النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ كتاب العلم (ثُمَّ) بعد استدامته ذلك الرفع مدة لشدة هوله وعظيم وقعه (قَالَ: هَذَا) الزمن الذي ستقع وفاتي فيه (أَوَانُ يُخْتَلَسُ) صفة أو أن ينزع، وفيه استعارة بالكناية سفهًا استعارة ترشيحية (الْعِلْمُ) السماوي (فِيهِ مِنَ) بين (النَّاسِ حَتَّى) للغاية (لَا يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ) يستنزلونه بسؤالهم. ويصح أن يراد هذا الزمن الذي ستقع تلك الفتن فيه، أو أن تنزع العلوم الشرعية فيه من الناس بموت أهلها لما مر في الفصل الأول: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ... إلى آخره)(١) ثم لا يزال يرفع شيئًا فشيئًا بموت أهله شيئًا فشيئًا حتى يفنى أهله فيصير من عداهم لا يقدرون منه على شيء يتعلمونه أو يستفادونه (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). ٢٤٦ - [وَعَنْ أَّبِي هُرَيْرَةَ ﴾ رِوَايَةً: ((يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الإِبِلِ يَظْلُبُونَ الْعِلْمَ، فَلَا تَجِدُونَ أَحَدًّا أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ))(٩). رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: إِنَّهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسِ. ومِثْلُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزاق، قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى: سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ أَنَّهِ قَالَ: هُوَ الْعُمَرِيُّ وَاسْمُهُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ه رِوَايَةً) تمييز؛ أي: رافعًا ذلك إلى النبي وَليّ لا موقوفًا عليه على أنه لو كان موقوفًا عليه لكان له حكم المرفوع، فإن هذا لما فيه من الإخبار بالغيب لا يقال من قبيل الرأي (يُوشِكُ) أن يقرب (أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الإِبلِ) أي: يسيرون سيرًا خشنًا، وإنما كفَّى عنه بذلك؛ لأن مريده يضرب على أكباد مركوبه بالرجل ضربًا محكمًا لا تؤثر فيه شدة السير أو؛ لأن سرعة السير والإدلاج وبُعد الشقة توجب قطع أكباد الإبل من شدة التعب والعطش حتى يصير كأنما ضُربت أكبادها، وفي ذلك كله تنبيه على أن طلبة العلم أشد الناس حرصًا وأعزهم مطلبًا؛ لأن الجد في (١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٤٠٣)، وابن عدي (٢٢٣/٥). (٢) أخرجه الترمذي (٢٦٨٠) وقال: حسن. والحاكم (٣٠٧) وقال: صحيح على شرط مسلم. والبيهقي (١٦٨١) وقال: رواه الشافعي في القديم عن سفيان بن عيينة. ١٢٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني طلب الشيء إنما يكون على قدر عده للمطلوب وشدة الحرص عليه. (يَظْلُبُونَ الْعِلْمَ) المعهودة شرعًا، وهو علم الدين الشامل للتفسير والحديث والفقه (فَلَا يَجِدُونَ أَحَدًا أَعْلَمَ) بذلك (مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وذكر (في ((جَامِعِهِ))) تفسيره وهو (قَالَ) سفيان (ابْنُ عُيَيْنَةَ)﴾ وناهيك به جلالة وإمامة (إِنَّهُ) أي: المذكور في هذا الحديث المراد به: (مَالِكُ بْنُ أَنَس) الأصبحي، فإنه في زمنه لم يكن بالمدينة التي هي دار العلم في تلك الأزمنة ومحط رحال طلبته لضربهم أكباد مطيهم إليها لأخذه عن أهلها. (ومِثْلُهُ) أي: هذا القول أنه مالك مذكور (عَنْ عَبْدِ الرَّزاق، قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى: سَمِعْتُ) سفيان (ابْنَ عُيَيْنَةَ أَنَّه قَالَ: هُوّ) أي: المراد في هذا الحديث (الْعُمَرِيُّ) نسبه لجده عمر بن الخطاب [ ... ](١) المجمع على جلالته دينًا وزهدًا وعلمًا (وَاسْمُهُ: عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الله) أحد فقهاء المدينة وأعلامهم. سمع الزهري وابن المنكدر وابن دينار وحميد الطويل وهشام بن عروة ولا تخالف بين قولي سفيان المذكورين؛ لأن كلا من الرجلين كان عالم المدينة فلا يوجد أعلم منه. وقال عن ابن عيينة: اسمه عبد الله بن عمر بن حفص بن عمر بن الخطاب، والقول: بأنه عمر بن عبد العزيز مردود بأنه من أهل الشام لا المدينة؛ أي: لم يشتهر فيها بعلم يقصد لأجله. ٢٤٧ - [وَعَنْهُ فِيمَا أَعْلَمُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ: ((إِنَّ اللّهَ دَنْ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةٍ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا)(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (وَعَنْهُ) رواية أخرى هي قوله: (فِيمَا أَعْلَمُ) بضم الميم؛ أي: في حمله ما أعلم، (١) بياض في الأصل. (٢) أخرجه أبو داود (٤٢٩١)، والبيهقي في المعرفة (٤٢٢)، والطبراني في الأوسط (٦٥٢٧)، والحاكم (٨٥٩٢)، والخطيب (٦١/٢)، والديلمي (٥٣٢). ١٢٣ كتاب العلم ويجوز فتحها ماضيًا من الإعلام حكاية عن أخباره (مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّةٍ) أنه (قَالَ: إِنَّ اللّهَ وَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلٌّ مِائَةٍ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا) من واحد أو جماعة بأن يكون عند انقضاء المائة هو القائم بالأمر المشار إليه فيه، المتميز فيه على بقية أهل ذلك الفن من الفقه الذي هو أهم العلوم نفعًا للأمة. ومن ثم خص جمع الحديث بالفقهاء ثم عيّن القائم بالفقه في ذلك الزمن من مذهبه أو من التفسير أو الحديث أو القرآن أو الوعظ أو المعرفة والتربية، أو آلة من آلات العلوم الشرعية أو من الإمامة العظمى والقضاء والإمارة، فإن انتفاع الأمة متوقف على جميع هؤلاء، فكل من وجد منهم في ذلك آلته مَنْ بتلك الشهرة كان مجدد الدين بحفظ قواعده وضبط أصوله وأدلته وقوانين السياسات، ونشر العدل المتوقف ظهور الدين عليهما وبالحث على التقوى ولزوم الزهد في الدنيا. وقد عينوا في رأس المائة الأولى عمر بن عبد العزيز من أول الأمر، والباقر والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وسالم بن عبد الله بن عمر ﴾ والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وأهل طبقة هؤلاء من الفقهاء، وعبد الله بن كثير من القراء، والزهري وأهل طبقته من المحدثين، وفي رأس المائة الثانية المأمون من أول الأمر والشافعي وأشهب المالكي واللؤلؤي الحنفي من الفقهاء، ويحيى بن معين من المحدثين ومعروف الكرخي من الزهاد. وهكذا عينوا في كل رأس مائة من هو قائم بتلك الفنون إلى زمننا، ففي رأس الثالثة من أئمتنا ابن شريح، والرابعة أبو حامد الإسفراييني، والخامسة الغزالي، والسادسة ابن دقيق العيد، والسابعة السبكي، والثامنة البلقيني، والتاسعة شيخنا شيخ الإسلام يحيى أبو زكريا الأنصاري، وجماعة معه من أهل طبقته (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد). ٢٤٨ - [وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَذَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َ: ((يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَخْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِينَ وَتَأْوِيلَ ١٢٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني الْجَاهِلِينَ))(١). رَوَاهُ [ ... ] وَسَنَذْكُرُ حَديثَ جَابِرِ: ((وَإِنَّمَا شِفَاءُ العِيِّ السُّؤالُ)» فِي بَابٍ التَّيَمُّمِ]. (وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَذَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيَّ: يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ) العظيم البالغ الغاية في الشرف، كما أفادته الإشارة إليه، وهو علم الدين، التفسير والحديث والفقه (مِنْ كُلِّ خَلَفٍ) صالح مستمر التجدد والتعاقب إلى قرب قيام الساعة، كما أفاد ذلك حديث: ((لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك)»(٢) سموا خلفاء؛ لأنهم خلفوا من سبقهم في القيام بما كانوا عليه من الخير. (عُدُولُهُ) أي: أكابره ومقدموه الذين زادت شهرتهم بالخير والعلم؛ أي: يقومون بنشره وحفظه وتعظيمه وما ينبغي له من الحقوق ويصح كون ((من)) بيانية، ففيه تجريد العدول من الخلف مع أنهم هم نظير ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةُ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وعلى كلٍ ففيه غاية التعظيم لشأنهم والتفخيم لأمرهم (يَنْفُونَ عَنْهُ) حال أو استئناف ورجح كأنه قيل: لِمَ خص هؤلاء بهذه المنقبة العلية؟ فأجيب بأنهم ينفون عن مشارع الشريعة، وموارد متون أدلتها المنيفة (تَخْرِيفَ) أي: تبديل وتغيير (الْغَالِينَ) في الدين؛ أي: المتجاوزين لحدوده المتجاسرين على فتك حرمه بما غيروه من الأحكام والأدلة وأسانيدها (وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ) من أهل البدع والخروج عن الحق؛ أي: نسبتهم نفوسهم إلى أهل الحق زاعمين أنهم من جملتهم؛ ليروح كذبهم ولا يخفى عیبهم. (وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ) للمتشابه من الكتاب والسنة بالتآويل الباطلة الموافقة لآرائهم الفاسدة وبدعهم الباطلة قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ﴾ (١) أخرجه البيهقي (٢٠٧٠٠)، وابن عساكر (٣٨)، والعقيلي (٢٥٦/٤). (٢) أخرجه مسلم (١٩٢٠)، والترمذي (٢٢٢٩) وقال: حسن صحيح. وَابْنُ ماجه (١٠). ١٢٥ كتاب العلم [آل عمران: ٧]. وفي هذا الحديث بيان شرف العلم وفوائده العلية والتعريض باليهود في تحريفهم وتبديلهم التوراة وتأويلها بالباطل ومدح أهله، وإعانة الله هذه الأمة المرحومة بهم لا سيما المحدثين والأصوليين، ومن ثم قال ابن القطان: ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض المحدثين. وقال الحاكم: لولا حفظ الأسانيد لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد المبتدعة من قلب الأسانيد ووضع الأحاديث؛ أي: مع إدراجها في سلك الصحاح. (رَوَاهُ) بيض له في نسخة البيهقي في كتابه ((المدخل)) من حديث بقية بن الوليد عن معاذ بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن الْعَذَرِيِّ (وَسَنَذْكُرُ حَديثَ جَابِر: (وَإِنَّمَا شِفَاءُ العِيّ السُّؤَالُ)) فِي بَابِ الَيَمُمِ). (الفصل الثالث) ٢٤٩ - [عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلاً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ﴾: ((مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَظْلُبُ الْعِلْمَ لِيُحْبِيَ بِهِ الإِسْلَامَ فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ [التَّبِّينَ دَرَجَةٌ وَاحِدَةً فِي الْجَنَّةِ] (١) (٢). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ]. (عَنِ الْحَسَنِ) البصري (مُرْسَلاً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَظْلُبُ الْعِلْمَ) حال من المفعول؛ أي: من أدركه الموت في حال استمراره في طلب العلم تعلمًا أو تعلیمًا ونشرًا له. (لِيُحْبِيَ بِهِ الإِسْلَامَ) أي: ما اندرس من قواعده وأحكامه ببيانها ودعاية الناس إليها، ونظير التصدير بالجملة الحالية لإفادة نظير ذلك الدوام قوله تعالى: ﴿وَلَّا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] أي: داوموا على حالة الإسلام حتى تموتوا عليها (فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ دَرَجَةٌ) لأنه بدوامٍ ذلك الطلب للعلة المذكورة يكون من جملة (١) في المخطوط: ((فبينه وبين الجنة درجة واحدة)). (٢) أخرجه الدارمي (٣٦٢)، وابن عساكر (٦١/٥١). ١٢٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني عدل وارثيهم، الذين جمعوا بين كمال العلم والعبادة والأخلاق كالتنزه عن شوائب الشبه والهوى، ودوام الدعاية إلى الله تعالى فلم يفهم إلا درجة الوحي