النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
كتاب العلم
إن قلت: ما قبله وهو يعني جواباً عن حكمة قوله في القرينة الأولى من كرب
يوم القيامة، وقوله في الأخيرتين في الدنيا والآخرة وليس كذلك، فانتقل نظره من بيان
حكمة كونه قيد الأولى بقوله: من كرب الدنيا، ولم يقيد الأخيرتين بذلك إلى الجواب
عن السؤال السابق، وهو لم قيد الجزاء في الأولى بيوم القيامة وعمه في الأخيرتين؟ وما
ذكره ليس فيه أبدًا حكمة لهذا أصلاً فوقع قوله، فلذلك إلخ في غير محله فتأمله حق
التأمل فإنه دقيق جدًا.
(وَ) للاستثناء وما عدا هذه، والأخيرة للعطف (اللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ) بالنصر
والحفظ والإنعام والرضى، وأثره بوصف العبدية وتكريره تشريفًا له؛ إذ فعل هذه
الإعانة بهذه الظرفية النظيرة لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]
ليفيد إيقاع العين فيه، وجعله مكانًا له للمبالغة في الإعانة التي لا تستفاد من والله
يعينه (مَا كَانَ الْعَبْدُ) أي: مدة دام كونه (فِي عَوْنِ أَخِيهِ) المسلم بدفع كربه السابقة
في القرائن الثلاثة وغيرها، فهو تدليل لما قبله لشموله لدفع المضرة، وهو ما في الأولين
وجبلت النفع، وهو ما في الثالث؛ ولهذا عدل به عن سياق ما قبله من الشرطية إلى
الجملة الاسمية؛ ليتقوى حكمها بينا الخبر فيها على المبتدأ.
ولما فرغ من الحث على الشفقة بخلق الله المتضمن لأكمل الأعمال من القيام
بحق الله، وحقوق عباده عقبه بالحث على ما يتوقف عليه صحة الأعمال بأسرها وهو
العلم؛ إذ لا قوام لها بدونه فقال: (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا) نكرة ليفيد أن المراد من أوجد
سببًا (يَلْتَمِسُ فِيهِ) أي: بسببه (عِلْمًا) من العلوم الشرعية ونحوها، ومن ثم نكره
أيضًا؛ أي: من أوجد سببًا من مفارقة مألوف أو سير إلى محل أهله أو وقف كتبه يحصل
به علمًا من تعلم أو تعليم أو إفتاء أو تصنيف؛ أي: يطلبه فيه.
(سَهَّلَ اللهُ لَهُ به) أي: بسبب ذلك التسبب المؤدي إلى حصول العلم (طَرِيقًا إِلَى
الْجَنَّةِ) حتى يدخلها أولاً مع الناجين بألا يرى مشقة من حين القيام من قبره إلى
دخولها؛ لأن تمام تسهيل الطريق إليها إنما يحصل بذلك، وفي هذا من فضل العلم

٦٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
وعظم نفعه الأخروي ما يبهر العقل؛ لأن تلك المقدمات التي قبل الجنة في غاية
الصعوبة، کما یعلم مما يأتي في ذلك ومن غيره فمن سهلت عليه تلك المهلكات، فلم ير
بأسًا من قيامه من قبره إلى حلوله في منزلته، فقد جاز أعلى النعيم وأفضل التكريم.
(وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الله) أي: مما بني لنيل ثوابه ورضاه من نحو
مسجد ورباط ومدرسة، وهذا مع الإضافة إلى الله المقتضية لغاية الشرف لتلك
البيوت، ولمن فيها لم يقل من المساجد (يَتْلُونَ) حال من قوم لتخصيصه (كِتَابَ الله)
أي: القرآن، وأثر ذلك لنظير ما قبله (وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ) لعلم أو تعلم أو تفسير أو
كشف عن حقائقه أو غرائب أنبائه وعجائب إشاراته (إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ)
أي: ما يحصل لهم به سكون القلب، عن الخطرات والشهوات من الأنوار القرآنية
المزيلة للظلم النفسانية، والأضواء الرحمانية الموجبة لامتلائه من الأسرار العرفانية،
والحكم الربانية والعلوم الاتقانية، وقد أشار لجميع ذلك ابن مسعود بقوله: السكينة
مغرم وتركها مغرم.
(وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ) كناية عن عمومها لجميع أحوالهم وآثارهم؛ إذ التغشية:
الغلبة والتعطية (وَحَقَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ) أي: ملائكة الرحمة والبركة؛ أي: أحدقت بهم
وتزاحمت عليهم تبركًا بهم، ودعاءً واستغفارًا لهم، وسماعًا للقرآن منهم، فإنهم لم يعطوا
فضيلة حفظ القرآن كما قاله بعض أئمة الفقه والحديث، قال: ولذلك يحبون استماعه
منا.
(وَذَكَرَهُمُ الله) ذكر مدح ومباهاة وتنويه بفخرهم، وتعجيب من علي شأنهم
وكرامتهم عليه (فِيمَنْ عِنْدَهُ) من أهل الملأ الأعلى؛ أي: في المقربين من الملائكة كما
أفادته عند التي هنا، لمزيد الشرف والقرب على حد أن الله كتب كتابًا عنده فوق
عرشه: ((إن رحمتي سبقت غضبي)»(١).
(١) تقدم تخريجه.

