النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١
كتاب الطّهارة/ باب أدب الخلاء
أي: بزين من محض جلود (فَوَضَعَهَا) حائلاً بينه وبين الناس (ثُمَّ جَلَسَ فَبَالَ إِلَيْهَا،
فَقَالَ بَعْضُهُمُ: انْظُرُوا إِلَيْهِ يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ) أي: لمزيد تستره وحفظه لعورته عن
أن يمتد إليها بصر (فَسَمِعَهُ النَّبِيُّ﴿ فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ) كلمة ترحم وترقق وضدها ويل،
وقد تستعمل ويح بمعناها وهو المراد هنا لما يأتي أن قائل ما مر منافق (أَمَا عَلِمْتَ مَا
أَصَابَ صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) من العذاب، فإنه كان يأمر بالمنكر وينهي عن المعروف
الذي إزالة النجاسة عنهم.
وذلك أنهم (كَانُوا إِذَا أَصَابَهُم الْبَوْلُ قَرَضُوه) أي: قطعوه (بِالْمَقَّارِيضِ فَتَهَاهُم)
عن إزالته (فَعُذِّبَ فِي قَبْرِهِ) شبه نهي هذا المنافق عن الستر عند التبرز الذي هو من
آكد أنواع المعروف عند المسلمين، نهى صاحب بني إسرائيل لهم عن ذلك المعروف
عندهم توبيخًا وتهديدًا له، بأنه من أصحاب النار، وتسجيلاً عليه بأنه بلغ من
الوقاحة الغاية حيث أنكر الحياء الذي أجمعت الملل على حسنه ومدحه وعده عارًا،
وأنه من فعل النساء (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه) وسنده حسن.
٣٧٢ - [وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْهُ عَنْ أَبِي مُوسَى].
(وَرَوَاهُ النَّسَائِيَّ عَنْهُ) أي: عن عبد الرحمن بن حسنة (عَنْ أَبِي مُوسَى) فيكون
رواه بلا واسطة.
٣٧٣ - [وعَنْ مَرْوَانَ الأَصْفَرِ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ - رضي الله عنهما - أَنَاخَ
رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَيْسَ قَدْ
نُهِيَ عَنْ هَذَا؟ قَالَ: بَلَ، إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ
شَيْءٌ يَسْتُكَ فَلا بَأْس(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وعَنْ مَرْوَانَ الأَصْفَرِ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ - رضي الله عنهما - أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ
مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ
(١) أخرجه أبو داود (١١)، والدار قطني (١٦٦)، والبيهقي (٤٤٧).
٢٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
هَذَا؟) أي: استقبال القبلة (قَالَ: بَلَى، إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ) وألحقنا به ما في
معناه، وهو البناء بسائر أنواعه إلا البناء المعد لقضاء الحاجة.
(فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلا بَأْس) وبإطلاقه الشيء مقيد بما
استتربه وهو في الراحلة، فإن الغالب أن ارتفاعها من الأرض ثلثا ذراع فأكثر، ومن
ثم اشترطنا في منع الساتر عن القبلة للحرمة أن يكون ارتفاعه ذلك، وأن يقرب منه
ثلاثة أذرع فأقل؛ إذ لا يسمى مستترًا به إلا حينئذ كما اقتضته الأحاديث الآتية في
سترة المصلي.
ثم قوله: إنما إلى آخره حجة على غيره؛ لأن الصحابي أعلم بذلك من غيره، فرجع
إليه في تفسير الحديث، سيما إذا لم يخالف ظاهر لفظه (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده حسن.
٣٧٤ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ إِذَا خَرَجَ مِن الْخَلَاءِ قَالَ: الْحَمْد لِلِهِ
الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّ الْأَذَى وَعَافَانِي (١)، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهَ إِذَا خَرَجَ مِن الْخَلَاءِ قَالَ: الْحَمْدِ لِلهِ الَّذِي
أَذْهَبَ عَنِّ الْأَذَى وَعَافَانِي) وسبب هذا الحمد ترادف النعم على المتبرز بإزالة ضرر ما
في جوفه الذي لو بقي منه أدنى شيء لأضر إضرارًا بيِّنا (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه) وكذا النسائي
عن أبي ذر وسنده حسن.
٣٧٥ - [وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ الْجِنِّ عَلَى النَّبِيِّ وَ قَالُوا: يَا
رَسُولُ اللهِ، انْهَ أُمَّتَكَ أَنْ يَسْتَنْجُوا بِعَظْمٍ أَوْ رَوْتَةٍ أَوْ حُمَمَةٍ، فَإِنَّ اللّهِ جَعَلَ لَنَا فِيهَا رِزْقًا،
فَتَهَانَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَنْ ذَلِكَ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ الْجِنِّ عَلَى النَّبِيِّ ◌َِّ قَالُوا: يَا رَسُولُ اللهِ، انْهَ
أُمَّتَكَ أَنْ يَسْتَنْجُوا بِعَظْمٍ أَوْ رَوْتَةٍ أَوْ حُمَمَةٍ) هي ما أحرق من نحو خشب أو عظم.
(فَإِنَّ اللّهَ جَعَلَ لَنَا فِيهَا رِزْقًّا، فَتَهَانا رَسُولُ الله ◌َ﴿ عَنْ ذَلِكَ) وتعليل الجمة
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٢٠).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٩)، والبيهقي (٥٤٣).
٢٤٣
كتاب الطهارة/ باب أدب الخلاء
بذلك لا ينافي تعليل أصحابنا أيضًا، بأنها لرخاوتها ينفصل منها أجزاء على محل النحو،
وتلك الأجزاء تمنع من إزالة عين النجاسة عنه، فلم يحصل الغرض المقصود من
الحجر وما في معناه مما مر، وألحقوا بها في ذلك التراب المتناثر؛ لأنه يلصق بالمحل ولا
يزيل العين التي لاقته جميعها (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده حسن.
