النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
تتمة کتاب الإیمان/ باب
(لَا يَضِلُّ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَشْقَى فِي الآخِرَةِ، ثُمَّ ثَلا) ابن عباس (هَذِهِ الآیة) دليلاً لما
ستهم
قاله، فإنها مصرحة به وهي قوله تعالى: ((فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾) الذي أرسلت به رسلي
﴿﴿فَلَا يَضِلُّ﴾﴾ أي: في الدنيا (﴿وَلَا يَشْقَى﴾﴾ أي: في الآخرة (رَوَاهُ رَزِين).
١٩١ - [وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً صِرَاطًا
مُسْتَقِيمًا، وَعَنْ جَنْبَتَ الصِّرَاطِ سُورَانٍ فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةً،
وَعِنْدَ رَأْسَي الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: اسْتَقِيمُوا عَلَى الصِّرَاطِ وَلَا تَعْوَجُوا، وَفَوْقَ ذَلِكَ دَاعٍ
يَدْعُو كُلَّمَا هَمَّ عَبْدُ أَنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ قَالَ: وَيْحَكَ، لَا تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، ثُمّ
فَشَرَهُ فَأَخْبَرَ أَنَّ الصَّرِطَ هُوَ الإِسْلَامُ، وَأَنَّ الأَبْوَابَ الْمُفَتَّحَةَ مَحَارِمُ اللهِ، وَأَنَّ السُّتُورَ
المُرْخَاةَ حُدُودُ اللهِ، وَأَن الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ هُوَ القُرْآنُ، وَأَنَّ الدَّاعِي مِنْ فَوْقِهِ هُوَ
وَاعِظُ الله فِي قَلْبٍ كُلِّ مُؤْمِنٍ (١). رَوَاهُ رَزِينَ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ).
(وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ: ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً صِرَاطًا
مُسْتَقِيمًا) بدل وتوقف المعنى على ذكر المبدل منه هنا لا ينافي كون البدل هو المقصود
بالحكم كـازيد أرأيت غلامه رجلاً صالحًا)).
(وَعَنْ جَنْبَتَي الصِّرَاطِ) أي: يمينه ويساره (سُورَانٍ) مبتدأ والجملة حال من
صراطًا (فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ) جملة صفة للمبتدأ (وَعَلَى) تلك (الأَبْوَابِ) المفتحة
الأصل، وعليها فأظهره ليفيد نفي بهما (سُتُورٌ مُرْخَاةٌ) جملة حال من ضمير مفتحة.
(وَعِنْدَ رَأْسَي الصِّرَاطِ) أي: عليه كما يصرح به في التفسير الآتي (دَاعٍ) جملة
معطوف على الأولى (يَقُولُ) صفة داعٍ (اسْتَقِيمُوا عَلَى الصَّرَاطِ وَلَا تَعْوَجُوا) عطف على
استقيموا؛ ليقرر مفهوم كل منطوق الآخر تأكيدًا (وَفَوْقَ) عطف على الرأس (ذَلِكَ)
الصراط والداعي وهو الأولى كما يدل عليه التفسير الآتي (دَاعِ يَدْعُو كُلَّما) ظرف لقال
(١) أخرجه أحمد (١٧٦٧١)، والحاكم (٢٤٥) وقال: صحيح على شرط مسلم، ولا أعرف له علة.
والبيهقي في شعب الإيمان (٧٢١٦)، والترمذي (٢٨٥٩) وقال: غريب. والنسائي في الكبرى
(١١٢٣٣).

٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
(هَمَّ عَبْدُ أَنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ قَالَ: وَيْحَكَ) كلمة ترحم وتوجع يقال لمن
وقع في هلكة لا يستحقها، والمراد بها هنا زجرهم عما هم به من القبح.
