النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ كتاب الطّهارة/ باب أحكام المياه اغترف منه من غير نية اغتراف خبث وخبث. (قَالُوا: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاؤُلاً) أي: يغترف منه بيده ثلاثًا، ثم يغتسل به خارجًا، وليس في هذا دليل على عدم وجوب نية الاغتراف؛ ولأن قصده تناول الماء المستفاد من قوله: ((يتناوله تناولاً)) هو بمعنى نية الاغتراف، فهي لا تجب إلا على محدث أو جنب أدخل يده بعد دخول وقت غسلها، وهو بعد تثليث المحدث ونية الجنب لإرادة غسلها أو لإرادة شيء، وأما إذا أدخلها لأخذ الماء بها فهذا متضمن لنية الاغتراف، فلا يصح وجوبها حينئذٍ. ٤٧٥ - [وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ (١) .. رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَِّ أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ومرَّ الکلام علیه. ٤٧٦ - [وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ أُخْتِي وَجِعُ. فَمَسَحَ رَأْسِي، وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهٍ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلِ زِرِّ الْحَجَلَةِ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ ﴿ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، ابْنُ أَخْتِي وَجِعُّ) أي: مريض، من وجع؛ إذا مرض (فَمَسَحَ رَأْسِي) يحتمل أن الوجع كان في رأسه فمسه وَل بيده المباركة؛ ليكون ذلك سببًا لشفاءه، وكان الأمر كذلك فبلغ السائب نحو المائة، ولم يشب له شعر، ولا سقط له سن (وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ) فاستجاب الله لنبيه عليه فكان السائب عه في بركة كثيرة طائلة إلى أن مات ﴾. (١) أخرجه مسلم (٦٨١)، وأحمد (١٥٠٤٥)، وابن ماجه (٣٦٩). (٢) أخرجه البخاري (١٩٠)، ومسلم (٦٢٣٣)، والترمذي (٤٠٠٤). ٣٤٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني (ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ) يحمل أنه كان من بقية الماء، وأنه مما يفضل من أعضاء وضوئه، والظاهر الأول، وعلى الثاني فهو حجة على من نجس المستعمل إلا أن يجنب بأن شربه له كان للتداوي، وهو جائز يصرف النجاسة غير الخمر؛ لأنه ينجس السائل من أعضائه لشرفها، ومن ثم اختار كثيرون من أصحابنا طهارة فضلاته وَله. (ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهٍ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ التُّبُوَّةِ) سمي بذلك إشارة إلى خاتم الرسالة والنبوة به فلا نبي بعده، وعيسى الفي لا ينزل بنبوة متجددة ولا رسالة كذلك على أنه ينزل عاملاً بشريعة محمد له مقتديًا ببعض أمته، وقبله لأهل الذمة وعدم قبول الجزية منهم هو من جملة شريعتنا؛ لأن أخذها معنا مقتد بنزوله لزوال شبهتهم حينئذ المجوِّزة لقبولها منهم لا يتم تلك التسمية إلا لو كان الخاتم من خصائصه، وأما إذا ورد لکل نبي خاتمًا فلا یتم. انتهى. ويرد بأن من خصائص هذا الخاتم المخصوص في محله المخصوص الدال على تمييزه عليهم، فإن ((خواتيمهم كانت في إيمانهم)) كما رواه الحاكم عن وهب بن منبه، الله وشتان ما بين بعدها من القلب وقرب خاتمه وقيل: سبب التسمية بذلك: أنه بعث به في الكتب المتقدمة، فكان علامة يعلم بها أنه النبي المبشر، وصيانة لنبوته عن أن يتطرق إليها قدحًا كالشيء المستوثق عليه بالختم. (بَيْنَ كَتِفَيْهِ) أي: تقريبًا حتى لا ينافي رواية مسلم، وهو أعلى الكتف أنه عند بعض كتفه الأيسر بنون فمعجمتين، وهو أعلى الكتف أو العظم الرقيق الذي على طرفه أو ما يظهر منه عند التحرك أقوال: قال السهيلي: وكونه عند لفظ كتفه الأيسر هو الصحيح. وأشار بذلك إلى رواية أنه كان عند كتفه الأيمن، وحكمة الأولى أن ذلك المحل فوق القلب، فيختمه لا يمكن تطرق شيء إلى القلب بوجه من الوجوه (مِثْلِ زِرِّ) بزاي فراء (الْحَجَلَةِ) بحاء فجيم مفتوحة واحدة الحجال، وهي بيت كالقبة لها أزرار ٣٤٣ كتاب الطّهارة/ باب أحكام المياه كبار وعرى، وما قيل: إنها الطائر المعروف، وأن زرها بيضها فقد أنكر العلماء. وقول ابن الأثير: ((إن تفسيرها الأول بعيد من البلاغة)) قاصر في النسبية، والاستعارة مردود عليه بأنه لا يعد في ذلك؛ إذ الاستعارة غير متصورة هنا؛ لأن الطرفين مذكوران فلم يبقَ إلا التشبيه، وهو لا يجب فيه مساواة المشبه للمشبه به من كل وجه، على أن الصحابة اختلفوا في تشبيه الخاتم اختلافًا كثيرًا كما يأتي مع ما يعلم منه أنه لا اختلاف في الحقيقة (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). وفي روايات ما قد يخالف ما مرَّ من كونه مثل ((زر الحجلة)) كرواية مسلم: ((جمع عليه خيلان، كأنها الثآليل السود))(١). وروايته أيضًا: ((كبيضة الحمامة))(١). ورواية ((صحيح الحاكم): ((شعر مجتمع))(٣). والبيهقي: ((مثل السلعة)) (٤). و((الشمائل))(٥): ((بضعة ناشزة)» أي: مرتفعة. وابن عساكر(٦): ((مثل البندقة)). و(صحيح الترمذي)): ((كالتفاحة والروض كأثر المحجمة القابضة على اللحم)». وابن أبي خيثمة: ((شامة خضراء محتفرة في اللحم)» وأيضًا: ((شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متراكبات، كأنها عرف الفرس)). والقضاعي: ((ثلاث شعرات مجتمعات)). والترمذي والحكيم: «کبیضة حمام مكتوب في باطنها الله وحده لا شريك له، وفي ظاهرها توجه حیث کنت فإنك منصور". (١) أخرجه مسلم (٦٢٣٤). (٢) أخرجه الطبراني (٢٠٢٣). (٣) أخرجه الحاكم (٤١٦٣). (٤) أخرجه البيهقي في الدلائل (٢٢٣). (٥) حديث رقم: (٢٢). (٦) حديث رقم: (٢٢). ٣٤٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني وابن عائذ: ((كأن نورًا يتلألأً)). وابن أبي عاصم: ((كالنقطة التي أسفل منقار الحمامة». و(تاريخ نيسابور)): ((مثل البندقة من لحم مكتوب فيه باللحم محمد رسول الله)). وليس هذا الاختلاف في قدره حقيقيًّا، بل كل شبه بما سنح له والمؤدَّى المراد واحد وهو قطعة لحم، ومن قال: شعر فلان الشعر حوله متراكب عليه شاخصة في جسده قريبة من بيضة الحمامة. ورواية جمع الكف معناها: إنه على هيئته، لكنه أصغر منه، ورواية أنه کأثر المحجم أو كالشامة السوداء أو الخضراء مكتوب عليه ما مرَّ، لم يثبت منها شيء، وغلط ابن حبان في تصحيحه ذلك، وكذا من ذكر الكتابة هنا فإنه اشتبه عليه ذلك بخاتم يده الذي كان يختم به، وقد وقع التصريح بوقت وضع الخاتم، وكيف وضع ومن وضعه في حديث أبي ذر عند البزار وغيره. قال: قلت: يا رسول الله، كيف علمت أنك نبي؟ وبما علمت حتى استيقنت، قال: ((أتاني آتيان - وفي رواية: ((ملكان)) - وأنا ببطحاء مكة فوقع أحدهما بالأرض، وكان الآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: هو هو، فمر به رجل .. )) وفيه: «ثم قال أحدهما لصاحبه: شق بطنه فشق بطني فأخرج منه مغمز الشيطان وعلق الدم فطرحهما، فقال أحدهما لصاحبه: خط بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملأ؛ أي: الثوب الذي يتردى به، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه فخاط بطني وجعل الخاتم بين كتفي كما هو الآن ووليا عني، وكأني أرى الأمر معاینة»(١). وعند أحمد وصححه الحاكم: ((استخرجا قلبي فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما: ائتني بماءٍ وثلج فغسلا به جوفي، ثم قال: ائتني بماء وبرد (١) أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (١٦٢). ٣٤٥ كتاب الطّهارة/ باب أحكام المياه فغسلا بها قلبي، ثم قال: ائتني بالسكينة فذراها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خطه فخاطه وختم عليه بخاتم النبوة))(١). وبهذه يعلم أن القاضي عياضاً لم يغلط في قوله: هذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين كتفيه ؛ لأن بين طرف الخاتم لا الشق، فالحاصل: أن الخاتم بين الكتفين إجماعًا، وأن الشق لما وقع في صدره، ثم خيط حتى التأم كما كان، ووقع الختم بين كتفيه كان ذلك أثر الشق، وروى أبو نعيم: ((إنه خُتم به عند ولادته)) وقيل: ولد به. (الفصل الثاني) ٤٧٧ - [عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِوَ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ فِي الفَلَاةِ مِنَ الأَرْضِ، وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ، فَقَالَ: ((إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ))(٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدٍ وَالتِّزْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارِيُّ وَابْنُ مَاجَه، وَفِي أَخْرَى لِأَّبِي دَاود ((فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ))(٣)]. (عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَِّ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ فِي الفَلَاةِ) أي: المحل الواسع (مِنَ الأَرْضِ، وَمَا يَنُوبُهُ) أي: يرد عليه مرة بعد أخرى (مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ) ما عطف على مجرور على سبيل بيان سبب السؤال؛ إذ المعتاد من طبع السباع إذا وردت الماء أن تخوض فيه وتبول، وقلما تخلو أعضاؤها من التلوث ببولها أو رجيعها. قال الخطابي: وفي هذا دليل على أن سؤر السباع نجس، وإلا لم يكن لمسألتهم (١) أخرجه أحمد (١٨١١٥)، والحاكم (٤٢٣٠)، وابن عساكر (١٧١/١). (٢) أخرجه أحمد (٤٩٦١)، والشافعي (٧/١)، وابن أبي شيبة (١٥٢٥)، وأبو داود (٦٣)، والترمذي (٦٧)، والنسائي (٣٢٨)، وابن حبان (١٢٤٩)، والدارقطني (٢١/١)، والحاكم (٤٥٩)، والبيهقي (١١٦٢). (٣) أخرجه الطيالسي (١٩٥٤)، وابن أبي شيبة (٣٦٠٩٤)، وأبو داود (٦٥)، وابن ماجه (٥١٧)، والحاكم (٤٥٨) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والدارقطني (٢٣/١)، والنسائي (٥٢)، والبيهقي (١١٦٨). ٣٤٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني عنه، ولا جوابه إياهم بهذا الكلام معنی. انتهى. وما قاله: ممنوع، وإنما الذي دل عليه الحديث أنه إن تحقق خبث، فإن كان الماء قلتين لم ينجس به؛ أي: إلا أن تغير أو دونها تنجس بمجرد وصوله إليه، وإن لم يتحقق خبث فلا نجاسة أصلاً هذا مؤداه، فأي وجه لدلالته على نجاسة سؤر السباع، وكون الغالب فيها ذلك لا نظر إليه، للقاعدة المقررة أنه لا عبرة بغلبة النجاسة، بل بأصل الطهارة، وإن ضعيف ذلك الأصل، وقوي ذلك الغالب. (فَقَالَ: إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنٍ) تثنية قلة، وهي الجرة سميت بذلك؛ لأنها تقل؛ أي: تحمل باليد (لَمْ يُحْيِلِ الْخَبَثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَالدَّارِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ، وَفِي) رواية (أُخْرَى لِأَبِي دَاود: فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ). وهذه الرواية مفسرة للأولى، فمعنى «لم يحمل الخبث)): إنه يدفعه ولا يقبله، فهو من باب حمل المعنى، كفلان لا يحمل الصنم؛ أي: لا يقبله ولا يصبر عليه، ومنه: ﴿ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ [الجمعة:٥] أي: لم يقبلوا أحكامها. ومن حمله على نفي حمل الجسم، كفلان لا يحمل الحجر؛ أي: لا يطيقه لثقله، فقد أبعد لما يلزم عليه أن التقييد بالقلتين لغو؛ إذ ما دونهما يساويهما في هذا كله بفرض عدم النظر لرواية ((لا ينجس)) وأما مع النظر إليها فذلك غلط بيِّن، ثم هذا الحديث بروايته صحيح كما عليه المحققون من المحدثين، بل قال الحاكم: إنه على شرط الشيخين. قال الخطابي: ويكفي شاهدًا على صحته: أن نجوم أهل الحديث كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد وابن خزيمة وغيرهم صححوه، وقالوا به واعتمدوه في تجديد الماء، وعليهم المعول في هذا الباب. انتهى. ومن زعم أنه مضطرب فقد وهم كما بينه جماعة من الحفاظ منهم البيهقي، وأطنب في تصحيحه بدلائله وبين طرقه أحسن بيان، قال: وقد سلم الطحاوي إمام أصحاب أبي حنيفة في الحدیث، والثابت عنهم صحة هذا الحدیث لكنه دفع واعتذر ٣٤٧ كتاب الطّهارة/ باب أحكام المياه عنه بما ليس بدافع ولا عذر، فقال: تركناه مع صحته؛ لأنه روي ((قلتين أو ثلاثًا» ولأنا نعلم قدر القلتين. وأجاب أصحابنا بأن رواية الجزم بالقلتين هي الصحيحة المشهورة، ورواية الشك شاذة متروكة فوجودها كعدمها، وقولهم: لا نعلم قدرهما يرده أن المراد: قلال هجر، وهي معروفة عندهم. ومن ثم ضبطهما الشافعي بخمسمائة رطل بالبغدادي تقريبًا، فلا يضر نقص رطلين كما هو مبين في الفقه، وما قيل: إنهما ألف رطل أو نحوهما نظر فيه قائله إلى أنها إنما سميت قلة؛ لأن التعيين هو الذي يقلها، وليس كما زعم ومما يبطلها رواية: ((إذا بلغ الماء قلتین بقلال هجر)) وقلال هجر رآها ابن جرير. وأخبر أن الواحدة تسع قربتين أو قربتين وشيئًا، وقربة الحجاز لا تزيد غالبًا على مائة رطل، والشيء احتاط الشافعي وأثبته، ثم جعله نصف قربة، نظرًا إلى أن عادة العرب أنهم يقولون في النصف ودونه الزائد على الاثنين مثلاً: اثنان وشيء، وفي الزائد على النصف: ثلاثة إلا شيء. وكيف يظن أنه والقر يجدد لهم هنا ويمثل لهم في حديث الشيخين بقوله عن سدرة المنتهى: ((وإذا نبقها مثل قلال هجر)) مما لا يعرفونه ولا يهتدون إليه. ورواية: «أربعين قلة وأربعين غربًا)) أي: دلوا لم يصح عنه ؤلّ. وحمل حديث القلتين على الجاري لا دليل عليه، بل هو عام فيه وفي الراكد، ومن ثم كان حكمهما سواء عندنا في أن المتغير نجس مطلقًا إجماعًا، وغيره إن بلغ قلتين لم ينجس وإلا ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة له ما لم يكن معفوًّا عنها كالتي لا يدركها البصر المعتدل، وميتة لا نفس لها سائلة كالذباب والخنفساء والوزغ وقليل دخان النجاسة، وما على منفذ غير الآدمي وغير ذلك مما هو مذكور في الفقه. وترك ظاهر الحديث في المتغير بنجاسة لوجود الإجماع المذكور لا يضر؛ لأنه عام مخصوص فيبقى الباقي على عمومه كما هو المختار عند الأصوليين، وإنما قلت للإجماع ٣٤٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني ولم أعول على خبر ((الماء طهور لا ينجسه شيء)) إلا ما غلب على طعمه أو لونه أو ريحه؛ لأن الاستثناء فيه ضعيف اتفاقًا، فلم يبقَ مخصص إلا الإجماع ووقفه؛ أعني: حديث القلتين على ابن عمر في رواية لا أثر له؛ لأنه صح مرفوعًا موصولاً من طرق الثقات. وقد صح عن ابن معين إمام هذا الشأن أنه لما سأل عنه قال: هو جيد، وإن لم یحفظه ابن علية. وخبر: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل فيه)»(١) إما مخصوص بحديث القلتين، وإما أنه نهي تنزيه لاستقداره لا لنجاسة، ومرَّ الكلام عليه آنفًا. وما روي ((أن زنجيًّا مات بزمزم فنزحها ابن عبد السلام)) فإما ضعيف، بل باطل كما بيَّنه النووي، وإما محمول على أن دمه غيَّر ماءها، أو أنه نزحها استحبابًا؛ إذ المشهور عنه أن الماء قلَّ أو كثر لا ينجس إلا بالتغيير كما هو مذهب مالك، واختاره جماعة من أصحابنا وفيه فسحة عظيمة للناس مخالف لمفهوم حديث القلتين المذكور كما علمت، وقياس الماء على المائع؛ إذ هو وإن كثر ينجس بمجرد وصول النجاسة إليه مخالف للحديث على أنه قياس فاسد لوضوح الفرق؛ إذ الماء يشق حفظه، وله قوة على دفع النجاسة إجماعًا إذا لم يتحرك طرفه الآخر، فسومح فيه بخلاف المائع فيهما. ٤٧٨ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِّ ﴾ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُول الله، أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِثْرٍ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِثْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَلَخُمُ الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٍ (٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيّ]. (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُول الله، أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِثْرِ بُضَاعَةَ) بضم الموحدة كما هو المحفوظ في الرواية، وجوَّز اللغويون كسرها، وهي بالمدينة بدار (١) أخرجه البخاري (٢٣٦)، ومسلم (٢٨٢)، وأبو داود (٦٩)، والنسائي (٥٨)، وابن خزيمة (٩٤)، وابن حبان (١٢٥٧)، والشافعي (١٦٥/١). (٢) أخرجه أبو داود (٦٦)، والترمذي (٦٦)، وأحمد (١١٥٦١)، والنسائي (٣٢٥)، والدارقطني (٦٢). ٣٤٩ كتاب الطّهارة/ باب أحكام المياه بني ساعدة بطن من الخزرج (وَهِيَ بِثْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ) جمع: حيضة بكسر أوله، وهي الخرقة التي تستشفر بها الحائض (وَلَخُمُ الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ؟) أصله الرائحة الكريهة، وأريد به هنا الشيء المنتن كالجيفة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتّزْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسائيّ) وسنده صحيح، وهو محمول على غير المتغير؛ لما مرَّ من الإجماع على نجاسة المتغير. ثم إذا حملناه على غير المتغير شمل الماء الكثير، وهو القلتان فأكثر، والقليل وهو ما دون القلتين، لكن يتعين حمله أيضًا على الأول لما مرَّ أن مفهوم خبر القلتين أن ما دونهما ينجس بمجرد وصول النجاسة إليه، والراوي مصرح بأنه يلقي فيه النجس، فتعين أن ماؤها كان كثيرًا، وقد جاء أن قيمتها قال: أكثر ما يكون الماء فيها إلى العانة فإن نقص فإلى الركبة. وذكر أبو داود: إنه ذرع عرضها فكان ستة أذرع، وتعين أيضًا أن ماءها كان غير متغير، وما جاء في بعض الطرق أنه كان كنقاعة الحناء يتعين حمله أيضًا على أن هذا كان كلون جوهر مائها لا أنه لنجاسة ألقيت فيها للإجماع على نجاسة المتغير كما تقرر. فإن قلت: ما وجه مطابقة الجواب لسؤالهم، ولمَ عدل إليه عن الجواب المطابق وهو ماؤها طهورًا وغير طهور؟ قلت: يؤخذ ذلك بأن سبب العدول أفادته إياهم تلك القاعدة العامة التي يعلم منها بواسطة الإجماع، وخبر القلتين حكم ماء هذه البئر وغيرها، وهذا أبلغ من الاقتصار على حكمها لكنه متوقف على أن خبر القلتين سابق ويحتاج لنقل، وبفرض تأخره يكون ل﴾ علم أن ماءها کثیر غیر متغیر. فقال لهم: إن الماء؛ أي: الذي سألتم عنها طهور لا ينجسه شيء من ذلك الملقى فيه، وإذا تقرر لك هذا الذي يجتمع فيه الحديثان بأن لك أن أخذ مالك بعموم هذا أن الماء وإن قلَّ لا ينجس إلا بالتغير؛ لذلك الإجماع يلزم عليه إلغاء العمل بمفهوم حديث القلتين مع عدم المسبوغ لإلغاء ذلك. ٣٥٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني وإن قول أبي حنيفة: إن الماء يتنجس مطلقًا إلا إذا عظم بحيث لا يتحرك طرفه بتحرك طرفه الآخر مخالف لهذا الحديث، ولمنطوق حديث القلتين، وأول بعض متأخري الحنفية هذا الحديث بما هو منه مجرد دعوى، وهو أن تلك البئر كانت ببعض الأودية التي يحل بها أهل البادية، فتلقَى تلك القاذورات بأفنية منازلهم فيكسحها السيل فليقيها في البئر، فعبَّر عنه بما يوهم أن الإلقاء كان من الناس. قال: وإنما حكم بطهورية مائها؛ لكثرته مع كونه في حڪم المياه الجارية، فإن السيل إذا ألقى في مثل تلك البئر قذرًا ونتنًّا، ثم طفح عليها احتمل بقائه ما ألقي فيها، فلا يسلب عنه إذا حكم الطهورية. انتهى، وهو عجيب، فإنه صرف للنص عن ظاهره إلى ما هو مجرد دعوى وحدس وتحكم. ٤٧٩ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: سَأَلَ رَجُلُّ رَسُولَ اللهِلَ﴿ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَتَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءٍ البَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِوَّهِ: هُوَ الظَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ(١). رَوَاهُ مَالِكِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِيُّ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: سَأَلَ رَجُلُّ رَسُولَ اللهِ وَلِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا تَرْكَبُ الْبَحْرَ) أي: الملح (وَنَحْيِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ) أي: العذب (فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَتَتَوَضَّأُ بِمَاءِ البَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ) الحصر فيه قلب؛ لما في أذهانهم لظنهم سؤالهم عنه أنه ليس بطهور لتغير لونه وطعمه، فبين هل# أن ذلك تعين لا يضر؛ لأنه من أصل الخلقة، وأنه طاهر في نفسه مطهر لغيره؛ إذ العدول عن ظاهره المفيد لأصل الطهارة إلى الطهور المفيد لزيادتها، إنما هو لإفادة ذلك وإلا لم يطابق الجواب السؤال؛ لأنهم لم يسألوا عن طهارته في نفسه، بل عن تطهيره لغيره وعدل لذلك عن نعم الأخصر في الجواب؛ ليفيد الحكم الآتي الزائد على سؤالهم، (١) أخرجه مالك (٤٢)، وأبو داود (٨٣)، والترمذي (٦٩)، والنسائي (٥٩)، وأحمد (٨٩٦٩)، وابن ماجه (٤١٧)، والدارمي (٧٥٤)، والبيهقي في (سننه)) (١٩٤٣٧). ٣٥١ كتاب الطّهارة/ باب أحكام المياه والحصر المذكور وإن حكمه حكم سائر المياه الواسعة في أنه لا يتجاوز الطهارة إلى النجاسة، والطهورية إلى الطهارة إلا لموجب. ومما يدل أيضًا على الفرق بين طاهر وطهور، أن اختلاف الأبنية تدل على اختلاف المعاني، فكما لا تجوز التسوية بين طاهر وطهور، وكون ((طهر)) الذي هو الأصل لازمًا لا يضر في ذلك؛ لأنا لم نأخذ إفادة طهور لتطهير غيره إلا من حيث أن العرب لا تسمي ما لا يقع في التطهير: ظهورًا، وإذا ثبت أن ((طهورًا)) يدل على زيادة، فتلك الزيادة هي تطهيره لغيره من غير إشعار بتكرر؛ لأن فعولاً قد يكون اسمًا للآلة كالبرود والسنون والسحور لما يتبرد به أو يستبين أو يتسحر به، ولو تكرر إفادته للتكرر كصبور وشكور، كفى في ذلك أن الماء عند مروره على العضو يطهر كل جزء منه، وحينئذٍ فلیس في ظهور هنا. وفي الآية إفادة صريحة في مذهب مالك ﴾له أن الماء لا يكون مستعملاً أصلاً، بل تتكرر الطهارة به لا إلى غاية، وذلك لما تقرر من ظهورها في خلاف ذلك، وأنها وإن احتملت ذلك فهو احتمال ضعيف، ومثله لا يكون حجة على