النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
كتاب الطّهارة/ باب أدب الخلاء
بعرة علف لدوابكم)).
قال النبي ◌ُّ: ((فلا تستنجوا بها فإنها طعام إخوانكم من الجن))(١).
وجمع بعض العلماء بين رواية مسلم ورواية الترمذي بأن الأولى في حق
المؤمنين والأخرى في حق غيرهم، قال السهيلي: وهذا قول صحيح تعضده الأحاديث أن
الجن الحاضرين تلك الليلة أسلموا كلهم، فلم يكن هناك كفار حتى يخاطبهم بقوله:
((لكم كل عظم لم يذكر اسم الله عليه)(٢) وأعلمهم بأن ما لم يذكر اسم الله عليه
لغيركم من الكفار، فعبر الراوي عن ذلك بما مر ولم يبال بذلك الإيهام.
وأخرج ابن العربي بسنده عن جابر قال: بينا أنا مع رسول الله وَلهم؛ إذ
جاءت حية فقامت إلى جنبه فأدنت فمها من أذنه كأنها تناجيه، فقال النبي
الله
وسـ
(نعم))(٣) فانصرفت فسألته، فأخبرني أنه رجل من الجن، وأنه قال: مرأمتك لا يستنجوا
بالروث ولا بالرمة، فإن الله تعالى جعل لنا في ذلك رزقًا.
وأخرج أبو نعيم عن ابن مسعود قال: خرج رسول الله ولو قبل الهجرة إلى
نواحي مكة فخط لي خطًّا، فقال: ((لا تحدثن شيئًا حتى آتيك)) ثم قال: ((لا يروعنك ولا
يهولنك شيء تراه)) فتقدم شيئًا ثم جلس فإذا رجال سود كأنهم رجال الزط، وكانوا كما
قال الله تعالى: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] ثم إنهم تفرقوا عنه فسمعتهم
يقولون: يا رسول الله، إن شقتنا بعيدة ونحن منطلقون فزودنا، قال: ((فلكم الرجيع،
وما أتيتم عليه من عظم فلكم عليه لحم، ومما أتيتم عليه من الروث فهو لكم تمر))
فلما ولوا قلت: من هؤلاء؟ قال: ((جن نصيبين))(٤).
وروى جمع وصححه الحاكم عن ابن مسعود أنه ول﴾ قال لأصحابه وهو بمكة:
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) ذكره السهيلي في الروض الأنف (٢٣٥/٢).
(٤) أخرجه الطبراني (٩٨٢٥).

٢٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
((من أحب منكم أن يحضر الليلة أمر الجن فليفعل))(١) فلم يحضر أحد منهم غيري،
فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة؛ أي: في الحجون كما في روايات خط لي برجله خطًا،
ثم أمرني أن أجلس فيه ثم انطلق عني، فأمّ فاستفتح القرآن فغشيته أسودة كثيرة
وحالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته، ثم انطلقوا فطفقوا يتقطعون مثل قطع
السحاب ذاهبين حتى بقي منهم رهط، وفرغ رسول الله وَّ ر مع الفجر فانطلق فبرز، ثم
أتاني فقال: ((ما فعل الرهط)) فقلت: هم أولئك يا رسول الله، فأخذ عظمًا وروثًا
فأعطاهم إياه ثم ((نهى أن يستطيب أحد بعظم أو روث))(٢).
وأخرج ابن جرير وأبو نعيم أنه وَّ خرج ليلة المسجد، ومعه عسيب نخل
فرض به صدر ابن مسعود فقال: ((انطلق معي)) فانطلق، قال ابن مسعود: فانطلقت معه
حتى أتينا بقيع الغرقد فخط بعصاه خطًّا، ثم قال: ((اجلس فيها ولا تبرح حتى آتيك))
ثم انطلق يمشي وأنا أنظر إليه خلال النخل، حتى إذا كان من حيث أراه ثارت مثل
العجاجة السوداء فغرب بيني وبينه، فسمعت رسول الله صل* يقرعهم بحصاة، ويقول:
((اجلسوا حتى كان ينشق عمود الصبح)) ثم ثاروا وذهبوا فأتاني رسول الله وَله فقال: ((لو
أنك خرجت من هذه الحلقة ما آمنت عليك أن يخطفك بعضهم، فهل رأيت من
شيء؟)) فقلت: رأيت رجالاً سودًا مستثفرين بثيابٍ بيض، فقال: ((أولئك وفد جن
نصيبين يسألون المتاع)) أي: الزاد ((فمتعتهم بكل عظم حائل أو روثة أو بعرة)) قلت:
وما يغني عنهم ذلك؟ قال: ((إنهم لا يجدون عظمًا إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان
عليه يوم أكل، ولا روثة إلا وجدوا عليها حتى الذي كان عليها يوم أكلت، فلا
يستنجي أحدكم بعظم ولا روثة)) (٣).
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٣٨١٧)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦٣٠٤)، والبيهقي في
دلائل النبوة (٥٢٨).
(٢) أخرجه الحاكم (٣٨٥٨)، والبيهقي (٥٣٥)، والدارقطني (٨).
(٣) أخرجه الطبري (٣٢/٢٦)، ولم أقف عليه عند أبي نعيم.

٢٢٣
كتاب الطّهارة/ باب أدب الخلاء
وبقيت أحاديث كثيرة في هذا المعنى، ويستفاد من مجموعها أن وفادة الجن
تكررت عليه * مرات عديدة بمكة ثم بالمدينة، وفي بعضها كما عند ابن جرير
أنهم لما سألوه الزاد قال: ((كل عظم لكم عرق، وكل روثة لكم خضرة)» قالوا: يا
رسول الله، تقذرها الناس عليها، فنهى أن يستنجى بأحدهما(١).
(فوائد) عزيزة يحتاج إليها، أجمع المسلمون كافة على أنه ويهديهم أرسل إلى جميع
الجن والإنس، فأوجب عليهم الإيمان به وبكل ما جاء به وطاعته، وأن يحلوا ما حلل
ويحرموا ما حرم، وأن يحبوا ما أحب ويكرهوا ما كره، ومن كفر منهم عوقب
ككفار الإنس، وصح أنهم هبطوا عليه وَله وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة فلما سمعوه
قالوا: انصتوا، وكانوا تسعة أحدهم زوبعة؛ فأنزل الله: ﴿وَإِذْ صَرَّفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًّا مِّنَ
الجِنِّ﴾ إلى ﴿مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢] وأن الذي أذنه منهم ليلة؛ إذ شجرة.
وأخرج الواقدي وأبو نعيم: ((إن قدوم الجن عليه ولوكان في ربيع الأول سنة
إحدى عشرة من الهجرة))(٢).
وفي حديث له طرق متعددة يبلغ بها درجة الحسن: ((إن هامة الجني ابن ابن ابن
إبليس جاء إلى النبي ولي# فسلم عليه فرد ◌َ ﴾ وقال: ((نعمة الجن وعمتهم)) فسأله: من
هو فأخبره بنسبه، وأنه أفنى عمر الدنيا إلا قليلاً، وأنه عند قتل هابيل كان غلامًا
يفهم، ويأمر بالفساد، وأنه كان مع نوح في مسجده مع من آمن به من قومه، وأنه سأله
أن له شركاء في دم الشهيد السعيد هابيل، فهل له توبة؟ فأخبره؛ أي: نعم ثم أمره
بالوضوء وأن يسجد سجدتين ففعل، فأخبره أن توبته نزلت من السماء فخر لله ساجدًا
حولاً، وأنه كان مع هود في مسجده مع من آمن به، وأنه كان زوارًا ليعقوب، وكان من
يوسف بالمكان الأمين، وكان يلقى الناس بالأودية ويلقاه الآن، وأنه لقي موسى فعلمه
من التوراة، وأمره أن يقرأ سلامه على عيسى ففعل، وأن عيسى قال له: إن أنت لقيت
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٧٧٧).
(٢) ذكره الصالحي في سبل الهدى والرشاد (٤٤٣/٢).