(باب السواك)
(الفصل الأول)
٣٧٦ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قال: قال رَسُولُ اللهِوََّ: لَوْلا أَنْ أَشْقَّ عَلَى أُمَّتِي
لِأَمَرْتُهُمْ بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ، وَبِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قال: قال رَسُولُ اللهِ وَُّ: لَوْلًا) حرف امتناع لوجود (أَنْ
أَشْقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَّمَرْتُهُمْ بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ) أي: لولا وجود المشقة عليهم بتأخيرها
لأمرتهم به، لكني لم آمر به لأجل وجودها، وقيل: التقدير (لولا)) خوفها أو توقعها؛
لأنها ليست بثابتة، وفيه دليل على أن تأخير العشاء أفضل، ويوافقه الرواية الآتية: ((أنه
۶﴾ کان یستحب تأخیرها».
وبهذا أخذ أحمد وغيره واختير ولم يأخذ به الشافعي #ه نظرًا إلى أن تعجيلها
هو الذي واظب عليه وليه والأئمة بعده، وإن احتمل أنه إنما آثروه تركًا لمشقة التأخير
المشار إليها، والحاصل أن الأمر المنفي عند أحمد هو حقيقته وهي الوجوب، وعند
الشافعي هو مجازه وهو الندب، وبها يترجح رأي أحمد؛ إذ الأمر إذا أطلق إنما ينصرف
للوجوب على أنه المنفي اتفاقًا في بقية الحديث ودلالة لاقتران، وإن لم تكن حجة لكنه
قد يستأنس بها.
(وَ) لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أمر إيجاب، وإنما قدرنا هذا هنا؛ لأن الأمر
به عند كل صلاة قد صح فتعين حمل ذاك على الوجوب الحقيقي، وهذا على الندب،
المجازي وبما قررته يعلم أنه ليس في الحديث تصريح بأن الأمر للوجوب حقيقة؛ لأن
سبب الحمل على انتفائه وجود للأمر بالسواك عند كل صلاة، فاحتجنا إلى الجمع بينهما
(١) أخرجه مسلم (٢٥٢)، وأبو داود (٤٦)، والنسائي (٧)، والشافعي (١٣/١)، والبيهقي (١٥٣)،
والحاكم (٥١٦).
٢٤٤
٢٤٥
كتاب الطّهارة/ باب السواك
بما مرَّ دفعًا للتعارض.
ألا ترى أن الأمر في الأول لما لم يعارض شيئًا عند الشافعي حمله على انتفاء
الأمر وجوبًا وندبًا كما مرَّ، فظهر أنه لا دلالة في الحديث على ذلك، وإن ادعاها بعض
الأئمة ومن تبعه.
ويعلم أيضًا أنه ليس فيه تصريح بأن المندوب غير مأمور به، وإن ادعى ذلك
بعض أكابر أئمتنا لما تقرر أن سبب حملنا أن السواك غير مأمور به على سبيل الوجوب
وورد الأمر به، فالذي ينتج حينئذ أنه غير مأمور به على سبيل الوجوب إلا أنه غير
مأمور به مطلقًا.
(بِالسِّوَاكِ) مصدر أو اسم آلة من ساك فاه دلكه بالسواك، فإذا لم يذكر الفم،
قيل: استاك (عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ) فيسن عند كل صلاة ولو نفلاً، وإن سلم من ركعتين،
ومثلها سجدة التلاوة والشكر، وإن لم يتغير فمه أو استاك لوضوئها، وإن لم يفصل
بينهما فاصل لقوله يوليو: "ركعتان بسواك خير من سبعين ركعة بغير سواك))(١) ومحله
حيث لم يخش تنجس فمه؛ لأنه يحتاج لغسله فيفوته الجماعة مثلاً.
ويسن السواك أيضًا عند كل طهر وضوء أو غسل أو تيمم لخبر أحمد وغيره:
((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل طهور))(٢) أي: أمر إيجاب نظير ما
مرَّ.
واعلم أن ذكر الصلاة والطهور وغيرهما إنما هو بيان للمواضع الذي يتأكد
طلب السواك فيها، أمَّا أصل سنتيه، فلا يتقيد بوقت ولا سبب، بل يسن في كل وقت
إلا بعد الزوال للصائم، وشرط حصول سنته أن ينوي به في غير نحو الوضوء مما يشمله
(١) أخرجه الديلمي (٣٢٣٣). قال المناوي (٣٧/٤): فيه طارق بن عبد الرحمن أورده الذهبي في
الضعفاء وقال: قال النسائي: ليس بقوي عن محمد بن عجلان ذكره البخاري في الضعفاء وقال
الحاكم: سيئ الحفظ ومن ثم قال السخاوي: هذا الحديث لا يثبت.
(٢) أخرجه مالك (١٤٥)، وأحمد (٧٨٤٠)، والبخاري (٦٨١٣)، ومسلم (٢٥٢).
٢٤٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
نية السنة، وأن يكون بخشن ولو خرقة وأشنانًا، وإصبع غيره وإصبع نفسه المنفصلة
لا المتصلة.
قال أصحابنا: لأنها مع الاتصال لا تسمى سواكًا، والعود أولى من غيره، وأولاه ذوا
الريح الطيب، وأولا ذي الريح الطيب، الأراك وبعده النخل، والرطب منهما أولى من اليابس
المندى بالماء المندي به أولى من المندى بماء الورد؛ لأن الماء أقوى في الجلاء والإزالة.
والمندى بماء الورد أولى من المندى بالريق، ويكره السواك فيما قد يضر كمبرد
وعود ريحان، ويسن كونه باليد اليمنى مطلقًا، وكونه في عرض الأسنان ظاهرها
وباطنها، وأن يبدأ بجانب فمه الأيمن ويذهب إلى الوسط؛ فإذا نظفه بدأ بالأيسر إلى
الوسط، ويكره في طول الأسنان؛ لأنه يخرج اللثة لكن يحصل به أصل السنة؛ لأن
الكراهة لأمر خارج.