الخصم. (الْحِلُّ مَيْتَتُهُ) فيه أنه ينبغي للمسؤول أن يذكر ما يناسب السؤال مما يظن احتياج السائل إليه إعلامًا له بما يحتاج إليه، وتنبيهًا له على تقصيره بتركه السؤال عن جميع ما يحتاج إليه في تلك الواقعة التي سأل عنها، وأن جميع حيوان البحر الذي لا يعيش إلا فيه بأن يكون إذا خرج منه يصير حياته حياة مذبوح حلال يؤكل، سواء كان له نظير في البر حلال أو حرام أم لم يكن له نظیر. وجرى على هذا العموم جماعة كثيرون من أصحابنا، وصوَّبه النووي في بعض كتبه، وخرج بقولي: ((الذي لا يعيش ..... إلى آخره)) التمساح ونحوه مما يعيش في البر والبحر، فهو حرام؛ لأن لحمه خبيث بخلاف ما لا يعيش إلا فيه، فإن لحمه طيب حتى السرطان البحري والضفدع، والسرطان وإن فرض أنها لا تعيش إلا فيه لخبث لحمها. (رَوَاهُ مَالِك وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمُّ) وسنده صحيح، ٣٥٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني ومنه يؤخذ مع الخبر الصحيح، وهو: ((من لم يطهره ماء البحر فلا طهره الله))(١) أنه لا كراهة في الطهارة به، وإن كرهه جمع من الصحابة؛ لأنه لم يتغير عن أصل خلقته فأشبه غیره. وخبر: ((تحت البحر نار، وتحت النار بحر، حتى عد سبعة وسبعة)) ضعيف اتفاقًا على أنه لو صحَّ لم يكن فيه دليل للكراهة. ٤٨٠ - [وَعَنْ أَبِي زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ لَهُ لَيْلَةَ الْجِنِّ: مَا فِي إِدَاوَتِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَبِيٌّ، قَالَ: تَمْرَةً طَيِّبَةٌ وَمَاءُ طَهُورٌ (٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، زَادَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ((فَتَوَضَّأ)) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَبُوزَيْدٍ مَجْهُولُ]. (وَعَنْ أَبِي زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ قَالَ لَهُ لَيْلَةَ الْجِنِّ: مَا فِي إِذَا وَتِكَ؟) بكسر أوله؛ أي: مطهرتك (قَالَ: قُلْتُ: فَبِيذُ) أي: تمرًّا وزبيب منبوذ في ماءٍ؛ ليزيل ملوحته. (قَالَ: تَمْرَةُ طَيِّبَةٌ وَمَاءُ طَهُورٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ، زَادَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ ((فَتَوَضَّأ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَبُو زَيْدٍ) الراوي هذا الخبر عن ابن مسعود (مَجْهُولٌ) أي: فلا يحتج بروايته هذه على جواز الوضوء بالنبيذ، وإن قال أبو حنيفة والثوري بجوازه في السفر عند فقد الماء، ولم يبالِ بأنه خلاف ما يصرح به قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] مرَّ أنه عند فقد الماء لا يجوز إلا التيمم، فتجويز النبيذ حينئذ مخالف لذلك على أنه كان ينبغي لأولئك أن يؤولوا الحديث بتقدير صحته؛ ليوافق الآية على أن تلك الثمرة الملقاة في الماء لم تغيره تغيرًا ضارًا. وتسمية ابن مسعود له: ((نبيذًا)) من مجاز الأول، والمراد به الوضع اللغوي، وهو ما ینبذ فيه شيء وإن لم یغیره. (١) أخرجه الدارقطني (٣٥/١) وقال: إسناد حسن، والبيهقي (٣). (٢) أخرجه عبد الرزاق (٦٩٣)، وأحمد (٤٣٠١)، وأبو داود (٨٤)، والترمذي (٨٨)، وابن ماجه (٣٨٤)، والبيهقي (٢٧)، وأبو يعلى (٥٣٠١)، والدار قطني (٧٧/١). ٣٥٣ كتاب الطّهارة/ باب أحكام المياه ٤٨١ - [وَصَحَّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ قَالَ: لَمْ أَكُنْ مَعَ رَسُولِ الله وَ﴿ لَيْلَةَ الْجِنِّ(١). رَوَاهُ مُسْلِمْ]. (وَصَحَّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ قَالَ: لَمْ أَكُنْ مَعَ رَسُولِ الله ◌َُِّ ◌َيْلَةَ الْجِنِّ) أي: مجيئهم إليه ◌َّ واجتماعه بهم لإسلامٍ ودعايتهم للإسلام؛ لأنه مرسل إليهم إجماعًا (رَوَاهُ مُسْلِمْ). لكن جاء في روايات كثيرة أنه كان معه في ليالٍ متعددة جاءه فيها الجن بمكة والمدينة، وقرأ عليهم القرآن وأسلموا على يديه وسألوه الزاد، وأنه خطّ له خطًّا حتى لا يضره أحد منهم، فيحمل هذا النفي على ليلة أو حالة مخصوصة. ثم رأيت بعضهم صرح بذلك، فقال: يحتمل أنه لم يكن معه عندنا مفاوضة الجن، بل قبله إلى أن خطّ له الخط ثم ذهب إليهم، ثم جاءه السحر أو لم يكن معه حين خرج، ثم لحقه بعد أن فرغ من دعوتهم في ليلة؛ لما صحَّ أن علقمة قال له: (هل صحب رسول الله ﴿﴿ ليلة الجن منكم أحد؟ قالوا: ما صحبه منا واحد، ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة، فقلنا: اغْتِيلَ أَوِ اسْتُطِيرَ ما فُعِلَ؟ فبتنا شر ليلة، فلما كان وجه الصبح - أو قال: السحر - إذا نحن به يجيء من قِبل حراء))(٢) فقوله: ((لم أكن معه في ليلة الجن)) أي: قبل تفجرها. انتهى. وحينئذٍ فثبوت كونه معه ليلتئذ لا دلالة فيه؛ لما مرَّ عن أبي حنيفة لما تقرر أن خبر: ((ثمرة طيبة وماء طهور))(٣) ضعيف، وبتقدير صحته يتعين تأويله بما مرَّ؛ ليوافق الآية كما تقرر، وبهذا الذي قررته يندفع قول بعض الحنفية خبر النبيذ. ورُوي من وجوه عن ابن مسعود وفي سائرها مقال، غير أنها تغلب على ظن (١) أخرجه مسلم (١٠٣٨)، والبيهقي في ((سننه)) (٢٨)، والطبراني (٩٨٢٨). (٢) أخرجه الترمذي (٣٥٦٧)، وأحمد (٤٢٣٢). استطير: ذُهب به بسرعة كأن الطير حملته. اغتيل: قتل خدعة. (٣) تقدم تخريجه. ٣٥٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني المجتهد كونه حقًّا، وتعليل ترك العمل بخبر: ((ثمرة طيبة وماء طهور))(١) بأنه كان بمكة قبل استقرار الأحكام، وقبل نزول آية المائدة - أي: الصريحة - في ردِّ ما مرَّ عن أبي حنيفة كما سبق أولى من ردِّ الحديث مع تعدد طرقه. فإن قلت: كيف قال أبو حنيفة بجواز الوضوء بالنبيذ عند إعواز الماء في السفر، مع قولهم: إن الأمة اجتمعت على أن الحدث لا يرفعه إلا الماء؟ قلت: أجاب بعض أصحابنا بأن هذه صورة جوزت للضرورة، فلا ينافي الإجماع كما أن حل أكل الميتة للمضطر لا ينافي إجماعهم على حرمتها، وفيه نظر والفرق ظاهر. فإنهم هنا كما أجمعوا على حرمتها أجمعوا على حل أكلها عند الضرورة، وأما ثم فمع قول أبي حنيفة بما مرَّ لا يصدق نقل الإجماع السابق على أن أبا ليلى قائل بجواز رفع الحدث وإزالة النجس بكل مائع طاهر، فالحق أنه لا إجماع، وأن من ذكره إما غفلة عن ذلك أو أراد إجماع الأكثر. ٤٨٢ - [وَعَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ ﴾ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَليهَا فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَشَرِبَتْ مِنْهُ فَأَصْغَى لَهَا الإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ، قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ قَالَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسِ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّفِينَ عَلَيْكُمْ أَو الطَّوَّافَاتِ(٢). رَوَاهُ مَالِك وَأَحْمَدِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِيُّ]. (وَعَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِ قَتَادَةَ ﴾ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه مالك (٤٢)، والشافعي (٩/١)، وعبد الرزاق (٣٥٢)، وابن أبي شيبة (٣٢٥)، وأحمد (٢٢٥٨١)، والدارمي (٧٣٦)، وأبو داود (٧٥)، والترمذي (٩٢)، والنسائي (٦٨)، وابن ماجه (٣٦٧)، والطحاوي (١٨/١)، وابن خزيمة (١٠٤)، وابن حبان (١٢٩٩)، والدارقطني (٧٠/١)، والحاكم (٥٦٧)، والبيهقي (١٠٩٩). ٣٥٥ كتاب الطّهارة/ باب أحكام المياه دَخَلَ عَلِيهَا فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا) أي: ما يتوضأ به (فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَشَرِبَتْ مِنْهُ فَأَصْغَى لَهَا الإِنَاءَ) أي: ماله (حَتَّى شَرِبَتْ، قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي؟) مراده: أخوة الإسلام والصحبة؛ لما تقرر أنها زوجة ابنه (قَالَتْ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ:) ظاهر هذا السياق أن الإصغاء لها لم يقع منه ◌ِّر وإلا لاستشهد به، لكن روى الدارقطني أنها كانت تمر به و 18 فيصغي لها الإناء فتشرب منه، ثم يتوضأ بفضلها، وبهذا يرد قول بعض أئمتنا: الإصغاء إنما كان من أبي قتادة لا منه ◌َّ﴾، وكأنه اغتر بالسياق، ولم يرَ خبر الدارقطني. (إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسِ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوْ) ليست للشك؛ لوروده بالواو في روايات أخر، بل للتنويع، ويكون ذكر الصنفين من الذكور والإناث (الطَّوَّافَاتِ) جمع: طائف أو طائفة، وهو من يخدمك برفقٍ وعناية؛ أي: فلا يليق به إلا الرفق والعناية، فهو من عطف المغاير، علل إصغاءه لها الإناء بأمرين متغايرين. قيل: ويصح أن يكون من باب ترتيب الحكم على الوصف المناسب إشعارًا بعليته، ووجهه أن الابتلاء بمخالطتها في البيوت مع مشقة طردها عنها بالكلية يقتضي المسامحة في شأنها؛ أما من يجعل فمها معفو عنه مع كونها نجسة، وأمَّا كلها طاهرة فلا ينجس شيئًا مسته بأي عضو من أعضائها، ولك رد ذلك بأن قوله: ((ليست بنجس)) صريح في الثاني، ورد الأول فلا نظر لاحتماله، على أنه يرد على القائل به مع كونه من الشافعية إلحاقهم سائر الحيوانات غير الكلب والخنزير، وفرَّع أحدهما بالهرة في طهارتها، وعدم كراهة سؤرها فقد المعنى المقرر للهرة في غيرها، وعلى القول بالطهارة لا يرد ذلك؛ لأنها لذاتها فيلزم أن سائر الحيوان غير المغلظ مثلها في ذلك. (رَوَاهُ مَالِك وَأَحْمَدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمُّ) وسنده صحيح، وروى أحمد وَالدَّارَقُظْنِيّ والحاكم: ((إِنه ◌َّ دُعي لدار فأجاب ولأخرى فلم يجب، فقيل له في ذلك، فقال: إن في تلك كلبًا، فقيل: وفي هذه هرة، فقال: إن الهرة لیست بنجسة)). ٣٥٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني قال العلماء: ويسن اتخاذ الهرة وتربيتها أخذًا من حديث المتن مع تفرقته بین سؤرها وسؤر الكلب. (فائدة): لو أكلت هرة نجسًا ثم غابت، واحتملت طهارة فمها عادةً كولوغها في ماءٍ كثير، وكذا كدر بتراب إن أكلت نجاسة مغلظة ثم عادت، وولغت في مائع أو ماءٍ قليل لم تنجسه، لا لكونها طوافة خلافًا لمن زعمه، ومن ثم كان مثلها في ذلك كل حيوان طاهر، بل لأن أصل بقاء نجاسة فمها ضعف بشيئين: احتمال طهارته وتيقن طهارة ما ولغت فيه، فأبقينا كلًّا على أصله، وحكمنا ببقاء نجاسة فمها في حد ذاته، وبقاء طهارة ما ولغت فيه لذينك الشيئين؛ ولأنه لا يلزم من النجاسة التنجيس، فتأمل ذلك فإنه مزلة قدم، ومن ثم وقع لجماعة تخليط فيه. ٤٨٣ - [وَعَنْ دَاوُدَ بْنِ صَالِحِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أُمِّهِ أَنَّ مَوْلَاتَهَا أَرْسَلَتْهَا بِهَرِيسَةٍ إِلَى عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَوَجَدْتُهَا تُصَلِّ، فَأَشَارَتْ إِلَيَّ أَنْ ضَعِيهَا، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَأَكَلَتْ مِنْهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَتْ عَائِشَة مِنْ صَلَاتِهَا أَكَلَتْ مِنْ حَيْثُ أَكَلَتِ الْهِرَّةُ، فَقَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهَِ قَالَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسِ إِنَّمَا هِيَ مِنَ الظَّوَّفِينَ عَلَيْكُمْ، وَإِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَه يَتَوَضَّأُ بِفَضْلِهَا(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (وَعَنْ دَاوُدَ بْنِ صَالِحِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أُمِّهِ) أي: داود (أَنَّ مَوْلَاتَهَا أَرْسَلَتْهَا بِهَرِيسَةٍ إِلَى عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي الله عنها (قَالَتْ: فَوَجَدْتُهَا تُصَلِّ، فَأَشَارَتْ إِلَّ أَنْ) هي المفسرة؛ لأن الإشارة كلام لغوي، أو فيها معنى القول؛ لأنها تؤدي مؤداه ويفهم منها ما یفهم منه. ومن ثم كان استثناء الرمز الذي هو الإشارة بنحو يد أو رأس في: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً﴾ [آل عمران:٤١] متصل بهذا الاعتبار (ضَعِيهَا) ليس في (١) أخرجه أبو داود (٧٦). ٣٥٧ كتاب الطّهارة/ باب أحكام المياه إشارتها إليها بذلك ما ينافي الخشوع؛ لأنها قربة؛ إذ هي وسيلة لقربة، وهو قبولها الهدية الموجب لجبر الخواطر، وقرارها من عدمه المقتضي لكسرها، فذلك كقتل الأسودين المندوب فعله للمصلي، بل قد يكون تلك الإشارة أولى من هذا. (فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَأَكَلَتْ مِنْهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَتْ عَائِشَةٍ مِنْ صَلَاتِهَا أَكَلَتْ مِنْ حَيْثُ أَكَلَتِ الْهِرَّةُ) أي: محل أكلها (فَقَالَتْ) جوابًا عن سؤال مقدر أو ملفوظ وحُذِفَ للعلم به من ناظر إليها؛ إما تلك الموالاة أو غيرها (إِنَّ رَسُولَ اللّهِ بِهَ قَالَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسِ إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّفِينَ عَلَيْكُمْ، وَإِّ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ◌َِّ يَتَوَضَّأُ بِفَضْلِهَا. رَوَاهُ أبو داود) وسنده حسن. ٤٨٤ - [وَعَنْ جَابِرِ﴾ قَالَ: سُئِلَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ: أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ؟ قَالَ: نَعَمْ وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا(١). رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّة))]. (وَعَنْ جَابِرِ ﴾ قَالَ: سُئِلَ رَسُولَ الله ◌ََّ) فقيل له: (أَنَتَوَضَّأُ بِمَا) هي موصولة هنا وفيما بعد، ومن جعلها اسمًا ممدودًا منونًا فقد صحف (أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ؟) أي: الأهلية أو الوحشية؛ أي: أبقت من فضالة الماء الذي تشربه. (قَالَ: نَعَمْ وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا. رَوَاهُ) البغوي محبي السنة (فِي (شَرْج السُّنَّة))) ورواه أيضًا الشافعي ﴾ والبيهقي، وهو وإن كان ضعيفًا لكن قال البيهقي: إذا جمعت طرقه أحدثت قوة، وفيه دليل لما قدمناه من طهارة سؤر سائر الحيوانات إلا الكلب والخنزير، والفرع لا دلالة أخرى. ٤٨٥ - [وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: اغْتَسَلَ رَسُولُ اللّه هُوَ وَمَيْمُونَةُ فِي قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ(٢). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه]. (وَعَنْ أَمِّ هَانِئْ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: اغْتَسَلَ رَسُولُ اللّه هُوَ وَمَيْمُونَةُ) أم المؤمنين رضي الله عنها (فِي قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه) وسنده (١) أخرجه البيهقي في (سننه)) (١٢٢٣)، والدارقطني (١٨٠). (٢) أخرجه النسائي (٢٤٠)، وأحمد (٢٧٦٥٤)، وابن ماجه (٤٠٩)، والبيهقي (١٧)، والطبراني (٢٠٤٨٦). ٣٥٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني صحيح أو حسن، واستفيد منه أنه لا يضر التغير اليسير، وهو ما لا يسلب اسم الماء بمخالط يستغني الماء عنه، وهو الأصح عندنا؛ لأن من المعلوم أن القصعة التي فيها، ويلزم من تلك المماسة انحلال بعض أجزاء العجين في الماء. وصحَّ أيضًا أنه ◌َّه قال لمغسلات إحدى بناته: ((وليجعلن في الأخيرة كافورًا أو شيئًا من كافور)) والكافور وإن كان نوعين مخالطًا ومجاورًا، لكن الأغلب الموجود منه هو المخالط. وفهم من قولها: «أثرًا)» أنه يضر التغير الكثير بالعجين، وما في معناه من كل مخالط، وهو ما لا يتميز للناظر في رأى العين يستغني الماء عنه بأن لا يضطر لمماسته لها، ولهذا قال أئمتنا: تزول طهورية الماء الكثير والقليل بتغير طعمه أو لونه أو ريحه تغيرًا كثيرًا، بحيث يسلب يقينًا إطلاق اسم الماء بأن يحدث له بسبب ذلك اسم آخر، ويزول وصف الإطلاق عنه بمخالط طاهر يستغني الماء عنه كزعفران ونورة وجص وسدر، ولو كان التغير بماء على المحل المغسول على الأصح، وكحب أو تمر أو لحم أُغلي، أو جُعل في الماء بشرط أن يتيقن انفصال عين منه بحيث يستجد له اسم المرق، وينسلب عنه إطلاق اسم الماء بالكلية. ولو وقع في الماء ما يوافقه في صفاته كما ورد: ((لا ريح له)) قدر مخالفًا وسطًا فإن غير مع ذلك ضر وإلا فلا، ولا يضر تغير بمجاور وإن سلب الاسم، وهو ما يتميز للناظر كعود أو دهن ولو مطيبًا وكافور صلب وورق شجر لم يتفتت، وإن طرح ولا يمكث إجماعًا، ولا بما لا يستغنى الماء عنه كما هو في مقره وممره من نحو نورة أو كبريت، وكالطحلب النابت في الماء ولا بالملح المائي والتراب الطهور، وإن طرحًا إلا إن صار المتغير بالتراب يسمى: طينًا رطبًا. (الفصل الثالث) ٤٨٦ - [عَنْ يَحْتَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ ﴾ خَرَجَ فِي رَكْبٍ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ﴾ حَتَّى وَرَدُوا حَوْضًا، فَقَالَ عَمْرُو: يَا صَاحِبَ الْخَوْضِ هَلْ تَرِدُ ٣٥٩ كتاب الطّهارة/ باب أحكام المياه حَوْضَكَ السِّبَاعُ؟ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا صَاحِبَ الْخَوْضِ لَا تُخْبِرْنَا، فَإِنَّا نَرِدُ عَلَى السِّبَاعِ وَتَرِدُ عَلَيْنَا(١). رَوَاهُ مَالِك]. (عَنْ يَحْنَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ * خَرَجَ فِي رَكْبٍ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ﴾ حَتَّى وَرَدُوا حَوْضًا، فَقَالَ عَمْرُو: يَا صَاحِبَ الْخَوْضِ هَلْ تَرِدُ حَوْضَكَ السِّبَاعُ؟ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ لَا تُخْبِرْنَا) أي: فإن إخبارك بورودها أو عدمه سواء؛ لأنا لا نمتنع مما ترده لعسر تجنبه المقتضي لبقائه على طهارته. (فَإِنَّا فَرِدُ عَلَى السِّبَاعِ) أي: على ما فضل منها (وَتَرِدُ عَلَيْنَا) أي: على ما فضل منَّا (رَوَاهُ مَالِك) وسنده صحيح. ٤٨٧ - [وَزَادَ رَزِين قَالَ: زَادَ بَعْضُ الرُّوَاةِ فِي قَولِ عُمَرٍ: وَإِنَّ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌َِّ يَقُولُ: لَهَا مَا أَخَذَتْ فِي بُطُونِهَا وَمَا بَقِيَ فَهُو لَنَا طَهُورٌ وَشَرَابٌ]. (وَزَادَ رَزِين قَالَ: زَادَ بَعْضُ الرُّوَاةِ فِي قَولِ عُمَرٍ: وَإِنَّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَُّ يَقُولُ: لَهَا مَا أَخَذَتْ فِي بُطُونِهَا) أي: مما هو حقها، ومقيم بنيتها الذي قسمه الله لها مما تضطر لأخذه، فلا يليق منعها منه بالحكم بنجاسته، ولذا عدل لها عما شربت. (وَمَا بَقِيَ فَهُو لَنَا طَهُورٌ وَشَرَابٌ) وهذه الزيادة سيأتي معناها عن ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري وسندها حسن، وهي صريحة في طهارة سؤر السباع، وكذا قول عمر المذكور؛ إذ لم يخالفه فيه عمر ولا غيره من الصحابة، وهو وإن كان مرسلاً لكنه اعتضد بالحديث الذي بعده فيحتج به عندنا، وهو عند أبي حنيفة حجة مطلقًا فيحتج به عليه، وحمل ماء الحوض والحياض الآتية على أنه كان كثيرًا يحتاج لدليل، وزعم أن ذلك قبل تحريم لحوم السباع باطل؛ إذ لم يكن في وقت حلال، ومن ادعى ذلك وأنه نُسخ فعلیه البیان. وخبر أنه * سئل عن الماء يكون في الفلاة وترده السباع والدواب، فقال: ((إذا (١) أخرجه مالك (٤٤)، والبيهقي في ((سننه)) (١٢٢٦). ٣٦٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني كان الماء قلتين لم ينجس)) أجابوا عنه بأنه تمسك بدليل الخطاب هم لا يقولون به، وبأن الكلاب من جملة ما كان ترده كما جاء التصريح به في الرواية، وخبر: ((يغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا، ومن ولوغ الهرة مرة أخرى))(١) مُدرج من قول أبي هريرة كما بينه البيهقي وغيره، وإن خفي على الطحاوي على أن ظاهره متروك للإجماع، على أنه لا يجب الغسل من ولوغها، ولا يكره عندنا وعند جمهور العلماء استعمال سؤر شيء من السباع، ولا ينظر لمن قال بنجاستها؛ لضعف مدركه بمخالفته ما تقرر من الأدلة. ٤٨٨ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴿ أَنَّ النَّبِيّ ◌ََّ سُئِلَ عَنِ الْحِيَاضِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ تَرِدُهَا السِّبَاعُ وَالْكِلَابُ وَالْخُمُرُ وَعَنِ الظُّهْرِ مِنْهَا، فَقَالَ: لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا وَلَنَا مَا غَبَرَ طَهُورٌ(٢). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه]. (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴿ أَنَّ النَّبِيِّ ◌ََّ سُئِلَ عَنِ الْحِيَاضِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ تَرِدُهَا السِّبَاعُ وَالْكِلَابُ وَالْحُمُرُ وَعَنِ الظُّهْرِ مِنْهَا) بدل مما قبله (فَقَالَ: لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا وَلَنَا مَا غَبَرَ) أي: بقي (طَهُورٌ) خبر مبتدأ محذوف (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه) وسنده حسن. وقوله: ((والكلاب)) يُشكل على قواعده إلا أن يجاب عنه بأنه لما احتمل أن ورودها كان على ماء كثير، لم يُمكنًّا أن نقول بطهارة سؤرها المعلوم نجاسته من الأمر بإراقته في خبر مسلم، ومن ثم لو فرض معارضته لما هنا لكان مقدمًا على ما هنا؛ لأنه أصح وأشهر. ٤٨٩ - [وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴾ قَالَ: لا تَغْتَسِلُوا بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ (٣). رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ]. (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴾ قَالَ: لا تَغْتَسِلُوا بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ) أي: والمشمس (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه ابن ماجه (٥٦١)، والبيهقي في (سننه)) (١٢٦٥). (٣) أخرجه الدارقطني (٩١)، والبيهقي في ((سننه)) (١٣).