(لَا تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ) أي: تدخل الباب وتدخل في محارم الله تعالى، فالمراد بكون
تلك الأبواب مفتحة: إنها مردودة غير مغلقة (ثُمَّ فَسَّرَهُ) أي: أراد أن يفسره (فَأَخْبَرَ أَنَّ
الصَّرَاطَ هُوَ الإِسْلَامُ) ومن ثم كان أشهر الأقوال في ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ﴾
[الفاتحة: ٦] أن المراد به ذلك (وَأَنَّ) تلك (الأَبْوَابَ الْمُفَتَّحَةَ) في ذينك السورين المكني
بهما عن الفواحش الظاهرة، والفواحش الباطنة اللذين هما حمى الله، وهذا أوضح
وأنسب بالمعنى فمن جعلها كناية عن الطرق المنحرفة عن يمين الصراط ويساره المشار
إليها بقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ .. ﴾ [الأنعام:
١٥٣].
(تَحَارِمُ الله) المرادة في قوله وَّ: ((ألا إن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله
محارمه، فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه))(١) أي: كما أن من جاء إلى سور فيه
أبواب مفتحة يوشك أن يدخل منها (وَأَنَّ) تلك (السُّتُورَ المُرْخَاةَ) أي: المسدلة على
تلك الأبواب المفتحة ليمنع الناس من دخولهم إلى تلك الأبواب بدون استئذان
(حُدُودُ الله) أي: دلائله وزواجره التي جعلها فاصلة بين عباده ومحارمه، ومانعة لهم
من ولوج تلك المحارم.
قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّه فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] أو فلا تعتدوها (وَأَنَّ)
ذلك (الدَّاعِي عَلى رَأْسِ الصِّرَاطِ هُوَ القُرْآنُ) الآمر بالاستقامة في القول والعمل
والاعتقاد الذي جاء به الداعي الحقيقي وهو محمد وَله (وَأَنَّ) ذلك (الدَّاعِي مِنْ فَوْقِهِ)
أي: فوق الداعي الأول (هُوَ وَاعِظُ الله فِي قَلْبٍ كُلِّ مُؤْمِنٍ) أي: ما يلهمه الله من النظر
(١) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩)، وأحمد (١٨٣٩٨)، وأبو داود (٣٣٣٠)، والترمذي (١٢٠٥)
وقال: حسن صحيح. والنسائي (٤٤٥٣)، وَابْنُ ماجه (٣٩٨٤)، والدارمي (٢٥٣١)، والبيهقي
(١٠١٨٠).

٤٣
تتمة كتاب الإيمان / باب
في العواقب المؤدي إلى رجوعه إلى الله عن كل مخالفة، ومن ثم جعل هذا فوق الأول في
المرتبة؛ لأن الأول ينتفع به إلا إن وجد هذا؛ لأن المحل قابل له حينئذٍ فيؤثر فيه (رَوَاهُ
رَزِينُ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ).
١٩٢ - [والبَيْهَفِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)) وَعَنِ النَّاسِ بْنِ سَمْعَانِ، وَكَذَا التِّرْمِذِيّ
عَنْهُ إِلَّا أَنَّهَ ذَكَرَ أَخْصَرَ مِنْهُ].
(والبَيْهَِيُّ فِي (شُعَبِ الإِيمَانِ) وَعَنِ النَّاسِ بْنِ سَمْعَانِ، وَكَذَا التِّرْمِذِيّ عَنْهُ إِلَّا
أَنَّه ذَكَرَ أَخْصَرَ مِنْهُ).
١٩٣ - [وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: مَنْ كَانَ مُسْتَنَّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ
مَاتَ، فإِنَّ الحيَّ لا تُؤْمِّنُ عَلَيهِ الفِتْنَةُ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ وَ كَانُوا أَفْضَلَ
هَذِهِ الأُمَّةِ: أَبَرَّها قُلُوبًا، وَأَعْمَقَها عِلْمًا، وَأَقَلَّها تَكَلُّفَا، اخْتَارَهُم اللهُ لِصُحْبَةِ
نَبِّهِم، وِلإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعْرِفُوا لَم فَضْلَهُم، واتَّبِعُوهُم عَلَى أَثَرِهِم، وَتَمسَّكُوا
بِمَا استَطَعْتُم مِنْ أُخْلاقِهِم وَسِيرَتِهِم، فَإِنَّهُم كَانُوا عَلَى الهُدَى المُستَقِيمِ(١). رَوَاهُ
رَزِین].
(وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: مَنْ كَانَ مُسْتَنَّا) أي: مقتديًا بطريقة جارية على غاية
السنن والاعتدال (فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ) على الإسلام والعلم والعمل، وفي قرن هذه
الجملة فالشرط إيماء إلى أن ثم ما هو أفضل من مضمونها وهو بلوغ درجة الاجتهاد
حتى يتحرى طريق الصواب بنفسه بالاستنباط من الكتاب والسنة، فإن لم يصل لكل
المرتبة فليقتدِ بمن يأتي (فإنَّ الحيَّ لا تُؤْمَنُ عَلَيه الفِتْنَةُ) مادام حيًّا؛ لاحتمال سبق
القضاء عليه بسوء الخاتمة، فالمراد بالفتنة هنا السوء وقد يستعمل في الخير وكذا البلاء
لكنهما في الأول أظهر معنى وأكثر استعمالاً.
(أُولَئِكَ) الكاملون الذين يستن بهم لموتهم على الهدى وأمنهم من الفتن وظفرهم
بما يظفر به غيرهم (أصْحابُ مُحَمَّدٍ وَالياء) ومن ثم قال تعالى في حقهم : ﴿وَرَضُوا
(١) أخرجه ابن عبد البر في الجامع (١٨١٠).

٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩].
وقال: ﴿ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩].
وقال ◌َله: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديم))(١).
وأراد ابن مسعود بذلك تحريض كل من أتى بعدهم على الاقتداء بهم، ثم زاد في
بيان سبب ذلك بقوله: (كَانُوا أَفْضَلَ هَذِهِ الأُمَّة) المعهودة ذهنًا، وهم في جميع من أرسل
إليهم محمد ◌َ: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديم))(٩) إلى انقضاء العالم والقول
بأن الاثنين بعدهم من قد فضلهم لظواهر الأخبار بذلك، شاذُّ لا معول عليه، وتلك
الظواهر ليس المراد بها إلا مجرد مدح لبعض الاثنين لإيمانهم بالغيب وصبرهم على
كمال العبادة مع فساد الزمان، وإلا فأين الإمداد الإلهي الذي تلقته الصحابة من
مشكاة النبوة بغير واسطة، والنور المحمدي الذي لم يبق فيهم خطأ ينافي الكمال،
ورؤية تلك الذات المطهرة التي لا يعادل رؤيتها عمل وإن جلَّ؟
ومن ثم كان البدوي الجلف بمجرد أن يقع بصره عليها ينطق بالحكمة ويتهيأ
من الكمال لغاية لا يوصل إليها عمل أبدًا، ومن ثم بيَّن ابن مسعود بسبب تلك
الأفضلية بما لم يصل إليه غيرهم بقوله: (أَبَرَّها قُلُوبًا) لأن الله تعالى يقول: ﴿أُوْلَئِكَ
الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: ٣] أي: ضربها بأنواع المحن
والتكليفات الصعبة والشدائد التي لا تطاق؛ لأجل أن يختبر ما عندها من التقوى؛ إذ
لا يظهر حقيقتها إلا عند ذلك، فوجدها مع ذلك على غاية من الانقياد والرضا أو
أخلصها للتقوى من قولهم امتحنت الذهب وفتنته إذا أذبته بالنار حتى خرج خالصًا
نقيًّا، أو أذهب الشهوات والحظوظ الدنيوية عنها كما قاله عمر ظه.
