النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
كتاب العلم
٢٦٣ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: ((لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوا الْعِلْمَ
وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ لَسَادُوا بِهِ أَهْلَ زَمَانِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لَأَهْلِ الدُّنْيَاءِ لِيَنَالُوا بِهِ مِنْ
دُنْيَاهُمْ فَهَانُوا عَلَيْهِمْ، سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ لَهَ يَقُولُ: ((مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمَّا وَاحِدًا هَمَّ
آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ [في](١) أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللهُ فِي
أَِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ) الشرعي وآلته (صَانُوا
الْعِلْمَ) عن دنس الطمع والتقرب به إلى الملوك ونحوهم، وعن دنس التحاسد الواقع فيما
بينهم، ولم نقل صانوه لبيان مزيد شرفه وباهر فخامته (وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ) الساعين
إليهم لاستفادته مع تأهلهم لفهمه، ودرك غورهم وتنزههم على أن يقصدوا به ما لا
ينبغي من كل ما ينافي الكمال، ألا يكون أحد من أهله إلا إن جمع كل ذلك (لَسَادُوا)
أي: فاقوا (بِهِ أَهْلَ زَمَانِهِمْ) كمالاً وشرفًا وفخرًا وجاهًا؛ لأن من شأن أهله أن يكونوا
هم قوام الدين وقوامه وبهم ائتلافه وانتظامه، وأن يكون الملوك فمن دونهم تحت
أقلامهم وطوع أرائهم وأحكامهم.
قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾
[المجادلة: ١١] وقال الزهري: العلم ذكر لا يحبه إلا ذكور الرجال؛ أي: الذين يجنحون إلى
معالي الأمور ويتنزهون عن سفسافها (وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لأَهْلِ الدُّنْيَا) تعليمًا وإفتاءً
وقضاء لا لله الذي أوجب عليهم الإخلاص فيه كسائر العبادات، بل (لِيَنَالُوا بِهِ مِنْ
دُنْيَاهُمْ فَهَانُوا عَلَيْهِمْ) قدرًا واعتبارًا، فلم يرفعوا بهم رأسًا ولا أقاموا لهم وزنًا؛ لأن
قيمة كل إنسان ما أحبه، فإذا أحبوا تلك القاذورات صيرهم في القلوب أقذر منها
وأقبح، ترويح المخاطبين بأنهم إن فعلوا مثل أولئك خالفوا نبيهم وتعرضوا لمقت الله
وغضبه.
(١) سقط من الأصل.

١٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
فقال: (سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ وَ﴿ يَقُولُ: مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ) التي تطرقه من محن الدنيا
وكدرها، ومن عيشها من هم بكذا عزم عليه (هَمَّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ) بدل من همّا
واحدًا بألا يهتم بغير أمرها، ولا يعول إلا على قصد ما ينفعه فيها (كَفَاهُ اللهُ هَمَّ دُنْيَاهُ)
يفتح أبواب الرزق الذي لا كدر فيه ولا تعب عليه («لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم
كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا)(١) وبإلقاء عظمته وجاهه في القلوب، فلا
يقول شيئًا إلا سمع له ولا يأمر بخير إلا يورد إليه، ولا ينهى عن منكر إلا كف عنه.
(وَمَنْ تَشَعَّبَتْ) أي: تفرقت (بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا) بدل من الهموم بأن
نظر إلى زينتها، والتفاخر فيها وأحب التكاثر من الأموال والأولاد حتى توالت عليه
هموم تحصيل بعض ذلك، وفقد بعضه وعظيم المذلة الحاصلة له في جنب ذلك
التحصيل تفرقت شمله وهمته، وأخرست فطنته وعطلت فكرته وصيرته غرضًا لسهام
کل محنة، ومرمی لأثقال كل فتنة.
(لَمْ يُبَالِ اللهُ فِي أَيِّ) واد من (أَوْدِيَتِهَا) المكنى بها عن أعراضها الفاسدة
المهلكة ملكه حتى (ملك) فیه؛ لأنه إذا أعرض عن الله أعرض الله عنه فترکه غیر
متكفل له بكفاية شيء من أحواله تلعب به أيدي الهموم، وتتوالى عليه الأكدار
والغموم إلى أن أُذهبت لبَّه وأفسدت قلبه (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه).
٢٦٤ - [وَرَوَاهُ البَيْهَفِيُّ فِي (شُعَبِ الإِيمَانِ)) عَنِ ابْنِ عُمَر مِن قَوْلِهِ: ((جَعَلَ الْهُمُومَ))
إلى آخره (٢)].
(وَرَوَاهُ البَّيْهَفِيُّ فِي (شُعَبِ الإِيمَانِ)) عَنِ ابْنِ عُمَر مِن قَوْلِه: ((جَعَلَ الْهُمُومَ)) إلى
آخره).
(١) أخرجه أحمد (٢٠٥)، والترمذي (٢٣٤٤) وقال: حسن صحيح. وَابْنُ ماجه (٤١٦٤)، وابن المبارك
في الزهد (٥٥٩) والطيالسي (٥١) وأبو يعلى (٢٤٧) وابن حبان (٧٣٠) والحاكم (٧٨٩٤) وقال:
صحيح الإسناد. والبيهقي في شعب الإيمان (١١٨٢) والضياء (٢٢٧) وقال: إسناده صحيح.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٦٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٨٣٧).

