النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ کتاب العلم كما أن من وجد ضالة ورأى صاحبها لا يحل له منعها، أومن لا استعداد له لا يحل له تعليمه كما لا يعطي الضالة لغير صاحبها إذا خشي منه عليه؛ ولذا قيل: ومن منع المستوجبين فقد ظلم فمن منح الجهال علمًا أضاعه قيل: وفي الحديث دلالة على وجوب أداء اللفظ بعينه. انتهى. وفيه ما فيه كما هو واضح ومر آنفًا نظيره مع رده (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ الرَّوِي لَهُ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ): ٢١٧ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((فَقِيَةُ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ)(١). رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه]. (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: فَقِيَهُ وَاحِدٌ) تحقق بحقيقة الفهم عن الله تعالى، حتى عرف لمة الملك من لمة الشيطان وأحاط بعلوم الشريعة الظاهرة والباطنة، واطلع على دسائس النفس حتى أتقنها وعرف غورها وغايتها (أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ) لأن الشيطان كلما فتح باب هوى وشهوة وزينه للجهلة بيَّن ذلك الفقیه لهم خداعه ومکره وتزيينه وتسويله حتى يمتنعوا منه، وسد ذلك الباب عليهم فيرجع الشيطان خاسًا [خاسرًا] بخلاف العابد فإنه لعدم ما عنده من ذلك الفقيه ربما يبادر لذلك الباب ويدعو الناس إليه؛ لأنه يروح عليه كيد الشيطان ومكره فيظنه حسنًا. قال تعالى: ﴿أُفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] فلا ينفعه مع ذلك عبادته، ولا يحفظه عن وسواس الشيطان وتسويلاته؛ لأن ملعبته يسخر به بتصريفه (١) أخرجه البخاري في التاريخ (٣٠٨/٣)، والترمذي (٢٦٨١) وقال: غريب. وَابْنُ ماجه (٢٢٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٧١٥)، والطبراني في الكبير (١١٠٩٩)، وفي الشاميين (١١٠٩)، والديلمي (٤٣٩٨)، وابن حبان في الضعفاء (٣٠٠/١) وقال: منكر الحديث جدًّا. وابن عدي (٣/ ١٤٥). ٨٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني فيما أراده منه (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه). ٢١٨ - [وَعَنْ أَنَسِ هِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ، وَوَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِِّ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ وَالُّؤْلُؤَ وَالذَّهَبَ))(١). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ وَرَوَى البَيْهَِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ إِلَى قَوْلِهِ: (مُسْلِم)) وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ مَتْنُه مَشْهُورُ وَإِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ أَوْجُهِ كُلُّهَا ضَعِيفَةٍ]. (وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: [قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َيْ](٢): طَلَبُ الْعِلْمِ) المتعلق بالاعتقاديات مما يتعلق بالإلهيات والنبوات، وبالأعمال الباطنة كالحسد والرياء والعجب وسائر دسائس النفس وآفاتها ليتجنبها إلا أن يرزق قلب سليمًا، والظاهرة التي يحتاج لمباشرتها وإن لم تجب عليه، كما لو أراد مباشرة معاملة أو نكاح ولو مرة ثانية، وبالأعمال التي ليست كذلك، وبالتفسير والحديث وآلات العلوم الشرعية (فَرِيضَةٌ) عينية في غير الأخيرين مضيقة بضيق الوقت متسعة باتساعه، وعلى الكفاية في الأخیرین. (وَوَاضِعُ الْعِلْمِ) الأعم من ذلك (عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ) أي: ذاكره أو معلمه لمن لم يتأهل لفهمه وإلا استعد لقبول ظلم عظيم؛ لأنه يؤدي به إلى الفتنة والضلالة، ومن ثم قال علي، كرم الله وجهه: حدثوا الناس بما يفهمون أو يعرفون، أتحبون أن يُكذّب الله ورسوله؟ أي: إذا سمعوا ما لم تحط به عقولهم فإنهم يبادرون إلى تكذيبه، ثم مثل معنى هذا الظلم المطوي تهجينًا لذلك الوضع وتنفيرًا عنه بتقليد أخس الحيوان بأنفس الجواهر، فقال: (كَمُقَّلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ وَاللُّؤْلُؤَ وَالذَّهَبَ) فكما أن هذا التقليد يزري بفاعله ويقضي عليه بغاية السفاهة والحماقة، كذلك وضع العلم عند من لم يتأهل له. ومن ثم جعل هذا أثر ما قبله؛ ليبين به أن الواجب على العالم أن يخص كل (١) أخرجه ابن ماجه (٢٢٤)، وابن عدي (٧١/٦). (٢) سقط من الأصل. ٨٣ كتاب العلم طالب بما هو مستعد له، وعلى كل طالب علم ألَّا يطلب إلا ما هو لائق بحاله وموافق لمنزلته (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه، وَرَوَى البَيْهَِيُّ فِي (شُعَبِ الإِيمَانِ)) إِلَى قَوْلِهِ: ((مُسْلِم) وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ مَثْنُه مَشْهُورٌ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ أَوْجُهِ كُلُّهَا ضَعِيفَةٍ). ٢١٩ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّةُ: (خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ: حُسْنُ سَمْتٍ، وَلَا فِقْهُ فِي الدِّينِ)(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﴾: خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانٍ) أي: لا