نعم يسن في اللسان طولاً لخبر ((فيه في)) أبي داود، ويسن أن يمره على سقف
حلقه إمرارًا لطيفًا، وعلى أطراف لسانه وكراسي أضراسه (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٣٧٧ - [وَعَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ ﴾ قَالَ: سَأَلَتْ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ الله تَعَالَى
عَنْهَا - بِأَِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ رَسُولُ اللهِ وَهَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: يَبْدَأُ بِالسِّوَاكِ(١). رَوَاهُ
مُسْلِمُ].
(وَعَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ ﴾ قَالَ: سَأَلَتْ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهَا
بِأَمِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأَ رَسُولُ اللهِ وَيْهِ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: [يَبْدَأ](٢) بِالسِّوَاكِ) فيتأكد
لكل من دخل منزله أن يبدأ بالسواك، فإنه يكون أزيد في طيب فمه وادعى لمعاشرة
أهله، وأذهب لما عساه حدث بفمه من تغير كريه سيما إن طال سكوته، وهذا أولى من
قول بعضهم: إنما فعل ◌َّ# ذلك؛ لأن الغالب أنه كان لا يتكلم في الطريق، والفم يتغير
بالسكوت فيستاك ليزيله، وهو تعليم لأمته، فمن سكت ثم أراد التكلم مع صاحبه
(١) أخرجه مسلم (٦١٣)، وابن ماجه (٣٠٥).
(٢) هكذا في الأصل لكنه غير مثبت في المشكاة.
٢٤٧
كتاب الطّهارة/ باب السواك
یستاك لذلك لئلا یتأذی من ریح فمه. انتهى.
ومما يرد ذلك أن أصحابنا جعلوا التأكد لدخول المنزل غير التأكد للسكوت،
فجعلوها سببين مختلفين فدل على أن العلة في الأول غير السكوت، وهو ما قدمته
فتأمله (رَوَاهُ مُسْلِمْ).
٣٧٨ - [وعَنْ حُذَيْفَةٍ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ
فَاهُ بِالسِّوَاكِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وعَنْ حُذَيْفَة ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌ِهِ إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ) أي: لإزالة الهجود وهو
النوم (مِنَ اللَّيْلِ) معمول للتهجد، ومن تبعيضية (يَشْوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ) أي: يدلكه به
فيستفاد منه تأكد طلب السواك عند القيام من النوم؛ لأنه يقدر بالفم ويغيره (مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ).
٣٧٩ - [وعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: عَشْرٌ مِنَ
الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللَّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ،
وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ، يَعْنِي: الاسْتِنْجَاءَ. قَالَ
الرَّاوِي: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ(٢). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ: ((الخِتانُ)) بَدَل:
(إِعْفَاء اللِّحْيَةِ)) لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الّوايَة فِي ((الصَّحِيحَيْنِ) وَلَا فِي ((كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ)) وَلَكِنْ
ذَكَرَهَا صَاحِبُ ((الْجَامِعِ)) وَكَذَا الخَطَائِيِ فِي ((مَعَالِمِ السُّنَنِ))].
(وعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِلهُ: عَشْرُ) أي: عشر
خصال (مِنَ الْفِطْرَة) أي: سنة الأنبياء الذين أمر نبينا ◌َلو باتّباعهم والاقتداء بهديهم
(١) أخرجه البخاري (١١٣٦)، ومسلم (٦١٦)، وأحمد (٢٤١٢٨)، وأبو داود (٥٥)، والنسائي (٢)، وابن
ماجه (٣٠١).
(٢) أخرجه مسلم (٢٦١)، وأحمد (٢٥١٠٤)، وابن أبي شيبة (٢٠٤٦)، وأبو داود (٥٣)، والترمذي
(٢٧٥٧) وقال: حسن. والنسائي (٥٠٤٠)، وابن ماجه (٢٩٣)، وإسحاق بن راهويه (٥٤٧)، وابن
خزيمة (٨٨)، وأبو يعلى (٤٥١٧)، والبيهقي (١٥٢).
٢٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣] وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى
إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَّمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤].
(قَصُّ الشَّارِب) فيسن مع إخفائه حتى يبدو حمرة الشفة العليا ولا يخفيه من
أصله، والأمر بإخفائه محمول على ما ذكر، ويسن التيامن فيه والوضوء بعده كأكثر
الخصال الآتية، وخرج بقصه حلقه فهو مكروه، وقيل: حرام؛ لأنه مثله، وقيل: سنَّه
الرواية به حملت على الإخفاء بالمعنى المذكور، ولا كراهة في تفويضه لغيره، لكن
الظاهر أن الحليلة إن أحسنته يكون أولى من غيرها.
(وَإِعْفَاءُ اللَّحْيَة) أي: توفيرها فيكره الأخذ منها، وإن طالت على القبضة؛ لأن
من قصها الذي هو زي الأعاجم، قيل: وصار الآن شعار كثيرين من المشركين، ومن لا
خلاق له في الدين كالقلندرية طهر الله الأرض منهم. انتهى.
والمراد باللحية هنا: جميع الشعر النابت على منبت الأسنان السفلى وما فوق
ذلك من العارض والعذراء، فيسن إعفاء ذلك كله ويكره قصه فيما يظهر؛ لأنه
كالمثلة أيضًا.
(وَالسِّوَاكُ) لم يقيد هنا بشيء، فأفاد أنه سنة في كل وقت ومكان إلا بعد الزوال
للصائم كما مر، وإلا في المسجد إن خشي تطاير شيء من الريق ونحوه إليه (وَاسْتِنْشَاقُ
الْمَاء) فهو سنة في الوضوء والغسل كالمضمضة كما يأتي.
(وَقَصُّ الأَظْفَار) ويحصل سنتها بأي كيفية كانت وأولاها كما حررته في كتب
الفقه، مع الرد على من خالف فيه أن يبدأ في اليدين بمسحة اليمين ثم الوسطى ثم
البنصر ثم الخنصر ثم الإبهام ثم خنصر اليسرى ثم بنصرها ثم وسطاها ثم مسبحتها ثم
إبهامها، وفي الرجلين بخنصر اليمنى، ويختم بخنصر اليسرى كما يفعل ذلك في تخليلها
في الوضوء.