٦٣
کتاب العلم
ولما فرغ من ذكر الأعمال والعلوم ذيَّل ذلك بما يفيد أنه لا بد في تحصيلهما من
بذل الوسع في أسبابهما من غير اتكال على نسب أو غيره، فقال: (وَ) للاستباق (مَنْ
بَظَّأَ بِهِ عَمَلُهُ) على أن يلحقه بمراتب أهل الكمال (لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ) في بلوغ ذلك
الفضل، بل هو مع شرف نسبه في ذل تقصيره ونقص جهله وعدم الالتفات إليه،
والتغويل في أمر من أمور الدين عليه.
وشاهد ذلك أن أكثر علماء السلف والخلف لا أنساب لهم يتفاخر بها، بل کثیر
من علماء السلف موالٍ، ومع ذلك هم سادات الأمة وينابيع الرحمة، طوقوا الأعناق
منًا لا نهاية لشكرها، وأوسعوا العالم منحًا لا انقضاء لهجرها، وذوو الأنساب العلية
الذين ليسوا كذلك في موطن جهلهم نسيًا منسيًّ، ومن ثم قال ◌َّ: ((إن الله يرفع
بهذا الدين أقوامًا ويضع به آخرين)»(١) (رَوَاهُ مُسْلِمْ).
٢٠٥ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى عَلَيْهِ: رَجُلُ
اسْتُشْهِدَ فَأُنِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ فَعَرَفَهَا، فَقَالَ: فَمَا فَعَلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ
حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءُ، فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ
فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِي فِي النَّارِ.
وَرَجُلُ تَعَلَّمَ الْقُرآنَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَيُؤْثَى بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا
عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ
تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ إِنَّكَ عَالِمْ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ إِنَّكَ قَارِئٌّ، فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أَمِرَ بِهِ
فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِي فِي النَّارِ.
وَرَجُلُ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأَنِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ
فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ
فِيهَا لَكَ. قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أَمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى
(١) أخرجه مسلم (٨١٧)، وأحمد (٢٣٢)، والدارمي (٣٣٦٥)، وَابْنُ ماجه (٢١٨)، وأبو عوانة (٣٧٦٢)،
وابن حبان (٧٧٢)، والبزار (٢٤٩)، والبيهقي (٤٩٠٤).

٦٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ)(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ) لأنه للجنس فيما بعده صفة له
(يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ) يستفاد منه أنه أول المقضي عليهم لا مطلقًا (رَجُلُّ
اسْتُشْهِدَ) أي: قتل في حرب الكفار (فَأَتِي بِهِ) للوقوف بين يدي الله تعالى للحساب
(فَعَرَّفَهُ) تعالى عقب الإتيان به (نِعْمَتهُ) أي: جميع نعمه جلائلها ودقائقها كالقوة
والشجاعة، وتيسيرًا له المحاربة لإعلاء كلمة الله تعالى (عَلَيْهِ) تبكيتًا، وإلزامًا له
بالإقرار بها في ذلك الموقف الأعظم (فَعَرَفَهَا) أي: فبسبب ذلك اعترف بها.
(فَقَالَ) له تعالى فإذا كانت هذه النعم العظمى المقتضية للشكر، بل لدوامه
واصلة إليك (فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا) أي: فما الذي شكرته عليها (قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ) أي:
في رضاك امتثالاً لأمرك مخلصًا لوجهك، وعدل عن ذلك مبالغة في التمويه والكذب
حتى في ذلك الموقف؛ لأن خبث النفس إذا تم انتزع من وجهها ماء الحياة، فلم تبال
بما تقول في؛ أي: حضرة كانت (حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ) في قولك: فيك.
(وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ؛ لأَنْ يُقَالَ) فيك أنك (جَرِيءُ) بالمد والهمز؛ أي: شجاع له
جراءة وسرعة إقدام على المخاوف؛ لعدم إهابته للموت (فَقَدْ قِيلَ) فيك ذلك فبلغت
ما قصدته من أنبأ عن حمقك وانطماس بصيرتك، ولم تأت بما طلب منك بل
بارزت الله تعالى بالمعصية والكذب (فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أَلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلُ
تَعَلَّمَ القرآن وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ) حفظًا له عن ظهر القلب من غير تخلق بخلق من
أخلاقه (فَیؤْتِی بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ) جمعها هنا لإثم.
وإن تأدى أصل المعنيين بكل؛ إذ المفرد المضاف للعموم، وإن قيل: إن مدلول
الجمع العام جموع، والمفرد العام مفردات؛ لأن في العلم والقرآن صور أعمال كثيرة،
والشهادة ليس فيها إلا صورة عمل واحد.
-
(١) أخرجه مسلم (١٩٠٥)، وأحمد (٨٢٦٠)، والنسائي (٣١٣٧).

٦٥
كتاب العلم
(فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ
الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ) في قولك: فيك (وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ
الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئُّ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِي فِي النَّارِ،
وَرَجُلُّ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ) الدنيا (وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ) بيان لذلك التوسيع
(فَأُنِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ) جمعها هنا لنظير ما مر (فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا، قَالَ: مَا
تَرَكْثُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ) أي: لأجلك (قَالَ: كَذَبْتَ،
وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادُ، فَقَدْ قِيلَ) ذلك.
(ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أَلْقِيَ فِي النَّارِ) كان وجه التعبير بـ((ثم)) هنا
وبـ((حتى)) في الأولين أنهما أقبح فأتى فيهما بـ((حتى)) المقتضية لدوام السحب إلى النار،
وفيه بـ((ثم)) الغير المصرحة بذلك الدوام (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
٢٠٦ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَةِ:
((إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ
حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا فَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا
وَأَضَلُّوا)(١). مُتَفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ:
إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا) أي: قبضًا فهو مفعول مطلق عن معنى يقبض، كرجع
القهقرى (يَنْتَزِعُهُ) صفة مبينة للنزع (مِنَ) صدور (العِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ
بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى) داخلة على جملة الشرط والجزاء (إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ
رُؤُوسًا) بضم الهمزة والتنوين جمع رأس، كما في رواية البخاري وفي رواية مسلم هذا
وهو الأشهر، وبفتح الهمزة والمد جمع رئیس.
(جُهَّالاً فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وفيه غاية الشرف
(١) أخرجه البخاري (١٠٠)، ومسلم (٢٦٧٣)، وأحمد (٦٥١١)، وابن أبي شيبة (٣٧٥٩٠)، والترمذي
(٢٦٥٢) وقال: حسن صحيح. وَابْنُ ماجه (٥٢)، والدارمي (٢٣٩)، وابن حبان (٤٥٧١).