٢٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
محمدًا فأقرئه مني السلام فبكى ولام ورد السلام على عيسى وعلى هامة بأدائه الأمانة،
وأن هامة طلب منه أن يعلمه من القرآن كما علمه موسى من التوراة فعلمه وَليه
الواقعة والمرسلات و﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ) و(إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ﴾ [التكوير]
والإخلاص والمعوذتين، وقال: ((ارفع إلينا حاجتك يا هامة ولا تدع زيارتنا)) قال عمر:
فقبض رسول الله وَل( ولم ينعه إلينا فلست أدري أحي هو أم ميت)(١).
وذكر السبكي في ((فتاويه): إنهم مكلفون بجميع ما كلف به الإنس وأطال فيه.
وذكر ابن مفلح الحنبلي: إنهم مكلفون في الجملة يدخل كافرهم النار ومؤمنهم
الجنة يأكلون ويشربون فيها خلافًا لبعضهم، ولم يبعث إليهم من قبل نبينا، وليس
منهم رسول الله خلافًا للضحاك وغيره، ومعنى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلُّ مِّنكُمْ﴾ [الأنعام:
١٣٠] أي: من مجموعكم على حد: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللَّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢].
وقال ابن تيمية: ليسوا كالإنس في الحد والحقيقة، ولكنهم يشاركونهم في جنس
التكليف بالأمر والنهي والتحريم والتحليل. انتهى.
ويؤيد ما قاله السبكي ما أفاده كلام جمع من الحنابلة: إنه يعتبر لصحة صلاته ما
يعتبر لصحة صلاتنا، وأنه في الزكاة كالآدمي، وإذا ثبت دخوله في بعض العمومات إجماعًا
كآية الوضوء وآية الصلاة فما الفرق، وأنه في الصوم والحج كالآدمي، وأنه يحرم عليهم
ظلم الآدمي وظلم بعضهم لبعض كما هو ظاهر الأدلة؛ إذ من المعلوم أن كل من دخل
في عمومات الشرع عمه كلام المكلف العام إلا أن يمنع منه، لكن الأصل عدمه فعلى
مدعيه الدليل، ويجب ستر العورة عنهم إن علم حضورهم، ويسقط الفرض بتجهيزهم
الميت كتكليفهم، وكذا كل فرض كفاية.
وحديث: ((ذاك رجل بال الشيطان في أذنه))(٢).
(١) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢١٥١).
(٢) أخرجه البخاري (٣٠٩٧)، ومسلم (٧٧٤)، وأحمد (٤٠٥٩)، والنسائي (١٦٠٨)، وَابْنُ ماجه
(١٣٣٠)، والبزار (٢٠٤٩).

٢٢٥
كتاب الطّهارة/ باب أدب الخلاء
وحديث: ((لما سمي قاء الشيطان كل شيء أكله)(١) يدلان على أن بوله وقيئه
طاهران، وهذا غريب قد [يصاب به] (6) هذا حاصل كلام صاحب ((الفروع)) من
الحنابلة، ولا نسلم دلالة هذين على الطهارة؛ لأنه لما احتمل أن ذلك حقيقة أو تجوز لم
يجب غسل الأذن، ولم نقل بنجاسة الطعام لا لطهارة ذينك، بل للشك في وجودهما.
٣٥١ - [وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهُ: (يَا رُوَيْفِعُ، لَعَلَّ
الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ بَعْدِي فَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنَّ مَنْ عَقَدَ لِخِيَتَهُ، أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًّا، أَوِ اسْتَنْجَى
بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ فَإِنَّ مُحَمَّدًا فَهِ مِنْهُ بَرِيءُ)) (٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ رُوَيْفِعَ بْنِ ثَابِتٍ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: يَا رُوَيْفِعُ، لَعَلَّ الْحَيَاةَ
سَتَطُولُ) السين للتأكيد في الاستقبال (بِكَ) الباء للإلصاق (بَعْدِي فَأَخْبِرٍ) جواب
شرط محذوف؛ أي: لعل الحياة ستمتد حال كونها ملتصقة بك حتى ترى الناس قد
ارتكبوا أمورًا من المعاصي يتهاجرون بها، فإذا رأيت ذلك فأخبر (النَّاسَ) فيه معجزة
عظمى له وَل﴾، وهي إطلاع الله له على نوع، وهو في الدين يقع قبل انقضاء القرن الأول
الذي هو خير القرون.
(أَنَّ مَنْ عَقَدَ لِخِيَتَهُ) قيل: هو معالجتها حتى تنعقد وتتجعد من قولهم: جاء
فلان عاقدًا عنقه إذا لواه تكبرًا.
وقيل وهو الأظهر: كانوا يعقدونها في الحروب فأمرهم وَيّ بإرسالها لما في عقدها
من التأنيث (أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا) بأن يجعل وتر قوس في عنق فرسه؛ لئلا تصيبه العين،
وحكمة النهي رد ما توهموه مع إعلامهم بأن ذلك لا يرد شيئًا من قدر الله، وأن الله
هو الصارف للبلايا والحافظ عن المكاره، أو خشية أنها تختنق به، لا سيما عند شدة
(١) أخرجه النسائي في الكبرى (٦٧٥٨)، وفي عمل اليوم والليلة (٢٨٢).
(٢) هكذا في الأصل.
(٣) أخرجه أحمد (١٧٠٣٦)، وأبو داود (٣٦)، والنسائي (٥٠٦٧)، والطحاوي (١٢٣/١)، والطبراني
(٤٤٩١).