توجد واحدة منهما، وإنما عبر بالاجتماع تحريضًا للمؤمن على جمعهما معًا وزجرًا لهم عن الاتصاف بإحداهما (في مُنَافِقٍ) نفاق عمل أو اعتقاد (حُسْنُ سَمْتٍ) وهو تحري طرق الخير والتزبي بزي الصالحين مع الشره عن المعائب الظاهرة والباطنة. (وَلَا) احتيج إليه؛ لأنه في سياق النفي (فِقْهُ فِي الدِّينِ) وهو العلم بما مر في شرح فقيه واحد مع رسوخه في قلبه حتى يقيده حقيقة العلم وعظم الخشية وكمال التقوى بخلاف ما يجري على اللسان فقط، فإنه يكون في المنافق وغيره (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). ٢٢٠ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ الله حَتَّى يَرْجِعَ»(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمُّ]. (وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: مَنْ خَرَجَ) من بيته أومن بلده (في طَلَبِ الْعِلْمِ) الشرعي أو آلته (فَهُوَ فِي سَبِيلِ الله) أي: طاعته من إحياء دينه وإذلال أعدائه من الشياطين وغيرهم، وإتعاب نفسه بمخالفة هواها ومنع لذاتها، ومن ثم شبه بالمجاهد وأعطي حكمه؛ لأن ذلك الإحياء وما بعده هو دأبه وشأنه. وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ أي: إلى (١) أخرجه الترمذي (٢٩٠٠)، والطبراني (١١٥٤). (٢) أخرجه الترمذي (٢٦٤٧) وقال: حسن غريب. والضياء (٢١١٩) وقال: إسناده حسن. والطبراني في الصغير (٣٨٠)، والعقيلى (١٧/٢). ٨٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني الجهاد ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ .. ﴾ [التوبة: ١٢٢] نهاهم عن أن يخرجوا كلهم للجهاد ويتركوا التفقه، ثم حضهم على أن يخرج من كل فرقة جماعة يجاهدون وجماعة يتفقهون في الدين ثم يرجعون إليهم لينذروهم ويعلموهم فعادل بين الجهاد والتفقه، ثم آثر التفقه بمزيد الحظ عليه، إشارة إلى أنه الجهاد الأكبر؛ إذ ذاك الجهاد إنما ينشأ عنه. ومن ثم ورد أنه في القيامة يتحاجّ الفريقان فتقوى حجة الفقهاء بقولهم: إنما جاهدتم بقولنا ولولا ما سمعتموه منا ما جاهدتم، وجاء أنه يوزن مداد العلماء ودم الشهداء فيرجح مداد العلماء (حَتَّى يَرْجِعَ) فإذا رجع ظافرًا بمطلوبه، متحققًا بحقيقة العلم، ناشرًا له في الناس ترقى عن ذلك المقام إلى مقام وراثة الأنبياء، والانتظام في سلك الأولياء (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ). ٢٢١ - [وَعَنْ سَخْبَرَةَ الأَزْدِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ كَانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى))(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفُ الإِسْنَادِ. وَأَبُو دَاوُدَ الرَّاوِي يُضَعَّفُ]. (وَعَنْ سَخْبَرَةَ الأَزْدِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ كَانَ) طلبه له (كَفَّارَةً لِمَا مَضَى) من ذنوبه الصغائر المتعلقة بالله تعالى كما مر ويأتي؛ لأنه خرج باذلاً نفسه وماله في نفع المسلمين وهداية المسترشدين، فناسب أن يمحى عنه ما أسلف من التقصير، وأن يطهر من كل خلق ذميم غاية التطهير (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ ضَعِيفُ الإِسْنَادِ. وَأَبُو دَاوُدَ الرَّاوِي) له (يُضَعَّفُ). ٢٢٢ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لَنْ يَشْبَعَ الْمُؤْمِنُ مِنْ خَيْرٍ يَسْمَعُهُ حَتَّى يَكُونَ مُنْتَهَاهُ الْجَنَّةِ))(٢)]. (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوََّ: لَنْ يَشْبَعَ الْمُؤْمِنُ) الكامل (١) أخرجه الترمذي (٢٦٤٨) وقال: ضعيف الإسناد. وابن قانع (٣٢١/١)، والدارمي (٥٦١)، والديلمي (٦١٠٥). (٢) أخرجه الترمذي (٢٦٨٦) وقال: حسن غريب. وابن حبان (٩٠٣). ٨٥ كتاب العلم (مِنْ خَيْرٍ) أي: علم أمر بكمال ظاهر أو باطن اعتقادي أو عملي (يَسْمَعُهُ) ويعمل به، شبه استلذاذ المؤمن المعنوي بسماعه لذلك باستلذاذه الحسي بالطعام الذي لا أشهى عند النفوس منه، ومن النهي في أسبابه وتحصيله تحريضًا له على ذلك الاستماع؛ لأنه أجل وأعلى؛ إذ الأمور إنما يظهر تفاوتها بتفاوت غاياتها كما أشار لذلك مبينًا طلب الاستمرار على عدم ذلك الشبع. بقوله: (حَتَّى) لا يزال مندرجًا في استماعه لذلك الخير، مترقيًا في استلذاذه والعمل به إلى أن (يَكُونَ مُنْتَهَاهُ الْجَنَّة) لأنه سبب العمل الذي رحم الله المؤمنين بجعله سببًا لدخول الجنة. ٢٢٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَِّ: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ عَلِمَهُ ثُمَّ كَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ))(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدِ وَالتِّرْمِذِيُّ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ عَلِمَهُ ثُمَّ) هي هنا استبعادية؛ لأن تعلم العلم إنما يقصد لنشره ونفع الناس به، وبكتمه يزول ذلك الغرض الأكمل، فكان بعيدًا ممن هو بصورة العلماء الحكماء (كَتَمَهُ) وهو ما يجب تعلمه وتعليمه عينًا، وهو العلم العيني السابق تفصيله آنفًا. (أُلْجِمَ یَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ) بيان لكون ما قبله من باب التشبيه، شبه ما يوضع في فيه من النار بلجام الدابة جزاءً الإمساكه عن قول الحق، وتضمن ذلك تشبيهه