والسهولة. (وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ) أكد به؛ لأن الدرجة تكون للجنس وللوحدة، وعلى أنها للوحدة يحتمل أن تنكيرها للتعظيم والتفخيم فأزال به ذلك الإيهام المفوت للمقصود من الدلالة على مزيد قرب منزلته من منزلهم (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ). ٢٥٠ - [وَعَنْهُ مُرْسَلاً قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ◌ّه عَنْ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ أَحَدُهُمَا: كَانَ عَالِماً يُصَلِّى الْمَكْتُوبَاتِ ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ، وَالآخَرُ: يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ، أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((فَضْلُ هَذَا الْعَالِمِ الَّذِي يُصَلِّ الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ عَلَى الْعَابِدِ الَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ الَّيْلَ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ))(١). رَوَاهُ الدَّارِ يُّ]. (وَعَنْهُ مُرْسَلاً قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَنْ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَحَدُهُمَا: كَانَ عَالٍاً يُصَلِّ الْمَكْتُوبَاتِ ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ) أي: يقتصر على فعل الفرائض ويصرف بقية زمنه للعلم تدريسًا أو تأليفًا أو نحوهما (وَالآخَرُ: يَصُومُ التَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ) أي: يديم صوم النهار وقيام الليل (أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟) لتعارض فضيلتهما ببادئ الرأي لما في الأول من النفع المتعدي وعمومه، والثاني في الحد في مهمات العبادة المحصلة لصفة العدالة في أصل العلم بما لا بد منه، لكن الأول زاد علمه ونفعه، والثاني زادت عبادته وحده؛ إذ لا يتوهم التفاؤل بينهما إلا حينئذٍ للعلم الضروري بأن العالم أفضل من الجاهل، وبأن العدل أفضل من الفاسق. (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَه) مجيبًا عن ذلك السؤال مطنبًا في الجواب المكتفي فيه بالأول أو العالم زيادة في تعظيم شأن العالم، وتقريره في ذهن السامع (فَضْلُ هَذَا الْعَالِمِ) البالغ الغاية في العظمة وتقررها في الأذهان حتى صارت كالأمور الحسية التي (١) أخرجه الدارمي (٣٤٩). ١٢٧ كتاب العلم لا تخفى على أحد، ويشار إليها بالأصابع (الَّذِي يُصَلِّ الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ عَلَى الْعَابِدِ) لم يشر إليه إيماء إلى عدم ذلك التقرر فيه، وأنه كالشيء المنسي (الَّذِي يَصُومُ التَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ) أي: التفاوت بين فضليهما عظيم لا يقدر قدره كالتفاوت بين درجتي، ودرجة أدناكم علمًا وعبادة (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ). ٢٥١ - [وَعَنْ عَلِيِّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ - قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((نِعْمَ الرَّجُلُ الفَقيةُ فِي الدِّين، إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهِ نَفَع النَّاسَ، وإن اسْتُغْنِيَ عَنْهُ أَغْنَى نَفْسَه»(١). رَوَاهُ رَزِین]. (وَعَنْ عَلَيِّ - كَرَّمَ اللّهُ وَجْهَهُ - قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: نِعْمَ الرَّجُلُ) الكامل في صفات الرجولية (الفَقيهُ في الدِّين) أي: الذي فقه في دين الله حتى كمل في معرفة الحكاية الاجتهادية عن أدلتها التفصيلية، وتحلى بالكمالات العملية والأخلاق الزكية، وتحلى عن كل سفساف من الحظوظ النفسانية والأعراض الدنيوية. وفيه إشارة إلى أنه لا كمال لغير فقه، وإلى أن الفقه هو الكمال كله، ثم استأنف ببيان بعض أسباب مدحه فقال: (إِن احْتِيجَ إِلَيْهِ) في أحكام الدين المتوقفة عليه، والتي لا يتأهل للكلام فيها غيره (نَفَع النَّاسَ) بإبداء تلك الأحكام إليهم العالم العام نفعها، ومعلوم أن ذلك الاحتياج كثير تكرار من فروع الفقه ما لا يستغني أحد عنه في كل حال، فيكون نفع الفقيه للناس كذلك، بل هو دائم النفع لهم؛ لأن سعيه فيما عدا نحو المكتوبات، إنما هو فيما يصلحهم وينفعهم لو احتاجوا إليه. ومن ثم قيل: لا أكرم من الفقهاء؛ لأن أحدهم يفني ماله وشبابه ونومه في نفع الناس من غير أخذ مقابل منهم، بل كثيرًا ما يكون من البذل لهم. قال بعض المحققين: وغاية الصوفي المحقق أن يظهر له كرامة أو كرامات فيفتخر بها هو وجماعة الدهر، والفقهاء يظهر للواحد منهم الكرامات الكثيرة بفتح (١) أخرجه ابن عساكر (٣٠٣/٤٥). ١٢٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني أبواب تلك الأحكام العلية، والهامة فيها ما لم يسبقه غيره إليه فيفيد منها ما لا يحصى. (وإن اسْتُغْنِيَ عَنْهُ) في نادر من الأوقات (أغْنَى نَفْسَه) عنهم فلا يلتفت إليهم، ولا يعول عليهم في حال من الأحوال إيثارًا للباقي على الفاني وتحقيقًا لما منحه من الإخلاص لله في قوله وفعله، وفي مقابله يقع ما عنى بيان من يد كماله، وعموم نفسه لإفادته أنه كما نفع الناس أغناهم بسد خلتهم، وكما أغنى نفسه نفعها ففطنها عن مظانِّ الريب والرياء (رَوَاهُ رَزِين). ٢٥٢ - [وَعَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسِ قَالَ: حَدِّثِ النَّاسَ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ أَبَيْتَ فَمَرَّتَيْنِ، فَإِنَّ كَثَّرْتَ فَثَلَاثَ مَرَّت، وَلَا تُمِلَّ النَّاسَ هَذَا الْقُرْآنَ، وَلَا أُلْفِيَنَّكَ تَأْتِي الْقَوْمَ فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ فَتَقُصُ عَلَيْهِمْ، فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ فَتُمِلَّهُمْ، وَلَكِنْ أَنْصِتْ، فَإِذَا أَمَرُوكَ فَحَدَّثْهُمْ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ، فَانْظُرِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ، فَإِنّي عَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ وَأَصْحَابَهُ لَا يَفْعَلُونَهُ(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (وَعَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عباس وروايته (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسِ قَالَ) له: (حَدِّثٍ النَّاسَ) بالعلوم الشرعية (كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً) ليكونوا حينئذٍ على غاية من الاشتهاء لسماع العلم وقبوله، فيكون عندهم أرسخ وأوضح (فَإِنْ أَبَيْتَ) الاقتصار على مرة في الجمعة لما عندك من الشوق إلى إفادة العلم ونفع الناس (فَمَرَّتَيْنِ) اقتصر عليهما في الجمعة فإنهما لا يؤثران مللاً غالبًا (فَإِنَّ كَثَّرْتَ) أي: أردت الإكثار (فَثَلَاتَ مَرَّات) أفعلها في الجمعة، وإن أردت إلى ملل لضعفه فلا ينظر إليه. (وَلَا تُمِّلَّ النَّاسَ) بالإكثار على الثلاث في كل جمعة (هَذَا الْقُرْآنَ) العظيم الشأن الذي جبلت القلوب على محبته وعدم الشبع منه ودوام دراسته والفكر فيه؛ أي: إذا كان الإكثار يوجب الملل عما هذه أوصافه فما بالك بغيره من العلوم التي جبلت النفوس على النفرة من مشاقها ومتاعها (وَلَا أَلْفِيَنَّكَ) أي: لا أرينك؛ أي: لا يكن (١) أخرجه البخاري (٦٣٣٧). ١٢٩ كتاب العلم ٥ بحسب أجلك في حالة لا تليق بالعلماء وهي أنك (تَأْتِي الْقَوْمَ) أي: والحال أنهم مشغولون عنك. (فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ) المتعلق بدنياهم وأحوالهم (فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ) عطف على ((تأتي)) عليهم قصصًا من وعظ أو علم (فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ) الذين هم فيه؛ لأنهم ينصتون إليك ولا بد لك أن تكون عن داعية وشوق لما تلقيه عليهم، بل عن إنصات له وتشويق منك عظيم، إذا ألجأتهم إلى ما لا يريدونه. (فَتُمِلَّهُمْ) بالنصب جوابًا للنهي، فلا يفيدهم من حديثك شيء، بل يوجب لهم النفرة عنك والبعد منك حتى إذا رأوك تفرقوا عنك، فينقلب ما أردته من نفعك ضررًا عظيمًا عليك بضياع علمك؛ إذ لا يرى له قائلاً وعليهم بفوات نفعهم وهدايتهم (وَلَكِنْ) إذا أتيتهم ووجدتهم في حديثهم وسنح لك أن تجلس إليهم فاجلس. (أَنْصِتْ، فَإِذَا أَمَرُوكَ) فإنك تحدثهم، وظهر لك أن أمرهم عن رغبة إلى سماع ما عندك وتعلمه لا عن حياء منك (فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ) والحال أنهم (يَشْتَهُونَهُ) فما دمت بفهم مفهم الشهوة لما عندك فألقه عليهم، وإلا فأمسك؛ لئلا تضرهم وتضر نفسك كما تقرر (فَانْظُرِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ) الناشئ عن تكلف وتمشدق وتفاصح (فَاجْتَنِبْهُ، فَإِنِّ عَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ وَأَصْحَابَهُ) أي: عرفت منهم أنهم كانوا (لَا يَفْعَلُونَهُ) لأنه دأبُ الكهان والمتشدقين في محاوراتهم. ومن ثم أنكر ◌َ ل* على ما فعله بقوله: ((وأسجع كسجع الكهان))(١) والتسجع إمَّا سجع بلا تكلف فيه وجه فلا محذور فيه، ومن ثم جاء في الفواصل القرآنية على غاية من البلاغة وعدم القصد؛ لأنك بين ما أنت تجدها متطابقة على ما يبهر العقل من ذلك، وإذا هي تعدت إلى أسلوب آخر ثم عادت ثم تغيرت وهكذا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). (١) ذكره السرخسي في المبسوط (١٢٥/٢٧). ١٣٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني ٢٥٣ - [وَعَنْ وَائِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ فَأَدْرَكَهُ كَانَ لَهُ كِفْلَانٍ مِنَ الأَجْرِ، فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ كَانَ لَهُ كِفْلُّ مِنَ الأَجْرِ)(١). رَوَاهُ الدَّارِمُّ]. (وَعَنْ وَائِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه وَِّ: مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ) الشرعي أو آلة من آلته (فَأَدْرَكَهُ) أي: أحاط به على ما ينبغي؛ إذ الإدراك بلوغ أقصى الشيء (كَانَ لَهُ كِفْلَانٍ) أي: نصيبان عظيمان (مِنَ الأَجْرِ، فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ كَانَ لَهُ كِفْلُ مِنَ الأَجْرِ) على تعلمه، وبذلك جهده فيه، ونظير ذلك الخبر الصحيح إذا اجتهد المجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، فإن قلت: ثم استحق المدرك الأجر الثاني، قلت: الظاهر أنه بتهيئه واستعداده نفع المسلمين، كما أنه في المجتهد على إصابته الحق، والأول فيهما على تعلمه واجتهاده (رَوَاهُ الدَّارِيُّ). ٢٥٤ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ﴾: ((إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، أَو مُصْحَفًّا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَّاهُ، أَوْ بَيْتًا لإِبْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ تَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ»(٢). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه والبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ]. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: [قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّ:](٣) إِنَّ مِمَّا) من فيه تبعيضية وزعم الشارح امتناعها لمنافاتها الحصر السابق في حديث: ((ينقطع عمل ابن آدم إلا من ثلاثة))(٤) يرد بما قدمته ثم أن الحصر فيه إضافي، ووصول الدعاء والصدقة من الغير إليه إجماعًا لیس مما نحن فيه؛ لأنه ليس من عمله. (١) أخرجه الدارمي (٣٤٤). (٢) أخرجه ابن ماجه (٢٤٢)، وابن خزيمة (٢٤٩٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٤٤٨). (٣) سقط من الأصل. (٤) أخرجه بنحوه الترمذي (١٤٣٢)، وأبو يعلى (٦٣٢٦)، وابن حبان (٣٠٨٠)، وابن خزيمة (٢٢٩٧)، والدارمي (٥٧٠). ١٣١ كتاب العلم والكلام هنا وثم فيما هو من عمله (يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا) شرعيًّا أو آلة له (عَلَّمَهُ وَفَشَرَهُ) كأنه عطف مرادف أو أعم (وَوَلَدًا صَالِحًا) أي: مسلمًا كما مر (تَرَكَهُ، أَو مُصْحَفًا وَرَّتَهُ) قيل: وهو وما بعده من أقسام الصدقة الحجازية في ذاك الخبر، فلا زيادة على الثلاثة التي فيه. انتهى. وإنما يتم إن كان المراد بتوريث المصحف: التصدق به، وهو بعيد لا يعطيه لفظ ورثه بوجه، وإنما الذي يعطيه حصول ثواب الانتفاع منه لمن كتبه ثم مات عنه، وإن كان على تلك ورثته أو انتقل لغيرهم؛ لأنه كان سببًا في كل انتفاع نفع به مادام موجودًا، وكذا يقال فيما يأتي أن من ذلك غراسًا غرسه؛ أي: وإن لم يتصدق به بأن ورث عنه، وكذا أجر النهر وحفر البئر في ملكه (أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ) هذا من أمثال الصدقة الجارية، فذكره لمن يريد الاعتناء به والترغيب فيه لكثرة ثوابه. (أَوْ بَيْتًا لإِبْنِ السَّبِيلِ) أي: لنزول المسافرين فيه وإيوائهم من المخاوف (بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ) قدمها؛ لأنها فيها فضل منها في المرض كما صرح به ما في الحديث أن أعظم الصدقة أجرًا أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت لفلان: كذا (وَحَيَاتِهِ) ولو في مرضه قالوا وبمعنى: أو (تَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ) قيل: للصدقة في إحدى هاتين الحالتين مفيد ما أفاده قيد جارية في القيد السابق من أن شرط ذلك أن تبقى عين المتصدق به بعد موته. ومن ثم مر أن العلماء حملوا ذلك على الوقف، أمَّا من تصدق بشيء صدقة تقتضي الملك فإن أبلغه المصدق عليه في حياة المصدق، فهذا لا يلحقه منه شيء بعد موته لانقطاع ثوابه بتلفه، وإن لم يتلفه بأن نفي ينتفع به المصدق عليه بعد موته لانقطاع ثوابه ما بقي ولو بعد موته، وإن كان قضية حمل العلماء للصدقة الجارية على الوقف خلافه (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه والبَيْهَِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ))). وفي رواية: ((سبع يجري للعبد أجرهن بعد موته وهو في قبره: من علم علمًا أو ١٣٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني أجرى نهرًا أو حفر بئرًا أو غرس نخلاً أو بنى مسجدًا أو ترك ولدًا يستغفر له من بعد موته أو ورث مصحفًا))(١). ٢٥٥ - [عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ يَقُولُ: (إِنَّ اللهَ وَى أَوْحَى إِلَّ أَنَّهُ مَنْ سَلَكَ مَسْلَكًا فِي طَلَبِ العِلْمِ سَهَّلْتُ لَهُ طَرِيقَ الْجَنَّةِ، وَمَنْ سَلَبْتُ كَرِيمَتيه أَثَبْتَهُ عَلَيْهما الجَنَّةَ، وَفَضْلُّ فِي عِلمٍ خَيْرٌ مِنْ فَضْلٍ فِي عِبادَةٍ، وَمِلاكُ الدِّينِ الوَرَعُ»(٢). رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ]. (عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ النَِّيَّ وَِّ يَقُولُ) حال مبين أن الأصل سمعت قول النبي ◌َّله وإنما أخر لقيد الإجمال، ثم البيان الأوقع في النفس لا مفعول ثان لسمعت لفقد شرط فَقُدمها له هنا على ما في ذلك، مما بينته في أوائل (شرح شمائل الترمذي)». (إِنَّ اللهَ وَكَ أَوْحَى إِلَّ أَنَّهُ مَنْ سَلَكَ مَسْلَكَا فِي طَلَبِ العِلْمِ) أي: تعاطى سببًا من أسباب طلبه (سَهَّلْتُ لَهُ طَرِيقَ الْجَنَّةِ) فلا يرى من حين قيامه من قبره إلى دخوله الجنة إلا ما هو سهل عليه، وهذه فائدة عظيمة وثواب جزيل؛ إذ لا أصعب من ذلك اليوم ولا أشد منه حرًّا، ووجه المجازاة بذلك فيما يظهر، والله أعلم أن العلم طريق لكل خير فسالك طريقه كأنه سالك طريق الجنة فجوزي بتسهيل طريقها جزاء ووقاراً. (وَمَنْ سَلَبْتُ كَرِيمَتيه) أي: عينيه أعميته سميت بذلك؛ لأن كل ما يكرم عليه كريمك وكريمتيك (أَثَبْتَهُ عَلَيْهما الجَنَّةَ) منصوب بنزع الخافض أو ضمن لأثبت أُعطيت (وَفَضْلُ) أي: زيادة واجتهاد بإفناء الزمن والبدن (في) تحصيل (عِلمٍ خَيْرٌ مِنْ فَضْلٍ) زيادة واجتهاد كذلك (فِي عِبادَةٍ) أخرى غير العلم، لما مر من عظيم فضل العلم على بقية أنواع العبادات، ومن ثم صح أن يقال: تنكير فضل الأول للتعليل، والثاني للتكثير؛ أي: فضل قليل في علم خير من فضل كثير في عبادة. (١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٤٤/٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٤٤٩)، والديلمي (٣٤٩٢). (٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٥٥١١). ١٣٣ كتاب العلم ومر أنه لا يعتد بالعبادة إلا إذا كانت على قوانين العلم، فخير إن كانت للتفضيل وجب تقييد العبادة بالناشئة عن علم فاعلها؛ ليفيد أن فضل قليلها من عالم أو طالب علم أفضل في علم خير من فضله، وإن كثر في عبادة أخرى، وإن كانت الأصل الفعل لم يحتج لتقييد العبادة لإفادة خبر حينئذٍ أن الخير في الأول، ولا خير في الثاني أصلاً. (وَمِلاكُ) بكسر الميم وفتحها؛ أي: إكمال وإحكام (الدِّينِ) مقتضى السياق العلم والعمل فعبر به عنهما تنبيهًا على تلازمهما، وأنه لا يمكن شرعًا مفارقتهما (الوَرَعُ) أي: تجنب الشبهات خوفًا من الله تعالى، وقد يطلق على الزهد، وهو أحد أقل الكفاية من الحلال وترك ما لا يحتاج إليه منه فضلاً عن الشبه، والظاهر أنه ليس مرادًا هنا (رَوَاهُ البَّيْهَِيُّ فِي (شُعَبِ الإِيمَانِ))). ٢٥٦ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: «تَدَارُسُ الْعِلْمِ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ خَيْرٌ مِنْ إِحْيَائِهَا))(١). رَوَاهُ الدَّارِمُّ]. (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: تَدَارُسُ الْعِلْمِ) أي: التفاوض فيه بين النظر