١٤٣
كتاب العلم
٢٦٥ - [وَعَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((آفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ، وَإِضَاعَتُهُ
أَنْ تُحَدِّثَ بِهِ غَيْرَ أَهْلِهِ)(١). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مُرْسَلاً].
(وَعَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َ﴿: آفَةُ الْعِلْم) أي: أعظم آفاته التي تمنع
استحضاره عند الحاجة إليه (النِّسْيَانُ) له أولاً؛ لأنه المتوقف هو عليها، وهذا وإن كان
ظاهر لكن المقصود به التحذير من أسباب النسيان كالإعراض عن استحضاره
ومطالعة موداته، وكالاشتغال بما يشغف القلوب من المستحسنات الدنيوية، ويذهل
العقل من المظاهر الشهوية.
فإن من فعل ذلك صار علمه جهلاً، ورشده غيًّا وباء وعظم هوان وأقبح خذلان
(وَإِضَاعَتُهُ) المنهي عنها، والموجبة لضياع فاعلها وهلاكه وغوايته (أَنْ تُحَدِّثَ بِهِ غَيْرَ
أَهْلِهِ) بأن یحدث به من لا یفهمه.
ومن ثم قال علي، كرم الله وجهه: حدثوا الناس بما يفهمون، أتحبون أن
يكذب الله ورسوله؟ أو من يريد المعلم منه غرضًا دنيويًّا أو من يتعلمه لا لله، بل
ليجازي به الفقهاء أو يماري به السفهاء (رَوَهُ الدَّارِمِيُّ مُرْسَلاً).
٢٦٦ - [وَعَنْ سُفْيَانَ أَنَّ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﴾ قَالَ: بَلَّغْتُ مَنْ أَرْبَابُ الْعِلْمِ.
قَالَ: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ. قَالَ: فَمَا أَخْرَجَ الْعِلْمَ مِنْ قُلُوبِ الْعُلَمَاءِ؟ قَالَ:
الطَّمَعُ(٥).
(وَعَنْ سُفْيَانَ أَنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴾ قَالَ: بَلَّغْتُ) الخبر وخصه بذلك؛ لأنه
كان ممن علم التوراة وغيرها وأحاط بالعلم الأول (مَنْ) هم (أَرْبَابُ الْعِلْمِ) الشرعي
الذين رسخ في قلوبهم حتى استحقوا أن يسموا بإيمانه أربابه دون غيرهم، والممدوحون
في الكتاب والسنة بما يبهر العقل جلالةً وشرفًا (قَالَ) هم (الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِمَا
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٦١٣٩)، وابن عبد البر في العلم (١٣٠/١)، والدارمي (٦٢٤)، والبيهقي في
المدخل (٤٣٣).
(٢) أخرجه الدارمي (٥٨٦).

١٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
يَعْلَمُونَ) بأن يقوموا بحقوق الله وحقوق عباده، وأدنى ذلك أن يتصفوا بصفة العدالة،
وأعلاه أن يكونوا ربانيين حكمًا قال تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران:٧٩].
وقال ﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ٢٦٩] وهي العلم بدقائق الأمور، وإتقان
ذلك برصانة العمل المحظوظ من جميع الشوائب، أمَّا من لم يعمل بعلمه فليس من
أرباب العلم بل ولا من جنس الأناسي، وإنما مثله ﴿كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾
[الجمعة:٥].
(قَالَ) إذا كان هم أرباب العلم (فَمَا أَخْرَجَ) ذلك (الْعِلْمَ مِنْ قُلُوبِ الْعُلَمَاءِ؟)
أي: فأي وصف يوجب للعالم ترك العمل حتى ينسلخ عنه كونه من أربابه؟ (قَالَ:
الطَّمَعُ) أي: الرغبة في الدنيا والاعتناء بتحصيلها من أي وجه كان؛ لأن القلب إذا
أقبل على ذلك امتلأ بمحبة الرذائل، وأعرض عن اكتساب الفضائل إلى أن يذهب عما
كان فيه من مقدمات العلم ومقاصده، فحينئذ يصير قلبه كبيت خرب رحل عنه
ساکنه، ومنزل قفر نأی عنه نازله.
٢٦٧ - [عَنِ الأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيِهِ قَالَ: سَأَلَ رَجُلُّ النَّبِيِّ نَّهَ عَنِ الشَّرّ
فَقَالَ: (لَا تَسْأَلُونِي عَنِ الشَّرِّ وَسَلُونِي عَنِ الْخَيْرِ) يَقُولُهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا إِنَّ شَرَّ الشَّرِّ
شِرَارُ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّ خَيْرَ الْخَيْرِ خِيَارُ الْعُلَمَاءِ)(١). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ].
(وعَنِ الأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيِهِ قَالَ: سَأَلَ رَجُلُ النَّبِيَّ ◌َلْ عَنِ الشَّرِّ فَقَالَ: لَا
تَسْأَلُونِى عَنِ الشَّر) لأني رؤوف رحيم نبي الرحمة ﴿وَمَا أُرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾
[الأنبياء: ١٠٧] فالمراد: النهي عن لازم ذلك من إيهام غلبة مظاهر الجلال فيه على
مظاهر الجمال، وإلا فالسؤال عن الشر؛ ليجتنب واجب كفاية أو عينًا فكيف ينهى
عنه (وَاسَأَلُونِي عَنِ الْخَيْرِ، يَقُولُهَا) أي: هذه الجملة المشتملة على النهيين (ثَلَاثًا) من
المرات تأكيدًا في الزجر المذكور (ثُمَّ قَالَ: أَلَا إِنَّ شَرَّ الشَّرِّ) أي: أعظمه وأنهاه (شِرَارُ
(١) أخرجه الدارمي (٣٧٨).

١٤٥
كتاب العلم
الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّ خَيْرَ الْخَيْرِ خِيَارُ الْعُلَمَاءِ) فبفسادهم بمتابعتهم الهوى، وركونهم إلى الدنيا
يفسد الناس، وبصلاحهم يصلحون؛ لأنهم الذي ينتهي إليهم أمور الدين، والدنيا وبهم
الحل والعقد.
ومن ثم قيل في: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:
٥٩] إن أولي الأمر منكم العلماء (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ).
٢٦٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: ((إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ الله مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ
عَالِاً لَا يَنْتَفِعُ بِعِلْمِهِ)) (١). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: إِنَّ مِنْ) قيل: زائدة وفيه نظر أن من المعلوم أن في
المسلمين من هو أقبح ممن يأتي (أَشَرِّ) هو لغة قليلة (النَّاسِ عِنْدَ الله مَنْزِلَةً يَوْمَ
الْقِيَامَةِ عَالِاً لَا يَنْتَفِعُ بِعِلْمِهِ) أمَّا لكتمه له عمن يستحقه أو بذله لمن لا يستحقه، وأمَّا
لتعاطيه ما لا يليق من العلماء من الأخلاق الدينية، والأعمال السيئة حتى أوجب
ذلك للكفاءة الإعراض عنه، وعن علمه وعدم الالتفات إليه، وسبب تلك الأسرية
إعراضه عن أرفع المنازل إلى أسفلها ونزول من أرج المعالي إلى حضيضها ﴿وَاتْلُ
عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ * وَلَوْ
شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ.﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦] (رَوَاهُ
الدَّارِميُّ).
٢٨٩ - [وَعَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ: هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الإِسْلَامَ؟
قُلْتُ: لَا. قَالَ: يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ، وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ فِي الْكِتَابِ، وَحُكْمُ الأَئِمَّةِ
الْمُضِلِّينَ(٢). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ].
(وَعَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ: هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الإِسْلَامَ؟) أي: ما
يزيل عزته ويمنع الناس عن القيام بحقوقه وأحكامه (قُلْتُ: لَا) أعرف ذلك (قَالَ:
(١) أخرجه الدارمي (٢٦٨).
(٢) أخرجه الدارمي (٢٢٠).