٢٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
الركض.
(أَوِ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ فَإِنَّ مُحَمَّدًا) عدل إليه عن فإنا أو فإني اهتمامًا
بشأن تلك الأمور، وتأكيدًا ومبالغة في النهي عنها (مِنْهُ بَرِيءُ) فلا يكمل اعتناؤه به
لا سيما في مضائق الآخرة (رواه أبو داود) وَالنَّسَائِيّ وسنده حسن.
٣٥٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ
فَعَلَهُ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ
لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ أَكَلَ فَلْيَتَخَلَّلُ، فَمَا تَخَلَّلَ فَلْيَلْفِظُ، وَمَا لَاكَ بِلِسَانِهِ فَلْيَبْتَلِعْ، مَنْ
فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ أَنَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا أَنْ يَجْمَعَ
كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَدْبِرْهُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ،
وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ)(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِيُّ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنِ اكْتَحَلَّ) أي: من أراد
الاكتحال، وكذا البواقي (فَلْيُوتِرْ) ندبًا، وأفضله أن يجعل في اليمين ثلاثًا متوالية، ثم
اليسرى ثلاثًا كذلك (مَنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أَحْسَنَ) بفعل السنة، وتحصيله ثواب امتثال
الأمر بها.
(وَمَنْ لَا) يفعل (فَلَا حَرَجَ) أي: لا إثم عليه؛ لأنه لم يترك واجبًا واحتيج لمن
وما بعدها؛ لأن وضع الأمر للوجوب، فلو لم يأتِ بما فعل إلى آخره انصرف إليه، وهذا
أدل دليل للأصح عند الأصوليين أن وضع الأمر ذلك واستعماله في الندب وغيره مجاز.
(وَمَنِ اسْتَجْمَرَ) واحتاج للزيادة على الثلاث لما مر من تمنيها مطلقًا في
أحاديث (فَلْيُوتِرْ) ندبًا إن أنقى بشفع (مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجٌّ، وَمَنْ
أَكَلَ [فَلْيَتَخَلَّلْ](٢) فَمَا) شرطية أو موصولة، ووقوع الفاء في حيز الموصول لشبهه
(١) أخرجه أبو داود (٣٥)، وَابْنُ ماجه (٣٤٩٨)، والطحاوي (١٢١/١)، وابن حبان (١٤١٠)، والبيهقي
(٥٠٨)، والدارمي (٦٦٢).
(٢) سقطت من الأصل.

٢٢٧
كتاب الطّهارة/ باب أدب الخلاء
بالشرط أو تضمنه له، ووقوع الشرطية جزء الشرط آخر غير ممنوع.
(تَخَلَّلَ) أي: أخرجه بالخلال من بين أسنانه (فَلْيَلْفِظُ) أي: يطرحه ولا يبتلعه؛
لأنه لا يثبت بينها حتى يحتاج في خروجه إلى خلال إلا ما له جرم وغالبًا، أنه بذلك
الشبوت یحصل له مما بينها نوع عفونه، فلم یناسب ائتلا که.
(وَمَا لَاكَ) أي: أخرجه (بِلِسَانِهِ فَلْيَبْتَلِغْ) لأن خروجه به يدل على عدم ثبوته
وسهولة جرمه، وأنه لم يحصل له ذلك التغير (مَنْ فَعَلَ) ما أشير إليه من التخلل الذي
هو سنة، بل قيل: إنه أفضل وآكد من السواك، وما صرح به من ربي ذاك وابتلاع هذا
(فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ) حيث لم يتلوث الخارج بدم اللثة وإلا حرم ابتلاعه
لما علم وتقرر من حرمة أكل المتنجس.
(وَمَنْ أَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَيِزْ) وجوبًا إن كان ثم من ينظر إلى عورته، وندبًا إن لم
يكن هناك أحد أو كان هناك من لا يحرم عليه نظر عورته من حليلته زوجته أو أمه.
(فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) ساترًا (إِلَّ أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا) أي: إلا كئيبًا مجموعًا فهو استثناء
متصل (مِنْ رَمْلٍ) ارتفاعه ثلثا ذراع، وقد قرب منه ثلاثة أذرع فأقل (فَلْيَسْتَدْبِرْهُ)
أي: فليجمعه ثم يستدبره أو يستقبله وأوتر الاستدبار؛ لأن القبل يسهل ستره بالذيل
غالبًا، فالحاجة بالدبر إلى الستر أمس فلا يعكر ذلك على قول أصحابنا: لو هبت ريح
عن يمين القبلة ويسارها جاز الاستقبال والاستدبار.
فإن تعارضا وجب الاستدبار؛ لأن الاستقبال أفحش نظرًا إلى ما في كشف الدبر
من الفحش، ولا ينافيه قول أئمتنا: لو تعارض سترهما في المصلى قدم القبل؛ لأنه
لكونه إلى القبلة مع عدم ما يستره، والدبر مستور بالأليتين وذلك لا يأتي هنا.
ثم علل # الأمر بالستر ببيان مفسدته اللازم من قصور هذه آية التجوز منه،
فقال: (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ) من شطن إذا بعد أو شاط إذا هلك (يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ) إذا
لم يستتروا، فإدامة النظر إليها مع كثرة وسوسته الغير، وحمله على النظر إليها أيضًا
وسوسة المتبرز وحمله على الفساد بها.