بالحيوان في كونه صار لا عقل له ولا هداية ولا نطق ولا قدر، فانسلخ عما هو من شأن العلماء من تعليم المتعلمين وهداية المسترشدين، وانتظم في سلك من ختم على أفواههم فلا يقبل منه عذر ولا يرفع له رأس (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ). ٢٢٤ - [وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عَنْ أَنَسِ ﴾]. (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عَنْ أَنَسٍ ﴾). (١) أخرجه أحمد (٨٥١٤)، وأبو داود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩) وقال: حسن. وَابْنُ ماجه (٢٦٤)، والحاكم (٣٤٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٧٤٣). ٨٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني ٢٢٥ - [وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ)(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. (وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ) أي: يفاخرهم أو يقاومهم؛ لأن كلًّا من المتفاخرين أو المتقاومين يجري مجرى الآخر، وسبب هذا أنه لم يطلب العلم لله بل ليندرج في عداد العلماء حتى يترفع به على الناس (أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ) أي: يجادل به الجهال من المرية، وهي: الشك، فإن كلّا من المتماريين يشك في قول صاحبه ويشككه بما يورده عليه، أو من المري: وهو مسح الحالب الضرع ليستنزل لبنه؛ لأن كلًّا من ذينك يستخرج ما عند صاحبه ليطلبه، وسبب النهي هنا نقص عقولهم بالنسبة لعقول العلماء، ففي مماراتهم فتنة لهم أي فتنة، ومن كان محل ذلك فيمن ماراهم بما لا يحتمله عقولهم أو تعنف عليهم أو تحقير لهم كأن يقول لهم: أنتم جهال وأنا عالم. أما من جادلهم بما يبلغه عقولهم ليخرج ما فيها من خلاف الحق أو ألقى على تلميذه ما يختبر به جودة فهمه ومبلغ علمه، فهو مأجور على ذلك كما أفهمه قوله تعالى: ﴿فَلَا تُمَارٍ﴾ أي: أهل الكتاب (فيهم﴾ أي: أصحاب الكهف ﴿إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢] أي: غير متعمق فيه مع اللين واللطف بهم. وقوله: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أُحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] طرق المجادلة من الرفق واللين بهم (أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ) أي: العوام أو الطلبة (إِلَيْهِ) حتى يحصل له منهم جاه أو مال (أَدْخَلَهُ [اللهُ](٢) النَّارَ) عقابًا له على نيته الفاسدة وعمله القبيح، (١) أخرجه الترمذي (٢٦٥٤) وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسحاق بن يحي ليس بذاك القوي عندهم، تكلم فيه من قبل حفظه. وَابْنُ ماجه (٢٥٣)، وابن أبي الدنيا في الصمت (١٤١)، والطبراني (١٩٩). (٢) سقط من الأصل. ٨٧ كتاب العلم بجعله أعلى طرف الفلاح وأسباب النجاح ملعبة يسخر بها ومقيدة للخطام الفاني يأكل منها غافلاً، عما أخذه الله على العلماء من تطهير نياتهم وأعمالهم ليصلوا إليه وبذلوا الناس عليه (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). ٢٢٦ - [وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عَنْ عُمَرَ ﴾]. (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عَنْ عُمَرَ عَ﴾ه). ٢٢٧ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهُ وَ لَا يَتَعَلَّمُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»(١) يَعْنِي: رِيحَهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدِ وَابْنُ مَاجَه]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا [مِمَّا](٢) يُبْتَغَى) أي: يطلب (بِهِ وَجْهُ الله) يحتمل أن هذا صفة كاشفة؛ لأن الكلام في العلم المحمود، وذلك الابتغاء لازم له، وأنه احتراز عن العلوم التي ليست كذلك لعدم وجوبها كعلم العَروض أو لتحريمها كعلم السحر. ثم رأيت شارحًا قال: يجوز أن يكون ذلك للتفضيل والتمييز وأن بعضًا من العلوم مما يستفاد منه كما ورد ((أعوذ بالله من علم لا ينفع)) (٣) وأن يكون للمدح (لَا يَتَعَلَّمُ) حال من الفاعل أو المفعول لتخصيصه بالوصف لغرض من الأغراض (إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا) أي: شيئًا من متمتعاتها وإن قل، ومعلوم إن قصد هذا ولو مع قصد الآخرة موجب للإثم أيضًا، فيحتمل أن التقييد به لترتب العتاب الآتي عليه أو؛ لأن الغالب أن من قصد الدنيا لا يقصد معها الآخرة. (١) أخرجه أحمد (٨٤٣٨)، وأبو داود (٣٦٦٤)، وَابْنُ ماجه (٢٥٢)، والحاكم (٢٨٨) وقال: صحيح سنده ثقات رواته على شرط الشيخين. والبيهقي في شعب الإيمان (١٧٧٠)، وابن أبي شيبة (٢٦١٢٧)، والخطيب (٣٤٦/٥). (٢) سقط من الأصل. (٣) أخرجه ابن حبان (٨٢)، والطبراني في الأوسط (٩٠٥٠)، والنسائي في الكبرى (٧٨٦٧). ٨٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني (لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَعْنِي: رِيحَهَا) وهذا كناية عن مباعدتها وعدم دخولها إمَّا مطلقًا أن استحل ذلك؛ لأن تحريم طلب العلم بهذا القصد فقط مجمع عليه، ومعلوم من الدين بالضرورة أو مقيدًا بأنه لا يدخلها مع الناجين، أو لا يجد عرفها في الموقف الذي هو المراد بيوم القيامة حقيقة إن لم يستحل ذلك، وعلى هذا الثالث يكون فيه إيماء إلى أن العلماء