(وَأَعْمَقَها عِلْمًا) لما تلقوه من تلك المشكاة المملوءة بأنوار العلوم الإلهية
والمعارف الربانية التي لم يبلغها أحد من المخلوقين لإحاطتها بعلوم الأولين والآخرين
(١) ذكره العجلوني في كشف الخفاء (١٣٢/١).
(٢) انظر التخريج السابق.

٤٥
تتمة کتاب الإیمان/ باب
(وَأَقَلَّها تَكَلُّفًا) أي: تصنعًا ومراعاة للحق لما أن الله أفاض على قلوبهم من ذلك النور
المحمدي ما طهرها عن النظر للأغيار وملأها إخلاصًا وتقوى، فلم يبق فيها متسع
ولا نظر لغير في سائر الأحوال والأطوار.
(اخْتَارَهُم اللهُ) من بين الناس (لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِم) المقتضية لتمام المناسبة بينه
وبينهم ولتأهلهم لوقوع نظره الكريم عليهم ولتلقي علومه وآدابه وأخلاقه ثم نشرها
وتبليغها لمن بعدهم على غاية من الإتقان والتحريم ففازوا من ذلك بما لم يقر به
غيرهم (لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ) بنصرهم لرسوله وبذلهم لمهجهم وأموالهم دونه ومسارعتهم إلى
مرضاته، وفنائهم في جانب محبته عن جميع مألوفاتهم، ثم بعده لمجاهدتهم لأعدائه
كالمرتدين ومسيلمة ومانعي الزكاة حتى أبادوهم عن أخرهم، فظهرت كلمة الإسلام
وسطع ضوءه على الخاص والعام إلى أن فتح الله الفتوح الباهرة لمدن الإسلام في زمن
عمر وعثمان، رضي الله عنهما.
(فَاعْرِفُوا لَم فَضْلَهُم) تفسير للمجرور باللام مقيد تفخيمًا وتعظيمًا، كما هو
دأب الإبهام ثم التبيين، ومنه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] وعرفان ذلك إنما
يحصل باعتقاد تعظيمهم وبمحبتهم والترضي عنهم والإجلال لآثارهم (واتَّبِعُوهُم)
حال كونكم ماشين (عَلَى أَثَّرِهِم) في كل ما ورد عنهم عن الأمور الظاهرة والباطنة،
فإن الهداية ليست إلا في اتباعهم، ومر قوله وَله ومن ثم علل ذلك بقوله: (وَتَمسَّكُوا
بِمَا استَطَعْتُمْ مِنْ أُخْلاقِهِم وَسِيرَتِهِم) فإن الهداية ليست إلا في إتباعهم والتمسك
بهديهم؛ لأنهم إنما تلقوه عن مشرفهم ولا
ومن ثم علل ذلك بقوله: (فَإِنَّهُم كَانُوا عَلَى الهُدَى المُستَقِيمِ) ولذلك حث ◌َّـ
الأمة على اتباعهم معلنًا بمزيد شرفهم وإضاءة العلم بنور علومهم فقال: ((أصحابي
كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)»(١) (رَوَاهُ رَزِينٌ).
(١)
تقدم تخريجه.

٤٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
١٩٤ - [وَعَنْ جَابِرٍ ﴿ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخْطَّابِ ﴾ أَتَى رَسُولَ اللهِ وَهُ بِنُسْخَةٍ مِنَ
التَّوْرَاةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ نُسْخَةُ مِنَ الثَّوْرَاةِ. فَسَكَتَ فَجَعَلَ يَقْرَأُ وَوَجْهُ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَتَغَيَّرُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ، أَمَا تَرَى مَا بِوَجْهِ رَسُولِ الله
وَّهِ؟ فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى وَجْهِ رَسُولِ اللهِوَه فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ غَضَبِ الله وَمِنْ غَضَبٍ
رَسُولِهِ، رَضِينَا بِاللهِ رَبَّا وَبِالإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((وَلَّذِي
نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ بَدَا لَكُمْ مُوسَى فَاتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ،
وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيَّ وَأَدْرَكَ نُبُوَّتِي لَا تَّبَعَنِي)(١). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ].
(وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﴾ أَنَى رَسُولَ اللّهِ وَهُ بِنُسْخَةٍ مِنَ التَّوْرَاةِ،
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ نُسْخَةٌ مِنَ التَّوْرَاةِ) أي: فهل تأذن لنا أن نطالع فيها لنطلع
على ما فيها من أخبار الأمم وشرائع موسى (فَسَكَتَ) النبي ◌َّ ففهم عمر أنه أذن له
في قراءتها (فَجَعَلَ) من أفعال الشروع كطفق (يَقْرَأُ وَوَجْهُ رَسُولِ الله ◌ِهِ يَتَغَيَّرُ) لشدة
ما وجده على عمر بقراءته فيها المقتضية للمبالغة في تعظيمها، ورفع شأوها رفعًا
يوهم مساواتها للقرآن مع تحريفها وتبديلها حتى لم يبق فيها مما هو على حقيقته إلا
القليل.
(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) لعمر، رضي الله عنهما (ثَكِلَتْكَ القَوَاكِلُ) أصله: دعاء بالموت
واستعملته العرب في مجاوراتهم غير قاصدين به، حقيقة ذلك كبرت يمينه (أَمَا تَرَى)
أي: التغير الذي (بِوَجْهِ رَسُولِ الله ◌َّه؟ فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى وَجْهِ رَسُولِ اللّه ◌َ) فرأى ما
فيه من التغير فعلم حينئذٍ أنه ارتكب عظيمًا.
(فَقَالَ) مبرثًا نفسه عما أوهم فعله نسبته إليه مما مر: (أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ
غَضَبِ الله) فإنه ينشأ عن غضب رسوله (وَغَضَبٍ رَسُولِهِ وَ﴿) بهذا السبب وتغيره ولما
وطأ بذلك لتمهيد اعتذاره عقبه به فقال: (رَضِينًا) جمع غيره معه إعلامهم لهم بأن
ذلك واجب على كل من وقع في نظير هذه الورطة (بِاللهِ رَبًّا وَبِالإِسْلَامِ) الذي جاء به
(١) أخرجه الدارمي (٤٣٥).

٤٧
تتمة كتاب الإيمان / باب
محمد ◌َّ (دِينًا) دون بقية الملل المخالفة له، وإن اعتقدنا حقيقتها وأنها من عند الله
(وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا) أي: مبينًا لنا عن الله بما أرسله به إلينا فلا نعتقد أفضل منه ولا
أكمل.
(فَقَالَ رَسُولُ اللّه وَيه) مبينًا لهم الحق الواجب عليه بيانًا وعاملاً لهم على التحلي
بحقائق العلوم والآداب، وألّا يقدموا على أمر إلا بعد إذنه لهم فيه صريحًا (وَالَّذِي نَفْسُ
مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) أي: قدرته وإرادته كما مر (لَوْ بَدًا) أي: ظهر، ولم يقل أحيا؛ لأن الأنبياء
أحياء في قبورهم يصلون، فهم مستورون عنا لا ميتون (لَكُمْ مُوسَى) الَيُْ: (فَاتَّبَعْتُمُوهُ
وَتَرَكْتُمُونِي) لم يقتصر على الاتباع؛ لأنه بمجرده لا محذور فيه، وإنما المحذور في اتباع
یؤدي إلى ترك.
(لَضَلَلْتُمْ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) أي: عن الطريق المستقيم الذي هو دين الإسلام،
ولم ينفعكم اتباعه شيئًا (وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا) حياة دنيوية (وَأَدْرَكَ نُبُوَّتِي) أي: زمني
(لَا تَّبَعَنِي) وجوبًا عليه؛ لأن الله أخبر الأمة في سورة ((آل عمران)) بأنه أخذ الميثاق على
جميع الأنبياء أنهم إن أدركوا زمن نبوته آمنوا به واتبعوه (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ).