(وَغَسْلُ الْبَرَاجِم) بفتح الباء، جمع: برجمة بضمها، وهي عقد الأصابع ومفاصلها
٢٤٩
كتاب الطّهارة/ باب السواك
ومعاطفها، فيسن تعهدها بغسل ما عليه من الوسخ، ولا يتقيد ذلك بوضوء ولا غسل
مبالغة في النظافة، ومن ثم سن تكرر تعهد إزالة الوسخ والروائح الكريهة التي في
معاطف الأذن، والصماخ والعين والأنف وسائر معاطف البدن وأجزائه، فإن إهمال
ذلك يترتب عليه دنس الخلقة وقذارة الرائحة وزوال المروءة فضلاً عن الدين يتأكد
عليه أن يربأ بنفسه عن ذلك كله بكل طريق أمكنه.
(وَنَتْفُ الإِبِط) للرجل وغيره، وتحصل أصل السنة بسائر طرقه إزالة شعره، ولو
بنورة وحرق وحلق، والأولى فيه وفيما بعده التيامن وألَّا يفوضه لغيره؛ لأن المروءة تأبى
ذلك اللَّهُمَّ إلا الحليلة، فلا يبعد أن يقال: إن التفويض إليها إذا أحبته لا بأس به.
(وَحَلْقُ الْعَانَة) ولو للمرأة كما اقتضاه الإطلاق، بل حديث وتستحد المغيبة
ظاهر فيه، لكن قيده كثيرون بالرجل، وقالوا: الأولى للمرأة النتف؛ لأنه أنظف وأبعد
لنفرة الحليل من بقايا آثار الحلق؛ ولأن شهوة المرأة أضعاف شهوة الرجل؛ إذ جاء أن
لها تسعًا وتسعين جزءًا منها، وله جزء واحد والنتف يضعفها والحلق يقويها فأمر كل
منهما بما هو الأنسب به.
(وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ؛ يَعْنِي: الاسْتِنْجَاءَ) إذ فيه انتقاص الماء؛ أي: البول؛ أي: منه
خروجه؛ لأن الماء له كالجسم للجراحة كما هو مشاهد، وصرحوا به فالمصدر مضاف
للمفعول، ويصح إضافته للفاعل بأن يراد ماء الظهر؛ لأنه ينقص بالاستنجاء بالماء،
وهذا تفسير وكيع وغيره، والأول تفسير أبي عبيد وغيره، وانتقص يستعمل متعديًا
ولا زمًا.
(قَالَ الرَّاوِي: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ) ضمن نسي معنى النفي؛ لأن الترك موجود في
ضمن كل؛ أي: ألم، أتذكر شيئًا تتم الخصال به عشرة إلا (أُنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ- رَوَاهُ
مُسْلِمٌ).
(وَفِي رِوَايةٍ: ((الخِتانُ)) بَدَل: ((إِعْفَاء اللَّحْيَةٍ))) ولا إشكال فيها، وإن كان واجبًا
عند الشافعي وكثيرين؛ لأن الفطرة السابقة تستعمل؛ بمعنى: السنة؛ أي: الطريقة،
٢٥٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
فتشمل المندوب والواجب، وكون ما قبل الختان وما بعده مندوبًا لا يقتضي أنه مندوب
لما تقرر في الأصول أن دلالة الاقتران لا حجة فيها، قال تعالى: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ
وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] والأول مباح والثاني واجب (لَمْ أَجِدْ هَذِهِ
الرِّوايَة فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ) الذي هو الجمع بينهما.
(وَلَكِنْ ذَكَرَهَا) الإمام ابن الأثير (صَاحِبُ الجَامِعِ) أي: جامع الأصول (وَكَذَا
الخطابي فِي مَعَالِم السُّنَنِ) الذي شرح به سنن أبي داود.
٣٨٠ - [عَنْ أَبِي دَاوُد بِرِوَايَةِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا].
(عَنْ أَبِي دَاوُدْ بِرِوَايَةٍ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) وثبت الختان في خصال
الفطرة في المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، من حديث أبي هريرة خمس من الفطرة.
(الفصل الثاني)
٣٨١ - { وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: السِّوَاك
مَظْهَرَة لِلْفَمِ مَرْضَاة لِلرَّبِّ(١). رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ﴾ وَأَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ، وَرَوَى البُخَارِيُّ فِي
صَحِيحِهِ بِلَا إِسْنَادٍ].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: السِّوَاكَ مَظْهَرَة
لِلْفَمِ مَرْضَاة لِلرَّبِّ) أي: مطهر للفم محصل لرضا الرب، أو مظنة للطهارة والرضا فهو
حامل عليهما.
ويصح الثاني أن يكون بمعنى اسم المفعول؛ أي: مرضي للرب تعالى، وذكره بعد
الأول، إما من باب الترقي من السبب إلى المسبب، أو من وصف كامل إلى وصف أكمل
منه مع قطع النظر عما بينهما من التلازم، وتنوينهما للتعظيم (رَوَاهُ القَّافِيُّ
(١) أخرجه الشافعي (١٤/١)، وابن أبي شيبة (١٧٩٢)، وأحمد (٢٤٢٤٩)، والنسائي (٥)، وابن خزيمة
(١٣٥)، وابن حبان (١٠٦٧)، والبيهقي (١٣٤)، والحميدي (١٦٢)، وإسحاق بن راهويه (١١١٦)،
والدارمي (٦٨٤)، وأبو يعلى (٤٥٩٨)، والطبراني في الأوسط (٢٧٦)، والديلمي (٣٥٤٨)، وابن
عساكر (٣٢٣/٣٧).
٢٥١
كتاب الطّهارة/ باب السواك
وَأَحْمَدُ) وَالنَّسَائِيّ (وَالدَّارِيُّ) وسنده حسن (وَرَوَى الْبُخَارِيُّ) ذلك (فِي صَحِيحِهِ) عنها
تعليقًا (بِلا إِسْنَادٍ).