٦٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
والبشرى لأهل العلم، وأن الله آمنهم من سلب ما وهبهم، وغاية التحذير من استفتاء
الجهال والأخذ بقولهم، وغاية الوعيد الشديد على من أفتى بغير علم، والتسجيل عليه
بأنه ضال مضل.
٢٠٧ - [وَعَنْ شَقِيقٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ الله بْنُ مَسْعُودٍ ﴿ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ
خَمِيسِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا فَي كُلِّ يَوْمٍ. فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ
يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ رَسُولُ الله
وَ﴿ يَتَخَوَّلْنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ شَقِيقٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﴿ يُذَكِّرُ النَّاسَ) أي: يعظهم
ويخوفهم ويعلمهم (فِي كُلِّ) يوم (خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبًا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَوَدِدْتُ أَنَّكَ
ذَكَّرْتَنَا فَي كُلِّ يَوْمٍ، فَقَالَ: أَمَا) مر أنها للاستفتاح كـ((ألا)) (إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ)
التذكير كل يوم أن من شأنه أنه يمل السامعين وينفرهم عن الإقبال بكليتهم على
العلم، فلا يظفرون منه ببغيتهم (وَإِنَّ أَكْرَهُ أَنْ أَمِلَّكُمْ) فتنقطعوا عن الحضور
والتعلم، لما أن النفوس إذا ملت شيئًا كرهته فيصعب فعلها له.
ومن ثم جاء: ((إن النفوس تصدأ كما يصدأ الحديد، فروحوها)(٢).
وصح عنه ◌َ﴾ أنه قال: ((عليكم من الإيمان ما تطيقونه، فإن الله لا يمل حتى
تملوا))(٣) أي: لا يقطع ثوابه عنكم حتى تقطعوا أعمالكم، ففيه إيماء إلى أن الملل
يقطع عن العمل أو دوامه، فلذلك ينهي عنه.
(وَإِنَّ أَخَوَّلُكُمْ) أي: أتعهدكم (بِالْمَوْعِظَةِ) وهي التذكير بالعواقب المتكفل
بإقبال الناس على الأعمال الصالحة ومجانبتهم للأعمال السيئة (كَمَا كَانَ رَسُولُ الله ◌َِّ
يَتَخَوَّلُتَا بِهَا) هذا هو الأشهر.
(١) أخرجه البخاري (٧٠)، ومسلم (٧٣٠٧)، وأحمد (٤١٤١).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) تقدم تخريجه.

٦٧
کتاب العلم
وفي رواية: بالنون وهو بمعناه خلافًا لمن أنكره من: التخول، وهو حسن التعهد
والمراعاة والحفظ؛ أي: يتفقدنا بها في مظان إقبالنا دون غيرها (مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا)
أي: لأجل خوفه علينا أن نسأم من التعلم فننقطع عنه، ويروى ((يتخولنا)» بالمهملة،
وبالغ بعضهم فزعم أنه الصواب؛ أي: يتفقد أحوالنا التي تنشط فيها الموعظة فيعظنا
فيها، ولا يكثر علينا؛ لئلا نمل (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
وفيه أنه يتأكد على المعلم ألَّا يكثر على المتعلم، وأن ينتهز فرص نشاطه
وتسامحه فيما عداها؛ لئلا يحصل له الملل، فيكون ذلك سببًا لانقطاعه بالكلية.
٢٠٨ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى
تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَنَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا (١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ الشَِّيُّ ◌َِّ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ) أي: جملة مفيدة
(أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَقَّى تُفْهَمَ عَنْهُ) فهمًا قويًّا راسخًا في النفس غير معرض لنازل أو
ریب.
(وَإِذَا أَنَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا) الأولى: للاستئذان، والثانية:
للتحية عند إقباله عليهم، والثالثة: عند مفارقته لهم، وهذه الثلاث في هذه المحال
الثلاثة سنة متأكدة، فلذلك كان وس# يواظب عليها كما أفادته ((كان)) المقتضية لتكرير
الفعل وضعًا عند جماعة، وعرفًا عند آخرين، وهو الأصح، وحمل الثلاثة على أنها
للاستئذان؛ لأنه ◌َ* أتى سعد بن عبادة وهو في بيته فسلم فلم يجيبه، فسلم ثانيًا ثم
ثالثًا مردود بأن شرط تكريره ثلاثًا أن يحتاج إليه.
وأمَّا لو أجيب فالأولى فلا يثني أو بالثانية فلا یثلث، وبأن التثليث فيه نادر
كما في خبر سعد؛ إذ لم يرد عنه ◌َ﴾ في غيره، وفي هذا الرد نظر، وتقييد الثالثة بالحاجة
لا يمنع إطلاق ندبها، ومن ثم صرحوا بندبها وندب عدم الزيادة عليها، وندرة وقوع
ذلك له ولو لو سلمت لا يمنع حمل الحديث عليها، فقدر إن كان لا يقتضي تكرارًا في
(١) أخرجه البخاري (٩٥)، وأحمد (١٣٥٦٥).

٦٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
اللغة فاتجه صحة حمل الحديث على كل من ذينك الأمرين أو عليهما معا (رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ).
٢٠٩ - [وَعَنْ أَبِي مَسْعُودِ الأَنْصَارِيِّ ﴾ قَالَ: جَاءَ رَجُلُّ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ﴿ فَقَالَ: إِنَّهُ
أَبْدِعَ بِي فَاحْمِلْنِي. فَقَالَ: ((مَا عِنْدِي)) فَقَالَ رَجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا أَدُلُّهُ عَلَى مَنْ يَجْمِلُهُ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ:((مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ))(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ أَبِي مَسْعُودِ الأَنْصَارِيِّ ﴾ قَالَ: جَاءَ رَجُلُ إِلَى النَّبِّ ◌َ﴿ فَقَالَ: إِنَّهُ) أي:
الشأن، والجملة: الخبر بعده مفسرة له (أَبْدِعَ بِي) أي: انقطع رحلي بي فبتحويله
للمفعول صار الظرف نائبه، كسير بعمرو، من أبدعت الراحلة انقطع سيرها لنحو،
إنما جعل انقطاعها في السير إنشاء أمر خارج عن عادتها، ثم توسع فيه حتى قيل:
أبدعت حجته؛ أي: انقطعت (فَاحْمِلْني) على دابة غيرها.
(فَقَالَ: مَا عِنْدِي) ما أحملك عليه (فَقَالَ رَجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا أَدُلُّهُ عَلَى مَنْ
يَحْيِلُهُ) من أغنياء المسلمين كعثمان وابن عوف، رضي الله عنهما (فَقَالَ رَسُولُ الله
وَلَهُ: مَنْ دَلَّ) أثره على نعم لإفادته هذا العموم الحامل على دلالته له على من يحمله،
والمؤكد لها (عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرٍ فَاعِلِهِ) ومر شرح ذلك قبيل الفصل الثاني، وفيه
من باب الاعتصام فراجعه، ومناسبة ذكره في هذا الباب: إن التعليم الواجب يحصل
بالفعل والقول (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
٢١٠ - [وَعَنْ جَرِيرٍ ﴾ قَالَ: كُنَّا فِي صَدْرِ النَّهَارِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ فَجَاءَهُ قَوْمٌ
مُجْتَابِ النّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ، ومُتَقَدِِّي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ،
فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ وَ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَأَمَرَ بِلَالاً فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّ ثُمَّ
خَطَبَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسِ وَاحِدَةٍ﴾ إِلَى آخِرِ
الآيَةِ ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] وَالآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: ﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسُّ
(١) أخرجه مسلم (٥٠٠٧)، وأحمد (٢٢٩٩٩)، وأبو داود (٥١٣١)، والبيهقي (١٨٢٩٩).