العاملين من جملة الآمنين من فزع ذلك اليوم؛ لأن الله يمدهم برائحة الجنة تقويةً لقلوبهم وإراحة لهمومهم على مقدار مراتبهم بخلاف قاصد ذلك، فإنه لمرض قلبه يصير كذي مرض بدماغه منعه من إدراك الروائح. وأفهم الحديث أن من أخلص قصده في علم الله لا يضره حصول الدنيا له من غير قصدها بتعلمه، بل من شأن الإخلاص بالعلم أن تأتي الدنيا لصاحبه راغمة كما ورد ((من كان همه الآخرة جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه، وتأتيه الدنيا وهي راغمة)»(١) (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه). ٢٢٨ - [وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: «نَضَّرَ اللهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَها وَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا، فَرُبَّ حَامِلٍ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهِ، وَرُبَّ حَامِلٍ فِقْهِ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، ثَلاثُ لا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلاصُ الْعَمَلِ لِلِهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تَحُوطُ مَنْ وَرَاءَهُمْ)(٢). رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ والبَيْهَقِيُّ فِي («المُدخَل))]. (وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ: نَضَّرَ اللهُ) من النضرة، وهى الحسن والرونق يستعمل متعديًا وقاصرًا بالتخفيف والتشديد (عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي (١) أخرجه أحمد في مسنده (٢٢٢١٢)، وفي الزهد (١٨٥). (٢) أخرجه أحمد (١٦٧٨٤)، والدارمي (٢٢٨)، وأبو يعلى (٧٤١٣)، والطبراني (١٥٤١)، والحاكم (٢٩٤) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والترمذي (٢٦٥٨)، وَابْنُ ماجه (٢٣٢). والحميدي (٨٨). ٨٩ کتاب العلم فَحَفِظَها) بلسانه (وَوَعَاهَا) أي: حفظها بقلبه واستمر بذلك حتى لا ينساها، وذكره لمزيد يقرر ما قبله (وَأَدَّاهَا) كما سمعها من غير تبديل ولا تغيير للفظها ولا لمعناها؛ أي: أُسرَّه الله وأبهجه برفع منزلته عند الناس في الدنيا، وعند الله في الآخرة حتی یری عليه نور ذلك ونعيمه، وجوزي بهذا الدعاء لمناسبته له؛ إذ حفظ السنة مع أدائها كما سمعها سعي في نضارتها دوام نضارتها، فكأنه جعل المعنى بذلك غضًّا طريًّا بخلاف من بدلها ولو بمرادف، فإنه جعله متبدلاً. ألا ترى أنه لو وضع هنا موضع نضر غفر أو رحم فأنث هذه الدقيقة المستفادة من نضر، وموضع عبد امرئ مسلم، فات ما أشعر به لفظ عبد من حقوقه العبودية المستلزمة للاستكانة والخضوع للأمر المؤذنين إلى تبليغه إلى من هو مثله وأعلى منه من غير استنكاف ولا تكبر، لكن سيأتي التعبير مؤذن في الخبر الذي يلي هذا. وهو دليل لمن جوز الرواية بالمعنى نظرًا لأصل المعنى دون محسناته، وموضع مقالتي نحو حديثي أو كلامي، فإن ما أشعر به القول من تبليغ اللفظ كما سمعه؛ لأن حقيقة القول مترادف مركب من حروف ملفوظة وموضع أدائها نحو رواها لفات ما أشعر به بلفظ التأدية من أن تلك المقالة مستودعة عنده حتى يؤديها إلى أهلها الأحق منه غير مغيرة ولا مبدلة. (فَرُبَّ حَامِلٍ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهِ) آثره على علم إيذانًا بأن الحامل غير عارٍ عن العلم؛ لأن الفقه أخص فنفعه لا يستلزم نفي للعلم بخلاف نفي العلم (وَرُبَّ حَامِلٍ فِقْهٍ) أداه (إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ) فـ((إلى)) وعاملها صفة لمدخول ((رب)) استغنى بها عن جوابها، وفي تكرير ((رب)) كذلك إفادة أن السامع أحد رجلين، إما ألَّا يكون فقيهًا فيجب عليه أن يؤدي ما سمعه بعينه ولا يجوز له أن يغير شيئًا منه مطلقًا، أو يكون فقيهًا لكنه لا يحيط بأسرار الألفاظ وتفاوتها على القانون الذي يقتضيه في البلاغة، فلا ينبغي له أن يغير شيئًا أصلاً ولو بمرادف لما تقرر أن أحد الرديفين فقد يفيد ما لا يفيده الآخر، بل الألفاظ القرآنية لا تجد رديفًا لها يفيد مفادها، ومن ثم قيل بإعجاز ٩٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني كل لفظة منه. والغالب في الألفاظ النبوية ذلك أيضًا بل قيل: إنها معجزة كالقرآن، ومن ثم حرم جماعات من العلماء رواية الحديث بالمعنى مطلقًا، وإنما رخص فيه الأكثرون للعالم فقط توسيعًا لطرق الزوايا تخفيفًا على الناس، ومن ثم قال وكيع: إن لم يكن المعنى واسعًا فقد هلك الناس، ونظرًا إلى أن الواجب رعاية أصل المعنى المراد دون محسناته المستفادة من باهر بلاغته وَية، وعلى هذا فالأولى والأحوط اللائق بالورع والتحري تجنب الرواية بالمعنى ما أمكن؛ لئلا يقع في ورطة الإتيان بما لم يرده ( 4)، ومن ثم لما غير البراء قوله وَله: ((ونبيك الذي أرسلت)) إلى: ((ورسولك الذي أرسلت)) نهاه * عن ذلك فقال له: «لا تقل ورسولك الذي أرسلت قل: ونبيك))(١). وقد اتفق علماء البيان أن الله تعالى أودع الألفاظ من الخواص نظير ما أودعه في الأدوية، فكما أن الشفاء ينتفي بتغير هذه واستعمالها على الوجه الذي لا يناسب الداء، كذلك ينتفي المعنى المراد بتغير تلك الألفاظ، وكما أنه لا يحيط بتلك الأسرار إلا مهرة الأطباء، كذلك لا يحيط بأسرار هذه إلا مهرة علماء المعاني والبيان والبديع الذين أحاطوا بجميع