٢٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
ومن فوائد الستر أيضًا: الاحتراز به من ريح تهب حال خروج البول فيعيده على
بدنه أو ثيابه، ومن ثم كره له البول والتغوط بمائع في مهب ريح وقت هبوبها.
ومنه المراحيض المشتركة؛ لئلا يترشش بذلك (مَنْ فَعَلَ) ما أمره به من الستر
حيث لا يراه من يحرم نظره إليه (فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا) يفعل ما أمر به ندبًا، وهو
الستر حيث لا يراه من يحرم نظره إليه (فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه
وَالدَّارِمُ) وفي سنده من لا يعرف.
٣٥٣ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِ: ((لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ
فِي مُسْتَحَمِّهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ أَوْ يَتَوَضَّأُ فِيهِ، فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ فِيهِ»(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ إِلَّا أَنَّهُمَا لَم يَذْكُرًا: ((ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ أَوْ يَتَوَضَّأُ فِيهِ))].
(وَعَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي
مُسْتَحَمِّهِ) وهو المغتسل أو المتوضأ من الحميم وهو الماء البارد (ثُمَّ) هو عطف فما بعده
يجوز فيه الرفع والنصب والجزم، وقيل: ثم استبعاد الجمع بين ما قبلها وما بعدها من
العاقل (يَغْتَسِلُ فِيهِ أَوْ يَتَوَضَّأُ فِيهِ، فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ فِيهِ) باعتبار أنه ماء الطهر،
وحينئذٍ تصيب أرضه النجسة بالبول ثم يعود إليه فكره البول فيه كذلك، ومن ثم لو
كانت أرضه تربة لا يعود منها رشاش أو كان له مفسد بحيث لا يثبت فيه شيء من
البول لم يكره البول فيه ألا يُحير الوسواس حينئذٍ؛ لأمنه من عود الرشاش في الأول
ولطهر أرضه في الثاني بأدنى ماء طهور تم عليها.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ) وَابْنُ مَاجَه (إِلَّا أَنَّهُما) كابن ماجه (لَم
يَذْكُرَا: ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ أَوْ يَتَوَضَّأُ فِيهِ) وكان حكمة حذف ذلك أنه مفهوم من لفظ
المستحم لما مر في تفسيره.
(١) أخرجه أحمد (٢٠٥٨٢)، وأبو داود (٢٧)، والترمذي (٢١) وقال: غريب. والنسائي (٣٦)، وَابْنُ
ماجه (٣٠٤)، وعبد الرزاق (٩٧٨)، والحاكم (٥٩٥) وقال: صحيح على شرط الشيخين.
وعبد بن حميد (٥٠٥)، وابن الجارود (٣٥).

٢٢٩
كتاب الطّهارة/ باب أدب الخلاء
٣٥٤ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِِّ: ((لَا يَبُولَنَّ
أَحَدُكُمْ فِي جُحْرِ)) (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ].
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَُّ: لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي
جُحْرٍ) وهو نقب مستدير، وأريد به ما يشمل السرب بفتحتين وهو المستطيل، وحكمة
النهي عن ذلك ما جاء في رواية أخرى من أن الراوي علله بأنه مساكن الجن، ومن
ثم قيل: إن سعد بن عبادة سيد الخزرج ظه بال في جحر بأرض حوران فرمته الجن
بسهم فقتلوه، ثم سمع منهم: نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة، رميناه بسهم فلم
يخط فؤاده.
وعلله غيره بأنه ربما كان به حيوان قوي فیؤذيه، أو ضعيف فیتأذى منه،
والكلام في غير جحر معد لذلك فالمعد لا كراهة فيه (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ) وسنده
حسن.
٣٥٥ - [وَعَنْ مُعَاذٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةِ: الْبَرَازَ
فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظُّلِّ)(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ مُعَاذٍ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهَ: اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ) جمع ملعنة، وهي
الفعلة التي توجب لعن فاعلها عادة، كأنها مظنة اللعن ومعلم له كما في حديث:
((الولد مبخلة مجبنة))(٣).
(الثَّلَاثَةِ: الْبَرَازَ) أي: قضاء الحاجة من بول أو غائط (فِي الْمَوَارِدِ) جمع مورود
مفعلة من الورود، وهي طرف الماء الذي يرده الناس عينًا كان أو نهرًا (وَ) في (قَارِعَةٍ
(١) أخرجه النسائي (٣٤)، والحاكم (٦٦٧)، ولم أقف عليه عند أبي داود.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٦)، وَابْنُ ماجه (٣٢٨)، والطبراني (٢٤٧)، والحاكم (٥٩٤)، وقال: صحيح
الإسناد. ووافقه الذهبي. والبيهقي (٤٧٤).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٦٦٦)، وقال البوصيري (٩٩/٤): هذا إسناد صحيح. وابن أبي شيبة
(٣٢١٨٠)، والطبراني (٢٥٨٧) وأحمد (١٧٥٩٨). قال الهيثمي (٥٤/١٠): رجالهما ثقات. وقال
المناوي (٤٠٣/٢): قال الحافظ العراقي: إسناده صحيح.

٢٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
الطّرِيقِ) أي: وسطها يسمى بذلك؛ لأن الناس يقرعونه للمرور عليه بأرجلهم أكثر من
بقية الطريق، ويصح أن يراد الطريق كلها، وأن تكون الإضافة بيانية، فيكره التبرز في
كل جزء من أجزائها، وهو الذي دل عليه كلام الأئمة تبعًا للتعبير في الرواية السابقة
بالطريق (وَالظُّلِّ) في الصيف ومثله الشمس في الشتاء كما مرَّ بما فيه (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَابْنُ مَاجَه) وسنده حسن.
٣٥٦ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((لَا تَخْرُجُ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ
الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ فَإِنَّ اللهَ رَتْ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ))(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَأَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ يَقُولُ: لَا يَخْرُجُ) بالرفع خبرًا
وبالكسر نهيًا (الرَّجُلَانِ) أو المرأتان (يَضْرِبَانِ) حال أو صفة؛ لأن ((الـ)) في الرِّجلان
للجنس؛ أي: كذا المرأتان، من ضرب الأرض؛ أي: الخلاء، وأما ضرب في الأرض
فمعناه: سافر (الْغَائِط) یصح أن يراد به كل من معناه الحقيقي والمجازي، وعلى کلٍ فھو
مفعول به، وفسر يضربان بيذهبان فنصبه بنزع الخافض؛ أي: للغائط، ويصح أيضًا
إرادة كل ما معنييه المذكورين.
وقيل: يصح أن يراد به الأول ويكون ظرف أو المفعول له محذوف؛ أي: يذهبان
للمكان المطمئن لأجل الغائط (كَاشِفَيْنِ) حال مقدرة من فاعل يضربان، وغير مقدرة
إن جعل حالاً من فاعل يتحدثان (عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ) قيل: صفة بعد صفة أو
حال بعد حال، ولو جعل حالاً من هما المضاف إليه بناء على أن كاشفين حال منتظره
لکان قریبًا.
(فَإِنَّ اللهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ) المركب من محرم هو كشف العورة بحضرة الآخر
ومكروه، هو التحدث الآتي ولا يلزم من ترتب المقت على مركب ترتبه على كل من
(١) أخرجه أحمد (١١٣٢٨)، وأبو داود (١٥)، والنسائي في الكبرى (٣٣)، وابن ماجه (٣٤٢)، وابن
خزيمة (٧١)، وابن حبان (١٤٢٢)، والحاكم (٥٦٠) وقال: صحيح. والبيهقي (٤٨٧).