١٤٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ) بألّا يعمل بعمله إيثارًا للأغراض الفانية، فلا يأمر بمعروف ولا
ينهى عن منكر، بل يتجاهر بالمعاصي فيقتدي به الناس فيها فيضل، ويضل ويزل
ويزل؛ لأن الناس غالبًا ما يقتدون بعمل علمائهم (وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ فِي الْكِتَابِ) أي:
غلوه في إقامة البدع بتمسكه بالتأويلات الزائفة والشبه الباطلة، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا
الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ... ﴾ [آل عمران:٧].
(وَحُكْمُ الأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ) بالباطل من الزور والبهتان، ووجه هدم هذه الثلاثة
للإسلام أن زلة العالم تفسد أعمال الناس الظاهرة، وزيغ المبتدعة مفسد عقائدهم
وجور الحكام يفسد معاملتهم وأموالهم، فزال الإسلام من أصله وقدمت زلة العالم؛
لأنها هي السبب في الآخرين؛ إذ لولا زلته لما قويت شوكة مبتدع ولا تم حكم جائر
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ).
٢٧٠ - [وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الْعِلْمُ عِلْمَانِ: فَعِلْمُ فِي الْقَلْبِ فَذَلِكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ،
وَعِلْمُ عَلَى اللِّسَانِ فَذَلِكَ حُجَّةُ اللهِ وَكَ عَلَى ابْنِ آدَمَ(١). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ].
(وَعَنِ الْحَسَنِ) البصري ﴾ (قَالَ: الْعِلْمُ) الشرعي (عِلْمَانٍ) أي: نوعان (فَعِلْمْ)
القافية تفصيلية؛ أي: فنوع منه رسخ واستقر (فِي الْقَلْبِ) لسلامته من الحظوظ
الدنيوية والنظر إليها، وامتلائه بالمعارف الإلهية والتعويل عليها.
(فَذَلِكَ) الفاء فيه سببية؛ أي: فبسبب استقراره في القلب كما ذكر الذي اشتهر
مدحه، والرغبة فيه كان ذلك العلم هو (الْعِلْمُ النَّافِعُ) لصاحبه في الدنيا بزيادة علومه
ومعارفه، لما جاء من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ
تَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] أي: من الإشكالان والشبه ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَخْتَسِبُ﴾
[الطلاق: ٣] أي: فيعلمه من غير تعلم، ويطلعه على حقائق المعارف وأخلاق النفس
من غير كثر تجربة ومجاهدة، وباستجابة الناس لدعوته وقيامه بوراثة الأنبياء وخلافة
(١) أخرجه الدارمي (٣٧٢)، وابن أبي شيبة (٣٤٣٦١)، والحكيم (٣٠٣/٢).

١٤٧
كتاب العلم
الرسل، وفي الآخرة برفع درجته وحشره في زمرة العلماء العاملين والأئمة الوارثين.
(وَعِلْمُ) أي: ونوع منه يجري (عَلَى النِّسَانِ) من غير أن يعقل منه شيء لقلبه،
فلسانه يشقشق به وقلبه معرض عنه لامتلائه بخبائث الشهوات وقاذورات الإرادات،
ومن ثم خالف قوله فعله، وحق له المقت الأكبر كما قال تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا
تَفْعَلُونَ * كَبْرَ مَقْتًا عِندَ الله أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣].
(فَذَلِكَ) أي: فبسبب ذلك الخلق السيئ الذي استقر في الشرع ذمه والتنفير
عنه، كان ذلك العلم هو (حُجَّةُ الله ◌ِكَ عَلَى ابْنِ آدَمَ) لارتكابه في عار مخالفة القول
للفعل، ومقت التمويه على الناس أنه عامل بما يقوله، وقبح التلبيس على الخاصة أنه
من جملتهم وفي عدادهم، وحمل الأول على علم الباطن والثاني على علم الظاهر غير
صحيح؛ لأنهم لا يعنون بعلم الظاهر مجرد قول بلا عمل وإنما يعنون به: ما يتعلق
بالأعمال الظاهرة، وهذا غير مذموم بل هو في غاية الشرف؛ لأنه الأصل في علم
الباطن؛ إذ لا يتحقق شيء منه إلا بعد إصلاح الأعمال الظاهرة.
كما أن علم الظاهر لا يتم جدواه ولا يبلغ منتهاه إلا بصلاح الباطن وسلامته
على كل خلق ذميم ووصف غير مستقيم، ويؤيد ما ذكرته قول أبي طالب المكي:
هما علمان أصليان لا يستغنى أحدهما عن صاحبه بمنزلة الإسلام والإيمان،
مرتبط كل منهما بالآخر كالجسم والقلب لا ينفك أحدهما عن صاحبه (رَوَاهُ
الدَّارِمِيُّ).
٢٧١ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِهَ وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا
أَحَدُهُمَا فَبَثَنْتُهُ فِيكُمْ، وَأَمَّ الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ. يَعْنِي: تَجْرَى الطَّعامِ(١).
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللّهِ وَيَ وِعَاءَيْنٍ) أي: نوعين من
العلم شبههما بوعاءين؛ لاحتواء كل منهما على علوم وفوائد وغايات لا يحتوي عليها
(١) أخرجه البخاري (١٢٠).

١٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
الآخر (فَأَمَّا أَحَدُهُمَا) وهو علم الأحكام والأخلاق (فَبَثَْتُهُ فِيكُم) ومن ثم كان أكثر
الصحابة رواية عن رسول الله وَل﴾؛ لأنه آثره بالغرف له من الهواء الذي كنا به عن
خزائن الغيث، غرفات في ردائه المكني به عن قلبه لما شكا إليه النسيان، فلم ينس
شيئًا حفظه بعد.
(وَأَمَّا) الوعاء (الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ) أي: أظهرته فيكم (قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ؛ يَعْنِي:
تَجْرَى الطّعامِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) واختلفوا في المراد بهذا، فيحتمل أنه علم يتعلق
بالمنافقين بأسمائهم وأعيانهم، أو بولاة الجور من بني أمية أو بفتن أخرى وقعت في
زمنه، فهذه كلها يخشى من إظهارها القتل، أو أنه علم الأسرار المختص بالعلماء بالله
مما ظاهر كلماتهم فيه موهم غير مراد، وإنما يشيرون به لحقائق التوحيد المطلق الذي
ينفي استحضار شيء من الأغيار، ويوجب الاستغراق في شهود الحق وحده في سائر
الأحوال والأطوار، فهو لما فيه من التعطيل مزلة قدم لمن لم يتيقن طرق المعرفة من
طرق التضليل، وهذا هو المعنى لزين العابدين بقوله:
لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
يارب جوهر علم لو أبوح به
لاستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما يؤتونه حسنا
ومن ثم قال بعض العارفين: ممن له كلمات أوهمت كثيرين حتى حكموا بكفره
وأضلت كثيرين أخذوا بظاهرها لجهلهم بحلو القول، ومن يحرم على غير أهل طريقتنا
مطالعة كتبنا؛ أي: لأنها موضوعة على اصطلاحاتهم التي لا يحيط بها إلا من تحقق
بمعارفهم ومجاهداتهم، واللفظ المستعمل في اصطلاح قوم حقيقة عندهم فليس
لغيرهم اعتراضهم فيه إلا أن علموا بالقطع لا بالتخمين، والظن منهم أنهم أرادوا به
معنى محظور أو ما لم يعلموا منهم ذلك، فاعتراضهم في غير محله ومتوجه على غیر
أهله لحماية الله لهم عن سفساف ما يظن من كلامهم، وهدايته إياهم لما سينبئ عن
غاية قربه وبعد مرامهم جعلنا الله من عدادهم بمنِّه وكرمه.
٢٧٢ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ

١٤٩
کتاب العلم
بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِّ: اللهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: اللهُ أَعْلَمُ،
قَالَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِّهِ وَّهِ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾
[ص: ٨٦](١).
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَلِمَ شَيْئًا) من العلوم
فسأله عنه من هو متأهل لفهم جوابه؟ (فَلْيَقُلْ بِهِ) لو خيم عذاب كتم العلم كما مر
(وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ) جوابًا لما سئل عنه (فَلْيَقُلِ) في الجواب لا أدري، ومرادفه وهو (اللهُ
أَعْلَمُ) بجواب ذلك السؤال و(أعلم)) بمعنى عالم لاستحالة المشاركة (فَإِنَّ مِنَ) آداب
(الْعِلْمِ) الواجب رعايتها وجوبًا عينيًا متأكدًا من نسب للعلم (أَنْ يَقُولَ) اسم إن
ويصح من غير تقدير آداب؛ لأن قول ذلك من بعض العلم الذي يعلمه من حال نفسه
فيخبر به.
(لِمَا لَا يَعْلَمُ) أي: لأجله أو عنه إذا سئل عنه (اللهُ أَعْلَمُ) أو نحوه كـ لا أدري
ولا يتكلف شيئًا لا خبرة له به، فإنه يضل ويضل كما سبق حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا اتخذ
الناس رؤوسًا جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا.
ومن ثم قال السلف تحذيرًا عن المسارعة للإفتاء قبل التثبت في الجواب: ((من
أخطأ قول ((لا أدري)) أصيبت مقاتله)) أي: من آثر الجواب على لا أدري من غير علم
عنده فيه فقد تسبب في قتل نفسه، القتل الذي لا حياة بعده؛ ولهذا اشتد خوف
السلف من الإفتاء، فكثر امتناعهم عنه ولم يستحيوا من قول لا أدري.
ثم استدل ابن مسعود لما ذكره من امتناع التكلف والتصنع في الجواب المؤدي
إلى الإفتاء بالباطل بقوله: (قَالَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِّهِ) وَ ((قُلْ)) لهم يا محمد (﴿مَا
أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾) أي: التبليغ (﴿مِنْ أَجْرٍ﴾) آخذه منكم (﴿وَمَا أَنَا مِنَ
الْمُتَكَلِّفِينَ﴾) أي: المتصنعين، المدعين ما ليسوا من أهله؛ أي: ما عرفتموني قط
(١) أخرجه البخاري (٤٨٠٩)، وابن حبان (٥٤٨).

١٥٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
متكلفًا، ومن ثم لما سئل الصديق ضه عن الأَّب في ﴿فَاكِهَةً وَأَبَّا﴾ [عبس: ٣١] قال: أي
سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به.
٢٧٣ - [وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ
دِينَكُمْ (١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ) العظيم الشأن الرفيع القدر، وهو علم
الكتاب والسنة (دِينُ) وأي دين، بل هو الدين كله (فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ) أي: ترون
(دِينَكُمْ) فإن العظيم لا يؤخذ إلا عن عظيم، وهو هنا المعروف بالعدالة، والمعرفة
والضبط والسلامة من البدع، ونحوها من كل ما يوجب الرغبة عن صاحبه، وتقدير
((عمن)): أعمن، وانظر مضمن معنى العلم، والجملة الاستفهامية سدت مسد المفعولين
تعليقًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
٢٧٤ - [وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ، اسْتَقِيمُوا فَقَدْ سُبِقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا،
فَإِنْ أَخَذْتُمْ يَمِينًا أَوْ شِمَالاً لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالاً بَعِيدًا(٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ) أي: الذين يحفظون القرآن بألسنتهم فقط،
ومن ثم ورد أكثر منافقي أمتي قرؤوها (اسْتَقِيمُوا) بتصفية أعمالكم عن شوائب
الرياء، وأخلاقكم من الجور وعقائدكم من البدع، فإنكم لم تخلقوا إلا للعبادة
المتوقف كمالها من تمام التقرب إلى الله، والوصول للمقصود على ذلك (فَقَدْ سُبِقْتُمْ)
أي: قد سبقكم المتصفون بتلك الاستقامة إلى الله (سَبْقًا بَعِيدًا) فكيف ترضون
لنفوسكم بهذا التخلق المؤدي إلى الانحراف عن سنن الاستقامة يمينًا أو شمالاً
الموجب للهلاك الأبدي؟
كما قال: (فَإِنْ أَخَذْتُمْ) عن متن ذلك الصراط المستقيم (يَمِينًا أَوْ شِمَالاً) بفعل
معصية كرياء أو اعتقاد بدعة (لَقَدْ ضَلَلْتُمْ) أي: انحرفتم عن سنن الاستقامة والهداية
(١) أخرجه مسلم (٢٦)، والدارمي (٤٢٧).
(٢) أخرجه البخاري (٧٢٨٢).