أنواع هذه الثلاثة وأسرارها ومحالها على الوجه الأبلغ، والقانون الأكمل، فحينئذٍ يتأهلون لفهم أسرار كلامه ◌َله الذي لا تستنبط تلك العلوم إلا منه كالقرآن. (ثَلاثُ لا يَغِلُّ) بفتح فكسر من الغل، وهو: الحقد، وبضم فكسر من الإغلال، وهو: الخيانة وبفتح فضم من غل من المغنم شيئًا غلولاً، إذا أخذه في خفية، فهو يرجع للخيانة أيضًا، ورجح أحد هذين أن المراد: النهي عن الخيانة في شيء من تلك الثلاثة، فهي في الإخلاص وجود ضده من الرياء، وهو وقوع العمل لغير وجه الله، وفي النصح الواجب للمسلمين عليه وجود ضده من غشهم أو مداهنتهم وعدم إرادة الخير لهم، (١) أخرجه البخاري (٢٤٧)، والحميدي (٧٢٣). ٩١ كتاب العلم وفي الأخير مفارقة المسلمين واحترام دعائهم؛ لأن فيه غاية الخيانة للنفس والخيانة علیھا. (عَلَيْهِنَّ) حال مما بعدها (قَلْبُ مُسْلِمٍ) أي: ثلاثة لا يحقد أو لا يجوز في شيء منهن قلب مسلم حال كونه مطويًّا على تلك الثلاثة ومتحققًا بهن؛ لأن من رزقهن فقد أتحف بما لا نظير له، فينبغي له أن يحفظهن مما ينقصهن أو يعدمهن من الحقد أو الخيانة. (إِخْلاصُ الْعَمَلِ للهِ) بأن يقصد به وجهه ورضاه فقط دون عرض آخر دنيوي أو أخروي كنعيم الجنة ولذاتها، والأول إخلاص الخاصة والثاني إخلاص خاصة الخاصة وإليه الإشارة بقوله تعالى ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]. (وَالتَّصِيحَةُ للْمُسْلِمِينَ) بمحبة الخير لهم وحثهم عليهم وكراهة الشر لهم وزجرهم عنه بما أمكنه (وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ) وهم أهل السنة والجماعة بأن يكون على اعتقادهم ولا يفارقهم في عباداتهم وسائر عملياتهم، ثم أشار إلى علة طلب ملازمتهم، بقوله: (فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ) هي الميزة الواحدة من الدعاء (تَحُوطُ) أي: ثبت وتحفظ (مَنْ وَرَاءَهُمْ) أي: الذين هم أتباعهم؛ لأن التابع يشرف بشرف متبوعه، فكيف إذًا انضم لذلك دعاؤه له بالتوفيق والهداية ونحوهما؟ وجوز كل من حازه؛ أي: فإن دعوتهم الناس إلى طريقتهم المثلى تكون محيطة من ورائهم ونظيره: ﴿وَاللهُ مِن وَرَائِهِم تُحِيطٌ﴾ [البروج:٢٠] أو فإن دعاؤهم لأتباعهم يكون محيطًا من ورائهم؛ أي: حال نجاتهم من كيد الشيطان وتسويله. ووجه المناسبة بين قوله: ((ثلاث)) المستأنف وما قبله، أنه 080 لما حرض سامع سنته على أدائها كما سمعها لكل أحد مماثلة، ودونه قومه بين أن هناك خصالاً ثلاثًا من شأنه أن ينطوي قلبه عليها؛ لأن كلّ منها محرض له على ذلك التبليغ ومانع له أن يتركه لحقد أو حسد أو نحوهما مما يكره وقوعه بين العلماء، ويكون مانعًا لكثير منهم عن تبليغه، ووجه منع كل من تلك الثلاثة من ذلك أن الإخلاص لله يمنع صاحبه أن ٩٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني ينظر في عمله إلى غير وجه الله تعالى، لا سيما شوائب المطامع والأغراض الدنيوية، وكذلك النصح للمسلمين يمنع صاحبه أن يتركه مع عدوه وحاسده، ومن أعظم النصح للمسلمين تبليغهم السنن من غير نظر لصديق أو عدو، كذلك لزوم الجماعة الموصوفين بما ذكر يقتضي بذل النفع لهم، وإن كان في بعضهم ما كان. وجوز كون ((ثلاث)» بيانًا للمقالة التي أكد في تبليغها ووطأ لها بما ذكر معها اعتناء بشأنها وإغراء للعض عليها بالنواجذ، كان سامع ذلك قال: ما تلك المقالة العظيمة الموجبة لذلك الدعاء البليغ فقيل: هي: ((ثلاث ... إلى آخره)) جامعة لتعظيم أمر الله بإخلاص الوجه إليه، وللشفقة على خلق الله بنصحهم تارة وبالانخراط في سلكهم وأداء حقوقهم والتبرك بدعائهم أخرى (رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ والبَيْهَِيُّ فِي ((المُدخَل»). ٢٢٩ - [وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِت إِلَّا أَنَّ الِّرْمِذِيّ وَأَبَا دَاوُد لَم يَذْكُرًا: ((ثَلَاثُ لَا يَغْل عَلَيْهِنَّ ... إِلَى آخِرِهِ]. (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدْ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِت، إِلَّ أَنَّ التِّرْمِذيّ وَأَبَا دَاوُد لَم يَذْكُرًا: ((ثَلَاثُ لَا يَغْل عَلَيْهِنَّ .. إِلَى آخِرِهِ). ٢٣٠ - [وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: «نَضَّرَ اللهُ امْرَأْ سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى لَهُ مِنْ سَامِعٍ (١). رَوَاهُ التِّرَمِذِيِ وَابْنِ مَاجَه]. (وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: نَضَّرَ اللهُ امْرَأْ سَمِعَ مِنَّا) يحتمل أنه للجماعة ليشمل من سمع من الصحابة وأداه، كما سمعه (شَيْئًا) من الأقوال، وقول شارح المراد بشيئًا: عموم الأقوال والأفعال الصادرة منه و ﴿ أو من أصحابه غفلة عن كونه معمولاً لسمع الذي لا يكون إلا في القول. (فَبَلَّغَهُ) للناس (كَمَا) الكاف حال من الفاعل أو المفعول أو مفعول مطلق، وما (١) أخرجه أحمد (٤١٥٧)، والترمذي (٢٦٥٧) وقال: حسن صحيح. والدارمي (٢٣٦)، وابن حبان (٦٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٧٣٨)، والبزار (٢٠١٤)، والشاشي (٢٧٥)، وابن عدي (٦/ ٤٦٢). ٩٣ كتاب العلم موصولة أو مصدرية (سَمِعَهُ فَرُبَّ) مر أنها للتكثير (مُبَلَّغٍ) إليه فاللام مفتوحة (أَوْعَى لَهُ) أي: أفهم وأضبط وأتقن لذلك الشيء المسموع المبلغ (مِنْ سَامِعٍ) له منه ◌ِّ﴾.