٢٣١
كتاب الطّهارة/ باب أدب الخلاء
جربه، فلا دلالة في الخبر على حرمة التكلم حال خروج الخارج.
فلذلك قال أئمتنا: بكراهية حال خروج الخارج ولو بغير ذكر أما هو في الخلاء
بعد أو قبل خروج الخارج فلا يكره إلا بذكر أو قرآن، فإن عطس حمد بقلبه ولو
سلم عليه لم يرد اقتداءً به ◌َ له وقد يحرم السكون كأن رأى عاقلاً قصده مؤذيًا كحية
أو أعمى أشرف على الوقوع في بئر فيلزمه إعلامه، ويكره الكلام ولو بغير ذكر حال
الجماع أيضًا (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه) وسنده حسن.
٣٥٧ - [وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ
مُخْتَضَرَةُ، فَإِذَا أَنَى أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِاللّهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ)(١). رَوَاهُ أَبُو
دَاوُدِ وَابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِنَّ) أتى بها ردًّا لإنكار ما في
حيزها؛ لأنه وإن كان من الغيب هو ممن لا ينطق عن الهوى (هَذِهِ الْحُشُوشَ) جمع حش
بفتح أوله وأصله البستان، ثم نقل لمحل القضاء للحاجة؛ لأنها كانت تكثر منهم في
البساتين (مُخْتَضَرَةُ) أي: تحضرها الجن؛ لأنها مهجورة من ذكر الله تعالى.
(فَإِذَا أَى أَحَدُكُمُ الْخُلَاءَ) ولو جديدًا ومثله المحل الذي أراد الجلوس به في
الصحراء مثلاً (فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِاللّهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخْبَائِثِ) ومر أنه يقول: «اللّهُمَّ إِني
أعوذ بك من الخبث والخبائث))(٢) فيتخير بين الصورتين ويسن أن يقدم على كل منهما
(«بسم الله)) للرواية الآتية.
وعلم من قوله: محتضرة أن حكمته ندب ذلك أن المعد مأواهم، وغيره يصير
مأوى لهم بخروج الخارج ولو ترك ذلك الذكر حتى دخل الخلاء أو وصل لما يريد
(١) أخرجه أحمد (١٩٣٠٥)، وأبو داود (٦)، والنسائي في الكبرى (٩٩٠٣)، وابن ماجه (٢٩٦)،
والطيالسي (٦٧٩)، وأبو يعلى (٧٢١٨)، وابن خزيمة (٦٩)، وابن حبان (١٤٠٦)، والطبراني
(٥١٠٠)، والحاكم (٦٦٩) وقال: على شرط الصحيح. والبيهقي (٤٥٩).
(٢) تقدم تخريجه.

٢٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
الجلوس به قاله بقلبه (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه) وسنده حسن.
٣٥٨ - [وَعَنْ عَلِيِّ - كَرَّمَ اللّهُ وَجْهَهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةُ: (سَتْرُ مَا بَيْنَ
أَعْيُنِ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمُ الْخَلَاءَ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ الله)(١). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِقَوِيٌّ].
(وَعَنْ عَلِيِّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَُّ: سَتْرُ مَا) موصولة
صلتها الفعل الذي تعلق به (بَيْنَ أَعْيُنِ الْجِنِّ وَعَوْرَاتٍ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمُ
الْخُلَاءَ) أي: وقت دخول أحدهم الخلاء، فهو ظرف لستر، وخبره (أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ الله)
أي: اتحصن من الشيطان فيسن له أن يقول ذلك، ويؤخذ منه أن الإنسان متى كشف
عورته في الخلوة سن له أن يقول: ((بسم الله)) حتى يكون ذلك مانعًا للجن من رؤية
عورته (رَوَاءُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِقَوِيٌّ) ومع ذلك
يعمل به هنا؛ لأن ما هنا من فضائل الأعمال وهي يكفي فيها الضعيف بسائر أنواعه
ما لم يشتد ضعفه.
٣٥٩ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ إِذَا خَرَجَ مِنَ
الْخَلَاءِ قَالَ: ((غُفْرَانَكَ)) (٢)].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ
قَالَ: غُفْرَانَكَ) أي: أسألك أو اغفر، فيسن لكل أحد أن يقول ذلك في حال انصرافه
عن محل قضاء الحاجة ولو بصحراء، واقتصر بعض أصحابنا على ما في هذه الرواية،
والأصح عند الأكثرين أن يضم إليها بعدها ما جاء في رواية أخرى: ((الحمد لله الذي
أذهب عني الأذى وعافاني)»(٣).
وحكمة سؤاله المغفرة وخوفه من التقصير في شكر هذه النعمة المشتملة على نعم
(١) أخرجه الترمذي (٦٠٦)، وابن ماجه (٢٩٧).
(٢) أخرجه الترمذي (٧)، والدارمي (٧٠٥)، وابن ماجه (٣١٨).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٢٠)، وابن أبي شيبة (١٠).

٢٣٣
كتاب الطّهارة/ باب أدب الخلاء
لا تحصى، منها: نعمة تحصيل أو حصول المأكول الذي به غذاء البدن وقوامه وإعانته
على سائر الطاعات، وحفظه من جميع المهلكات ووصوله للمعدة مع غاية اللذة ونهاية
النزه، ثم هضمه وتسهيل خروجه والمعافاة من بقايا شيء منه مضرًّا، وفي تسببه يكره
تعاطي الشهوات إلى دخول ذلك المحل الذي لا يليق فيه الذكر باللسان، ومن ثم رأى
بعض أصحابنا أنه يكرر سؤال المغفرة ثلاثًا لعظم الحياء من الله تعالى.
وسيأتي أنه و لو كان يقول: ((الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)(١) فيسن
أن يقول ذلك بعد قوله: ((غفرانك)» [(رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِيُّ)] (٢):
٣٦٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا أَنَى الْخَلَاءَ أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فِي ◌َوْرٍ
- أَوْ رَكْوَةٍ - فَاسْتَنْجَى، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِإِنَاءٍ آخَرَ فَتَوَضَّأَ(٣). رَوَاهُ أَبُو
دَاوُد، وَرَوَى الدَّارِيُّ وَالنَّسَائِيِّ مَعْنَاهُ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا أَنَى الْخَلَاءَ أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فِي تَوْرٍ) هو
بالفوقية إناء من صفر أو حجر (أَوْ رَكْوَةٍ) وهي إناء من جلد، و(أو)) للتنويع كما هو
ظاهر؛ أي: تارة بهذا، وتارة بهذا (فَاسْتَنْجَى) بالماء (ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ) عند
غسلها.
أثر ذلك مبالغة في نظافتها وتعليمًا لأمته ذلك، فليس ذلك لكل مستنجٍ بماء،
وإن قدم عليه الحجر؛ لأن مماسة اليد لذلك المحل فيها نوع استقذار، وطلبت المبالغة
في تنظيفها إزالة لذلك بكل وجه.
(ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِإِنَاءٍ آخَرَ فَتَوَضَّأَ) منه وقد يؤخذ منه أنه يندب أن يكون إناء
الاستنجاء غير إناء الوضوء، إلا أن يجاب بأنه يحتمل أن سبب التعدد، فقد إناءٍ واحد
يسع ما يكفي الاستنجاء والوضع، وإنه ينبغي الاستقصاء في الاستنجاء، وإن استدعى
(١) تقدم تخريجه.
(٢) سقطت من الأصل، وهذا المثبت في المشكاة.
(٣) أخرجه أبو داود (٤٥)، والبيهقي (٥٣٢).