أو الشيخ وتلامذته ويلحق بذلك كتابته أو تفهمه، وإن كان وحده لوجود المعنى المراد من التدارس، وهو إحياء طرق العلم والتهيؤ لنشره (سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ خَيْرًّ مِنْ إِحْيَائِهَا) أي: تلك الساعة بالصلاة التي بها حياة النفوس، واستدرار ما عند الله: (مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر))(٢). ومن ثم قال تعالى في حق المجتهد: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] وإذا كان هذا ثواب التهجد المفضول فما ظنك بثواب العلم الفاضل، وفي إثبات الإحياء لليل المشبه بميت لا نفع فيه استعارة بالكناية يتبعها (١) أخرجه الدارمي (٢٧٠). (٢) أخرجه أحمد (٨١٢٨)، والبخاري (٣٠٧٢)، ومسلم (٢٨٢٤)، والترمذي (٣١٩٧) وقال: حسن صحیح. ١٣٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني استعارة تخيلية (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ). ٢٥٧ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهُ مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ فِي مَسْجِدِهِ فَقَالَ: «كِلَاهُمَا عَلَى خَيْرٍ، وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ، أَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَدْعُونَ اللهَ وَيُرَغِّبُونَ إِلَيْهِ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ، وَأَمَّا هَؤُلَاءٍ فَيَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ أَو الْعِلْمَ وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ فَهُمْ أَفْضَلُ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا)(١). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ]. (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهُ مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ) أي: حلقتين (فِي مَسْجِدِهِ فَقَالَ: كِلَاهُمَا عَلَى خَيْرٍ، وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ) أفرد ضميرهما باعتبار لفظهما ثم جمعه باعتبار معناهما من القوم أو الجماعة فقال: (أَمَّا هَؤُلَاءٍ فَيَدْعُونَ اللهَ وَيُرَغِّبُونَ إِلَيْهِ) في أن يعطيهم من خزائن فضله ما تقر به عيونهم (فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ) ذلك (وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ) إياه؛ إذ لا حجر عليه لأحد من خلقه في شيء أراده لكن غلبة مظاهر فضله، وسبق رحمته لغضبه یرجح الأول. ومن ثم قال تعالى: ﴿ادْعُوِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. وقال مثل: (الدعاء مخ العبادة)(٢). وقال: ((من لم يدعُ الله يغضب عليه)(٣). (وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ أَوْ) للشك (الْعِلْمَ وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ فَهُمْ أَفْضَلُ) التعدي نفع هؤلاء للغير وقصور نفع أولئك على أنفسهم لو فرض حصوله؛ ولأن الأول قيد بالمشيئة الدالة على التجلي عليهم بمقام الجلال، والثاني لم يقيد بها إشارة إلى التجلي عليهم بمقام الحلم والكرم الواسع وشتان ما بين المقامين، ومن ثم زاد في الإعلان ببيان شرفهم الذي لا شرف فوقه، فقال مدرجًا نفسه الكريمة فيهم: إعلامًا (١) أخرجه الدارمي (٣٥٧). (٢) أخرجه الترمذي (٣٣٧١) وقال: غريب. والحكيم (١١٣/٢)، والديلمي (٣٠٨٧). (٣) أخرجه الحاكم (١٧٦٢). ١٣٥ كتاب العلم بأنه منهم وهو منهم (وَ) للاستئناف (إِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا) للخلق، وهم ورَّائي في ذلك فمن الذي يلحق علي شأوهم وباذخ بأوهم (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ). ٢٥٨ - [وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﴾ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِلَ: مَا حَدُّ العِلْمِ الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ الرَّجُلُ كَانَ فَقِيهًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: «مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا فِي أَمْرِ دِينِها بَعَثَهُ اللهُ فَقِيهًا، وَكُنْتُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شَافِعًا وَشَهِيدًا)»(١)]. (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﴾ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللّهِ وََّ) فقيل: يا رسول الله (مَا حَدُّ العِلْمِ الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ الرَّجُلُ كَانَ فَقِيهًا؟) يدخر له من الثواب والشرف ما يدخر للفقهاء؛ أي: ما وصفه المحيط به والمميز له عن غيره (فَقَالَ رَسُولُ اللّه وَّ) حد العلم المذكور: معرفة أربعين حديثًا صحيحًا أو حسن مصحوبة بتعليمها أو الحث على العمل بها، وطوى هذا العلم به من ملزومه المذكور في قوله: (مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي) أي: من نقل إليهم ولو لم يحفظ ولا فهم المعنى، كما قاله النووي لحصول المقصود من نفع الأمة بخلاف من حفظ ولم ينقل. (أَرْبَعِينَ حَدِيثًا) من سنتي (فِي أَمْرِ دِينِها) سواء تعلقت بعمل أو اعتقاد من نوع واحد أو أنواع كما اقتضاه الحديث خلافًا لمن قيدها بكونها متفرقة (بَعَثَهُ اللهُ فَقِيهًا) حتى يحشر في زمرة الفقهاء، وإن لم يكن منهم؛ لأنه بنقله ذلك للأمة كان السبب في استنباط الفقهاء منه الأحكام التي تنفع الأمة (وَكُنْتُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شَافِعًا وَشَهِيدًا) وجوز كون حفظ مضمنًا معنى رقب أو صار بدليل تعديته بـ((على)) على حد أحفظ علي عنان فرسي ولا تغفل عنه، وبعث أقام على حد ابعث لنا ملكًا؛ أي: من راقب أو صان على أمتي أربعين حديثًا حتى بقيت واستمرت فيهم مصونة عن الوضع والتحريف مصحوبة بتعليمه ما اشتملت عليه أقامه الله فقيهًا يعلم الناس