٦٩
كتاب العلم
مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] تَصَدَّقَ رَجُلُ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ
بُرِّهِ، مِنْ صَاعٍ تَمْرِهِ، حَتَّى قَالَ: ((وَلَوْ بِشِقٌّ تَمْرَةٍ» قَالَ: فَجَاءَ رَجُلُّ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ
كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ الله وَهُ
يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا
وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرٍ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي
الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ
أَوْزَارِهِمْ شَيْءٍ)(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ جَرِيرٍ ﴾ قَالَ: كُنَّا فِي صَدْرِ النَّهَارِ) أي: أوله (عِنْدَ رَسُولِ الله ◌َ فَجَاءَهُ
قَوْمٌ) حال كونهم (مُجْتَابِي) بجيم ففوقية ثم موحدة (التِّمَارِ) جمع: نمرة، وهي كساء
صوف مخطط؛ أي: لابسها قد خرقوها في رؤوسهم.
(أَوْ) للشك (الْعَبَاءِ) جمع: عباءة (ومُتَقَِّّدِي السُّيُوفِ عَامَّتُهُمْ) أي: أكثرهم (مِنْ
مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ) أي: مقصورون عليها لا يتجاوزون إلى غيرها (فَتَمَعَّرَ وَجْهُ
رَسُولِ الله وَ﴾﴾ أي: تغير من قولهم: مكان أمعر إذا أجدب (لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ)
أي: شدة الاحتياج مع عدم مواساة الأغنياء لهم بما يدفع ضرورتهم، كما هو الواجب
عليهم؛ إذ من فروض الكفايات دفع ضرر المحتاجين بإطعام الجائعين وكسوة العارين
وهؤلاء كذلك، ولم يبادر الأغنياء إلى سد فاقتهم، فهذا هو سبب التمعر لا مجرد رؤية
الفاقة بهم؛ لأن الفاقة شأن عباد الله الصالحين وأوليائه الوارثين.
(فَأَمَرَ بِلَالاً فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّ) أي: الظهر؛ لأن الإقامة تختص بالفرض، وأول
فرض بعد صدر النهار الظهر (ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي
خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ .. ﴾ إلى آخر الآية) وهو (﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾)
(١) أخرجه مسلم (١٠١٧)، وأحمد (١٩١٧٩)، والترمذي (٢٦٧٥)، والنسائي (٢٥٥٤)، وَابْنُ ماجه
(٢٠٣)، وابن حبان (٣٣٠٨)، وابن أبي شيبة (٩٨٠٣)، والطبراني (٢٤٣٧)، والبيهقي (٧٥٣٠)،
والطيالسي (٦٧٠).

٧٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
[النساء: ١] ووجه مناسبتها لما هو فيه أن ما فيها من اتحاد الناس في خلقهم من نفس
واحدة، ثم الأمر باتقاء الأرحام على قراءة النصب، وقرنه باتقاء الله الدال على أن
صلتها منه تعالى بمكان، وختمها بكونه تعالى رقيبًا عليهم ما يحمل كل غني على سد
خلة المحتاجين لا سيما الرحم؛ لأن من رأى شقيقه ورحمه في غاية الحاجة ولم يصله
بكونه قطاعًا لرحمه وقرابته غير متقٍ لله تعالى ولا مستحضر لكونه تعالى رقيبًا عليه.
(وَ) قال (الآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ) وهي قوله تعالى: ((وَلْتَنظُرْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ
لِغَدٍ﴾﴾ [الحشر: ١٨] وفيها غاية الحث على ما في التي قبلها (تَصَدَّقَ) خبر بمعنى الأمر،
وهو أبلغ لدلالته على الوقوع، ووقع لشارح هنا ما فيه نظر فاجتنبه؛ أي: ليتصدق
(رَجُلُّ) نكرة وضعت موضع الجمع المعرف كما اقتضاه السياق، فأدت العموم ومن ثم
کرر من غیر عطف.
فقال: (مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعٍ بُرِّهِ، مِنْ صَاعٍ تَمْرِهِ) أي:
ورجل من درهمه ورجل من ثوبه، وهكذا (حَتَّى قَالَ) ليتصدق كل منكم (وَلَوْ بِشِقٌّ
تَمْرَةٍ) ومن تبعيضية منصوبة المحل ومجرورها للجنس؛ أي: ببعض ما عنده من هذا
الجنس، أو ابتدائية متعلقة بتصدق؛ أي: من دينار له وإن احتاجه؛ لأن الإيثار في ذلك
شأن الكُمل ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
(قَالَ: فَجَاءَ رَجُلُ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ) يحتمل أنها من دنانير، وأنها من دراهم
(كَادَتْ كَقُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ) إضراب مفيد للتحقيق والتأكيد (قَدْ عَجَزَتْ، ثُمَّ تَتَابَعَ
النَّاسُ) في إيتاء كل منهم بما تيسر له (حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ وَإِّهِ يَتَهَلَّلُ) أي:
يستنير ويضيء لما حصل عنده من الفرح، بإغناء أولئك المحتاجين ومبادرة أصحابه
إلى الامتثال.
(كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ) بضم الميم وسكون المعجمة وفتح الهاء والموحدة، وهي ما مُوِّ
بالذهب، وروي بفتح الميم وسكون المهملة وبالنون، وهي محل الذهن، والمراد به عليهما
الصفاء والاستنارة.