٢٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
استعمال ما فيه نوع كثرة ما لم يخرج إلى الوسواس المضر في الدين والدنيا (رَوَاهُ أَبُو
دَاوُد) وَابْنُ مَاجَه (وَرَوَى الدَّارِمُّ وَالنَّسَائِيِّ مَعْنَاهُ) وسنده حسن، وكان سبب تقدیم
الدارمي على خلاف عادته، وعادة غيره أن ذلك المعنى في رواية الدارمي أظهر وأتم منه
في رواية النسائي.
٣٦١ - [وَعَنِ الْحَكَمِ بْنِ سُفْيَانَ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّوَ إِذَا بَالَ تَوَضَّأَ وَنَضَحَ
فَرْجَهُ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيّ].
(وَعَنِ الْحَكَمِ بْنِ سُفْيَانَ) أو سفيان بن الحكم عليه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ إِذَا بَالَ
تَوَضَّأَ) يحتمل أن يريد به الاستنجاء، وأن يريد به الوضوء الشرعي، وهذا هو الذي يدل
عليه الحديث الآتي، وهو الذي فهمه أئمتنا حيث ندبوا لمن فرغ من وضوئه أن يأخذ
غرفة من ماءٍ، وأن يرش بها مذاكيره وسراويله ليزيل ما يعتريه من الوسواس؛ بسبب
عود رشاش عليه من الوضوء وغيره.
(وَنَضَحَ فَرْجَهُ) أي: رشه بقليل من الماء بعد الوضوء؛ ليعلم به أمته ذلك حتى
ينتفي به الوسواس عنهم، وأما هو ◌َلّ؛ فقد أجاره الله من كيد الشيطان بكل وجه؛
لأن الله أعانه عليه حتى أسلم وصار لا يأمره إلا بخير كما جاء عنه ◌َله (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَالنَّسَائِيّ) وَابْنُ مَاجَه وسنده حسن.
٣٦٢ - [وَعَنِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ قَالَتْ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ◌َ﴿ قَدَعُ مِنْ عَيْدَانٍ تَّحْتَ
سْرِيِهِ يَبُولُ فِيهِ بِاللَّيْلِ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيّ].
(وَعَنِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةً قَالَتْ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ◌َ﴿ قَدَحُ مِنْ عَيْدَانٍ) جمع عود، وهو
الخشب (تَحْتَ سَرِيرِهِ) فيه أن النوم على السرير لا ينافي الزهد، لكنه يت لو كان يكتفي
عليه بأدنى فرش، ولقد ثنى له فرشه ليلة فأمر ببسطه، وقال: منعني أو كاد أن يمنعني
لينه من القيام لو ردي (يَبُولُ فِيهِ بِاللَّيْلِ) رفقًا بنفسه أن يتبعها في القيام لذلك،
(١) أخرجه أحمد (١٨٣٣٠)، وأبو داود (١٦٨)، والنسائي (١٣٥).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٤)، والنسائي (٣٢)، والبيهقي (٤٩٢).

٢٣٥
كتاب الطّهارة/ باب أدب الخلاء
وتعليمًا لأمته ذلك؛ لأنهم إذا فعلوه تجنبوا به دخول الأخلية بالليل، فإنها محل
الشياطين، وضررهم بالليل أكثر منه بالنهار (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسائي) وسنده حسن.
٣٦٣ - [وَعَنْ عُمَرَ ﴾ قَالَ: رَآنِي رَسُولُ اللهِهِ وَأَنَا أَبُولُ قَائِمًا، فَقَالَ: ((يَا عُمَرُ،
لَا تَبُلْ قَائِمًا)» فَمَا بُلْتُ قَائِمًا بَعْدُ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه. قَالَ الشَّيْخُ الإِمامُ نحيي
السُّنَّةِ: قَدْ صَحَّ].
(وَعَنْ عُمَرَ ﴾ قَالَ: رَآنِي رَسُولُ اللهِ﴿ وَأَنَا أَبُولُ قَائِمًا، فَقَالَ: ((يَا عُمَرُ، لَا تَبُلْ
قَائِمًا)) فَمَا بُلْتُ قَائِمًا بَعْدُ) ومنه مع ضعفه أخذ أئمتنا كراهة البول أو التغوط قائمًا؛
لأن العورة تبدوا فيه بدوًا ظاهرًا، فقد يطلع عليها هذا إن كان بلا عذر وإلا أبيح لما
يأتي، ولم يعلم تلوثه بالنجاسة بسبب القيام، وإلا حرم ولو بحضرة الماء (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَابْنُ مَاجَه) وسنده ضعيف.
(قَالَ الشَّيْخُ الإِمامُ مُحِبِي السُّنَّةِ) البغوي رحمه الله (قَدْ صَحَّ).
٣٦٤ - [عَنْ حُذَيْفَةَ ﴾ قَالَ: أَى النَّبِيُّ رَ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا(٩). مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ، قِيلَ: كَانَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ].
(عَنْ حُذَيْفَةَ ﴾ قَالَ: أَنَّى النَّبِيُّ رَ سُبَاطَةَ قَوْمٍ) وهو المحل الذي يلقى فيه
الكناسة والأوساخ، وإضافتها إليهم إن كانت للتعريف فلا إشكال أو للملك، فمن
المعلوم أنهم كانوا يرثون ذلك منه # فلا دليل فيه على إباحة التبرز في ملك الغير
الذي لا يعلم رضاه به.
(فَبَالَ قَائِمًا. مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ، قِيلَ: كَانَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ) ثم قيل: هو استشفاء من وجع
الصلب، وعليه جرى الشافعي * فقال: كانت العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول
قائما، فيرى إن فعله وديو لذلك كان لوجع في صلبه.
(١) أخرجه الترمذي (١٢)، وابن ماجه (٣٠٨)، وعبد الرزاق (١٥٩٢٤)، والبيهقي (٤٩٦)، والحاكم
(٦٦١) وقال: صحيح الإسناد. وأبو عوانة (٥٨٩٨).
(٢) أخرجه البخاري (٢٢٤)، ومسلم (٦٤٧)، وأحمد (٢٣٩٤٧).