الخير، وفيه تكلف كما لا يخفى فالوجه ما ذكرته في تقريره. (١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٦٨٥). ١٣٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني ويصح أن يكون الجواب من الأسلوب الحكيم؛ أي: لا تسأل عن حد الفقه الحقيقي فإنه عسر لا يتحلى به الأكابر الوارثين، بل كن من جملة الملحقين بالفقهاء الذين أقامهم الله تعالى لنشر العلم، وتعليم الناس ما ينفعهم في أمر دينهم ودنياهم من العلم والعمل. ٢٥٩ - [وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: هَلْ تَدْرُونَ مَنْ أَجْوَدُ جُودًا؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: اللهُ أَجْوَدُ وَجُودًّا، ثُمَّ أَنَا أَجْوَدُ بَنِي آدَمَ وَأَجْوَدُهُ مَنْ بَعْدِي رَجُلُ عَلِمَ عِلْمًا فَنَشَرَهُ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ أَمِيرًا وَحْدَهُ، أَوْ قَالَ: أُمَّة وَحْدَهُ(١)]. (وَعَنْ أَفَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: هَلْ تَدْرُونَ مَنْ أَجْوَدَ) أفعل من الجودة؛ أي: أحسن وأبلغ (جُودًا؟) تمييز عن الجملة قبله يحول عن محله أو من الجود؛ أي: الكرم؛ أي: من الذي جوده أجود، فالإسناد فيه مجازي كجد جده، أو استعارة مكنية شبه جوده بإنسان، ثم خیل لكونه إنسانًا جوادًا بنسبته إليه ما يناسب الإنسان من الجود مبالغة لكماله في صاحبه على حد أو أشد قسوة؛ إذ ضمير أشد للقسوة لا للناس؛ لأن أفعل إذا نصب ما بعده كان غير الذي قبله. (قَالُوا: اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: اللهُ [تَعَالَى](٢) أَجْوَدُ وَجُودًا) مطلقًا، كيف وهو المتفضل بالإيجاد والإمداد؟ ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]. (ثُمَّ أَنَا أَجْوَدُ بَنِي آدَمَ) أي: أفضلهم وأكرمهم، ومن ثم قال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر، آدم ومن دونه تحت لوائي)(٣) ويلزم من ذلك أنه أفضل من الملائكة وغيرهم لما هو مقرر أن الجنس البشري أفضل من الجنس الملكي، وإن كان في ذلك تفصيل معروف بالنظر للجزئيات. (وَأَجْوَدُه) أي: جنس بني آدم (مِنْ) الجانبين (بَعْدِي) في الرتبة أو في الزمان، (١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٧٦٧). (٢) سقط من الأصل. (٣) أخرجه أحمد (١١٠٠٠)، والترمذي (٣٦١٥)، وَابْنُ ماجه (٤٣٠٨). ١٣٧ كتاب العلم قيل: والأول أظهر (رَجُلُّ عَلِمَ عِلْمًا) عظيمًا نافعًا في الدين مع غاية من الإخلاص والعمل بعلمه، ثم بالغ في ذلك وداوم عليه (فَنَشَرَهُ) في الناس تدريسًا أو تأليفًا أو إفتاءً أو ترغيبًا وحثًّا وإعانة عليه (يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ أَمِيرًا وَحْدَهُ) أي: في عزة أمير اكتنفه جنده من بعد ولم یقرب أحد منهم إلیه لمزيد هيبته وإجلاله. (أَوْ قَالَ: أُمَّة وَحْدَهُ) ونظيره ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لله﴾ [النحل: ١٢٠] أي: كان وحده في العزة ونصرة الحق بمنزلة جماعة مجتمعة على أمر عظيم يتبعون عظيمًا في حيازة كماله وأخلاقه، وإنما قال ابن مسعود في معاذ، رضي الله عنهما: ((كان أمة قانتًا الله)) فقيل له: ذاك إبراهيم، قال: الأمة الذي يعلم الخير. ويؤيد ما ذكره خبر معاذ: ((أمة لله قانت لله ليس بينه وبين الله تعالى يوم القيامة إلا المرسلون))(١) وسبب ذلك ما في حديث آخر: ((إنه أعلم الأمة بالحلال والحرام)(٤) فأعلميته بذلك صيرته ثاني المرسلين، كما أن تعليم العلم ونشره صير فاعله في هذا الحديث ثالث رتبة، وفي هذا من مزيد فضل الله ما لا يقدر قدره غیر المتفضل به. ٢٦٠ - [وَعَنْهُ أَنَّ الَّبِيَّ نَِّ قَالَ: «مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: مَنْهُومُّ مِنَ الْعِلْمِ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ، وَمَنْهُومُ مِنَ الدُّنْيَا لَا يَشْبَعُ مِنْهَا)(٣). رَوَى الأحَاديثَ الثَّلاثةَ البَيْهَقِيُّ فِي شُعَبٍ الإِيمَانِ وَقَالَ: قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدٍ فِي حَديثِ أَبِيِ الدَّرْدَاءِ هَذَا مَثْنُ مَشْهُورٌ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَاهُ صَحِیح]. (وَعَنْهُ أَنَّ الشَِّيَّ نََّ قَالَ: مَنْهُومَانٍ) أي: حريصان على تحصيل أقصى غايات مطلوبيهما من النهمة وهو بلوغ الهمة في الشيء، وقد نهم بكذا فهو منهوم؛ أي: بولغ (١) أخرجه الديلمي (٨٩٦). (٢) أخرجه الطيالسي (٢٠٩٦)، وأحمد (١٤٠٢٢)، والترمذي (٣٧٩١) وقال: حسن صحيح. والنسائي في الكبرى (٨٢٤٢)، وابن ماجه (١٥٤). (٣) أخرجه أحمد (١١٠٠٠)، والترمذي (٣٦١٥)، وَابْنُ ماجه (٤٣٠٨). ١٣٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني به والتفهم بالتحريك إفراط شهوة الطعام (لَا يَشْبَعَانِ) استعارة عن عدم انتهاء حرصهما، وعلى الثاني: هو تشبيه لبيانه بما بعده عاجلاً أفراد المنهوم ثلاثًا: أحدها: منهوم من الجوع وهو المعروف. وثانيها: (مَنْهُومُ مِنَ الْعِلْمِ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ) لحرصه على بلوغ غايته المتعذر بلوغها. (وَ) ثالثها: (مَنْهُومُ مِنَ الدُّنْيَا لَا يَشْبَعُ مِنْهَا) لحرصه على بلوغه غايتها (لو أُعطي أحدكم واديين من ذهب لبغى الثالث))(١) وجاعلاً هذين أبلغ من المتعارف وهو كذلك، وإن كان المحمود منهما ليس إلا أولهما كما سيذكر عقب هذا عن ابن مسعود لما مر، ويأتي له من الفضائل التي تبهر العقل. (رَوَى الأحَاديثَ الثَّلاثةَ البَيْهَِيُّ فِي (شُعَبِ الإِيمَانِ) وَقَالَ: قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدٍ فِي حَديثٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ) وهو أولهما (هَذَا مَثْنَّ مَشْهُورٌ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَادُ صَحِيح) ومن ثم قال النووي في أول ((أربعينه)): واتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف وإن كثرت طرقه، وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال. انتهى. وأنت خير بأن قضية ما ممدود في فن الحديث أن الحكم عليه بالضعف، إنما هو بالنظر لكل طريق من طرقه على حدتها، أمَّا بالنظر لمجموع طرقه فهو حسن لغيره فيرتقي عن درجة الضعف إلى درجة الحسن. ٢٦١ - [وَعَنْ عَوْنٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللّه بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: صَاحِبُ الْعِلْمِ وَصَاحِبُ الدُّنْيَا، وَلَا يَسْتَوِيَانِ، أَمَّ صَاحِبُ الْعِلْمِ فَيَزْدَادُ رِضًّا لِلرَّحْمَنِ، وَأَمَّا صَاحِبُ الدُّنْيَا فَيَتَمَادَى فِي الْطُغْيَانِ. ثُمَّ قَرَّأَ عَبْدُ اللهِ: ﴿كَّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧] قَالَ: وَقَالَ الآخَرُ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨](٢). رَوَاهُ الدَّارِيُّ]. (١) أخرجه بنحوه أحمد (١٣٨٢٤)، والطبراني في الأوسط (٢٦٤٣)، والبيهقي (٦٣٠٠). (٢) أخرجه الدارمي (٣٤١). ١٣٩ كتاب العلم (وَعَنْ عَوْنٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: صَاحِبُ الْعِلْمِ وَصَاحِبُ الدُّنْيَا، وَلَا يَسْتَوِيَانِ، أَمَّا صَاحِبُ الْعِلْمِ فَيَزْدَادُ رِضَّا لِلرَّحْمنِ) لقيامه بأفضل الأعمال، وهو الخلافة عن أنبيائه ورسله في هداية الناس وإرشادهم، والإقبال بهم على الله تعالى والإعراض بهم عن الهوى والمعاصي. (وَأَمَّا صَاحِبُ الدُّنْيَا فَيَتَمَادَى) أي: يستمر سالكً (في) طرق (الطُّغْيَانِ) الإعراضه عن الله جملة، واشتغاله بالفاني عن الباقي، واستكثاره من جمعها المؤدي إلى الفخر والخيلاء وازدراء الناس والتكبر عليهم وإذلالهم طمعًا فيما بيده، وشتان ما بين هذين الرجلين كما أنه شتان ما بين رضا الرحمن والتمادي في الطغيان. (ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ الله) استشهادًا لذم الثاني وتماديه في طغيانه (﴿كَلّ﴾﴾ أي: حقًّا (﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْفَى﴾﴾ أي: ليتوالى طغيانه (﴿أَن رَّآهُ﴾﴾ أي: لأجل أنه رأى نفسه (﴿اسْتَغْنَى﴾) عن الناس لكثرة ما عنده من المال (قَالَ) عون (وَقَالَ) عبد الله بن مسعود الاستشهاد (الآخَرُ) الدال على مزيد فضل العالم (﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ)) بنصب الأول ورفع الثاني في المتواتر وعكسه في الشاذ، كما مرَّ بتوجيهه المعلوم منه غاية مدحهم في كل من الوجهين (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ). ٢٦٢ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - [قَالَ: ((إِنَّ أُنَاسًا مِنْ أُمَّتِى)(١) سَيَتَفَقَّهُونَ [فِي الدِّينِ))(٢)، وَيَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ، يَقُولُونَ: نَأْتِي الأُمَرَاءَ فَنُصِيبُ مِنْ دُنْيَاهُمْ وَنَعْتَزِلُهُمْ بِدِينِنَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ كَمَا لَا يُجْتَنَى مِنَ الْقَتَادِ إِلَّ الشَّوْكُ كَذَلِكَ لَا يُجْتَنَى مِنْ قُرْبِهِمْ إِلَّا)(٣). قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاجِ كَأَنَّهُ يَعْنِى الْخَطَايَا. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه]. (وَعَنِ ابْنٍ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: إِنَّ أُنَاسًا مِنْ أُمَّتِي سَيَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ) ادعاء لا حقيقة كما يعلم من قوله ولا يكون ذلك (وَيَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ) (١) سقطت من الأصل. (٢) سقطت من الأصل. (٣) أخرجه ابن ماجه (٢٥٥). ١٤٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني بمجرد ألسنتهم؛ أي: ثم يأتون الأمراء ابتغاء دنياهم، فإذا قيل لهم: لم تأتونهم؟ (يَقُولُونَ: نَأْتِي الأُمَرَاءَ فَنُصِيبُ مِنْ دُنْيَاهُمْ) أي: أموالهم وهداياهم (وَنَعْتَزِلُهُمْ بِدِينِنَا) بألا نشاركهم في إثم يرتكبونه (وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ) أي: لا يصح ولا يستقيم الجمع بين هذين الأمرين إتيانهم لأجل دنياهم واعتزالهم بالدين؛ لأنه يلزم من إتيانهم لذلك بذل الدين لهم، فيوهم السلامة من ذلك عبارة ظاهرة منهم. ويتضح ذلك بضرب مثال له وهو أنه (كَمَا لَا يُجْتَنَى مِنَ الْقَتَادِ) بوزن سحاب شجر لا ثمرة له (إِلَّا) استثناء منقطع (الشَّوْكُ، كَذَلِكَ لَا يُجْتَفَى مِنْ قُرْبِهِمْ إِلَّا) شبه قربهم لأجل الدنيا، وما يترتب عليه من خسار الدارين بإرادة أخذ ثمر من القتاد فإنه محال، بل لا يثمر لأخذه إلا الجراحة والألم. وفي تخصيص القتاد الذي لا يصلح إلا للنار بالتشبيه به تلميح إلى أن المشبه حقيق بها كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣] وأطلق المستثنى ليعم كل مضرة؛ أي: لا يجدي قربهم إلا مضار الدارين فتخصيص الخطايا بالذكر فيما (قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) أحد رواته (كَأَنَّهُ يَعْنِي الْخَطَايَا) إنما هو لكونها أهم تلك المضار. ولقد أشار إلى كثير منها بعض من كتب للزهري لما خالط السلاطين، بقوله في جملة مواعظ وعظه بها: واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت أنك أنست وحشة الظالم، وسهلت سبل الغي بدنوك ممن لم يؤد حقًّا، ولم يترك باطلاً حين أدناك اتخذوك وطنًا تدور عليك رحى باطلهم، وجسرًا يعبرون عليك إلى بلائهم وسلمًا يصعدون فيك إلى ضلالهم يدخلون الشك بك على العلماء، ويتبادون بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليكم من دينك. وروي عن محمد بن سلمة أنه قال: الذباب على العذرة أحسن من قارئ على باب هؤلاء (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه).