجه مالك (١٤١)، والبخاري (٢٢٣)، وأبو داود (٣٧٤)، والنسائي (٣٠٤)، والبيهقي (٤٣٢٠)، والطبراني (٢٠٩٤٥). ٣٧٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني وسيأتي حكمته ومن قولها: ((صغيرًا لم يأكل الطعام)) أنه متى فات قيد الصغر وجب الغسل وفواته ببلوغ الصبي سنتین. قال الشافعي : لأن الرضاع حينئذ بمنزلة أكل الطعام، وأنه متى أكل الطعام وجب الغسل أيضًا، والمراد أن يدخل جوفه شيء غير اللبن الذي بزأمه أو نحو شاة؟ لأجل التغذي سواء استغنى به عن اللبن أم لا على المعتمد بخلافه لأجل سنة التحنيك أو لأجل التبرك أو الدواء والإصلاح، وبخلاف اللبن من أمه أو غيرها ولو نجسًا، فإنه لا يمنع إجزاء الرش، ومن قولها: ((فبال)) اختصاص رخصة إجزاء الرش بالبول؛ لأنه الذي يعم الابتلاء به بخلاف الغائط ونحوه. فإن قلت: والقيء يعم الابتلاء به أيضًا، قلت: ممنوع بل هو أندر من التغوط كما لا يخفى، ومن قولها: ((ولم يغسله)) إن النضح قد يطلق على الغسل، وذلك غير مراد هنا، وعلى ما يغاير الغسل وهو المراد هنا كما يأتي، ومن قولها: (فنضحه)) أنه نجس، ولكن رخص في تطهيره بالاكتفاء فيه بالنضح؛ لكثرة ابتلاء الناس بحمل الصبيان، ومن زعم أنه طاهر أو أن للشافعي قولاً بذلك فقد غلط غلطًا فاحشًا، وفي الحديث دليل على ندب حمل الأطفال إلى أهل الخير والصلاح لغرض التحنيك، وغيره لتعود عليهم بركته، وفيه ندب الأكابر إلى حسن المعاشرة وغاية التواضع والتلطف واللين والرفق بالصغار وغيرهم. ٤٩٨ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللهُ عَنهُمَا - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله وَّ يَقُولُ: إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ(١). رَوَاهُ مُسْلِمْ]. (وَعَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌َِهُ يَقُولُ: إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ) أي: الجلد، قيل: سُمي به؛ لأنه أهبة للحي، وكذا إذا اندفع، وإنما عبَّر بالأول؛ لأنه الغالب وإلا فزوال النجاسة لا يشترط له نية على الأصح، ولا فعل (١) أخرجه مالك (١٠٦٨)، ومسلم (٨٣٨)، وأبو داود (٤١٢٥)، والدارقطني (١١٧)، والبيهقي في ((سننه)) (٦٦). ٣٧٧ كتاب الطّهارة/ باب تطهير النجاسات اتفاقًا (فَقَدْ طَهُرَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ). ٤٩٩ - [وَعَنهُ قَالَ: تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ فَمَاتَتْ، فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ الله فَقَالَ: هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ، قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: إِنَّمَا حَرُّمَ وَسـ أَكْلُهَا(١)]. (وَعَنْهُ قَالَ: تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ فَمَاتَتْ، فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ الله ◌ِ فَقَالَ: هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ، قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: إِنَّمَا حَرُمٌ) بفتح فضم أو بضم فكسر مع التشديد من الميتة (أَكْلُهَا) دون سائر الانتقاعات بها أو بشيء من أجزائها كالجلد والسن والشعر. ومن ثم جاز الإيقاد بعظمها والانتفاع بعظم الفيل، وهو العاج، لكن في غير رطب وقليل ما، وجوز بعضهم التجارة فيه تمسكًا بأنه هلي قال لثوبان: ((اشتر لفاطمة سوارين من عاج)) وأجاب عنه الأكثرون بأن المراد به هنا الذيل، وهو عظم السلحفاة البحرية متفق عليه. ٥٠٠ - [وَعَنْ سَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَتْ: مَاتَتْ لَنَا شَاءُ فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا، ثُمَّ مَا زِلْنَا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَتْ شَنَّا(٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (وَعَنْ سَوْدَةَ زَوْجِ السَّبِيِّ ◌ِ قَالَتْ: مَاتَتْ لَنَا شَاءً فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا) أي: جلدها، قيل: سُمي به؛ لأنه يمسك ما فيه من الماء وغيره (ثُمَّ مَا زِلْتَا نَنْبِذُ فِيهِ) أي: نطرح فيه نحو تمر وماء حتى يبقى نبيذًا حلوًا (حَتَّى صَارَتْ شَنَّا) أي: خلقًا بالياء (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). ومن هذه الأحاديث والأحاديث الآتية أيضًا علم أن جلد الميتة الطاهرة في (١) أخرجه مالك (١٠٦٢)، والشافعي (١٠/١)، والبخاري (١٤٢١)، ومسلم (٣٦٣)، والنسائي (٤٢٣٥)، وابن حبان (١٢٨٤)، وأبو عوانة (٥٥٢)، والبيهقي (٨١)، وأحمد (٣٠٥٢). (٢) أخرجه البخاري (٦٦٨٦)، والنسائي (٤٢٥٧)، وأحمد (٢٨١٨٠)، والبيهقي في «سننه» (٥٣)، والطبراني (١٩٥٩٢). ٣٧٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني حياتها تطهر بالاندباغ سواء أكلت في حياتها أم لا، كما يصرح به الخبر الصحيح: (طهور كل أديم دباغه))(١) وبه علم أن المراد بالإهاب في الأحاديث السابقة مفهومة عند جمع لغويين وغيرهم، وهو مطلق الجلد لا مفهومة عند آخرين، وهو جلد المأكول قبل الدبغ. وعلم من الأحاديث أيضًا: إنه بالاندباغ يطهر ظاهره وباطنه، فيجوز الصلاة فيه وعليه وبيعه واستعماله في الأشياء الرطبة. وقال مالك : لا يطهر باطنه، وإطلاق الأحاديث وعمومها حجة عليه. قال الزركشي من أثمتنا: المراد بالباطن ما بطن، وبالظاهر ما ظهر من وجهيه، بدليل قولهم: إذا قلنا بطهارة ظاهره فقط جازت الصلاة عليه لا فيه فتنبه لذلك، فقد رأیت من یغلظ فیه. انتهى. ولا نسلم له حصر الباطن فيما ذكره، بل هو ما لم يلاقه الدبغ حتى لو دبغه من أحد وجهيه جرى في الوجه الآخر الخلاف؛ لأنه إذا جرى فيما بين الوجهين مع ملاقاة الدبغ لهما، فأولى أن يجري في الوجه الذي لم يلاقه؛ لأن هذا أبعد عن التأثر بالدبغ مما بين الوجهين كما هو ظاهر، وحينئذٍ فالباطن ما لم يلاقه الدبغ والظاهر ما لاقاه، وهذا أعم وأولى مما قاله الزركشي: فتأمله وسيأتي خبر: ((يطهرها الماء والقرظ))(٢) وأن الأئمة قاسوا به كل حريف قابض، فمن ثم لا يؤثر الاندباغ إلا إذا كان تحريف، وهو ما يلدغ اللسان بحرافته قابض؛ لأنه الذي يقبض على الجلد ويصيره كالثوب لإزالته جمع رطوباته. - (١) أخرجه الدارقطني (٢٧) وقال: إسناد حسن كلهم ثقات. والبيهقي (٦٩) وقال: رواته كلهم ثقات. وابن عساكر (٤١٥/٥٥). (٢) أخرجه أحمد (٢٦٨٧٦)، وأبو داود (٤١٢٦)، والنسائي (٤٢٤٨)، وابن حبان (١٢٩١)، والدارقطني (٤٥/١)، والطحاوي (٤٧٠/١)، والطبراني في الكبير (٢٤)، والأوسط (٨٦٩٦)، وابن المنذر في الأوسط (٢٦١/٢)، والبيهقي (٦٣). ٣٧٩ كتاب الطّهارة/ باب تطهير النجاسات ومنه: الزبل والشب بالموحدة والشت بالمثلثة، وزعم الجوهري أنه تصحيف غير صحيح، وهو نبت طيب الريح، ومر الطعم وعفص وقشر رمان، وقيل: لا يجوز بغير الشب والقرظ، كما يتعين التراب في نجاسة الكلب ويرد بوضوح الفرق، فإن التراب إنما وجب ثم للجمع بين نوعي طهور، وعلى الأصح وغيره لا يقوم مقامه في ذلك بخلاف نحو القرظ، فإنه إنما نص عليه لما فيه من الحرافة والقبض المزيلين للعفونة والرطوبة فألحقنا به كل حريف. وأيضًا فالدبغ إحالة، فجاز بكل محصل لتلك الإحالة ولو نجسًا وتطهير