٣٨٢ - [وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّ: «أَرْبَعَّ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ:
الْخَيَاءُ - وَيُرْوَى: ((الخِتَان)) - وَالتَّعَطُرُ وَالسِّوَاكُ وَالنِّكَاحُ)) (١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّرَ: أَرْبَعُ) عظيمة الكمال جليلة
المقدار (مِنْ سُئَنِ الْمُرْسَلِينَ) التي فعلوها وحثوا عليها (الْحَيَاءُ) وبدأ به لقوله {وَلآ لمن
رآه بعض أخاه فيه حتى يتركه أو يخفف منه ((دعه فإن الحياء خير كله))(9).
ومرَّ الكلام على أقسامه في باب ((الإيمان)) وجاء: ((أن نبينا ◌َلو كان أشد حياء من
البكر في خدرها)) بل لم يصل وله إلى ما وصل إليه منه، بدليل أنه ظهر عليه من
نتائجه تلك الأخلاق التي لم يصل أحد إلى شأوها كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله عز
قائلاً: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
(وَيُرْوَى) الحناء بالنون، وهو إن وقع في صحيح الترمذي تصحيف كما بينته
مع فوائد غزيرة في كتابي: ((شن الغارة على من أظهر معرة بقوله في الحناء وعواره) فإن
جمعًا يمنيين زعموا حِل الحناء للرجال، وصنفوا فيه وقلوا أدبهم على بقية علماء
المذهب فشنت عليهم الغارات، وأذقتهم من أسنة الحق المرهفات حتى أصبحت
كتبهم وآراءهم في هذه المسألة كالأموات، وخضب اللحية به سنة لم تعرف لغير نبينا،
فلا يصح حمل تلك الرواية المصحفة عليه.
ورُوي (الخِتَانُ) لكن صح أن أول من اختتن إبراهيم العليها، فالمراد بالمرسلين
على هذه الرواية هو ومن بعده وَّهِ (وَالتَّعَظُرُ) أي: تطيب الرائحة في البدن والثياب،
وقد كان لنبينا وَ ل منه النهاية حتى قال بعض أصحابه: كان والله يتطيب من المسك بما
(١) أخرجه أحمد (٢٣٦٢٨)، وعبد بن حميد (٢٢٠)، وابن أبي شيبة (١٨٠٢)، والترمذي (١٠٨٠) وقال:
حسن غريب. والطبراني (٤٠٨٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٧١٩).
(٢) تقدم تخريجه.
٢٥٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
لو كان لأحدنا لكان رأس مال.
(وَالسِّوَاكُ) وهو من أعظم فضائله، ولقد أكثر نبينا ◌َّ حتى خشي على فمه
الحفر، وهو داء عظيم يضر بالأسنان واللثة.
(وَالنِّكَاحُ) وفضائله وفوائده شهيرة، ولقد جمعت الأحاديث التي فيها في جزء
سميته ((الإفصاح عن فضائل النكاح)) فزادت على المائة (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).
٣٨٣ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالتْ: كَانَ النَِّيُّ ◌َِّ لَا يَرْقُدُ مِنْ لَيْلٍ
وَلَا نَهَارٍ فَيَسْتَيْقِظُ إِلَّا أَن يَتَسَوَّكَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ لَا يَرْقُدُ مِنْ لَيْلٍ وَلَا
نَّهَارٍ) فيه أنه ولو كان ينام بالنهار وهو سنة؛ أي: كان وقت القيلولة للاستعانة به على
قيام الليل، فهو كالسحور للصائم كما في الحديث.
فقول الأطباء: إن فيه أنواعًا من الضرر يحمل على الإكثار منه (فَيَسْتَيْقِظُ)
بالرفع عطفًا على يرقد، فينصب النفي عليهما معًا، وبالنصب جوابًا للنفي؛ لأنه مسبوق
بالنوم كأنه مسبب عنه.
(إِلَّا أَن يَتَسَوَّكَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ) لأن النوم يغير الفم، فتأكد السواك عند
الاستيقاظ منه أزال لذلك التغير، سيما إن أريدت محادثة أو ذكر، وفي هذا الأسلوب
إيماء إلى أن ذلك كان دأبه عند كل استيقاظ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده حسن.
٣٨٤ [وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَسْتَاكُ فَيُعْطِينِيِ السِّوَاكَ لأَغْسِلَهُ فَأَبْدَأُ بِهِ،
فَأَسْتَاكُ ثُمَّ أَغْسِلُهُ وَأَدْفَعُهُ إِلَيْهِ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَسْتَاكُ فَيُعْطِينِ السِّوَاكَ لأَغْسِلَهُ) يؤخذ منه أن
غسل السواك في أثناء التسوك به وبعده وقبل وضعه سنة، وينبغي المحافظة على ذلك لما
قيل: إن غسله ووضعه بلا غسل يورث علة (فَأَبْدَأَ بِهِ فَأَسْتَاكُ) قبل غسله لينالني
(١) أخرجه أحمد (٢٦٠١٥)، وأبو داود (٥٧)، والبيهقي (١٧٠).
(٢) أخرجه أبو داود (٥٢)، والبيهقي (١٧٢).
٢٥٣
كتاب الطّهارة/ باب السواك
بركة ريقه الشريف (ثُمَّ أَغْسِلُهُ وَأَدْفَعُهُ إِلَيْهِ) ليكمل سواكه أو ليحفظه، وفيه أنه لا
بأس بسواك الغير، إذا علم رضاه وإلا حرم (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده حسن.
(الفصل الثالث)
٣٨٥ - [وَعَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَِّيَّ ◌َِّ قَالَ: أَرَانِي فِي الْمَنَامِ
أَتَسَوَّكَ بِسِوَاكِ، فَجَاءَفي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأَصْغَرَ
مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ. فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ مِنْهُمَا(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ: أَرَانِي) أي: أريت نفسي
ولا أثر للاتحاد هنا؛ لأنه مفتقر في باب علمت وما ألحق به (فِي الْمَنَامِ أَقَسَوَّك) هو
المفعول الثالث بإضمار أن؛ أي: متسوكًا (بِسِوَاكِ، فَجَاءَفي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ
الآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ) أي: لدفعه إلى الأكبر منهما
(فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ مِنْهُمَا) فيه أن إعطاء السواك إكرام، وينبغي أن محله فيما إذا وقع
بعد التسوك به، وإن غسل فيمن يعلم منه محبة ذلك، وإيثار محبة أو اعتقاد بترك.