١٥١
كتاب العلم
(ضَلَالاً بَعِيدًا) لأنه ربما أدى إلى الضلال الأكبر، وهو الكفر؛ لأن المعاصي لا سيما
الرياء يريده، ومن ثم سمي الرياء الشرك الأصغر (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
٢٧٥ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جُبِّ
الْحُزْنِ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا جُبُّ الْحُزْنِ؟ قَالَ: ((وَادٍ فِي جَهَنَّمَ يَتَعَوَّذُ مِنْهُ جَهَنَّمُ كُلّ
يَوْمٍ أَرْبَعَمِائَةِ مَرَّةٍ) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنْ يَدْخُلُهُ؟ قَالَ: ((الْقُرَّاءُ الْمُرَاؤُونَ بِأَعْمَالِهِمْ)).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَه وَزَادَ فِيهِ: ((وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْقُرَّاءِ الَّذِينَ يُراؤُونَ الأُمَرَاءَ))
قَالَ الْمُحَارِيُّ: يَعْنِي الْجَوَرَةَ(١)].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِِّ: تَعَوَّذُوا بِاللّهِ مِنْ جُبِّ الْحُزْنِ) علم
إضافي؛ أي: محل فيه كل آفة وحزن وضده دار السلام؛ أي: السلامة من كل آفة وحزن
(قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا جُبُّ الْحُزْنِ؟ قَالَ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ يَتَعَوَّذُ مِنْهُ) أي: من شدة
عذابه (جَهَنَّمُ) مع اشتمالها عليه (كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَمِائَةٍ مَرَّةٍ) لأن الله تعالى يخلق فيها
نطفًا وفهمًا فتدرك شدته، فتتعوذ منه ذلك العدد خوفًا وإعلامًا بشدة عذابه، ولا
استبعاد في ذلك فإن الله تعالى على كل شيء قدير وقد قال: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِهَنَّمَ هَلِ
امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق:٣٠].
﴿ تَكَادُ تَمَيَُّ مِنَ الغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] أي: تضطرب وتهلك.
وتأويله بأن الأول من باب تخييل المعنى وتصويره في القلب، والثاني تشبيه
لشدة غليانها بالكفار بحالة المشتد غيظه، غير صحيح للقاعدة أن اللفظ يحمل على
ظاهره الممكن ما لم يرد ما يصرفه (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنْ يَدْخُلُهُ) أي: تلك البقعة
المسماة بجب الحزن التي شأنها في الشدة ما ذکر.
(قَالَ: الْقُرَّاءُ الْمُرَاؤُونَ بِأَعْمَالِهِمْ) أي: القاصدون بشيء منها غير الله تعالى،
(١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١٧٠/٢)، والترمذي (٢٣٨٣) وقال: حسن غريب. وَابْنُ
ماجه (٢٥٦)، والطبراني في الأوسط (٣٠٩٠)، وابن عدي (٧١/٥)، والبيهقي في شعب الإيمان
(٦٨٥١).

١٥٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
وكان وجه تخصيصهم بذلك أنهم لم يبحروا على سنن القرآن الذي في أجوافهم فاشتد
عقابهم إجلالاً للقرآن، وإعلامًا بأكيد رعاية حقوقه (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَه
وَزَادَ فِيهِ: وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْقُرَّاءِ) المذكورين، وهم المراؤون مرائين مخصوصين وهم
(الَّذِينَ يُراؤُونَ الأُمَرَاءَ قَالَ الْمُحَارِبُّ: يَعْنِي الْجَوَرَةَ) وكأنه إنما قيده بذلك مع ذم الرياء
مطلقًا؛ لأنه قيد في كونه أبغض إليه من جميع المرائين لا في أصل البغض.
٢٧٦ - [وَعَنْ عَلِيِّ - كَرَّمَ اللّهُ وَجْهَهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((يُوشِكُ أَنْ يَأْتِي
عَلَى النَّاسِ زَمَانُّ لَا يَبْقَى مِنَ الإِسْلامِ إِلَّ اسْمُهُ، وَلَا يَبْقَى مِنَ القُرْآنِ إِلَّا رَسْمُه،
مَسَاجِدُهُم عَامِرَةٌ وَهِيَ خَرابُ مِنَ الهدي، عُلماؤهُمْ شَرَّ مِنْ تَحَتِ أَدِيمِ السَّماءِ، مِنْ
عِندِهِم تَخْرُجُ الفِتْنَةُ وَفِيهِم تَعُودُ)(١). رَوَاهُ البَيْهَِيُّ فِي (شُعَبِ الإِيمَانِ))].
(وَعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: يُوشِكُ) أي: يقرب (أَنْ
يَأْتِي عَلَى) أوثرت للإشعار بأن الزمان بعد أن كان لهم صار عليهم (النَّاسِ زَمَانٌ) فاسد
الفساد أهله بحيث (لَا يَبْقَى مِنَ الإِسْلامِ إِلَّا اسْمُه) أي: اسم قواعده، وما اشتمل عليه
كلفظ الصلاة والزكاة، وهكذا دون مسمياتها من فعل تلك التكليفات لترك الناس لها
تهاونًا أو نحوه (وَلَا يَبْقَى مِنَ القُرْآنِ إِلَّا رَسْمُه) أي: تجريد حروفه وإتقان ألفاظه دون
معرفة شيء من معانيه، والتفكر في حكمه وأمثاله والاتعاظ بمواعظه.
(مَسَاجِدُهُم عَامِرَةٌ) في الصورة الظاهرة بالبناء المحكم (وَهِيَ خَرَابٌ مِنَ
الهدي) أي: الصلاة كناية عن عدم صلاة أحد فيها لما تقرر أنه لم يبق من الإسلام إلا
رسمه، وهذا أولى مما قيل المراد بالهدى أصحابه؛ أي: خالية من هاديها ينتفع الناس
بهداه في الدين أو خراب من وجود هداة السوء بها، وتسميتهم هداة تهكم بهم. انتهى.
ثم استأنف لبيان أن سبب خراب المساجد بأي معنى من معانيه السابقة، إنما
هو فساد العلماء فقال: (عُلماؤهُم شَرٌ مِنْ تَحَتِ أَدِيمِ السَّماءِ) أي: وجهها إمَّا لكونهم
(١) أخرجه ابن عدي (٢٢٧/٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٩٠٨).

١٥٣
كتاب العلم
لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن منكر مع قدرتهم على ذلك، وإمَّا لبدعتهم
المقتضية لخراب المساجد كبدعة الإمامية التي عمت الآن إقليم فارس حتى غلقت
جميع مساجده، لاعتقادهم توقف الجماعة على إمام معصوم.
(مِنْ عِنْدِهِم تَخْرُجُ الفِتْنَةُ) للناس لما مرَّ أن بفسادهم تفسد الناس؛ لأنهم تبع
لهم (وَفِيهِم تَعُودُ) أي: تعود مستقرًّا فيهم ضررها، ومتمكنًا منهم كل التمكن (رَوَاهُ
البَيْهَفِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)»).
٢٧٧ - [وَعَنْ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ◌َ شَيْئًا فَقَالَ: ((ذَاكَ عِنْدَ أَوَانِ
ذَهَابِ الْعِلْمِ)) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَنُقْرِتُهُ
أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: ((ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ زِيَاد، إِنْ كُنْتُ لأَرَاكَ مِنْ أَفْقَهِ
رَجُلٍ، أَوَلَيْسَ هَذَهِ الْتَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَؤُونَ الثَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ لَا يَعْمَلُونَ بِهِمَا)(١). رَوَاهُ
أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَه وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ نَحْوَه].
(وَعَنْ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ وَّهِ شَيْئًا) مخوفًا مهولاً (فَقَالَ: ذَاكَ) الشيء
المخوف المهول يقع (عِنْدَ أَوَانِ ذَهَابِ الْعِلْمِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ
وَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَنُقْرِتُهُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟) كما علم ذلك من قوله
تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ أي: القرآن ﴿وَإِنَّا لَهُ لَخَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ومن
الإجماع على بقاء القرآن إلى أن يرفع قرب الساعة؛ أي: كيف يقع ذلك الهول، وذهاب
العلم والقرآن بين أظهرنا.
(فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ) أصله الدعاء بالموت، ثم غلب استعماله غير مراد به
ذلك كتربت يمينك (زِيَاد) أي: يا زياد (إِنْ) مخففة من الثقيلة بدليل اللام، واسمها
ضمير شأن محذوف (كُنْتُ لأَرَاكَ) أي: أظنك (مِنْ) مزيدة في الإثبات على مذهب
الأخفش أو متعلقة بمحذوف؛ أي: كائنًا من أفقه رجل (أَفْقَهِ رَجُلٍ) لا نظر لإفراده؛
(١) أخرجه أحمد (١٧٩٣٦)، وَابْنُ ماجه (٤١٨٤)، والطبراني (٥١٥٤).

١٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
لأنه مراد به الاستغراق (أ) تقول ذلك (وَلَيْسَ هَذَهِ الْيَّهُودُ وَالتَّصَارَى يَقْرَؤُونَ التَّوْرَاةَ
وَالإِنْجِيلَ لَا يَعْمَلُونَ) حال من الواو (بِهِمَا) فكما لم يفدهم قراءتهما مع عدم العلم
بما فيهما، فكذلك أنتم (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَه وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ تَحْوَهِ).
٢٧٨ - [وَكَذَا الدَّارِيُّ عَنْ أَبِي أَمامَة].
(وَكَذَا الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي أَمامَة).
٢٧٩ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: («تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ
وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ، تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ، تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ، فَإِنِّي
امْرُؤُ مَقْبُوضَّ، وَالْعِلْمُ سَيُقْبَضُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ حَتَّى يَخْتَلِفَ إِثْنَانِ فِي فَرِيضَةٍ فَلَا تَجِدَانِ
أَحَدًّا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا))(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارَقُطنيّ].
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ: تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَعَلِّمُوهُ
النَّاسَ، تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ) أي: مسائل قسمة المواريث (وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ، تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ
وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ، فَإِّ امْرُؤُ مَقْبُوضُ) لا أعيش فاغتنموا فرصة، فرصة حياتي (وَالْعِلْمُ
سَيُقْبَضُ) يقبض أهله كما مر (وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ حَتَّى يَخْتَلِفَ إِثْنَانٍ فِي فَرِيضَةٍ) من
فرائض الموت أو أعم (فَلَا يَجِدَانٍ أَحَدًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارَقُطِيّ).
٢٨٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: إِنَّ مَثَلَ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ كَمَثَلِ
گَنْزِلَا يُنْفَقُ مِنْهُ فِي سَبِيلِ الله].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: إِنَّ مَثَلَ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ كَمَثَلِ كَئٍْ
لَا يُنْفَقُ مِنْهُ فِي سَبِيلِ الله) في حرمان ثوابهما مع نفاستهما، فالتشبيه في ذلك لا في
أمر آخر كيف والعلم باق يزيد بالإنفاق والكنز فانٍ ينقص بالإنفاق.
(١) أخرجه الدارقطني (٤١٤٩)، والدارمي (٢٢٧)، ولم أقف عليه عند الترمذي.

(كِتَابُ الطَّهَارَةِ)
أي: هذا مبحثه، وهي لغة: النظافة من الدنس، ولو معنويًّا كالعيب، ومنه:
﴿إِنَّهُمْ أُنَاسَّ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢] ومنه أيضًا على أحد التفاسير: ﴿وَثِيَابَكَ
فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] أي: أخلاقك فطهر.
وشرعًا: فعل ما يترتب عليه رفع حدث ولو بالنسبة لبعض آثاره، كالتيمم أو
إزالة خبث أو ثواب مجرد كالغسلة الثانية، والوضوء والغسل المسنونين ويطلق أيضًا
على المعنى المترتب على ذلك الفعل.
(الفصل الأول)
٢٨١ - [عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله: ((الظُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ،
وَالْحَمْدُ لِلهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ الله وَالْحَمْدُ لِلهِ تَمْلآنِ - أَوْ تَمْلأُ - مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ
وَالأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانَ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءُ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ،
كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعُّ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا)). وَفِي رِوايَةٍ:((لا إِلَّهَ إِلا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ
يَمْلَآنِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» لَم أَجِدْ هَذِهِ الرّوايةَ فِي (الصَّحيحَينِ)) وَلَا فِي كِتَابٍ
الحَمَيدِي، وَلَا فِي ((الْجَامِعِ)) وَلَكِنْ ذَكَرَهَا الدَّارَِيُّ بَدَلَ: ((سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلِهِ)](١).
(عَنْ أَبِي مَالِكِ الأَشْعَرِيِّ) ﴾ (قَالَ رَسُولُ الله: الظُّهُورُ) هو كالوضوء بالضم
مصدرًا، وبالفتح اسمًا للآلة التي يتطهر بها، وقيل: بالفتح فيهما وعليه کثیرون.
وقيل: بالضم فيهما (شَطْرُ الإِيمَانِ) أي: ثوابه نصف ثوابه، أو ذاته نصف
شطريه اللذين هما التصديق بالباطن والانقياد بالظاهر، وهذا يتحقق بالطهر فصار
شطره من هذه الحيثية، أو هو يجب ما قبله من الذنوب، وكذا الطهر إلا أنه لتوقفه
(١) أخرجه مسلم (٢٢٣)، وأحمد (٢٢٩٥٣)، والترمذي (٣٥١٧) وقال: صحيح. والدارمي (٦٥٣)، وأبو
عوانة (٦٠٠)، والطبراني (٣٤٢٣)، وابن منده (٢١١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٧٠٩).
- ١٥٥ -