١٩٥ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّنْ كَلَامِي لَا يَنْسَخُ كَلَامَ اللهِ، وَكَلَامُ الله
يَنْسَخُ كَلَامِ، وَكَلَامُ الله يَنْسَخُ بَعْضُهُ بَعْضًا(١).
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: كَلَامِي لَا يَنْسَخُ كَلَامَ اللهِ، وَكَلَامُ الله يَنْسَخُ
كَلَامِي) في كل من هذين خلاف للأصوليين، والأصح أنه يجوز نسخ كل بالأخير
الاستوائهما من حيث ظنية الدلالة في كل منهما، ولقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] ولا يرد عليهم ما في الحديث لتوقف ذلك على
صحته أو حسنه على أنه يمكن تأويله بحمله على أنه لا نسخ لفظه (وَكَلَامُ اللّه يَنْسَخُ
بَعْضُهُ بَعْضًا) وهذا لا خلاف فيه.
(١) أخرجه ابن عدي (١٨٠/٢)، والدارقطني (١٤٥/٤)، والديلمي (٤٩٢٦).

٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
١٩٦ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َيُ: إِنَّ
أَحَادِيثَنَا يَنْسَخُ بَعْضُهَا بَعْضًا كَنَسْجِ الْقُرْآنِ(١)].
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِنَّ أَحَادِيثَنَا
يَنْسَخُ بَعْضُهَا بَعْضًا كَنَسْجِ الْقُرْآنِ) بعضه لبعض وهذا لا خلاف فيه أيضًا.
١٩٧ - [وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: ((إِنَّ اللّهَ ذَكَ فَرَضَ
فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ حُرُمَاتِ اللهِ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا،
وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْهَا)(٢). رَوَى الأَحَادِيثَ الثَّلاثَةَ
الدَّارَقُطْنِيّ].
(وَعَنْ أَبِي تَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِنَّ اللّهَ وَكَ فَرَضَ فَرَائِضَ)
في كتابه وعلى لسان نبيه ◌َّة: (فَلَا تُضَيِّعُوهَا) أي: شيئًا منها لا من حيث الفهم، ولا من
حيث العمل لما هو مقرر أنه يجب على الكفاية أن يكون في الأمة من يقوم
يحفظ الدين وحججه وأصوله وفروعه على أن يتطرق إليها شبهة مبطل أو ريب
مبتدع.
قال أئمتنا: ويجب على الكفاية أيضًا أن يكون في الأمة من يحفظ القرآن على
ظهر قلب بحيث يبلغون عدد التواتر حتى لا ينقطع تواتره (وَحَرَّمَ حُرُمَاتِ الله) في
كتابه وعلى لسان رسوله أيضًا (فَلا تَنْتَهِكُوهَا) لما مر أن من انتهك شيئًا منها حل عليه
سخط الله (وَحَدَّ حُدُودًا) عام شامل للقسمين لمزيد تقريرهما وتوكيدهما، ولغيرهما
كبيان التقديرات الشرعية كعدد الركعات وما اشتملت عليه ونصب الزكوات
وأموالها وما يصح فيه عقود المعاملات والأنكحة وما لا يصح وغير ذلك (فَلَا
تَعْتَدُوهَا) أي: تخالفوها.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّه فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
(١) أخرجه الدارقطني (٤٣٢٣).
(٢) أخرجه الدارقطني (٤٤٤٥).

٤٩
تتمة کتاب الإیمان/ باب
(وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ) فلم يحرمهما عليكم (مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ) لها بل رحمة لكم
وتخفيفًا عنكم (خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] فكل ما لم يحرمه
حلال بنص هذه الآية فالسكوت عنها، المراد به السكوت عن تحريمها كما تقرر في
حديث: ((إن أعظم المسلمين في المسلمين حرمًا، من سأل عن شيء لم يحرم على الناس
فحرم من أجل مسألته))(١). (رَوَى الأَحَادِيثَ الثَّلاثَةَ الدَّارَقُطْنِيّ). انتهى.