٧١
كتاب العلم
(فَقَالَ رَسُولُ اللّه وَِّ: مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً) أي: طريقة مرضية، وإن
لم يكن حسنها بالنص بل بالاستنباط فحسنه قيد يخرج غير الحسنة بأن دعاهم
لفعلها بقول أو فعل، أو أعانهم عليه أو فعلها فاقتدي به في فعلها (فَلَهُ أَجْرُهَا) هو
الرواية خلافًا لمن وهم فيها ولا إشكال فيه؛ لأن الإضافة تكفي فيها أدنى ملابسة،
وهي هنا كونها سببًا في أجر فاعلها، فأضيف الأجر إليها؛ لهذه الملابسة أو بقدر
مضاف؛ أي: أجر عملها.
(وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرٍ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ
فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرٍ أَنْ يَنْقُصَ
مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ووهم من نسبه للبخاري، ومرَّ الكلام عليه مبسوطًا في
الفصل الأول، والثاني من الباب السابق.
٢١١ - [وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ:((لَا تُقْتَلُ نَفْسُ ظُلْمًا إِلَّ
كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلْ مِنْ دَمِهَا؛ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَ الْقَتْلَ»(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ،
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ: ((لَا تَزالُ مِنْ أَمَّتِي)) فِي ثَوَابٍ هَذِهِ الأُمَّةِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى].
(وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: لَا تُقْتَلُ نَفْسُ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى
ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ) وهو: قابيل القاتل لأخيه هابيل حين تزوج كل بأخته التي مع الآخر في
بطن واحدة؛ لأن شريعة آدم أن بطون حواء كانت بمنزلة الأقارب الأباعد، وحكمته
تعذر التزوج فاقتضت مصلحة بقاء النسل تجويز ذلك، فحينئذٍ قُتل هابيل؛ لأن
زوجته كانت أجمل فأدى به حسده له إلى قتله، وهذا لا يمنع السبب المذكور في الآية؛
لإمكان أن سبب عدم ذلك التقتل هذا الحسد، وافهم قوله الأول أنه أول أولاد آدم
وأنهما أول قاتل ومقتول من بني آدم.
(١) أخرجه البخاري (٣١٥٧) ومسلم (١٦٧٧)، وأحمد (٣٦٣٠)، وابن أبي شيبة (٢٧٧٥٩)، والترمذي
(٢٦٧٣) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٣٩٨٥)، وَابْنُ ماجه (٢٦١٦)، وابن أبي عاصم في
الديات (٥/١)، وأبو يعلى (٥١٧٩)، وابن حبان (٥٩٨٣)، والبيهقي (١٥٦٠٢).

٧٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
(كِفْلُّ) أي: نصيب (مِنْ دَمِهَا؛ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ) بفعله له فكل من فعله
بعده مقيد به ولو بواسطة أو وسائط (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ: ((لَا تَزالُ
مِنْ أُمَّتِي)) فِي ثَوَابٍ هَذِهِ الأُمَّةِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى).
(الفصل الثاني)
٢١٢ - [عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِيِ الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ،
فَجَاءَهُ رَجُلَّ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، إِّي جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ وَ﴿ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ
تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ لَّهِ مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ. قَالَ: فَإِّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ:
((مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ
لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَّا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي
الأَرْضِ، وَالْحِيتَانَ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ
عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا
دِرْهَمًا وَإِنَّمَا وَرَّقُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظّ وَافِرٍ)(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد
وَابْنُ مَاجَهُ وَالدَّارِيُّ، وسَمَّاهُ التِّرْمِذِيُّ: قَيْسُ بْنُ گَثِيرٍ).
(عَنْ كَثِيرٍ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدٍ دِمَشْقَ، فَجَاءَهُ
رَجُلُّ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، إِنَّ جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ وََّ) كره الشافعي ◌َ﴾ أن يقال
ذلك؛ لأنه لفظ مشترك بين رسول الله ◌َل* ورسول غيره ولا يرد عليه ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ
بَلَّغْ ... ﴾ [المائدة: ٦٧] ونحوه؛ لأن خطاب الله لنبيه تشريف له بأي لفظ كان، وله تعالى
أن يخاطب عبيده بما شاء، ومن ثم أخذ من قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ
بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ [النور:٦٣] أنه يحرم نداؤه باسمه كايا محمد)) أو
(١) أخرجه أحمد (٢١٧٦٣)، وأبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢) وقال: لا نعرف هذا الحديث إلا
من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة، وليس هو عندي بمتصل. ثم أورد له إسنادًا وقال: هذا
أصح. وَابْنُ ماجه (٢٢٣)، وابن حبان (٨٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٦٩٦)، والدارمي
(٣٥١).

٧٣
كتاب العلم
بكنيته كـ«يا أبا القاسم)».
قال: وإنما ينادى بنحو: يا رسول الله، يا نبي الله وَ (لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ
عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ) غير ذلك، وإنما جئت لسماع هذا الحديث منك
(قَالَ) أبو الدرداء: (فَإِّ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌ِ﴾ِ يَقُولُ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا) يحتمل أنه فهم
أن هذا الحديث هو الذي جاء له ذلك الرجل فقصد أن يفيده إياه وإن لم يصرح له به،
ويحتمل أنه حديث آخر، وإنما قصد أبو الدرداء بسياق هذا الحديث له أن يبين له
عظيم أجره في مجيئه من تلك الشبقة البعيدة؛ لأجل طلب العلم.
(يَظْلُبُ فِيهِ) أي: من أوجد شيئًا من أي سبب كان كما مر في أوائل الباب
يحصل له (عِلْمًا) شرعيًّا أو آلة له، ولو من مسألة كما مر ثم أيضًا (سَلَكَ اللهُ بِهِ) أي:
بطالب العلم فباؤه للتعدية؛ أي: وفقه أن يسلك فسلك من السلوك، أو بالعلم فباؤه:
سببية؛ أي: سهل الله له سبب العلم فسلك من السلك والمفعول محذوف.
كما قيل في قوله تعالى: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧] إن عذابًا مفعول ثان
وعليهما، فاستعمل سلك في حق الله تعالى من باب المشاكلة.
(طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) وهي الأعمال الصالحة لتوصله بها إلى الجنة، ومنها أن يسهل
عليه ما يزداد به علمه؛ لأنه من جملة طرق الجنة، بل بعضه أعلاها لتوقف صحة
الأعمال وقبولها عليه.
(وَإِنَّ) عطف على جملة الشرط والجزاء وكذا الجمل الأبين المصدرة بـ(من))
(الْمَلَائِكَةَ) يحتمل أنهم ملائكة الرحمن ونحوهم من الملائكة الساعين في مصالح
بني آدم، ويحتمل أنهم كلهم، هذا أنسب بالمعنى المجازي الآتي، والأول أنسب بالمعنى
الحقيقي.
(لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا) حقيقة وإن لم تشاهد للقاعدة السابقة أن كل ما ورد وأمكن
يحمل على ظاهره ما لم يرد ما يصرفه عنه، وحينئذٍ فهي تكف أجنحتها عن الطيران،
وتنزل لسماع العلم كالذكر كما مر آنفًا في: «إلا ونزلت عليهم السكينة وحفت بهم

٧٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
الملائكة))(١).
وقيل: هو مجاز إمَّا عن التواضع نظير ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ
المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] أو عن المعونة وتيسير السعي في طلب العلم (رِضًا) منها
مفعول لأجله مستوفٍ للشروط؛ أي: لأجل الرضا الواصل منها أو لأجل إرضائها
(لِطَالِبِ الْعِلْمِ) بما يصنع من حيازة مقام الوارثة العظمى وسلوك السنن الأسنى، وبما
قررته اندفع ما قيل: لم يوجد شرط اتحاد الفاعل في المفعول؛ لأجله فيقدر إرادة رضا،
ووجه اندفاعه ما تقرر أن الرضا من فعلهم، ولعل قائل ذلك فهم أن اللام زائدة وأن
رضاه هو العلة، ولا حاجة لذلك لما علمت.
(وَإِنَّ الْعَالِمَ) ترق إلى ما ذكر ما هو أبلغ في فصله بإثبات وصف العلم له بعد
إثبات وصف طلبه فيما قبله، وبإثبات استغفار من يأتي من الأرفع من مجرد وضع
الأجنحة، كذا قيل والوجه عندي: أن وضع الأجنحة للطالب قبل أن ينتهي عالمًا
الاستغفار للعالم فلا ترقي (لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ، وَالْحِيتَانَ فِي
جَوْفٍ الْمَاءِ) ذكرت بعد الملائكة والثقلين وغيرهم إشارة إلى أنها وإن لم يفتقر للماء
لكونها فيه إنما يعيش كما يأتي وإلى استيعاب جميع الحيوانات، وإن استفيد ذلك من
قوله: ((من في الأرض)) المغلب فيه من يعقل لشرفهم وإزالة؛ لإيهام أن من في الأرض لا
يشمل من في البحر، وتعميمًا بعد تعميم بأن يراد بالحيتان جمع دواب الماء وعوالم
البحر، وهي أكثر من عوالم البر لما جاء أن عوالم البر أربعمائة وعوالم البحر ستمائة
عالم.
وسبب علوم استغفار هذه الموجودات للعلماء طالبين تخليهم عما لا ينبغي
لمقامهم من الأدناس شمول بركة علمهم، وعملهم لجميع أولئك؛ إذ لا يقوم نظام العالم
إلا بالعلم؛ ولأن من جملتهم بركتهم إنزال المطر وحصول الخصب والخير بسببهم، كما
(١) أخرجه مسلم (٢٦٩٩)، وأحمد (٧٤٢١)، وأبو داود (٤٩٤٦)، والترمذي (٢٩٤٥)، وَابْنُ ماجه
(٢٢٥)، وابن حبان (٥٣٤).

٧٥
كتاب العلم
دل عليه حديث: ((بهم تمطرون وبهم ترزقون))(١) ..
قيل: الاستغفار من العقلاء حقيقة، ومن غيرهم مجاز عن استقامة حالهم
الناشئة عن طهارة نفوسهم والمؤثرة لرفعة منزلتهم. انتهى.
وليس كذلك بمتعين لما مر من القاعدة لإمكان أن الله يضع في الجمادات
والحيوانات إدراكً يستغفرون به حقيقته كما قيل به: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ
بِجَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤].
(وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ) الذي غلب علمه على عبادته غير العلم (عَلَى الْعَابِدِ) الذي
غلبت عبادته على علمه (كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ) وهي: ليلة الرابع عشر من الشهر،
سميت بذلك؛ لأن أكمل ما يكون القمر إذا كان فيها (عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ) لأن نور
العبادة وكمالها ملازم لذات العابد لا يتخطاه، فهو كنور الكواكب ونور العلم وكماله
يتعدى إلى الغير فيستضئ به العالم لكنه ليس من ذاته، وإنما يتلقاه من شمس الوجود
الذي لا أكمل منه محمد دله فهو كنور القمر المكتسب من نور الشمس التي لا أضوء
منها.
ودل على ما تقرر أن الكلام في عالم عامل قوله: (وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَقَةُ الأَنْبِيَاءِ)
علمًا وعملاً وكمالاً وتكميلاً، ولا يتم ذلك إلا لمن صفت مصادر علمه وعمله
ومواردها من الهوى والحظوظ، حتى أمدته كلمات الله التي لا تفنى إلى أن صار من
الراسخين في العلم، القائمين بصور الأعمال على ما ينبغي لها، فسلم من الإخلاد إلى
أرض الشهوات الخافضة إلى أرذل الدركات كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا
وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ.﴾ [الأعراف: ١٧٦].
([وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ](٢) لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا) أي: مالاً، وخصًّا؛ لأنهما أغلب
أنواعه، وذلك إشارة إلى رذالة الدنيا، وأنهم لم يأخذوا منها إلا بقدر ضرورتهم فلم
(١) أخرجه ابن المبارك في الجهاد (١٩٣)، وأبو داود في المراسيل (٢٨٨).
(٢) سقط من الأصل.