وظاهر حديث ابن عباس أو الأعرابي في إيثاره بسؤره ◌َلّ ر اللبن، لكونه عن
اليمين على الأشياخ أبي بكر وعمر وغيرهما، لكونهم عن اليسار بعد أن استأذنه وله
في إعطائه لهم، فقال: لا أؤثر نصيبي منك أحدًا، إن المراد الكبر هنا في السن لا في
العلم والقدر.
ووجه أخذ ذلك من هذا أن ذاك دال على اعتبار من على اليمين من غير نظر
لسنة ولا لفضيلة، نظرًا إلى أن جلوسه باليمين هو المرجح له، فكذا أكبر السن هنا
يكون مرجحًا من غير اعتبار فضل ولا قدر، فإن قلت: يمكن الفرق بأنه ثم وجد
مرجح خارجي، وهو الجلوس على اليمين، ولا كذلك هنا لاستوائهما في كونهما أمامه،
قلت: ممنوع بل هنا مرجح خارجي أيضًا، وهو كبر السن، فهو لظهوره لكل أحد أحق
(١) أخرجه البخاري (٢٤٣)، ومسلم (٢٢٧١)، والبيهقي (١٧٠).
٢٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
بالرعاية من الفضل الذي لا يظهر إلا للبعض (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٣٨٦ - [وَعَنْ أَبِي أَمَامَةَ ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: مَا جَاءَّنِي جِبْرِيلُ الَّهُ قَظٌ
إِلَّا أَمَرَنِي بِالسِّوَاكِ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أُحْفِي مُقَدَّمَ فِيَ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ].
(وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللّه ◌ِ قَالَ: مَا جَاءَِّي جِبْرِيلُ الَّيْه) الظاهر أنه
من لفظه ◌َل﴾، وحينئذ ففيه نبأ على مساواة الملك للنبي في ندب الصلاة والسلام عدم
كراهة إفراد السلام عن الصلاة، وعكسه على خلاف ما نقله النووي عن العلماء، إلا
أن يجاب بأن الإفراد يحتمل أنه لبيان الجواز على أن رتبة الملك دون رتبة النبي، فلا
يلزم من عدم كراهة الإفراد في الملك عدمها في النبي (قَطْ إِلَّا أَمَرَنِي بِالسِّوَاكِ لَقَدْ
خَشِيتُ) أي: من شدة إكثاري له لكثرة، أمره لي به (أَنْ أَحْفِي) أي: أستأصل (مُقَدَّمَ
في) مناولته (رَوَاهُ أَحْمَدُ) وسنده حسن.
٣٨٧ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َيَّ: لَقَدْ أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي
السِّوَاكِ(٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: لَقَدْ) أي: والله لقد (أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ)
الأمر والوصية والحث (في) شأن (السِّوَاك) أي: وهذا يدل على عظيم محبتي له منكم،
وتأكيدي عليكم في إدامة ملازمته التي طلبتها منكم قولاً وفعلاً؛ فلذا أخبرتكم
بذلك الإكثار وإن كنتم عالمين به [لرغبتموه] من كونه ((مطهرة للفم مرضاة للرب)» (٣)
فلا تتركوه (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ..
٣٨٨ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ◌ِ يَسْتَنُّ
(١) أخرجه أحمد (٢٢٣٢٣)، والطبراني (٧٨٤٧)، وابن ماجه (٢٨٩).
(٢) أخرجه البخاري (٨٤٨)، وأحمد (١٢٤٨١)، وابن أبي شيبة (١٨١١)، والنسائي (٦)، والدارمي
(٦٨١)، وابن حبان (١٠٦٦)، وأبو يعلى (٤١٧١)، والبيهقي (١٤١).
(٣) أخرجه أحمد (٧)، وأبو يعلى (١٠٩)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦٦٨)، والدار قطني في
العلل (٦٩).
٢٥٥
كتاب الطّهارة/ باب السواك
وَعِنْدَهُ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَأُوِيَ إِلَيْهِ فِي فَضْلِ السِّوَاكِ: (أَنْ كَبِّرْ) أَعْطِ
السِّوَاكَ أَكْبَرَهُمَا(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ◌ِ يَسْتَنُّ) أي: يستاك،
والأسنان افتعال من الإنسان لا مراداة عليها أو من السن وهو إمرار ما فيه حروشة(٢)
على غيره، ومنه المسن الذي يستحد به الموسي مثلاً (وَعِنْدَهُ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ
الآخَرِ) أي: سنًّا على ما مر (فَأُوحِيَ إِلَيْهِ فِي فَضْلِ السِّوَاكِ: أَنْ كَبِّزْ) أي: (أَعْطِ السِّوَاكَ
أَكْبَرَهُمَا) أي: أُوحي إليَّ أمر عظيم في فضل السواك، وهو إعطاؤه للأكبر أول وحي إليه
أن إعطاء الأكبر من فضائل السواك المتأكدة.
وقياسه: إنه ينبغي تقديم الأكبر أيضًا في نحو السلام، وكذا الطيب والشرب
حیث لم يختص الأصغر بالیمین أحدًا مما مر في حديث ابن عباس.
وقياسه أيضًا: إن ذا اليمين يقدم بالسواك أيضًا؛ إذ لا فرق بين الإكرام بالشرب،
والإ كرام بالسواك (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وسنده حسن.
٣٨٩ - [وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيَّ: تَفْضُلُ الصَّلَاةُ الَّتِي يُسْتَاكُ لَهَا عَلَى
الصَّلَاةِ الَّتِي لَا يُسْتَاكُ لَا سَبْعِينَ ضِعْفًا(٣). رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ))].
(وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: تَفْضُلُ الصَّلَاةُ الَّتِي يُسْتَاكُ لَهَا عَلَى الصَّلاَةِ
الَّتِي لَا يُسْتَاكُ لَا سَبْعِينَ) مفعول مطلق أو ظرف؛ أي: أضعافًا سبعين أو مقدار سبعين
(ضِعْفًا) تمييز، فالتي بسواك أفضل من التي بلا سواك سبعين مرة، وضعف الشيء هو
مثله.
ومن ثم كان معنى: ﴿فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] مرة
بضلالهم، وأخرى بإضلالهم، فهو من الألفاظ المتضايفة كالنصف والزوج فلا يتركب
(١) أخرجه أبو داود (٥٠).
(٢) حرش الشيء حروشة: خَشُن في المعجم الوسيط (٣٤٧/١).
(٣) أخرجه البيهقي (١٦٢)، وفي شعب الإيمان (٢٦٥٥).
٢٥٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
إلا من قدرين متساويين، فأضعفت الشيء وضعفته ضممت إليه مثله، وأعط فلانًا
ضعفي يجري مجرى حال الزوجين في أن كلا يضاعف الآخر، فلا يخرجان عن الاثنين،
فظهر ما تقرر أن ضعف الشيء هو ذلك الشيء، ومثله واستشكل بأنه يلزم منه أن
السواك أفضل من الجماعة.
وإن قلنا: إنها فرض كفاية أو عين وأجيب بأن النفل قد يفضل الفرض كابتداء
السلام يفضل مع كونه مندوبًا جوابه مع كونه فرض كفاية أو عين، وكأنظار المعسر
فرض عين وإبراؤه سنة وهو أفضل، وبتقدير أن هذين ونحوهما لم يفضل فيهما فرض
نفلاً؛ لأنهما حصلا مصلحة الفرض، وزيادة أجيب بما فيه نظر، والأحسن منع وروده
الإشكال من أصله بأن يقال: إنما يراد أن لو كان واحد من السبعين ضعفًا هنا، بقدر
الدرجة الواحدة من السبعة والعشرين التي في صلاة الجماعة، فمن أثبت اتحادهما
توجه عليه الإشكال، ولزمه أن يفر إلى الجواب بما مر.
وأما إذا لم يثبت ذلك فلا إشكال أصلاً؛ لأن الواحدة من تلك السبعة
والعشرين قد تساوي كثيرًا من تلك السبعين فافهم ذلك (رَوَاهُ البَيْهَِيُّ فِي ((شُعَبٍ
الإِيمانِ») وسنده حسن.
وفي رواية سندها حسن: ((ركعتان بسواك خير من سبعين ركعة بلا سواك))(١)
فكل ركعة بخمس وثلاثين ولا منافاة، بل تحمل الزيادة التي أفادتها الأولى على أنه وليه
أعلم بالکثیر بعد إعلامه بالقليل.
٣٩٠ - [وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله وَ
يَقُولُ: (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلّ صَلَاةٍ، وَلَأَخَّرْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ
إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ)) قَالَ: فَكَانَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ يَشْهَدُ الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسْجِدِ، وَسِوَاكُهُ عَلَى أُذُنِهِ
مَوْضِعَ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ، لَا يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ إِلَّ اسْتَنَّ، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى مَوْضِعِهِ»(٢). رَوَاهُ
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٣)، وأبو داود (٤٧).
٢٥٧
كتاب الطّهارة/ باب السواك
التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ إِلَّا أَنَّهُ لَم يَذْكُرْ: ((وَلَأَخَّرْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ)) وَقَالَ
التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ صَحِيحٌ].
(وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَكول
يَقُولُ: لَوْلَا أَنْ أَشْقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَّمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَلَأَخَّرْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ
إِلَى قُلُثِ اللَّيْلِ) وقد مر الكلام على ذلك (قَالَ: فَكَانَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ يَشْهَدُ الصَّلَوَاتِ فِي
الْمَسْجِدِ، وَسِوَاكُهُ عَلَى أُذُنِهِ مَوْضِعَ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ، لَا يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ إِلََّّ اسْتَنَّ،
ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى مَوْضِعِهِ).
وفي رواية: ((كان السوَّك من أصحاب رسول الله وَل محل القلم من أذن
الكاتب)»(١) ففيها دليل على أن ذلك ليس من خصوصية زید.
ومن ثم أخذ أئمتنا أنه يسن وضع السواك على الأذن كما يصنع الكاتب قلمه على
ذلك، وحكمته أن وضعه في ذلك المحل يسهل تناوله كما أراد، ويذكر صاحبه به فلا
يغفل عنه (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد، إِلَّا أَنَّهُ لَم يَذْكُرْ: ((وَلَّخَّرْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى قُلُثٍ
اللَّيْلِ)) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثُ حَسَنُ صَحِيحٌ) ومر في الخطبة معنى هذه العبارة
وما فيها من الإشكال والأجوبة.
(١) أخرجه تمام في الفوائد (١٤٦٤).
(باب سنن الوضوء)
أي: أحوال النبي ◌َله الواردة في الوضوء والواجبة، فالسنة هنا بمعنى: الطريقة.
(الفصل الأول)
٣٩١ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ
نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ)(١).
مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ].
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ)
التقييد بذلك خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له كما يعلم مما يأتي (فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ)
مثلاً (فِي الإِنَاءِ) الذي فيه ماء مطلقًا أو ماء قليل؛ لأن العلة الآتية، وهي خشية
التنجیس إنما یوجد حينئذ.
(حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا) الأمر بها يتعدى؛ لأن الخشية المذكورة تزول بغسلة
واحدة، لكن من قواعدهم أن الشارع إذا عيا أمرًا بغاية، فإنما يخرج عن عهدته
بامتثال تلك الغاية، فمن ثم قال أئمتنا: لا تزول كراهة الغمس المستفادة من النهي
المذكور إلا بغسل الثلاث، وأن يتيقن الطهر بواحدة على فرض احتمال نجاستها المشار
إليه بقوله وَله: تعليلاً للنهي السابق أن نحو الفاء، و((أل)) المقترنة بوصف بعد حكم في
كلامه من طرق الإيماء إلى العلة.
(فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ) وإذا لم يدر ذلك احتمل تنجس يده بملاقاة
نجس بمخرجه أو غيره فكره له ذلك الغمس، ومثله مس الرطب لاحتمال تنجس ما
مسته يده ولو على بُعد، وألحق بهذا التردد الذي نشأ عن النوم التردد بغيره.
(١) أخرجه البخاري (١٦٠)، ومسلم (٢٧٨)، ومالك (٣٧)، والشافعي (١٠/١)، وابن حبان (١٠٦٢)،
وابن أبي شيبة (١٠٤٧)، وأحمد (٧٤٣٢)، وأبو داود (١٠٥)، والترمذي (٢٤) وقال: حسن صحيح.
والنسائي (١٦١)، وابن ماجه (٣٩٣)، وابن خزيمة (١٤٥)، والدار قطني (٥٠/١)، والبيهقي (٢٠٩).
٠ ٢٥٨ -
٢٥٩
كتاب الطّهارة/ باب سنن الوضوء
أما إذا انتفى قيد مما مر بأن كثر الماء أو تيقن طهارة يده وإن نام فلا كراهة؛
لانتفاء توهم التنجس، وحينئذ هو مخير بين أن يقدم غسل اليد في الوضوء مثلاً على
الغسل أو يؤخره عنه، فالثلاثة هذه هي المندوبة أول الوضوء لمريده، لكن يسن
تقدیمها عند الشك على الغمس.
واستفيد من الحديث أن الماء القليل ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة؛ لأنه لا
فائدة في النهي السابق إلا تنجس الماء لو تحقق ذلك الاحتمال، وأن النجاسة لا تؤثر في
الماء القليل، وهو ما دون القلتين إلا إن ورد عليه بخلاف ما إذا ورد هو عليها، فإنه
یظهرها بشرطه.
فإن التثليث في غسل النجاسة سنة؛ لأنه إذا طلب في المتوهمة هنا فأولى أن
يطلب في المخففة، وأن الأخذ بالاحتياط في العبادات وغيرها هو الأحرى ما لم يخرج
إلى حد الوسوسة، فإنها مضرة بالدين والدنيا، وأن الأولى الكناية عما يستحي من
التصريح به فإنه عدل لما مر عن الأصل الذي هو، فلعل يده أصابت دبره مثلاً؛ لأنهم
كانوا يستنجون بالحجارة فيعرق المحل لحرارة الحجارة، ثم النهي عن الغمس مجمع
عليه، وأكثر العلماء أنه تنزيه فإنه لو وضع يده بلا غسل لم يتنجس الماء؛ لأن الغسل
علق بموهوم وما علق بالموهوم لا يكون واجبًا سيما، والأصل الطهارة.
وقال أحمد في رواية: كالحسن البصري بظاهره أنه تحريم ويتنجس الماء (مُتَّفَقَّ
عَلَيْهِ) واللفظ لمسلم.
٣٩٢ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ
فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ)(١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ
فَلْيَسْتَنْثِرْ) عند الاستنشاق بأن يجذب الماء بنفسه إلى أعلى أنفه، ثم ينثره بعنف
(١) أخرجه البخاري (٣١٢١)، ومسلم (٢٣٨)، والنسائي (٩٠)، وابن خزيمة (١٤٩)، وأبو عوانة
(٦٧٧)، والبيهقي (٢٢٧).
٢٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
ليخرج ماء أنفه من أذى لا يصله خنصره الأيسر الذي يسن إزالة ما فيه به
الاستنشاق، ولا يبالغ في الجذب لئلا يصير سعوطًا بالماء وهو مضر، ومعنى نثر حرك
نثرته، وهي طرف أنفه أو فرق ما معه وكل يصح هنا.
(ثَلَاثًا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ) أي: أقصى أنفه يحتمل أنه حقيقة
كما قاله عياض، وخص الأنف؛ لأنه أحد المنافذ الذي يتوصل منها إلى القلب، لا سيما
وليس من منافذ الجسم ما ليس عليه غلق سواه وسوى الأذنيين.
وفي الحديث: ((إن الشيطان لا يفتح غلقًا)) وجاء في التثاؤب الأمر بلطمه من
أجل دخول الشيطان حينئذ في الفم، ويحتمل أنه استعارة، فإنما ينعقد من الغبار
ورطوبة الخياشيم قدر موافق الشيطان. انتهى.
والقاعدة المشهورة: أن كل ما جاء عنه وليه وأمكن حمله على ظاهره لا يعدل
إلى مجازة إلا بدليل يرجح الأول، وقيل: إنما خص الخيشوم؛ لأنه متصل بباطن الدماغ
المقدم الذي هو محل الجنس المشترك ومستقر الخيال، فإذا نام اجتمعت فيه الأخلاط
وكل الحس ويشوش الفكر.
فيرى أضغائًا ردية، ويتوالى عليه بعد يقظته الكسل الموجب لفقد النظر
الصحيح، والخضوع والقيام بما ينبغي من حقوق الصلاة فطلب منه إزالة ما في ذلك
الخيشوم الحاصل من بيات الشيطان عليه حتى تزول تلك المفاسد المترتبة عليه.
قيل: وهذا إنما هو من طريق الاحتمال، وإلا فالكلمات النبوية التي هي مخازن
الأسرار الربوبية، ومعادن الحكم الإلهية جلت أن يحافظ بمعانيها، سيما إن تعلقت
بالأمور الغيبية التي خص الله تعالى نبيه * بالاطلاع على غرائب معانيها وكاشفة
عن حقائق مبانيها، بما قصر عن بيانه باع الفهم وكلَّ عن إدراكه بصر العقل.
وقيل: إنما اختص الشيطان بالخيشوم؛ لأن المشاعر الخمسة كل منها آلة العلم
وطريق المعرفة إلى الله تعالى، سوى الخيشوم ورد بأن حس الشم أنسب المشاعر بعالم
الأرواح، ولذلك حبب إلى رسول الله وَله الطيب، وحرم عليه تناول ما يخالفه (مُتَّفَقُّ