، ويؤخذ منه أنه قد يوجد في التابعين مثلاً من يمتاز على بعض الصحابة؛ لكونه أفقه وأفهم منه فيما بلغه له عنه وَ له ولا بدع في ذلك؛ لأنه قد يكون في المفضول مرتبة، بل مزايا لا توجد في الفاضل. واعلم أن في تعبير ألفاظ هذا الحديث لكثير من ألفاظ الذي قبله مع اتحادهما، أن كلاً منهما مسوق للحث على تبليغ ما سمعه من غير تغيير شيء منه تأييدًا لجواز الرواية بالمعنى للعارف بمؤدي الألفاظ والمراد بها، ودلالة على أن القصد إنما هو أصل المعنى دون محسناته التي ينتجها باهر بلاغته 1984 التي لا يصل أحد إلى معشار عشرها؛ لأن رعاية ذلك متعذرة، فيلزم عليها منع الرواية بالمعنى مطلقًا، وفي ذلك حرج وضياع لكثير من السنة، فاقتضت المصلحة العامة التوسيع للناس في طرق الرواية نظرًا إلى أن المقصود أصل المعنى لا غير، وبهذا يندفع ما بناه شارح على وهمه السابق أن «شيئًا» عام الأقوال والأفعال. وعلى ما مر أن ثلاثًا في ذلك الخبر بيان للمقالة لمحرض على تبليغها من أن ذلك لما كان خاصًّا أتى فيه بتلك الألفاظ الخاصة، وهذا لما كان عامًّا أتى فيه بألفاظ عامة، كلفظ امرؤ موضع ((عبد)) و(مبلغ إليه)) موضع ((فقيه)) و(سامع)) موضع ((حامل فقه)) وثم وصف السامع بالوعي، وهنا وصف المبلغ إليه بأنه أوعى. ٢٣١ - [َرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِيِ الدَّرْدَاءِ]. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ). ٢٣٢ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َ﴾: «اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي إِلَّ مَا عَلِمْتُمْ، فَمَنْ كَذَبَ عَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأُ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ. رَوَاهُ التِّرْمِنِيُّ]. (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: أَتَّقُوا الْحَدِيثَ ٩٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني عَنِّي) أي: احذروا رواية عني (إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ) أني قلته فلا تحذروا روايته، بل يتعين عليكم نشره وتبليغه للأمة كما أفاده الحديثان السابقان قبل هذا، فإن قلت: هل المراد بالعلم هنا حقيقة أو ما يشمل الظن؟ قلت: تقتضيه القواعد الشرعية؛ لأنهم إذا جوزوا الشهادة به مع أنه أضيق من الرواية اتفاقًا، ومع قوله رومي على مثل هذه؛ أي: الشمس فأشهد فلان تجوز الرواية به أولى، ويؤيده أنه يجوز في الرواية الاعتماد على الخط بكونه سمع كذا أو من فلان ونحو ذلك، ولا يجوز نظير ذلك في الشهادة بل لا بد من تذكر الواقعة وإلا امتنع مطلقًا، وإن علم قطعًا أن خطه محفوظ عنده لم يتطرق إليه تبديل ولا تغییر بوجه ما. ثم بيَّن سبب هذا التحذير وعقوبة من لم يمثله بقوله: (فَمَنْ كَذَبَ عَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) ومر الكلام عليه أول الفصل (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). ٢٣٣ - [وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ، وَلَمْ يَذْكُرًا: ((اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ))(١)]. (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرِ، ولَمْ يَذْكُرًا: اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَتَّى إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ) في هذا من المؤلف نظر؛ لأن ابن ماجه إذا لم يذكر ذلك يصير هذا هو حديث البخاري الذي قدمه أول الفصل الأول، فلا حاجة به إلى ذكره ولا إلى نسبته إلى ابن ماجه. ٢٣٤ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: (مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)). وَفِي رِوَايَة: ((مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»(٢). رَوَاهُ النِّرْمِنِيُّ]. (١) أخرجه أحمد (٢٩٧٦)، والترمذي (٢٩٥١) وقال: حسن. وأبو يعلى (٢٣٣٨). (٢) أخرجه أحمد (٢٩٧٦)، والترمذي (٢٩٥٠) وقال: حسن صحيح. وابن أبي شيبة (٣٠١٠١)، وأحمد (٢٠٦٩)، والنسائي في الكبرى (٨٠٨٥). ٩٥ كتاب العلم (وَعَنِ [ابْنِ عَبَّاسِ)(١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةُ: مَنْ قَالَ فِي) تفسير شيء من (الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ) أي: بحسب ما يقتضيه عقله وهو مما يتوقف على النقل؛ لأنه لا محال للعقل فيه كأسباب النزول والناسخ والمنسوخ وما يتعلق بالقصص والأحكام، أو بحسب ما يقتضيه ظاهر النقل وهو مما يتوقف على العقل كالمتشابهات التي أخذ الجهمية والمجسمة بظواهرها، وأعرضوا عن استحالة ذلك في العقول، وغفلوا عن كون السلف والخلف مجمعين على التنزيه عن تلك الظواهر نظرًا لاستحالتها عقلاً، وإنما الخلاف بينهم في التفويض أو التأويل المفصل، كما مر أو بحسب ما يقتضيه بعض العلوم الآلية مع عدم معرفته ببقيتها، وبالعلوم الشرعية فيما يحتاج لذلك. (فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) لأنه تجرأ على الله بخوضه في كلامه محدسه وتخمينه على غير القانون المأذون له فيه بخلاف من خاض فيه عارفًا فيما خاض فيه، بما يتوقف عليه من العلوم الشرعية تارة والآلية أخرى والشرعية والآلية تارة أخرى، فإنه مأجور ممدوح غير ملوم