٧٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
يورثوا شيئًا منها؛ لئلا يتوهم أنهم كانوا يطلبون شيئًا منها يورث عنهم على أن الجماعة
قالوا: إنهم كانوا لا يملكون مبالغة في تنزيههم عنها (وَإِنَّما وَرَّقُوا الْعِلْمَ) بأحوال
الظاهر والباطن على تباين أجناسه، واختلاف أنواعه بتعليمه لأممهم.
(فَمَنْ أَخَذَهُ) أي: فبسبب ما ذكر للعلم من تلك الفضائل العلية من ورث
العلم (أَخَذَ بِحَقِّ) أي: نصيب من الكمال (وَافِرٍ) لا نهاية له، ومن ثم قال قتادة: بأن
یحفظه الرجل لصلاح نفسه وصلاح من بعده خير من عبادة حول.
وقال الثوري: لا أعلم اليوم شيئًا أفضل من طلب العلم، قيل له: ليس لهم نية،
قال: طلبهم له نية.
وقال الحسن: من طلب العلم يريد به ما عند الله كان خيرًا له مما طلعت عليه
الشمس.
وقال مالك: لمن أراد المبادرة للصلاة، وترك ما هو فيه من العلم ليس ما يذهب
إليه دون ما أنت فيه إذا صحت النية.
وقال الشافعي: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو
دَاوُدْ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِيُّ، وَسَمَّاهُ التِّرْمِذِيُّ: قَيْسُ بْنُ كَثِيرٍ).
٢١٣ - [وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِيِّ قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللهِ وَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا عَابِدُ
وَالآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: (فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ)) ثُمَّ
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيَ: ((إِنَّ اللّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى التّمْلَةَ فِي
جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِيِّ قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللهِ وَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا عَابِدُ وَالآخَرُ
عَالِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: فَضْلُ الْعَالِمِ) الذي غلب علمه على عبادته (عَلَى الْعَابِدِ)
الذي غلبت عبادته على علمه (كَفَضْلي عَلَى أَدْنَاكُمْ) معشر الصحابة، وهذا أبلغ من
التشبيه السابق؛ لأن ما أفاده هذا من تشبيه العالم به ◌ّ ه والعابد بأدنى الصحابة
أعظم وأكمل مما أفاده، ذلك من تشبيه العالم بالقمر والعابد بالكوكب؛ لأن ما بين

٧٧
کتاب العلم
ذينك من التفاوت لو فرض محسوسًا أعظم بكثير مما بين هذين، فإن قلت: الصحابة
مشبهون بالنجوم، كما مر في الخبر الحسن: (أصحابي كالنجوم))(١) وهو ◌َلّ مشبه
بالقمر، فيرجع ما هنا إلى تشبيه العالم بالقمر والعابد بالنجم وهو عين التشبيه
السابق.
قلت: رجوعه لذلك لا يقتضي مساواة التشبيهين؛ لأنه لو أحسن من القمر،
كما قال جابر بن سمرة: رأيت ◌َل19 في ليلة أضحيان؛ أي: في ليلة القمر فيها في غاية
الضوء والصحو فجعلت أنظر إلى رسول الله عليه وإلى القمر وعليه حلة حمراء، فإذا هو
أحسن، فالتفاوت المفاد بهذا أجل من التفاوت المفاد من ذاك بكثير كما تقرر، وفي
كل منهما لا سيما هذا التفاضل بنبيه وَله وبين أصحابه، إنما هو في العلم وحقيقة
العمل إفادة ما تقرر أن الكلام فيمن غلب عليه أحد الوصفين؛ لأن في عالم فقط
وعابد فقط؛ لأن هذين لا فضل لهما، بل هما في النار لتوقف صحة العمل على العلم،
وكمال العلم على العمل.
(ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللّه وَلي: إِنَّ) استئناف لبيان عظيم ذلك التفاوت بين العالم
والعابد؛ لتصور نفع هذا وتعدي نفع ذلك إلى الخلائق حتى النملة والحوت (الله
وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) قضية العطف أن المراد بالملائكة المذكورين
غير من في السموات والأرض من الملائكة لحملة العرش وغيرهم من المقربين
الخارجين عن السموات والأرض (حَتَّى التَّمْلَةَ) بالفتح والكسر (فِي جُحْرِهَا) غاية
مستوعبة لدواب البر.
(وَحَتَّى الْحُوتَ) بهما غاية مستوعبة لدواب البر (لَيُصَلّونَ) فيه تغليب
لذوي العلم واشتراك؛ إذ الصلاة من الله تعالى الرحمة المقرونة بالتعظيم، ومن
الملائكة الاستغفار، ومن الآدميين التضرع والدعاء بالخير، وكذا من بقية
الحيوانات.
(١) تقدم تخريجه.

٧٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
ومر أن سبب دعائها ما مر من شمول بركة علمه وعمله لها لا سيما النملة؛
لأنها أكثر الحيوان ادخارًا للقوت في جحرها فهي أحوج إلى تلك البركة من غيرها؛
فلذا خصت، ومن سبب تخصيص الحوت (عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ) عدل إليه عن العالم
الذي اقتضاه السياق؛ لبيان سبب شرف العلم وامتيازه على العابد وعموم نفعه وتعديه
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).
٢١٤ - [وَرَوَهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ مَكْحُولٍ مُرسَلاً وَلَم يَذْكُر: رَجُلانٍ، وَقَالَ: ((فَضْلُ
الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ)) ثُمَّ ثَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ
الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وَسَرَّدَ الحَديثَ إِلى آخِره (١)].
(وَرَوَاهُ الدَّارِيُّ عَنْ مَكْحُولٍ مُرسَلاً وَلَم يَذْكُر: رَجُلان) أي: هذا
اللفظ.
(وَقَالَ: فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ. ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ) مشيرًا بها
إلى بيان علة فضل العالم وهي: (﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللّهَ﴾) بالنصب (﴿مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾)
بالرفع، فعلم أن سبب تفضل العالم كون خشية الله الكاملة الناشئة عن معرفته به،
وبجلال ذاته وكبرياء عظمته منحصرة في العلماء لا يتجاوزهم إلى العباد، فيكونون أتقى
الله وأكرم عليه منهم ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
وفي قراءة شاذة: برفع الجلالة ونصب العلماء؛ أي: إنما يحل الله من عباده
العلماء، على حد إهابك إخلال، وسبب التفضل في هذه ظاهر أيضًا (وَسَرَدَ الحَديثَ
إلى آخره).
٢١٥ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((إِنَّ النَّاسَ لَكُمْ
تَبَعُّ، وَإِنَّ رِجَالاً يَأْتُونَكُمْ مِنْ أَقْطَارِ الأَرَضِ يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ، فَإِذَا أَتَوْكُمْ
فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرً)(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
(١) أخرجه الترمذي (٢٦٨٥) وقال: غريب. والطبراني (٧٩١١)، والدارمي (٢٥٩).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٦٥٠) وقال: قال علي: قال يحيى بن سعيد: كان شعبة يضعف أبا هارون
=

