النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ كتاب الطّهارة وفي رواية: «أخبركم بما)) (يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا) أي: من كتب الحفظة لغفرانها أو يمحو بمعنى يغفر (وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ) أي: يعلى به المنازل في الجنة إذا التفاوت فيها إنما يظهر بذلك (قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله. قَالَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ) أي: استيعاب أعضائه بالغسل والمسح مع استيفاء آدابه ومكملاته، وهو من الوضاءة ؛ أي: الحسن والنظافة؛ لأنه يحسن المتوضأ وينظفه (عَلَى) بمعنى مع (الْمَكَارِهِ) جمع مكره بفتح الميم من الكره، وهو المشقة والإثم، ومنها طلب الماء وشراؤه بثمن مثله بشرطه، وإن شق على بطنه. ٠٠ (وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ) فيه فضل الدار البعيدة عن المسجد على الغربية منه، ويؤيده خبر: ((دياركم تكتب آثاركم»(١) قاله ◌َل و لمن بعدت ديارهم عن مسجده، فأرادوا القرب منه فإن قلت: هل ينافيه عده ◌ّ﴾ من شؤم الدار بعدها عن المسجد، قلت: لا؛ لأن بعدها وإن كان فيه شؤم من حيث إنه قد يؤدي إلى تفويت الصلاة عن وقتها، لكن فيه فضلاً عظيماً إذا توجه منها إلى الصلاة بالمسجد، وشؤمها، وفضلها اعتبارين لا تنافي بينهما (وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ) أي: وقتها أو جماعتها (بَعْدَ الصَّلَاةِ) منفردًا أو في جماعة بأن يجلس في المسجد أو في بيته أو سوقه أو شغله لانتظارها. وذلك لتعلق فكره وقلمه بها فهو دائم المراقبة والحضور غير ملتهٍ عن أفضل عبادات بدنه بشيء (فَذَلِكُمُ) عدل إليه عن هذا الذي هو القياس للدلالة على بعد منزلته وعظمتها على حد: ﴿ذَلِكَ الكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]. (الرِّبَاط) لا غيره كما أفاده تعريف الحرمين الدال على الحصر، لكنه إضافي هنا؛ أي: ما ذكر من تلك الثلاث هو الذي يستحق أن يسمى بالرباط وغيره الذي هو الرباط الحقيقي وهو ملازمة الثغر لحفظ عورة المسلمين، لا يستحق ذلك بالنسبة إليه لما فيه من أعظم القهر لأعدى عدوك النفس الإمارة بالسوء، وقمع شهواتها وقلع مكائد (١) أخرجه مسلم (١٥٢). ١٦٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني الشيطان وإغوائه من جميع أجزائها، وفي هذا أعظم تأييد لما روي رجعنا من الجهاد الأصغر؛ أي: وهو جهاد العدو إلى الجهاد الأكبر؛ أي: وهو جهاد النفس وذلك؛ لأن تلك الأعمال لما كانت تسد طرق الشيطان والهوى عن النفس، ويقرها ويمنعها عن قبول الوساوس واتباع الشهوات، فيغلب بها حزب الله جنوده عدوه كانت هي المرابطة الحقيقية والجهاد الأكبر؛ إذ جهاد الكفار إنما شرع للخروج عن النفوس والأولاد والأموال؛ لإعلاء كلمة الله تعالى مع تكميل النفس بخروجها عن مألوفاتها ومستلذاتها، لكنه لا يدوم زمنه، وإنما يكون برهة ثم ينقضي وتلك الأعمال دائمة الوجود وذلك التكميل موجود بزيادة فيها. ٢٨٣ - [وَ فِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَس: ((فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ)(١) رَدَّدَ مَرَّتَيْنِ- رَوَاهُ مُسْلِمْ، وَفِي رِوايَةِ التَّزْمِذِيِّ ثَلاثًا]. (وَفِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَس) رضي الله عنه (فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ. رَدَّدَ) ذلك (مَرَّتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمُ وَفِي رِوايَةِ التَّرْمِذِيِّ) تكرير ذلك (ثَلاثًا) وحكمته: مزيد تقرير ذلك والاهتمام بشأنه المرة بعد المرة. ٢٨٤ - [وَعَنْ عُثْمَانَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ)(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ عُثْمَانَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ) يأتي بواجباته ومكملاته، فالعطف بالفاء لبيان أن مرتبة إحسان الوضوء بالإتيان بما ذكر أكمل من مرتبة الاقتصار على واجباته (خَرَجَتْ خَطَايَاهُ) أي: صغائره المتعلقة بالله تعالى لقيام الأدلة. (١) أخرجه مسلم (٢٥١)، ومالك (٣٨٤)، وأحمد (٧٢٠٨)، وعبد الرزاق (١٩٩٣)، والترمذي (٥١) والنسائي (١٣٩)، وابن حبان (١٠٣٨)، وابن خزيمة (٥). (٢) أخرجه مسلم (٢٤٥)، وأحمد (٤٧٦)، والبزار (٤٣٣)، وأبو عوانة (٦١٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٧٣١). ١٦٣ كتاب الطّهارة ومنها: الإجماع على ما حكاه ابن عبد البر على أن الكبائر لا تغفر إلا بالتوبة، وأن حقوق الآدميين منوطة برضاهم، وسيأتي قريبًا خبر ما لم يؤت كبيرة (مِنْ جَسَدِهِ) أي: أعضاء وضوئه للأحاديث الآتية المصرحة بذلك، ويحتمل الأخذ بالعموم ويكون في هذا زيادة على تلك (حَتَّى تَخْرُجٌ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ) تمثيل وتصوير لبراءته عن الصغائر المذكورة كلها على سبيل المبالغة والتأكيد (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) كذا ذكره في ((جامع الأصول)) واقتصر شيخ الإسلام، والحفاظ في تخريجه على عزوه لمسلم. ٢٨٥ - [وَعَنْ أَّبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ - أَوِ الْمُؤْمِنُ - فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرٍ فَظْرِ الْمَاءِ - فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرٍ قَطْرِ الْمَاءِ - فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرٍ قَطْرِ الْمَاءِ - حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ)»(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: إِذَا تَوَضَّأَ) أي: أراد الوضوء (الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوِ الْمُؤْمِنُ) شك من الراوي في لفظ النبوة فحسب؛ إذ هما مترادفان شرعًا لاستحالة وجود مؤمن شرعًا غير مسلم وعكسه. (فَغَسَلَ وَجْهَهُ) الفاء فيه لترتيبه على الشرط لتوقف الجواب عليهما، وهو (خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ) صغيرة متعلقة بالله كما مر (نَظَرَ إِلَيْهَا) أي: إلى سببها إطلاقًا لاسم المسبب على السبب مبالغة، وكذا البواقي (بِعَيْنَيْهِ) تأكيد للمبالغة وإلا فالنظر لا يكون بغير العين، وكذا في يداه ورجلاه الآتیین. (مَعَ الْمَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرٍ قَطْرِ الْمَاءِ) قيل: وخصت العين بالذكر مع أن في الوجه الفم والأنف والأذن؛ لأنها طليعة القلب وزائدة فأغنت عن غيرها ويعضده الخبر الآتي: ((فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار (١) أخرجه مسلم (٢٤٤)، ومالك (٦١)، والدارمي (٧١٨)، والترمذي (٢) وقال: حسن صحيح. وابن حبان (١٠٤٠)، وابن خزيمة (٤)، وأبو عوانة (٦٦٩)، والبيهقي (٣٨٦). ١٦٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني عینیه»(١) انتهى. وجعل الوجه من الأذن غير صحيح عندنا، بل هي ليست من الوجه ولا من الرأس، وخبر: ((الأذنان من الرأس)»(٢) ضعيف، وكون العين طليعة كما ذكر لا ينتج الجواب عن تخصيص خطيئتها بالمغفرة كما هو جلي، بل الذي يتجه في الجواب عن ذلك أن سبب التخصيص، هو أن كلًّا من الفم والأنف والأذن له طهارة مخصوصة خارجة عن طهارة الوجه، فكانت متكلفة بإخراج خطاياه بخلاف العين، فإنه ليس لها طهارة إلا في غسل الوجه، فخصت خطيئتها عند غسله دون غيرها مما ذكر فتأمله. (فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرٍ قَطْرِ الْمَاءِ - فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا) أي: مشت إليها أو مشت المشية (رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ - أُوْ مَعَ آخِرٍ قَطْرِ الْمَاءِ - حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ) الصغائر السابقة لما مر (رَوَاهُ مُسْلِمْ). ٢٨٦ . [وَعَنْ عُثْمَانَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: «مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةً مَكْتُوبَةُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ))(٣). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ عُثْمَانَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: مَا مِنٍ) مزيدة لتأكيد النص على العموم (امْرِئٍ مُسْلِمٍ) ومثله المرأة المسلمة (تَخْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ) أي: مفروضة من كتب إذا ختم وألزم (فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا) بأن تأتي بواجباته، ويحتمل ومكملاته (وَ) يحسن (خُشُوعَهَا) بأن يحضر قلبه في جميعها فلا يشتغل بغير ما هو فيه منها ويتوقى (١) أخرجه مالك (٦٠)، وأحمد (١٩٠٩١)، والنسائي (١٠٣)، وَابْنُ ماجه (٢٨٢)، والحاكم (٤٤٦) وقال: صحيح. والبيهقي في شعب الإيمان (٢٧٣٤)، والنسائي في الكبرى (٣٨٨). (٢) أخرجه أحمد (٢٢٣٣٦)، وأبو داود (١٣٤)، والترمذي (٣٧) وقال: ليس إسناده بذاك القائم. وابن ماجه (٤٤٤)، والدارقطني (١٠٣/١). وأخرجه أيضًا: البيهقي (٣١٨). (٣) أخرجه مسلم (٢٢٨)، وابن حبان (١٠٤٤). ١٦٥ كتاب الطّهارة العبث بجوارحه، فلا يفعل غير مطلوب فيها. (وَرُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا) كما فهم بالأولى؛ إذ هو أفضل من الركوع، وكذا من القيام على قول، وأيضًا فهو يستتبع السجود؛ إذ يمكن التعبد به وحده بخلاف السجود، وأيضًا فهو من خصوصياتنا على قول: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] معناه صلي مع المصلين. (إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ) الصغائر كما مر (مَا لَمْ يُؤْتِ) من الإيتاء؛ أي: يعمل ووضع الإيتاء موضع العمل؛ لأن الفاعل يعطي العمل من نفسه، فهو على حد: ثم سئلوا الفتنة لآتوها بالمد؛ أي: لأعطوها من أنفسهم، وروى في مسلم وغيره: (يؤت) بالبناء للمفعول؛ أي: ما لم يصب كبيرة من قولهم: أتى فلان في يديه؛ أي: إصابته فيهما علة. ووقع في ((المصابيح)): ((ما لم يأت)) وهو صحيح، بل ظاهر معنى لا رواية. (كَبِيرَةً) فإن أتى كبيرة احتمل المعنى أن الكبيرة هي التي لا تكفر، أو أنه لا يكفر شيء لا صغيرة ولا كبيرة، ورجح النووي الأول؛ لأنه الأليق بسعة الفضل، وإن كان الثاني أقرب إلى ظاهر اللفظ، بل يصرح الخبر الآتي: ((ما اجتنبت الكبائر))(١). (وَذَلِكَ) أي: تكفير المكتوبة التي أحسن وضوءها، وما بعدها الصغائر التي بينها وبين المكتوبة قبلها مستمر (الدَّهْرَ كُلَّهُ) وزعم أن المراد: إن المكتوبة تكفر جميع ما قبلها؛ أي: من الصغائر ولو ذنوب العمر مردود بظاهر خبر: ((الصلوات الخمس مكفرات ما بينهن ما اجتنبت الكبائر)»(٢) (رَوَاهُ مُسْلِمْ). قال العلماء: هذا الحديث ونحوه صالح لتكفير ما وجده من الصغائر، فإن وجده كبيرة فقط رجونا أن يخفف عنه من عذابها وإلا كتبت له به حسنات ورفع له به درجات. (١) أخرجه أحمد (٣٥٥٢)، والطبراني (١٠٤١٦). (٢) انظر التخريج السابق. ١٦٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني ٢٨٧ - [وَعَنْهُ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا، [ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ](١) ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوِئِي هَذَا، ثُمَّ يُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَيْءٍ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ ولَفْظُه لِلْبُخارِي]. (وَعَنْهُ) عُ (أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَأَفْرَغَ) هو وما بعده بيان لتوضأ (عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ) أي: بعد الاستنشاق كما أفادته رواية أخرى، والأول إخراج الماء من الأنف، والثاني جذبه بالأنف إلى أقصى ظاهر الأنف، نعم يسن عدم المبالغة فيه؛ لئلا يصير سعوطًا وهو بالماء فيه نوع ضرر، وتأخير الاستنشاق؛ فالاستنثار عن المضمضة معلوم من روايات أُخر تأتي. (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْهُمْنَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا) التثليث فيما عدا الرأس متفق علی ندبه، وفیه مندوب عندنا كما في رواية (ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ وَيِ تَوَضَّأَ تَحْوَ وُضُوِي هَذَا) قال النووي: أثر نحو على مثل؛ لأن أحدًا لا يقدر على مماثلة فعله آل﴾. انتهى. وقوله ◌َله: ((من توضأ وضوئي هذا))(٣) أي: مثله صريح في رده على أنه لا يلزم من المماثلة في شيء المماثلة في جميع أوصافه (ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوِفِي هَذَا، ثُمَّ يُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ) حاضرًا فيهما بقلبه مقبلاً عليهما بشراشره بحيث (لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا (١) ما بين [] سقط من الأصل. (٢) أخرجه البخاري (١٥٨) ومسلم (٢٢٦) وأحمد (٤١٨) وعبد الرزاق (١٣٩) وأبو داود (١٠٦) والنسائي (٨٤)، وابن خزيمة (٣)، وابن حبان (١٠٥٨)، والدارقطني (٨٣/١). (٣) أخرجه البخاري (١٥٨) ومسلم (٢٢٦) وعبد الرزاق (١٣٩) وأحمد (٤١٨) وأبو داود (١٠٦) والنسائي (٨٤) وابن الجارود (٦٧) وابن خزيمة (٣) وابن حبان (١٠٥٨) والدارقطني (٨٣/١) والبيهقي (٢١٨). ١٦٧ كتاب الطّهارة بِشَيْءٍ) عبر بما يتعلق بما هو فيه من صلاته، وإن تعلق بالآخرة، وقيل: بشيء من أمور الدنيا؛ لأن عمره كان يجهز الجيش وهو في الصلاة، واستفيد من تحدث أنه لا أثر لعروض الخواطر التي تعرض عنها حتى لا يستقر عنده للعفو عنها خصوصية لهذه الأمة، على أنه يتعذر صون النفس عن مجرد خطورها بخلاف الإصغاء لها والاستمرار فیھا. ([إِلَّا)(١) غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) من الصغائر المتعلقة بالله دون غيرها لما مر، واستفيد منه ندب ركعتين عقب كل وضوء ولو في وقت الكراهة، نعم يسقط الطلب بفعل غيرهما من فرض أو نفل آخر كما يأتي في تحية المسجد (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ ونَفْظُه لِلبخارِي). ٢٨٨ - [وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلَّ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ))(٢). رَوَاهُ مُسْلِمْ]. (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله: مَا مِنْ) زيدت تأكيدًا للنص على العموم (مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ) بأن يأتي بواجباته ويحتمل ومكملاته، فينبغي اعتبار سننه المشهورة لا مطلقًا، فإن الإحاطة بجميع سننه تعز على أكثر المتفقهة فضلاً عن العوام. (ثُمَّ يَقُومُ) ظاهره أن الفصل الآتي متوقف على القيام، وله في غير المعذور على أنه يحتمل أنه جرى على الغالب (فَيُصَلّ رَكْعَتَيْنِ) وهو (مُقْبِلُ [عَلَيْهِمَا](٣)) أي: مثناه في الإقبال (بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ) أي: ذاته؛ أي: بباطنه وظاهره، بأن يخشع بهما فلا يحدث نفسه بشيء ولا یعبث. (١) سقط من الأصل. (٢) أخرجه مسلم (٢٣٤)، وأبو داود (١٦٩). (٣) سقط من الأصل. ١٦٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني وفي رواية: ((مقبلاً)) وهي أوضح. (إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ) أي: إلا دخلها تفضلاً وتكرمًا من الله تعالى بألّا يخالف وعده كمن وجب عليه شيء (رَوَاهُ مُسْلِمْ). ٢٨٩ - [وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ - أَوْ فَيُسْبِغُ - الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ - وَفِي رِوَايَةٍ: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)) - إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ)). هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمُ فِي ((صَحِيحِهِ)) والحمِيدِي فِي ((أَفرادِ مُسْلِم)) وَكَذَا ابنُ الأَثيرِ فِي («جَامِعِ الأصُولِ)) وَذَكَرِ الشَّيخُ مُحِي الدِّينِ النَّوَويّ فِي آخِرٍ حَدِيثٍ مُسْلِمٍ عَلَى مَا رَوَيْنَا، وَزَادَ الثّرمِذِيُّ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِن الْمُتَطَهِّرِينَ)) والْحَدِيثُ الذِي رَوَاهُ مُحِي السُّنَّةِ فِي ((الصِّحاحِ)): «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضوء ... إلى آخره)) رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بِعَيْنِهِ إِلَّ كَلِمَةٍ: (وَأَشْهَدُ)) قَبْل ((أَنَّ مُحمَّدًا)(١)]. (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخطّابِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَا مِنْكُمْ) قيل: بيانية والوجه أنها للتبعيض، وهو حال من أحد الذي هو مبتدأ على رأي سيبويه (مِنْ) مزيدة لنظير ما مر آنفًا (أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ - أَوْ فَيُسْبِغُ - الْوُضُوءَ) أي: يأتي بواجباته، ويحتمل ومكملاته (ثُمَّ يَقُولُ) بعد وضوئه: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ - وَفِي رِوَايَةٍ: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)) - إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ) استئناف (مِنْ أَيِّهَا شَاءَ) فيخبر إظهارًا لمزيد شرفه لكنه لا يلهم إلا اختيار الدخول من الباب المعد، لعاملي نظير ما غلب عليه من أعماله كالريان للصائمين فلا ينافي بين هذا التخيير، وإعداد (١) أخرجه مسلم (٢٣٤) وأحمد (١٧٣٥٢) وأبو داود (١٦٩) والنسائي (١٤٨) وَابْنُ ماجه (٤١٩) وابن خزيمة (٢٢٢) وابن حبان (١٠٥٠) والبيهقي في السنن الكبرى (٣٣٣٤) وفي شعب الإيمان (٢٧٥٣). ١٦٩ كتاب الطّهارة كل باب من تلك الأبواب الثمانية لأصحاب عمل مخصوص. (هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمْ فِي ((صَحِيحِهِ)) والحمِيدِي فِي (أَفرادِ مُسْلِم) وَكَذَا ابنُ الأَثيرِ فِي ((جَامِع الأصُولِ) وَذَكَرِ الشَّيخُ مُحبِي الدِّينِ) لا ينافي ما نقل عنه أنه قال: لا أجعل في حل من يسميني محيي الدين؛ لأن ذلك عنه إنما هو من باب التواضع، ومن ثم كان الذي يظهر كما بينته في غير هذا المحل أن من صرح بأن مدحه بحق يؤذيه لا يحرم مدحه به، وليس هو من قولهم: ((الغيبة: ذكرك أخاك بما يكره)(١) لأن مرادهم كما هو ظاهر بما يكره مما يكره عرفًا، أمَّا من كره الثناء عليه بحق فلا يلتفت لكراهته ذلك، وإن لم يكن من باب التواضع؛ لأنه حينئذٍ بالتعنت أشبه. (التّوَويّ) وبعضهم يقول النواوي والأول القياس؛ لأنه منسوب إلى (نوى)) قرية قريب دمشق (في آخِرٍ حَدِيثٍ مُسْلِم عَلَى مَا رَوَيْنَا) متعلقًا بآخر (وَزَادَ) هذا فذكر النووي (التِّرمِذِيُّ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن التَّوَّابِينَ) ليس فيه دعاء صريحًا، ولا لزومًا بإكثار وقوع الذنوب، بل بأنه إذا وقع منه ذنب ألهم التوبة عنه، وإن كثر (وَاجْعَلْنِي مِن الْمُتَطَهِّرِينَ) أي: المبالغين في تطهير ظواهرهم وبواطنهم من كل دنس ونقص حسي أو معنوي. (والحَدِيثُ الذِي رَوَاهُ مُحبِي السُّنَّةِ فِي ((الصِّحاحِ))) وهو ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوضوء ... إلى آخره)) رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بِعَيْنِهِ إِلَّا كَلِمَةٍ: ((وَأَشْهَدُ)) قَبْل ((أَنَّ مُحمَّدًا))) فروايته لذلك في ((الصحيح)) معترضة لإيهامه أنه كله في أحد الصحيحين أو كلاهما، وليس كذلك ويسن أن يضم لذلك ما رواه النسائي في كتاب ((عمل اليوم والليلة)) مرفوعًا: ((سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك))(٢) (١) أخرجه مسلم (٢٥٨٩)، وأحمد (٨٩٧٣)، وأبو داود (٤٨٧٤)، والترمذي (١٩٣٤) وقال: حسن صحيح. والدارمي (٢٧١٤)، والنسائي في الكبرى (١١٥١٨)، وابن حبان (٥٧٥٩)، وأبو يعلى (٦٤٩٣). (٢) أخرجه النسائي في الكبرى (١٠٢٥٧)، والطبراني (١٥٨٦)، والحاكم (١٩٧٠) وقال: صحيح على = ١٧٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني ويسن هذه الأذكار للمغتسل أيضًا وكذا المتيمم. ٢٩٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ))(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: إِنَّ أَمَّتِي) الذين امتثلوا ما أمرتهم به من الوضوء (يُدْعَوْنَ) أي: ينادون أو يسمون إذا دعوا على رؤوس الأشهاد أو إلى الجنة (يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرَّا) جمع أغر، وهو أبيض الوجه (مُحَجَّلِينَ) جمع محجل، وهو من الخيل ما قوائمه بيض من الحجل كأنه مقيد بالبياض، وانتصابهما على الحال على ينادون وعلى المفعول الثاني على يسمون والأول أظهر؛ أي: ينادون والحال أنهم بهذه الشبه الحاصلة لهم. (مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ) وبدل له أبدال يدعون یباتون في خير ويأتون غرا محجلين، وذلك هو العلامة الفارقة بينهم وبين سائر الأمم، ووجه الثاني بأنه لا يبعد التسمية باعتبار الوصف الظاهر كما يسمى رجل به حمرة أحمر للمناسبة بين الاسم والمسمى، قيل: وهو أظهر؛ لأن القصد الشهرة. (فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ) وتحجيله وبحذف اكتفاء بالأول عنه أو أريد ما يشمله؛ أي: أن يكون سببًا لإطالتها في الآخرة، أو أن يطيل غسلها (فَلْيَفْعَلْ) ذلك ندبًا متأكدًا بأن يوصل الماء إلى ما لا يجب غسله مما أحاط بالوجه سيما الأذنان وما بينهما ودعوى أن يسن إلى آخره من كلام أبي هريرة، فلا يسن غيره ولا تحجيل يردها أنه لم يصح ما يدل على الإدراج والأصل عدمه؛ إذ لو كان ثم إدراج لبينه أبو هريرة في طريق من الطرق واحتماله لا يجدي، بل لا بد من تحققه (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). = شرط مسلم. (١) أخرجه البخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦)، وابن حبان (١٠٤٩). ١٧١ كتاب الطّهارة ٢٩١ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: («تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوَضُوءُ))(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ: تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوَضُوءُ. رَوَاهُ مُسْلِمُ) أي: تتمكن الحلية منه مبلغًا تمكنا الوضوء منه، فلهذا التضمين عدَّى يبلغ بـ((من)) وفسر أبو عبيد الحلية هنا بالغرة والتحجيل؛ أي: كل إنسان يحصل له منهما في الآخرة بقدر ما وصل إليه وضوؤه في الدنيا وهو حسن، والاعتراض عليه بأن الأولى حمل الحديث على قوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١] فبقدر مبلغ الوضوء في الدنيا يقع ذلك التحلي بتلك الأساور بعيد؛ إذ ما في الآية من التحلي، وهو التزين وما في الحديث من الحلية، وهي السيماء وادعاء أنها مجاز فيه حتى يصح حمل الخبر على الآية يحتاج لدليل عليها؛ إذ لا يصرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه إلا لدليل. نعم في ((النهاية)) ما يدل على أن الحلية مشتركة بين ما يتزين به والصفة، وحينئذٍ فيتضح حمل الحديث على الآية؛ لأنه يفيد حصول شيئين الغرة والتحجيل، وأن محلهما يملأ أساور، قيل: وفي هذا كالذي قبله دليل على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة. انتهى. وهو عجيب، وإنما المستفاد من ذلك أن الغرة والتحجيل هما اللذان من خصائصنا، وهذا هو الحق بخلاف أصل الوضوء فإنه ليس من خصوصياتنا، كما يدل عليه ما في البخاري وغيره أن سارة وجريجًا توضآ، والاحتجاج وخبر: ((هذا وضوئي وضوء الأنبياء من قبلي))(٢) رد بأن الحديث ضعيف، ولو سلمت صحته لم يكن فيه دلالة لاحتمال أن الذي يشاركنا فيه الأنبياء لا أممهم، فانحصرت الدلالة فیما ذكرناه. (١) أخرجه مسلم (٢٥٠)، وأحمد (٨٨٢٧)، والنسائي في الكبرى (١٤٢)، وابن أبي شيبة (٦٠٧)، وأبو عوانة (٦٦٦). (٢) أخرجه الطيالسي (١٩٢٤). ١٧٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني (الفصل الثاني) ٢٩٢ - [عَنْ ثَوْبَانَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُخْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنَ)(١). رَوَاهُ مَالِكْ وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمُّ]. (عَنْ ثَوْبَانَ ﴾﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَِّ: اسْتَقِيمُوا) أي: داوموا ولازموا على الاستقامة، وهي اتباع الأوامر واجتناب النواهي، ويعبر عن ذلك بالقيام بحقوق الله وعباد العباد وباتباع الحق والقيام بالعدل وملازمة المنهج المستقيم، ولصعوبة الارتقاء إلى هذا الخطب بقدر الأعلى من وفقه الله لمراقبته كأنه يراه، وخلصه من كل قاطع له عن ملازمة شهوده وحماه وقليل ما هم (وَلَنْ تُخْصُوا) أن تحيطوا بالاستقامة والوصول لغايتها، وهو اعتراض بين المتعاطفين للرد على من يتوهم أنه ببذله جهده في الوصول لغايتها يصل إليها، وربما اتكل عليها أو على من يتوهم أن لها غاية تدرك، فيبذل أقصى جهده في إدراكها فنبه على استحالة ذلك رأفة منه وليه ورحمة على أمته المرحومة به. ومن ثم قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] نسخًا أو تخصيصًا لقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وهو أن يشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يطاع فلا يُعصى، فإنهم لما سمعوا هذه ضجوا إيذانًا بعجزهم فعلموا بأنهم لا يكلفون ما لا يستطيعونه ولن يحيطوا بثوابها، وهو اعتراض لتأكيد امتثال الأمر بها والدوام عليها. (وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ) فإذا لم تطيقوا إحصاء الاستقامة ففروا إلى الصلاة التي هي خير أنواع الاستقامة، لجمعها أمهات العبادات من القراءة والتسبيح (١) أخرجه مالك (٩٠) وأحمد (٢٢٤٣٢) وَابْنُ ماجه (٢٧٧) والدارمي (٦٥٥) والطيالسي (٩٩٦) وابن حبان (١٠٣٧) والطبراني (١٤٤٤)، والحاكم (٤٤٧) والبيهقي (٣٨٩) والطبراني في الشاميين (١٣٣٥)، وفي الصغير (٨)، والروياني (٦١٤). ١٧٣ كتاب الطّهارة والتحميد والتهليل والتكبير، والإمساك عن الشهوات بأسرها لكلام الغير وتعاطي المفطر، فهي قرة عين المؤمن ومعراجه إلى الحضرة القدسية، ووسيلته إلى دوام شهود ربه وإقباله عليه يرقيه إلى المقامات الإنسية، وإذا لزمتم الصلاة وحافظتم عليها لذلك فحافظوا على إقامة حدودها لا سيما أعظم مقدماتها التي هي شطر الإيمان. (وَ) لأجل ذلك (لَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ) بأن يتوضأ کلما أحدث، فلا يزال طاهر الظاهر كالباطن (إِلَّا مُؤْمِنْ) كامل الإيمان بأن له أن المقصود الذاتي من الصلاة إنما هو تطهير الباطن من سائر الخبائث ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] ومن الوضوء إنما هو يتطهر الظاهر الموصل لمن قام بحقوقه وآدابه إلى تطهير الباطن أيضًا. ومن ثَمَّ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فأفرد تعالى كلاً بمحبة مخصوصة إشارة إلى رفعته وفخامة مرتبته؛ إذ محبته تعالى هي منتهى مطلب العارفين وغاية الإنعام على المحسنين (رَوَاهُ مَالِكُ وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمُّ) والحاكم وسنده حسن. ٢٩٣ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ)»(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ. رَوَاهُ) أبو داود و(التِّرْمِذِيُّ) وقال: إسناده ضعيف، وبه علم ندب تجديد الوضوء، لكنه عندنا مقيد بمن صلى بالأول صلاة ما لا نحو سجدة تلاوة، فإن جدده قبل صلاة كره بل حرم؛ لأنه ليس بعبادة فاسدة. (الفصل الثالث) ٢٩٤ - [عَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ الصَّلَاةُ، وَمِفْتَاحُ (١) أخرجه الترمذي (٥٩) وقال: هذا إسناد ضعيف. وابن أبي شيبة (٥٣)، وأبو داود (٦٢)، وَابْنُ ماجه (٥١٢)، والطحاوي (٤٢/١)، وابن جرير (١١٥/٦)، وعبد بن حميد (٨٥٩). ١٧٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني الصَّلَاةِ الظُّهُورُ)(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ]. (عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ الصَّلَاةُ، وَمِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الظُهُورُ) فهي متوقفة عليه، كما أن دخول الجنة متوقف عليها المستلزم لتوقفه عليه أيضًا، ففيه أعظم فضل له؛ أعني: الطهر، وليس فيه تصريح بكفر تارك الصلاة لاحتمال أن المراد بها مفتاحها من غير سبق عذاب، ولا بأن دخول الجنة نسبتها كغيرها من الأعمال؛ لأن جعلها مفتاحًا لها إنما هو من محض الفضل للخبر الصحيح: ((لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته»(؟). ومعنى الباء في ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] الملابسة لا السببية. ومعنى: ﴿أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٣] أي: أورثتم منازلها. ومن ثم ورد أنه يقال للقارئ: اقرأ وارقَ إلى منازل بحسب قراءتك، وفيه الحث على الصلاة وعلى الاعتناء بتحسينها ما أمكن، والإعلام بأنها مما لا يستغنى عنه أبدًا (رَوَاهُ أَحْمَدُ) بسند حسن. ٢٩٥ - [عَنْ شَبِيبٍ بن أَبِي رَوْجِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَلَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ه صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ فَقَرَّأَ الرُّومَ فَالْتَبَسَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا صَلَى قَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يُصَلُّونَ مَعَنَا لَا يُحْسِنُونَ الظُّهُورَ، فَإِنَّمَا يَلْبِسُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ أُولَئِكَ)(٣). رَوَاهُ النَّسَائِيّ]. (عَنْ شَبِيبٍ بن أَبِي رَوْجِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ الله وَيُّه) لا يضر إيهامه؟ لأن الصحابة كلهم عدول، رضوان الله عليهم (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَه صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ (١) أخرجه أحمد (١٤٧٠٣)، والترمذي (٤) والطيالسي (١٧٩٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٧١١). (٢) أخرجه أحمد (٨٥١٠)، وابن حبان (٣٤٨). (٣) أخرجه النسائي (٩٤٧). ١٧٥ كتاب الطّهارة فَقَرَأَ الرُّومَ فَالْتَبَسَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا صَلَّى) أي: فرغ من صلاته (قَالَ: مَا بَالُ) أي: حال (أَقْوَامٍ يُصَلُّونَ مَعَنَا لَا يُحْسِنُونَ الظُّهُورَ) أي: لا يأتون بواجباته ومكملاته. (فَإِنَّمَا يَلْبِسُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ أُولَئِكَ. رَوَاهُ النَّسَائِيّ) بسند حسن، وفيه إيماء إلى أنه يتأكد الاعتناء بالمحافظة على المكملات لتعود بركتها عليه بكمال حضوره وعدم استيلاء الشيطان عليه، فترك بعضها ربما أوجب تسلطه عليه فأوقعه في الشك أو النسيان أو الوسوسة أو الاشتغال بالخواطر الردية حتى ينصرف من صلاته ولا يكتب له منها شيء كما مر، وحتى ينسد عنه ما ينفتح لأهل الحضور فيها من الفتوحات الغيبية والمواهب الإلهية، وإلى أن تركه المحافظة على إحسان مقدماتها ومقاصدها يسري إلى من ربط صلاته بها، وكذا يسري إليها نقص التفريط فيها، وإن كان كاملاً أي كامل. ألا ترى أنه ي ليه مع جلالته التي لا تدرك غايتها تؤثر في قراءته فيها من أولئك الذين لم يحسنوا ظهورهم من المنافقين أو غيرهم، فكيف بغيره إذا صحب أو عاشر ذا بدعة أو فسق؟ فتعين تجنب ذلك بكل طريق، وأنه إن اضطر إليه فضره على ظاهره وانعزل عنهم بباطنه، وقد وجد جماعات من الكمل المعاشرة الأغيار تأثيرًا بينًا في نقص قلوبهم وأحوالهم فتباعدوا عنهم، وعدوا ذلك من أعظم أسباب النقص وحثوا على صحبة أهل الكمال، لما ورد أنهم القوم الذي لا يشقى بهم جليسهم. ٢٩٦ - [وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ: عَدَّهُنَّ رَسُولُ اللهِ وَلِ فِي يَدِي - أَوْفِي يَدِهِ - قَالَ: ((التَّسْبِيحُ نِصْفُ الْمِيزَانِ، وَالْحَمْدُ للهِ يَمْلَؤُهُ، وَالتَّكْبِيرُ يَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ، وَالظُّهُورُ نِصْفُ الإِيمَانِ))(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ]. (وَعَنْ رَجُلٍ) من الصحابة (مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ: عَدَّهُنَّ) أي: الخصال الآتية من (١) أخرجه الترمذي (٣٥١٩) وقال: حسن. والبيهقي في شعب الإيمان (٦٣١)، وأحمد (٢٣١٢٣). ١٧٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني التسبيح، وما بعده فهو ضمير مبهم يفسره بما بعده على حد قوله تعالى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]. (رَسُولُ اللهِ وَيِّ فِي يَدِي) أي: أخذ أصابع يدي وعقدها في الكف خمس مرات (أَوْ فِي يَدِهِ) لمزيد التفهيم والاستحضار (قَالَ: التَّسْبِيحُ) أي: ثوابه أو نفسه (نِصْفُ الْمِيزَانِ) أي: يملأ نصفها (وَالْحَمْدُ للهِ) كذلك (يَمْلَؤُّهُ) فهو ضعف التسبيح؛ لجمعه صفتي الكمال الثبوتية والسلبية؛ لأن حقيقة الثناء بالجميل الموضوع هو له إنما يتم بهما والتسبيح من السلبية (وَالتَّكْبِيرُ) كذلك (يَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) لإفادته بناء على أن أكبر للمبالغة دون التفصيل سلب حقيقة العظمة، والكبرياء عمن سواه تعالى وإثباتها له وعند استحضار المصلي ذلك يمتلئ هيبة وإجلالاً، فلا ينظر إلى شيء مما سواه تعالى. وكان إفراد السماء هنا وجمعها فيما مر أول الباب للفرق بين ما هنا، وثم فإن الذي في مجموع التسبيح والتحميد هما في التكبير وهما أعظم ثوابًا من التكبير وحده، فملأهما ما بين السموات وما بين الأرضين على ما مرَّ، ولم يملأ هو من ذلك إلا ما بين سماء الدنيا وأرضها. (وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ) كان وجهه أن الصبر إما بالباطن وإما بالظاهر، والصوم جامع لصبر الباطن بحفظه عن تعاطي أكثر الشهوات، فجعل نصفًا لذلك (وَالظُّهُورُ نِصْفُ الإِيمَانِ) كما مر شرحه بما فيه (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنْ). ٢٩٧ - [عَنْ عَبْدِ الله الصُّنَابِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ فَتَمَضْمَضَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ، وَإِذَا اسْتَنْثَرَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ أَنْفِهِ، فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجْتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارٍ عَيْنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ حَقَى تَّخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارٍ يَدَيْهِ، فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَت الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَت الْخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ كَانَ مَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ ١٧٧ كتاب الطّهارة وَصَلَاتُهُ نَافِلَةً لَهُ)(١). رَوَاهُ مَالِكُ وَالنَّسَائِيّ]. (وَعَنْ عَبْدِ الله الصُّنَابِحِيُّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: إِذَا تَوَضَّأَّ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ) أي: أراد الوضوء (فَتَمَضْمَضَ خَرَجَت الْخَطَايَا) الصغائر المتعلقة به تعالى كما مر (مِنْ فِيهِ، وَإِذَا اسْتَنْثَرَ) أي: استنشق وخص الاستئثار بالذكر؛ لأنه الغاية المطلوبة من الاستنشاق؛ إذ هو إخراج الماء من أقصى الأنف المستلزم لمزيد تنظيفه من أقذاره الذي لا يستقصى إخراجها كلها إلا به، وقيل: خص؛ لأن القصد خروج الخطايا، وهو مناسب له؛ لأنه إخراج الماء كما ذكر. انتهى. ويخدشه التعبير بالمضمضة، وهي لا تستلزم إخراج ماء لحصول أصل سنتها، وإن ابتلعه فيستفاد منها حصول التكفير وإن لم يخرج ماءها فكذا الاستنشاق، فالتعبير بالاستنثار يحتمل أنه لما ذكرته (خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ أَنْفِهِ) كشم الطيب، وهو محرم (فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجْتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارٍ عَيْنَيْهِ) ومر أن الخطايا إنما تخرج من عينيه فقط، وجعل الخروج منها هنا غاية يقتضي خلاف ذلك، إلا أن يجاب بأن ما هنا على سبيل الفرض؛ أي: لو فرض أنه اكتسب فيما عدا فمه وأنفه وعينيه من بقية وجهه خطية خرجت بغسله. (فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارٍ يَدَيْهِ، فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ) ذكر الباء فيه على أوزان الآية، فيأتي فيه من اقتضاء التبعيض أو الكامل ما فيها (خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ) قد يؤخذ منه أنهما من الرأس، ويوافقه خبر ((الأذنان من الرأس))(٢) إلا أن الخبر ضعيف. ومن ثم ذهب الشافعي # إلى أنهما ليسا من الوجه ولا من الرأس، وحينئذٍ (١) أخرجه مالك (٦٠)، وأحمد (١٩٠٩١)، والنسائي (١٠٣)، وَابْنُ ماجه (٢٨٢)، والحاكم (٤٤٦) وقال: صحيح. والبيهقي في شعب الإيمان (٢٧٣٤)، والنسائي في الكبرى (٣٨٨). (٢) أخرجه أحمد (٢٢٣٣٦)، وأبو داود (١٣٤)، والترمذي (٣٧) وقال: ليس إسناده بذاك القائم. وَابْنُ ماجه (٤٤٤)، والدارقطني (١٠٣/١)، والبيهقي (٣١٨). ١٧٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني فالغاية فيهما للمبالغة في خروج خطايا الرأس، وإن كان لهما طهارة مخصوصة فالخارج منهما ليس خطاياهما كالاستماع إلى محرم، بل خطايا الرأس كستره، وهو محرم لغير ضرورة فخطاياهما يرجى خروجهما بطهارتهما التي هي مسحها بعد الرأس. (فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ حَتَّى تَّخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارٍ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ كَانَ مَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَصَلَاتُهُ نَافِلَةً لَهُ) أي: زيادة على تكفير السيئات، وهي رفع الدرجات، وقضية هذا أن الصلاة لا تكفير بها لكنه صح في أحاديث أنها مڪفرة، فيجمع بحمل هذا على ما إذا أحسن الوضوء بأن أتى بواجباته ومكملاته، وذلك على ما إذا لم يحسنه بأن أحل بمكملاته فلا يكون مكفراً كما اقتضاه ما مر من تقييد التكفير به بإحسانه، بل المكفر حينئذٍ هو الصلاة لا غير (رَوَاهُ مَالِكُ وَالنَّسائي) بسند حسن. ٢٩٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ أَتَّى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا)) قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: (أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ)) فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً لَهُ خَيْلُ غُرُّ مُحَجَّلَةُ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ)) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرَّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْخَوْضِ))(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلْ أَتَى الْمَقْبُرَةَ) بتثليث الباء لكن الكسر [قليل](٢) (فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) علم به أن هذه أفضل صيغ السلام على الموتى كالأحياء، فخبر عليكم السلام تحية الموتى محمول على موتى القلوب إشارة إلى أن (١) أخرجه مسلم (٢٤٩)، ومالك (٥٨)، وأحمد (٧٩٨٠)، والنسائي (١٥٠)، وَابْنُ ماجه (٤٣٠٦)، وابن حبان (١٠٤٦)، وأبو يعلى (٦٥٠٢)، وأبو عوانة (٣٦٠)، والبيهقي (٣٩٢). (٢) بياض في الأصل. ١٧٩ كتاب الطّهارة غيرها وهو الأول أفضل منها (دَارَ) منصوب بالنداء؛ أي: يا أهل دار، أو الاختصاص فيجوز تقدير المضاف المذكور وعدمه. (قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) يؤخذ منه أنه يتعين التخصيص في الدعاء لأهل مقبرة ونحوهم مما يقتضي العموم بالمسلمين منهم لفظًا أو نية، ومن ثم قال: واحد من أئمتنا يجب ذلك عند الدعاء لا بآية مغفرة ونحوها؛ لشمول هذا للكفار منهم، فتعين إخراجهم باللفظ أو النية؛ إذ لا يجوز الدعاء لكافر بالمغفرة ونحوها. (وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ) الاستثناء للتبرك؛ إذ اللحوق كأين لا شك فيه أو لتحسين الكلام دون التعليق، وهو يرجع لما قبله أو هو للحوق بذلك المكان؛ لأنه مشكوك فيه، لكنه إنما يأتي في غيره وسلم؛ لأنه أعلم بأنه يموت بالمدينة ويدفن بها لقوله: ﴿ للأنصار: ((المحيا محياكم والممات مماتكم)(١) إلا أن يقال: هذا يستلزم أنه علم غير المحل الذي يموت فيه، وكأنه وَل ليه لما خاطب بعض عالم الأرواح بالسلام عليهم كوشف بالاطلاع على جميعهم سابقيهم ولاحقيهم، فحينئذٍ ود رؤيتهم. فقال عقب ذلك: (وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَتَا) رؤية مخصوصة في الحياة حتى يفاض عليهم من معارفه وإمداداته ما يرقيهم إلى ما لا يصلون إليه بعمل أبدًا، وليس من لازم ذلك تمني رؤية أشكالهم على أنه لا محذور فيه؛ إذ التمني لا يستلزم إمكان الشيء المتمنى (قَالُوا: أَ) نقول عنهم: إخواننا (وَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ) بلى (أَنْتُمْ) إخواني أيضًا لكنكم زدتم عليه بما هو أخص من الأخوة المطلقة التي تجمع المؤمنين كلهم ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] وهو الصحبة، فأنتم (أُصْحَابِي) وصحبتي لا يوازيها شرف ولا يوصل إلى ما يعادل أدنى درجاتها بعمل. ومن ثم سئل ابن المبارك أيما أفضل عمر بن عبد العزيز أو معاوية - رضي الله (١) أخرجه النسائي (١١٢٩٨)، والبيهقي (١٨٧٣٦)، والطيالسي (٢٥٥٥). ١٨٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني عنهما - فقال: الغبار الذي دخل أنف فرس معاوية مع رسول الله وَلل خير من كذا كذا عمر بن عبد العزيز. (وَإِخْوَانُنَا) الذين تجردوا عن وصف الصحبة هم (الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا) أي: لم يخلفوا (بَعْدُ) أي: الآن، وهذا باعتبار الغالب، وإلا فقد كان الموجودين في حياته من صار بعد موته من إخوانه، فإن حمل يأتوا على غير ذلك؛ أي: لم يأتوا إلينا للإسلام في حياتنا فلا إشكال (فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ) أي: في المحشر (مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ) أي: من لم نعرفه في الحياة (مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني أيها المخاطب (لَوْ أَنَّ رَجُلاً لَهُ خَيْلُ غُرَّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ) أي: بين خيل وزيد ظهر أولاً؛ ليدل على الاستناد والاستظهار؛ إذ معناه أن ظهرًا منهم أمامه وظهرًا وراءه، فهو مكفوف من جانبيه، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقًا. (دُهْيِ بُهْم) قرن بالدهم تأكيدًا للسواد؛ إذ البهم السواد أو التي لا يخالط لونها لون آخر، وجواب لو (أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ) في الآخرة (غُرَّا مُحَجَّلِينَ مِنَ) أجل (الْوُضُوءِ) في الدنيا (وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْخَوْضِ) أي: السابق عليهم إلى الحوض، وغيره المهّىء لهم مصالحهم وما يرتادونه من المواقف والمنازل سيما الحوض؛ لأنه من خصائصه و 18 وإن كان لكل نبي حوض؛ لأن في حوضه * من مظاهر الشرف وغايات الفخامة له، ولأمته ما لا يوجد نظيره في غيره (رَوَاهُ مُسْلِمُ) وفيه من الفوائد ما لا يحصى كما أشرت إلى بعض ذلك. ٢٩٩ - [وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ بِالسُّجُودِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ فَأَنْظُرَ إِلَى مَا بَيْنِ يَدَّ فَأَعْرِفَ أُمَّتِي مِنْ بَينَ الأُمَمِ، وَمِنْ خَلْفِي مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَنْ يَمِينِي مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَنْ شِمَالِي مِثْلُ ذَلِكَ)). فَقَالَ رَجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَعْرِفُ أُمَّتَكَ مِنْ بَيْنِ الأُمَمِ فِيمَا بَيْنَ نُوجِ إِلَى أُمَّتِكَ؟ قَالَ: ((هُمْ غُرَّ مُحَجَّلُونَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، لَيْسَ أَحَدُ كَذَلِكَ غَيْرَهُمْ، وَأَعْرِفُهُمْ