ولا مذموم، فعلم أن علم التفسير إنما يتلقى من العقل أو من أقوال الأئمة أو من المقاييس العربية أو القواعد الأصولية المبحوث عنها في علم أصول الفقه أو أصول الدين. (وَفِي روايَةٍ: مَنْ قَالَ فِي) شيء من (الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) عنده بالنسبة لما تكلم فيه، قال ابن الأنباري: كأن تكلم في مشكلة بما يوافق هواه أو بما لا يعرف من مذاهب السلف، أو بما يعلم أن الحق غيره، وقال ابن النقيب المفسر؛ إما بأن يفسر من غير أن يكمل عنده العلوم التي يحتاجها المفسر، أو يفسر المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، أو بأن يفسر ما يقرر به مذهبًا فاسدًا بأن يرد التفسير إليه بأي طريق أمكن، أو بأن يقول مراد الله: كذا على القطع من غير دليل، أو بأن يفسر بالاستحسان والهوى. (١) سقط من الأصل. - ٩٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني (فَلْيَتَبَوَأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) لأنه حينئذٍ كالكاذب على رسول الله صل﴿ متعمدًا، فجوزي جزاءه السابق الكلام عليه أول الفصل الأول (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وأحق الناس بما فيه من الوعيد، قوم من أهل البدع سلبوا لفظ القرآن ما دل عليه، أو أريد به أو حملوه على ما لم يدل عليه ولم يرد به، وكلا الأمرين ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطل فهم مخطئون في الدليل والمدلول، ومع ذلك صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم تأولوا فيها القرآن على رأيهم من غير سلف لهم من الصحابة والتابعين، لا في رأيهم ولا في تفسيرهم مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم والجبائي وعبد الجبار والرماني والزمخشري وأمثالهم. ومن هؤلاء من يدس البدع والتفاسير الباطلة في كلامه الجزل، فیروح على أکثر أهل السنة كصاحب ((الكشاف)) ويقرب من هؤلاء مفسر ابن عطية، بل كان الإمام ابن عرفة المكي مبالغاً في الخطأ عليه ويقول: إنه أقبح من صاحب ((الكشاف)) أي: لأن كل أحد يعلم اعتزال ذلك فيجتنبه بخلاف هذا، ومن قبيح صنعه أنه ينقل كلام السلف المأثور معتمدًا فيه على تفسير ابن جرير، الذي هو من أجلّ التفاسير وأعظمها قدرًا، ثم يعرض عنه بنقل عن طائفة قريبين من المبتدعة كلماتهم ويعتمدها، ويجعلهم المحقين فيوهم الناس أنهم من أهل السنة، وبالجملة كل من أعرض عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يستحبه المبتدعة ونحوهم مبتدع مخطئ آثم، فيستحق ما في هذا الحديث ذلك الوعيد الشديد. ٢٣٥ - [وَعَنْ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: ((مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ)(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. (وَعَنْ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّهَ: مَنْ قَالَ فِي) تفسير شيء من (الْقُرْآنِ بِرَأيِهِ) على ما مر فيه من التفصيل، ويؤيده قول البيهقي: المراد رأي غلب من غير دليل ت (١) أخرجه أبو داود (٣٦٥٢)، والترمذي (٢٩٥٢) والنسائي في الكبرى (٨٠٨٦) والطبراني (١٦٧٢) وأبو يعلى (١٥٢٠)، وابن عدي (٤٥٠/٣). ٩٧ كتاب العلم قام عليه، أما ما يشده برهان فلا محذور فيه (فَأَصَابَ) الحق (فَقَدْ أَخْطَأَ) طريق الاستقامة بخوضه في كتاب الله بالتخمين والحدس؛ لتعديه بهذا الخوض مع عدم استجماعه لشروطه، فكان آثمًا به مطلقًا ولم يقيد بموافقته للصواب؛ لأنها ليست عن قصد ولا تحر بخلاف من كملت فيه آيات التفسير وهي خمسة عشر علمًا: اللغة والنحو والتصريف والاشتقاق؛ لأن الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين اختلف المعنى باختلافهما كالمسيح، هل هو من السياحة أو المسح؟ والمعاني والبيان والبديع والقراءات، والأصلين وأسباب النزول والقصص والناسخ والمنسوخ والفقه والأحاديث المبينة لتفسير المجمل والمبهم وعلم الموهبة، وهو علم يورثه الله لمن عمل بما علم. وبعض هذه العلوم كان موجودًا عند السلف بالفعل وبعضها بالطبع من غير تعلم، فإنه مأجور بخوضه فيه وإن أخطأ؛ لأنه تعدى منه فكان مأجورًا ((أجرين)) كما في رواية أو ((عشرة أجور)) كما في أخرى، ((إن أصاب، وأجرًا إن أخطأ)) كالمجتهد في الأحكام؛ لأنه بذل وسعه في طلب الحق واضطر الدليل إلى ما رآه فلم يكن منه تقصير بوجه كما يعلم مما مر عن البيهقي، فتأمل بون ما بين هاتين المرتبتين تعلم أن حسب الأول من الزجر عن ذلك الخوض، إن أصابته معدودة من حين الخطأ القبيح، وأنه معاقب عليها العقاب الأليم. ومما ينخرط في سلك المبتدعة الذين يصرفون ظواهر القرآن إلى معانٍ أخر يوافق بدعهم بمجرد قياس عقولهم مع عدم تأييدها بنقل ضعفها، بل مع مخالفتها أمـ - ١١ ٢٠ ١٠ - ... أنهم لا يعلمون بالأخبار المروية أخبارًا، وأن عقولهم محكمة يب من الأمثال وغرائب المجازات والكنايات، والباطنة الذين ا وبطنًا، وأن المراد باطنه دون ظاهره وكل هذا ضلال مبين، نض الصوفية من تفسيرهم فرعون بالنفس وموسى بالقلب، كن إن زعموا أن ذلك مراد من الآيات بخلاف ما إذا قالوا ٩٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني المراد به ظواهره، وإنما الشيء بالشيء يذكر ويستحضر، فذلك لا محذور فيه؛ لأنه ليس فيه تكلم في القرآن بوجه، وإنما