٧٩
كتاب العلم
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: إِنَّ النَّاسَ) أي: جميع هذه
الأمة في مشارق الأرض ومغاربها (لَكُمْ) معشر الصحابة (تَبَعُ) آثره للمبالغة، كرجل
عدل؛ أي: تابعون؛ لأنهم لم يتلقوا القرآن والسنة إلا منكم؛ لأنكم الفائزون
بتلقيهما مني بلا واسطة، وغيركم إنما يتلقاها بواسطتكم فعليهم أن يأتوكم جميعًا
لأخذ ذلك منكم، فإن لم تفعلوا فليستغفروا رجالاً يأتونكم ليتفقهوا في الدين،
ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم كما قال: (وَإِنَّ رِجَالاً) غلبت عليهم صفة الرجولية
الكاملة، فأجهدوا أنفسهم في صفاء نيتهم وخلوص عقائدهم في تحصيل سائر أسباب
الكمال.
حتى إنهم (يَأْتُونَكُمْ مِنْ أَفْطَارِ الأَرَضِ) لأجل أنهم (يَتَفَقَّهُونَ) منكم، (فهو))
جملة استئنافية لبيان علة الإتيان، ويصح كونه حالاً من الواو (في الدِّينِ فَإِذَا) آثرها
على أنه لإفادتها تحقيق وقوع هذا الأمر، فهو من أعلام نبوته وباهر معجزته لوقوع
ذلك كما أخبر به.
(أَتَوْكُمْ) لذلك (فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا) في تعليمهم علوم الدين وأخلاق
المهتدين وأمرهم بما يصلحهم، ووعظهم بما يخوفهم ويقبل بهم على الله تعالى،
((والسين)) للطلب ونظيره استوصيت زيدًا بعمرو خيرًا؛ أي: طلبت من زيد أن يفعل
بعمرو خيرًا، أو من باب التجريد؛ أي: لتجرد كل منكم شخصًا من نفسه، ويطلب
منه التوصية في حق الطالبين ومراعاة أحوالهم (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).
٢١٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: ((الْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ
الحَكِيمِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا))(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ الرَّاوِي لَهُ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ].
=
العبدي. وَابْنُ ماجه (٢٤٩)، والطبراني في الشاميين (٤٠٥).
(١) أخرجه الترمذي (٢٦٨٧)، وَابْنُ ماجه (٤١٦٩).

٨٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: الْكَلِمَةُ) أي: الجملة المفيدة
(الْحِكْمَةُ) حملها عليها للمبالغة، كرجل عدل؛ أي: المحكم بناؤهما بالنقل والعقل
مع دقة معناها، ومنه الفقه في دين الله والنور الذي يقذف في القلب فيتضح به سائر
المطالب، ويروي كلمة الحكمة من إضافة الصفة للموصوف، والكلمة الحكيمة؛ أي:
المحكم أو الحکیم قائلها فالإسناد إليها مجازي.
(ضَالَّةُ الحَكِيمِ) أي: مطلوب من أتقن العلوم على وجهها حتى صار له فيها غور
ودقة، فهو يطلبها عند أي من وجده من أهلها وغيرهم ممن نطق بها لا عن قصد
(فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا) أي: بالعمل بها واتباعها ممن نطق بها، ولم يمنعه من
ذلك خشية من وجدها عنده، كما أن صاحب الضالة وأصلها الحيوان الضائعة، ثم
عممت في كل ما ضاع إذا وجدها كان أحق بها من غير أن ينظر لخسة من وجدها
عنده أو شرفه.
وسر ذلك: تفاوت أفهام الناس في فهم معاني الآيات والأحاديث وغيرهما
واستنباط حقائقها المحتجبة وأسرارها المرموزة، فقد يلهم بعض القاصرين ما لم
يلهمه بعض الكاملين، فتعين على من لم يلهم تلك الحكمة أخذها من ألهمها ولو غير
أهل؛ لأنها ضالته ومطلبه، فليبادر إليها ما أمكنه من غير أن ينكر على من هو دونه
أو ينكر عليه، ويحتمل أن المراد أن من سمع ما لم يفهمه فعليه حفظه وتبليغه لمن هو
أفقه منه، كما سمعه من غير أن يغير منه شيئًا؛ لأنه أحق بها منه، فلعله أن يدرك منه
ما لا يدرك سامعه، كما أن واجد الضالة في مضيعة يتأكد عليه أخذها حفظًا لها عن
خائن يتلفها، ثم يجتهد في السؤال عن صاحبها حتى يردها عليه كما هي من غير أن
يغير منها شيئًا عليه يكون في ذلك تشبيه حال كلمة الحكمة في أن من سمعها لزمه
حفظها وأداؤها لمن يستحقها، ثم انتهاز فرصة الحكيم بها بحالة ضائع وجده غير
صاحبه، فلزمه حفظه إلى أن يوصله لصاحبه ثم فرح صاحبه بوجدانه.
أو المراد: إن العالم إذا سأله من فيه استعداد لفهم ما سأل عنه لا يحل له منعه،