٢٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
وقد ورد ما ظنه ﴾ فيما أخرجه الحاكم من حديث ابن عمر بلفظ ((بال قائمًا))
لوجع كان بمأبضه، أي: باطني ركبتيه، وذلك ينشأ غالبًا من وجع الصلب، وقيل: فَقد
محل يصلح للجلوس، والسباطة غالبًا لينة سهلة مرتفعة، فهي صالحة لذلك، وقيل:
الأمن حينئذ من خروج شيء عن السبيل الآخر، ويفرض ألا عذر له مما ذكر، فكفى
معرض بيان الجواز عذرًا سيما إن فرض تأخر هذا عن حديث النهي عنه للسابق، فإنه
يوهم التحريم فاحتيج لبيان عدمه، ومن بال قائمًا فقيل: يفرج بين قدميه ويعتمدها
لئلا يتنجس اليسار لو اعتمدها.
وقيل: يعتمد اليسار كالجالس، والذي يتجه أنه إن أمن التنجس لو اعتمد
اليسار اعتمدها؛ لأن استعمالها في هذا المحل هو الأنسب مع أن الاعتماد عليها يسهل
خروج الخارج ولو في البول خلاصًا لمن خصه بالغائط، وإن لم يأمن ذلك اعتمدها.
(الفصل الثالث)
٣٦٥ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ كَانَ
يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيّ].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ كَانَ يَبُولُ
قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا) أي: إلا تلك المرة السابقة لما مر (رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَالِّزْمِنِيُّ وَالنَّسائي) وسنده حسن.
٣٦٦ - [وَعَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ﴾ عَنِ النَّبِّ وَ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ فِي أَوَّلِ مَا أُوِيَ
إِلَيْهِ، فَعَلَّمَهُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْوُضُوءِ أَخَذَ غُرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَنَضَحَ بِهَا
فَرْجَهُ(٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُظْنِيّ].
(وَعَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ه عَنِ الَّبِيِّ وَ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ فِي أَوَّلِ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ،
فَعَلَّمَهُ الْوُضُوءَ وَالصَّلاةَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْوُضُوءِ أَخَذَ غُرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَنَضَحَ بِهَا فَرْجَهُ)
(١) أخرجه الترمذي (١٢)، والنسائي (٢٩)، ولم أقف عليه عند أحمد.
(٢) أخرجه أحمد (١٧٩٤٣)، والدار قطني (٣٩٩).

٢٣٧
كتاب الطّهارة/ باب أدب الخلاء
تعليمًا لها إن أخذها مندوب حتى يعلمه لأمته لينتفي عنهم بسببه مما يعتري كثيرًا
منهم عند الوضوء من الوسواس؛ بسبب عود رشاش إليه من آثار الوضوء (رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَالدّارَقُطْنِيّ) وسنده حسن.
٣٦٧ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا
مُحَمَّدُ، إِذَا تَوَضَّأْتَ فَانْتَضِحْ) (١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ، وَسَمِعْتُ
مُحَمَّدًا - يَعْنِي: البُخَارِي - يَقُولُ: الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْهَاشِيُّ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: جَاءَفِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدٌ) مر
الجواب عن مخاطبته له في حديث جبريل أوائل كتاب ((الإيمان)).
(إِذَا تَوَضَّأْتَ فَانْتَضِحْ) لا ينافي ما قبله لاحتمال أن لما أخذ غرفة ونضح بها
فرجه، قال له: إذا توضأت فانتضح؛ أي: فافعل كما رأيتني فعلت بتلك الغرفة (رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ غَرِيبُ) أي: تفرد به رواية.
(وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا - يَعْنِي: البُخَارِي - يَقُولُ: الْحَسَنُ بْنُ عَلَيِّ الْهَاشِيُّ) المنفرد
بروايته (مُنْكَرُ الْحَدِيثِ) أي: ليس بثقة ولا ضابط، ومع ذلك فهو لم يستند ضعفه
لتعدد طرقه السابقة، فيكون حجة في الفضائل كما أخذ به أئمتنا.
٣٦٨ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: بَالَ رَسُولُ اللهِوَه فَقَامَ عُمَرُ
خَلْفَهُ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا عُمَرُ؟)) فَقَالَ: هَذَا مَاءُ تَتَوَضَّأُ بِهِ. قَالَ: «مَا
أُمِرْتُ كُلَّمَا بُلْتُ أَنْ أَتَوَضَّأَ، وَلَوْ فَعَلْتُ لَكَانَ سُنَّةً))(٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَابْنُ مَاجَهِ].
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: بَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ فَقَامَ عُمَرُ خَلْفَهُ
بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا عُمَرُ؟ [فَقَالَ: هَذَا](٣) مَاءُ تَتَوَضَّأُ بِهِ) يحتمل الاستنجاء
(١) أخرجه الترمذي (٥٠)، وابن ماجه (٤٦٣).
(٢) أخرجه أحمد (٢٤٦٨٧)، وأبو داود (٤٢)، وابن ماجه (٣٢٧)، وابن حبان في الثقات (٤٦٥/٥)،
والدارقطني (٦١/١)، والبيهقي (٥٥١)، وأبو يعلى (٤٨٥٠).
(٣) سقط من الأصل.

٢٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
والوضوء الشرعي وكل صحيح؛ إذ الاستنجاء لا يجب إلا للصلاة ونحوها، وكذا الوضوء،
لكن الظاهر أن المراد الثاني (قَالَ: مَا أُمِرْتُ) أي: ما وجب عليَّ أن الأمر المطلق إنما
ينصرف للوجوب.
(كُلَّمَا بُلْتُ أَنْ أَتَوَضَّأَ، وَلَوْ فَعَلْتُ لَكَانَ) ذلك (سُنَّةً) أي: طريقة محتملة، أمَّا
السنة التي هي التطوع فإنها موجودة؛ إذ الاستنجاء من كل بول، والوضوء عقب كل بول
سنة كما دلت عليهما أحاديث، وفي هذا من مزيد رفقه وَل﴾ ورحمته بأمته ما لا يخفى،
فإنه ترك الوضوء الذي هو تطوع وفيه الثواب الجزيل، كما علم مما مر خشية أن يتوهم
متوهم أنه واجب، فيكون ذلك سببًا لإدخال المشقة على أمته.
وفيه أيضا إيماء إلى أنه وَ له كان لا يفعل أو يقول إلا ما أمر به؛ أي: غالبًا وإلا
فهو ◌َّ كان يقع منه أمور بالاجتهاد، واجتهاده وَله لا يخطئ على الصواب كيف وهو
﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى﴾ [النجم:٣] وإلى أن أمته يجب عليهم التأسي به، ولو فيما
فعله من قبل نفسه، لما تقرر أنه لا يخطئ حاشاه الله من ذلك (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ
مَاجَه) وسنده حسن.
٣٦٩ - [وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ وَجَابِرَ وَأَنَسَ ﴿ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فِيهِ رِجَالٌّ
يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُظَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: (يَا مَعْشَرَ
الأَنْصَارِ، إِنَّ اللّهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ فِي الظُّهُورِ فَمَا ظُهُورُ كُمْ؟)) قَالُوا: نَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ،
وَنَغْتَسِلُ للْجَنَابَةِ، وَنَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ. قَالَ: ((هُوَ ذَاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ(١). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ وَجَابِرَ وَأَفَسَ ﴾ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ: (فِيهِ﴾) بدل من
الآية، والضمير لمسجد قباء، وقيل: لمسجده وَل﴿ ﴿﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا﴾﴾ أي: أن
يأتوا بالطهارة الكاملة كما اقتضته صيغة المبالغة، فيؤثرون كمالها على سائر أعراضهم
ويحرصون عليه، كما يحرص المحب على قضاء جميع أوطار محبوبه.
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٨٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٦٢٩).