١٥٦
-
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
عارضًا في معنى الشطر أو هو هنا الصلاة على حد: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾
[البقرة: ١٤٣] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس.
والطهر: شرط في صحتهما فصار كالشطر، وهو هنا الصلاة على حد شعبه المشار
إليها بقوله {وَل﴾: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة))(١) والطهور وما بعده من أعظم تلك
الشعب، وخصت هذه بالذكر لبيان عظيم فائدة كل منهما؛ ولأن بقية الشعب ترجع
إليها، واستعمال الشطر في غير النصف الحقيقي سائغ، وحكمته الإشارة به إلى الفخامة
والشرف والطهر حقيق بذلك؛ إذ طهر الطاهر برفع حدثه وخبثه حتى يتأهل للوقف
بين يدي الله تعالى، والشروع في مناجاته مؤذن منهما، وأثبت له محمية مستقلة
مخصوصة لقوله عز قائلاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
ولما وصل نبينا دي إلى غاية من الطهارتين لم يصل إليها غير تطهير قلبه بشقه،
وإخراج ما فيه من حظ الشيطان وغسله وملئه حكمة، وإتقانًا مرارًا عديدة عند
تنقله في الأطوار نشأته؛ ليكون لكل نشأة وطور طهارة محضة، ويزيد ما يتعلق به كما
بينت ذلك بأدلته في ((شرح شمائل الترمذي)» ومن ذلك ما وقع له عند الإسراء
فاستخرج قلبه وغسل بماء زمزم، ثم أعيد مكانه وحشي إيمانًا وحكمة ليقوى على ما
شاهده تلك الليلة مما لم يصل إليه ملك مقرب ولا نبي مرسل.
تنبيه:
كان المخرجون للشطر عن حقيقته على اختلاف أقوالهم المحكية عنهم، لم
ينظروا للرواية الآتية التي فيها التعبير بالنصف، وحينئذٍ فتعين اعتماد القول الأول،
والإعراض عما عداه اللَّهُمَّ إلا أن يقال النصف أيضًا يأتي بمعنى الصنف، ومنه عند
جماعة ما في الحديث المشهور: ((إن علم الفرائض نصف العلم) (٢) فافهم.
(١) أخرجه مسلم (٣٥)، وأحمد (٩٣٥٠)، وأبو داود (٤٦٧٦)، والنسائي (٥٠٠٥)، وَابْنُ ماجه (٥٧)،
وابن حبان (١٦٦)، والطبراني في الأوسط (٩٠٠٤).
(٢) أخرجه بنحوه ابن ماجه (٢٧١٩)، والحاكم (٧٩٤٨).

١٥٧
كتاب الطّهارة
(وَالْحَمْدُ لِلهِ) أي: هو وما اشتق منه كحمدت الله ويحتمل الرابطة بهذه الصيغة
وحدها؛ لأنها أفضل صيغ الحمد، كما دل عليه القرآن والسنة (تَمْلأُ) أي: ثوابها لو
جسم أو هي لو جسمت باعتبار ثوابها (الْمِيزَانَ) التي سيقع بها وزن الأعمال يوم
القيامة وزنًا حقيقيًا، كما دل عليه الكتاب والسنة ومخالفة المعتزلة فيه كنظائره، إنما
نشأت عن تحكيم عقولهم الفاسدة، ونظرهم إلى الحجج الواهية الكاسدة
(وَسُبْحَانَ الله) أي: هي وما اشتق منها أو لفظها على ما مر.
(وَالْحَمْدُ لِلهِ تَمْلآنٍ) بالفوقية؛ أي: ذاتهما أو ثوابهما نظير ما مر (أو) شك من
الراوي (تَمْلأُ) تلك الجملة الشاملة لهما (مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَ ما بين (الأَرْضِ) أي:
الأرضين والإفراد في هذه مع الإجماع فيما قبلهما على وزان أكثر الآيات القرآنية، ومن
حكمته الإشارة لشرف السموات وفخامتهن؛ إذ الأصح عند جمهور العلماء أن السناء
أفضل من الأرض؛ لأنه لم يعص الله فيها أبدًا بناء على امتناع إبليس من السجود لم
يكن فيها أو غالبًا بناء على مقابل ذلك.
وقيل: الأرض أفضل؛ لأنها مدفن الأنبياء الذين هم أفضل من الملائكة، وفي
ملئهما أو ملء ثوابهما لما بين هذه الأجرام التي لا يحيط بسعتها غير خالقها تعالى
أظهر دلالة على عظمة فضلهما، وعلى أن الحمد أفضل من سبحان الله؛ لأنها خصت
بملء الميزان، ثم شوركت مع سبحان الله في ملء ما ذكر أيضًا، وذلك؛ لأن مفاد
سبحان الله تنزيه الحق؛ أي: اعتقاد تنزيهه تعالى عن كل ما لا يليق بجلال ذاته، وكمال
أفعاله وصفاته، ومفاد الحمد إثبات كل كمال له تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله مع غاية
التفويض، والانقياد فيما جاء من عنده على ألسنة رسله.
(وَالصَّلَاةُ) الشرعية المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم (نُورٌ) أي: سبب لما
يظهر على وجوه القائمين بحقوقها من الأنوار الإلهية المشار إليها بقوله عز قائلاً:
﴿ سِيمَاهُمْ فِي وَجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] أو لما يحل في قلوبهم من الأنوار
الناهية عن الفحشاء والمنكر، والهادية إلى الصواب في الأقوال والأفعال أو من أنوار

١٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
المعارف، ومكاشفات الحقائق لإقبال القلب فيها على الله ظاهرًا وباطنًا، وإعراضه عن
كل ما سواه ولما يهديهم الله يوم القيامة من النور المشار إليه بقوله تعالى: ﴿يَسْعَى
نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾ [الحديد: ١٢].
(وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانُ) أي: دليل واضح على صدق صاحبها في محبته لله دون ماله،
وفي امتثاله لما كلفه به وإعراضه عن وساوس عدوه اللعين، أو أنه يفزع إليها إذا سئل
يوم القيامة عن مصرف ماله؛ ليجيب عنه ويريحه من هول العتاب، كما يفزع البرهان
للإراحة من ظلمة الجدال، أو أنه يوسم سيمًا يعرف بها فيكون برهانًا على براءته من
توابعها، معینًا له عن أن يتوجه إليه سؤال عن مصرف ماله.
(وَالصَّبْرُ) على طاعة الله واجتناب نواهيه، وعلى تجرع مرارة ما يطرقه من
النوائب والمكاره؛ إذ هو حبس النفس عما يقتضيه الهوى وتختلف مواقعه وبحسبها قد
تتخالف أسماؤه، فما من مصيبة يسمى صبَّرا لا غير وضده الجزع وما في حرب يسمى
شجاعة وضدها الجبن، وما في إمساك النفس عن الفضلات يسمى قناعة وضدها
الحرص، وعن إظهار كلام يسمى كتمانًا وضده الإفشاء، وعن منع إنفاق يسمى جودًا
وضده البخل، وعلى هذا فقس.
(ضِيَاءُ) لصاحبه لاهتدائه به إلى كل صواب وإعراضه عن كل زلل، ولكونه
الأساس المبني عليه أركان الإسلام، والخطاب المحكم به قواعد الإيمان، والسبب في
تعاطي كل طاعة ومكرمة؛ إذ لولاه لما ارتكبت النفس شاقًّا قط، كما هو شأن من
سلبوه وحرموه خُصَّ بالضياء الأعظم من النور؛ إذ هو فرط الإنارة كما دل عليه قوله
تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥].
وقولهم: الصلاة أفضل عبادات البدن لا يرد على ذلك؛ لأن الصبر من عبادات
القلب، وهي أفضل على أنه أفضلها، ومن ثم لم يرتب الله تعالى في آخر سورة
((الفرقان)) الجزاء إلا عليه بعد ذكره أعمالاً فاضلة، وأخلاقًا مرضية فوضعه موضعها؛
لأنه ملاكها وعليه يدور قطبها فقال عز قائلاً: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى

١٥٩
كتاب الطّهارة
الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] إلى قوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] ثم
عقبه بقوله ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِمَا صَبَّرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥] فأوقعه موقع جميع ما
ذكر.
(وَالْقُرْآنُ) في القبر والقيامة يكون على صورة مناسبة للأعمال، وحينئذٍ فهو
إِمَّا (حُجَّةٌ) نافعة (لَكَ) بالتأنيس والشفاعة والشهادة إن قمت بحقوقه من إحسان
ألفاظه، وإتقان معانيه مع العمل بما اشتملت عليه من امتثال الأوامر، واجتناب
النواهي والتحلي بمحاسن الأخلاق والأوصاف والأحوال.
فحينئذٍ (أَوْ) حجة (عَلَيْكَ) إن قصرت في واجب من حقوقه، فيخاصمك
ويحاكمك إلى ربه وبالضرورة هو يخصمك ويغلبك فاحتفظ ما أمكنك وختم به مع
مغايرته لأسلوب ما قبله إشارة إلى كونه سلطانًا قاهرًا وحاكمًا فارقًا بين الحق
والباطل، فهو حبل الله المتين وحجته الباهرة على خلقه وبه مناط السعادة والشقاوة،
وبيان الرشد من الغي.
ومن ثم توجه سؤال هو ما حال الناس بعد ذلك؟ فأجيب عنه بجملة استئنافية
هي قوله: (كُلُّ) أحد من (النَّاسِ يَغْدُو) من الغدو، وهو السير بعد الفجر وقبل الزوال
وضده الرواح، والغدوة بالضم ما بين الفجر وطلوع الشمس؛ أي: كل مكلف يسعى في
أعراض يتوخاها نفسه ويتوجه إليها (فَـ) منهم من هو (بَائِعُ نَفْسَهُ) من الله تعالى؛ أي:
ملزمها بطاعته ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾
[التوبة: ١١١].
(فَـ) هو بسبب ذلك (مُعْتِقُهَا) من أليم عقابه ومخلصها من كثيف حجابه،
وقيل: بائع بمعنى مشترٍ نفسه بالدنيا الإيثاره الآخرة عليها، وذلك؛ لأن كلًّا يستعمل
لمعنى الآخر، وإنما حمل على ذلك؛ لأن المتصرف في المبيع بنحو العتق هو المشتري.
انتهى.
وبتأمل ما تقرر في معنى بائع يتضح رد هذا التأويل، والجواب عما استند إليه

١٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
(أو) بائع نفسه من عدوه اللعين بطواعيته له في وساوسه له وتسويلاته، فهو بسبب
ذلك (مُوبِقُهَا) أي: مهلكها بإيقاعها في عذاب الله، وأليم حجابه (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وهو
حديث عظيم، وأصل من أصول الإسلام لاشتماله على أعظم قواعد الدين، وتحريضه
على سكون سنن المهتدين وتحذيره من موالاة المعتدين.
(وَفِي رِوايَةٍ) صحيحة أيضًا (لا إِلَهَ إِلا اللهَ، وَاللهُ أَكْبَرُ يَمْلآنٍ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ
وَالأَرْضِ، لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرّوايةَ في (الصَّحيحَينِ)) وَلَا فِي كِتَابِ الحَمَيدِي، وَلَا فِي ((الْجَامِعِ))
وَلَكِنْ ذَكَرَهَا) النسائي، وكذا (الدَّارَمِيُّ بَدَلَ: سُبْحَانَ الله وَالُحَمْدُ لِلهِ) ومنها يستفاد
عظيم فضل هاتين الكلمتين أيضًا، فأمَّا: ((لا إله إلا الله)) ففضائلها كثيرة مشهورة،
كيف وهي أفضل الأذكار؟ وما قيل: إن الحمد أفضل منها لحديث بذلك فبعيد جدًّا،
وكم من مفضول فيه مزية، بل مزايا ليست في الفاضل.
وأمَّا: الله أكبر، ففضائلها لا تخفى أيضًا ولو لم يكن من فضائلها إلا أنها من
الباقيات الصالحات التي هي: ﴿خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف: ٤٦] إذ
المشهور في تفسيرها أنها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، زاد بعضهم:
ولا حول ولا قوة إلا بالله، وفي الحديث الصحيح: ((أفضل الكلام)) (١) أي: غير القرآن
على أن إفراد تلك الأربعة فيه «أربعة: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله
أكبر))(٢).
٢٨٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا
يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا وَبَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ)). قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله. قَالَ: ((إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ
عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ))].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: أَلَا) حرف استفتاح لمزيد تأكيد
ما بعده وتقريره (أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا).
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٨١١).
(٢) أخرجه بنحوه أحمد (٢٠٢٣٦) وَابْنُ ماجه (٣٨١١) وابن أبي شيبة (٢٩٨٦٩)، وابن حبان (٨٣٩).