فيه أن سماع القرآن أخطر تلك النظائر للقلب، واستحضرها عند نظائرها لا غير، وسيأتي قريبًا لذلك تتمة. وقد صرح الغزالي وغيره بأنه يحرم صرف شيء من الكتاب والسنة عن ظاهره من غير اعتصام فيه بنقل من الشارع، ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليلي عقلي وصرح الشافعي في ((مختصر البويطي)) بأنه لا يحل تفسير المتشابه إلا بسنة عن رسول الله ﴾ أو خبر عن أحد من الصحابة أو إجماع العلماء. انتهى. ومراده: نحو أوائل السور والمحمل مما لا محال للرأي فيه قال الماوردي: حمل بعض المتورعة هذا الحديث على ظاهره، وامتنع من أن يستنبط معاني القرآن باجتهاده، وإن صحبها شواهد سالمة عن المعارض، وهذا عدول عما تعبدنا بمعرفته من النظر في القرآن، واستنباط الأحكام منه كما قال تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]. ولو صح ما قاله لم يعلم شيء بالاستنباط، ولما فهم الأكثرون من كتاب الله شيئًا، وتأويل الحديث بفرض صحته أن من تكلم في القرآن بمجرد رأيه ولم يعرج على سوى لفظه وأصاب الحق فقد أخطأ الطريق وإصابته اتفاق أنه مجرد رأي لا شاهد له. وفي حديث أبي نعيم وغيره: ((القرآن ذلول ذو وجهين فاحملوه على أحسن وجوهه))(١) ومعنى ذلول: سهل حفظه أو فهمه حتى لا يقصر عنه أفهام المجتهدين، ومعنى ذو وجوه: أن بعض جمله تحتمل وجوهًا من التأويل، أو إنه جمع وجوهًا من الأمر والترغيب والتحليل وضدها، ومعنى فاحملوه إلى آخره: احملوه على أحسن معانيه، أو ما فيه من العزائم دون الرخص والعفو دون الانتقام، وفيه دلالة على جواز الاستنباط (١) أخرجه الدارقطني (٤٣٢١). ٩٩ کتاب العلم والاجتهاد في كتاب الله تعالى. انتهى. وما ذكره عن بعض المتورعة قال به قوم فحرَّموا التفسير مطلقًا ولو على من اتسعت علومه إلا ما أثر عن النبي ◌َّهُ وهؤلاء من الإفراط ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩] وإطباق العلماء في سائر الأعصار على خلاف مقالتهم كاف في تسفيههم وتكذيبهم، وقد قال محبي السنة وآخرون: التأويل الذي هو صرف الولاية لمعنى يحتمله موافق لما قبلها وبعدها، وليس مخالفًا للكتاب والسنة من طريق الاستنباط غير محظور على العلماء بالتفسير، بخلاف تأويل البحرين بعلي وفاطمة واللؤلؤ والمرجان بالحسن والحسين فإنه تأويل الجهلة والحمقاء كالروافض. انتهى. وفي خبر ضعيف، والمعروف وفقه على ابن عباس: ((إنه من القرآن ما تعرفه العرب من كلامها)»(١) أي: كاللغة والإعراب، فعلى المفسر معرفة اللغة وغرائبها على اتساعها وبقية العلوم العربية، وما لا يعذر أحد بجهالته؛ أي: بأن تتبادر الأفهام إلى معناه بمجرد سماعه من النص من غير توثق على معرفة عربية أو غيرها، كالتوحيد من: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ﴾ [محمد: ١٩]. وطلب نحو الصلاة من: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [المزمل: ٢٠] وما لا يعلمه إلا الله وهو ما لا مساع للقول فيه لتضمنه غيبًا أو نحوه، فلا يجوز التكلم به إلا بنص كتاب أو سنة أو إجماع. وما يعلمه العلماء؛ أي: وهو ما يرجع لاجتهادهم، وهذا هو الذي يغلب عليه إطلاق التأويل، كاستنباط الأحكام وبيان المجمل وتخصيص العموم وكل لفظ احتمل معنيين فصاعدًا، وهذا هو الذي لا يجوز لغير العلماء للاجتهاد فيه، وعليهم اتّباع الشواهد والدلائل دون مجرد الرأي. قال الزركشي: وحينئذٍ يحمل الحديث على من فسَّر اللفظ، ولم يكن متبحرًا في (١) أخرجه بنحوه الطبراني في مسند الشاميين (١٣٥٤). ١٠٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني علوم العربية أو على من حمل اللفظ المحتمل على أحد معنييه، ولم يكن متبحرًا في علوم العربية واللغة والأصليين والفقه، فهذا أقل ما يحتاج إليه، ومع ذلك هو على خطر فعليه أن يقول: يحتمل كذا ولا يحرم إلا فيما اضطر إلى الفتوى به، فأدَّى اجتهاده إليه فیحرم به مع تجوز خلافه. (تنبيه): كل ما تعلق النقل لتوقفه عليه سمي تفسيرًا، وكل ما تعلق بالاستنباط سمي تأويلاً، وفرق بينهما بفروق كثيرة لا حاجة هنا إلى ذكرها ومن أحسنها: إن التفسير القطع بأن مراد الله من اللفظ كذا، فإن قام دليل مقطوع به فصحيح وإلا فتفسير بالرأي وهو المنهي عنه، والتأويل ترجيح أحد المحتملات بدون القطع قاله الماتريدي، وهو یرجع لما قبله. وقال ابن النقيب المفسر علوم القرآن ثلاثة: علم لم يطلع الله عليه أحداً كمعرفة كنه ذاته، وحقائق صفاته وتفاصيل علوم غيبه وهذا لا يجوز لأحد التكلم فيه بوجه. وعلم اختص الله نبيه به كأسرار كتابه، وهذا لا يجوز الكلام فيه إلا له وَ ل﴾ ولمن أذن له وأوائل السور من هذا، وقيل من الأول. وعلم علم الله لنبيه وأمره بتعليمه. فمنه: ما يتوقف على السمع كأسباب النزول والناسخ والمنسوخ والقراءات واللغات وقصص الأمم الماضية والأخبار المغيبة. ومنه: ما يؤخذ بالنظر والاستدلال والاستنباط والاستخراج من الألفاظ، وهو قسمان: قسم اختلفوا في جوازه، وهو تأويل الآيات المتشابهات في الصفات، وقسم اتفقوا عليه، وهو استنباط الأحكام الأصلية والفرعية والإعرابية؛ لأن مبناها على الأقيسة وكذلك فنون البلاغة وضروب المواعظ والحكم والإشارات لا يمتنع استنباطها منه واستخراجها لمن له أهلية ذلك. انتهى (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) والنسائي.