٢٣٩
كتاب الطّهارة/ باب أدب الخلاء
(﴿ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُظَّهِّرِينَ﴾) أي: يرضى عنهم ويجزل مثوبتهم ويديم عطفه
ولطفه بهم، كما يفعل المحب محبوبه.
(قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنَّ اللّهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ فِي الُّْهُورِ)
أي: بسببه أو في فعله ((وجعل)) ظرفًا للثناء مبالغة (فَمَا طُهُورُكُمْ؟)) قَالُوا: نَتَوَضَّأُ
لِلصَّلَاةِ، وَنَغْتَسِلُ لِلْجَنَابَةِ، وَفَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ. قَالَ: هُوَ ذَاكَ) أي: فثناء الله عليكم إنما
هو لما ذكر تموه (فَعَلَيْكُمُوهُ) أي: الزموا كمال التطهير ما استطعتم، وظاهر أن الذي
اختصوا به وكان سبب لمحبة الله العظمى حرضهم على تكميل الأولين، وملازمة
الثالث الذي هو أفضل من الاقتصار على الأحجار (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه) وسنده حسن.
٣٧٠ - [وَعَنْ سَلْمَانَ ﴾ قَالَ: قَالَ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ يَسْتَهْزِىءُ: إِنِ أَرَى
صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، قُلْتُ: أَجَلْ، أُمِرْنَا أَلَّا نسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَلَا
نَسْتَنْجِيَ بِأَيْمانِنَا وَلَا يَكْتَفِي بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ وَلَا عَظْمُ))(١). رَوَاهُ
مُسْلِمْ، وَأَحْمَدُ وَاللَّفْظُ لَهُ].
(وَعَنْ سَلْمَانَ ﴾ قَالَ: قَالَ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ يَسْتَهْزِىءُ: إِنَّ أَرَى
صَاحِبَكُمْ) يعني: النبيِِّ (يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ) أي: أدبها وهو بكسر
الخاء والمد، وأكثر الرواة يفتحون الخاء ويقصرونها.
وبين الجوهري أن الأولى اسم؛ أي: للتخلي وكيفيته، والثانية مصدر (قُلْتُ:
أَجَلْ) أي: نعم تعلمنا حتى ذلك، وهو دليل على غاية كماله بتنزله إلينا وحرصه على هذا
تبيينًا وتأديبًا في كل شيء، فذلك هو الكمال المطلق فالغمض فيه إنما ينشأ عن فساد
التصور وقبيح التهور بجعل الحسن قبحًا والكمال نقصًا.
ثم أتبع حسان # ذلك الجواب المرشد المحقق المجد الناشئ عن التهيؤ ليلقي
أنوار مشكاة النبوة بما يسجل على ذلك المشرك المستهزئ بأن المقام مقام جد لا
(١) أخرجه أحمد (٢٤٤٢٣)، ومسلم (٦٣٠)، وابن ماجه (٣٣٧).

٢٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
استهزاء، وبأنه في ذلك على غاية من العناد التي لا ينفع فيه تهديد ولا سكوت عن
جوابه، وإنما ينفع فيه رجاء هدايته بيان محاسن تلك الأخلاق والأوامر الصادرة عنه
وَّه التي اتفقت العقول فضلاً [عن](١) الشرائع على كمالها، وأنها بالغة في الهداية
والإرشاد البالغ الذي لا يصل إليه غيرها.
فقال: (أُمِرْنَا أَلَّا نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ) أي: ولا نستدبرها كما مر، ولعله أثر الأول؛
لأن الاعتناء به أكمل لما مر أنه أفحش من الاستدبار (وَ) أن (لَا فَسْتَنْجِيَ [بِأَيْمانِنَا](٢)
وَ) أن (لَا يَكْتَفِي بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) فيه تصريح لمذهبنا أنها تجب وإن أنقي بدونها
كما مر.
(لَيْسَ فِيهَا رَجِیعُ وَلَا عَظُمْ﴾ أي: وأمرنا في الثلاثة الأحجار التي أوجبها علينا
ألَّا يكون فيها رجيع؛ أي: لا روث ولا عظم، وأتى بذلك استقصاء للإرشاد، ومبالغة
في الرد على المستهزئين، وخشية أن يتوهم متوهم أن الحجارة تشمل ذينك تغليبًا أو
مجازًا فيقع في إزالة القذر بالقذر، وهو خارج عن قوانين الحكمة والنظافة أو في إزالته
بعظم، وفيه الإضرار بمؤمني الجن، وذلك من شيم الكاملين (رَوَاهُ مُسْلِمْ) ومر لفظه
(وَأَحْمَدُ، وَاللَّفْظُ لَهُ).
٣٧١ - [وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله ◌َ وَفِي يَدِهِ
الدَّرَقَةُ، فَوَضَعَهَا ثُمَّ جَلَسَ فَبَالَ إِلَيْهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: انْظُرُوا إِلَيْهِ يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ.
فَسَمِعَهُ النَّبِيُّنَّهِ فَقَالَ لَهُ: ((وَيْحَكَ، أَمَا عَلِمْتَ مَا أَصَابَ صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَانُوا إِذَا
أَصَابَهُمُ الْبَوْلُ قَرَضُوهُ بِالْمَقَارِيضِ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَعُذِّبَ فِي قَبْرِه)(٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَاِبْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِوَلَهُ وَفِي يَدِهِ الدَّرَقَةُ)
(١) زيادة لإتمام المعنى.
(٢) في الأصل: ثانیًا.
(٣) أخرجه أحمد (١٨٢٣١)، وابن ماجه (٣٧٢)، والنسائي (٣٠).