نحو الولوغ إزالة نجاسة دخلها التعبد فاختضب بالتراب كالتيمم فخرج بالحريف، نحو الشمس والملح والرماد؛ لأنها لا تزيل ما فيه من العفونات، والقول بحصولها بها محمول على ما إذا فرض أنها أزالت العفونات، وعملت عمل القرظ. وعلم مما تقرر أن الدباغ نزع فضلاته تحريف، لكن يشترط أن يصل إلى أنه لو نقع في الماء لا يعود إليه النتن؛ لأنه متى كان بصدد أنه لو نقع في ماءٍ عاد إليه نتن، كانت عفوناته كامنة فيه، فلم توجد حقيقة الدبغ التي هي نزع الفضلات كما ذكر من أصلها، ومن اشترط مع ذلك طيب الجلد أراد أنه لازم لنزع الفضلات كما ذكر، وقد يؤخذ من تخصيص الطهارة في الأحاديث بالجلد أن الشعر لا يطهر به وهو كذلك؛ لأنه لا يتأثر به، نعم يطهر قليله كالشعرتين والثلاث تبعًا للجلد، كما يطهرون الخمر تبعًا لها، وإن لم يكن فيه تخلل. واختار جمع من أئمتنا طهارته كله مطلقًا لخبر صريح فيه في ((مسلم)) بل للشافعي قول: إنه لا ينجس بالموت، والمدبوغ بطاهر أو نجس بعد الاندباغ كثوب متنجس، فلا تصحيح للصلاة عليه أو فيه إلا بعد غسله مرة إن كانت نجاسة حكمية، وإلا فلا بدَّ من إزالة عينها ما لم تعسر إزالة ريح أو لون كما مر، ويحرم أكل الجلد المدبوغ، وإن كان من مزكاة على المعتمد؛ لأنه صار بمنزلة الثوب، وهو لا قابلية فیه للأكل. ٣٨٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني (الفصل الثاني) ٥٠١ - [عَنْ لُبَابَةَ بِنْتِ الْخَارِثِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ كَانَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - فِي حِجْرٍ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ فَبَالَ فِي ثَوبِهِ، فَقُلْتُ: الْبَسْ تَوْبًا وَأَعْطِنِي إِزَارَكَ حَتَّى أَغْسِلَهُ، قَالَ: إِنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الأَنْثَى وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ (١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه]. (عَنْ) أم الفضل (لُبَابَةَ بِئْتِ الْحَارِثِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ كَانَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - فِي حِجْرِ رَسُولِ الله وَ﴾) يؤخذ منه ندب حمل الصغير، ووضعه في الحجر ويؤيده أنه وسل﴾ أعلم من أخبره بأن له أولادًا ما حمل ولا قبل واحدًا منهم بأن الله نزع الرحمة من قلبه. (فَبَالَ فِي ثَوبِهِ، فَقُلْتُ) أي: للنبي ◌َِّ (الْبَسْ تَوْبًا) أي: غير هذا الذي أصابه البول (وَأَعْطِنِي إِزَارَكَ) علم منه أن الثوب المذكور قيل: إزار لا رداء أولا قميص (حَتَّى أَغْسِلَهُ) يؤخذ منه أن غسل النجاسة على الفور كان من الأثر المستقر عندهم. وقد اختلف أئمتنا فيه، والأصح أنه لا يجب غسلها فورًا إلا إن عصى بالتنجيس بأن ضمخ بها بدنه بلا حاجة، وكذا ثوبه على المعتمد فيلزمه حينئذٍ غسلها فورًا، وكذا إذا ضاق وقت الصلاة، أو رأى نجاسة في المسجد، أو تعدى بتنجس ثوب غيره لو خرجت نجاسة من الميت لوجوب المبادرة بدفنه، وفيما عدا ذلك الفورية سنة لا واجبة، وإن كانت النجاسة مغلظة على الأوجه. ويؤخذ منه أيضًا: إنه يجوز الإنابة في تطهير الثوب وغيرها من النجاسة، وهو كذلك عندنا، لكن بشرط أن يكون ذلك النائب بالغًا عاقلاً ثقة يحسن التطهير، نعم إن قال له: فاسق طهرت قبل وجاز الأخذ بقوله؛ لأنه أخبر عن فعل نفسه، وكذا لو قال: نجست الإناء يقبل قياسًا على ما قالوه من قبول قول الذمي ذبحت هذه الشاة، (١) أخرجه أحمد (٢٧٦٣١)، وأبو داود (٣٧٥)، وابن ماجه (٥٦٤)، والطبراني (٢٠٥٦٣).