(١) أخرجه البخاري (٦٨٥٩)، ومسلم (٢٣٥٨)، وأبو داود (٤٦١٠)، وابن حبان (١١٠)، والشافعي (١)
٢٧٠)، وأحمد (١٥٤٥)، والبزار (١٠٨٤)، والشاشي (٩٦).

(كِتَابُ العِلْمِ)
واختلفوا في حده اختلافًا كثيرًا ومع ذلك لم يسلم أحد منها عن دخل، وأقربها
حده بأنه: صفة عن موجب توجب تميزًا للشيء بحيث لا يحتمل النقض.
(الفصل الأول)
١٩٨ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِّت:
(بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَيَّ مُتَعَمِّدًا
فَلْيَتَبَوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ))(١). رَوَاهُ الْخَارِيُّ].
(عَنِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلَ: بَلِّغُوا)
الناس (عَنِّي) ما سمعتموه مني وما أخذتموه عني من قول أو فعل أو تقرير بواسطة أو
بغير واسطة من: بلغ الشيء غايته. انتهى.
إليها (وَلَوْ آيَةً) أصلها العلامة، ويعبر بها عن معانٍ منها الجملة المفيدة، كخبر:
((الدين النصيحة)(٢) وهو المراد هنا؛ أي: بلغوا أحاديثي وإن قلَّت وأثرها دون القرآن؛
لأن النفوس مجبولة على محبة حفظه وتعلمه وتعليمه ونشره مع تكفل الله بحفظه:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَخَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
ويصح إرادة حقيقة الآية القرآنية، وعليه فلم يقل ولو حديثًا لعلمه من ذلك
بالأولى؛ لأنه إذا أوجب التبليغ في الآية مع تكفل الله تعالى بحفظها وتواترها إلى
انقضاء العالم فأولى حديث، وفي ذلك تحريض للأمة على نشر العلم وجواز تبليغ بعض
(١) أخرجه البخاري (٣٢٧٤)، وأحمد (٦٤٨٦)، والترمذي (٢٦٦٩) وقال: حسن صحيح. وابن حبان
(٦٢٥٦)، والدارمي (٥٤٢)، والقضاعي (٦٦٢)، والديلمي (٢٠٨١).
(٢) أخرجه مسلم (٥٥) وأحمد (١٦٩٨٢) وأبو داود (٤٩٤٤) والنسائي (٤١٩٧) وأبو عوانة (١٠١) وابن
حبان (٤٥٧٤) والبغوي في الجعديات (٢٦٨١) وابن قانع (١٠٩/١) والبيهقي في شعب الإيمان
(٥٢٦٥) وأبو نعيم في المعرفة (١٢٩١) والطبراني (١٢٦٧) وابن عساكر (٥٤/١١).
- ٥٠ -

٥١
كتاب العلم
الحديث، ومن ثم كثر ذلك عن محبي السنة في ((المصابيح)) وإرادة العلامة؛ أي: ولو كان
أبلغ فعلاً أو إشارة بإبلاغه؛ لأن ذلك علامة على نسبته إليه وليه.
(وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) ما بلغكم عنهم من القصص العجيبة الدالة على
بلوغهم الغاية في الهوان والنكال ولو بلا إسناد (وَلا حَرَجَ) أي: لا إثم عليكم في ذلك
ما لم يعلم كذبها ككثير مما في كتب قصص الأنبياء، وذلك لتعذر الإسناد عنهم لبعد
زمنهم وانقطاع تواترهم وكثرة المحرفين والمغيرين فيهم؛ ولأن القصد من سماع
أخبارهم ليس إلا اعتناء بتلك الأحوال المحلية عنهم لا العمل بها ولا اعتقاد
صحتها، وحينئذٍ فلا ينافي هذا ما مر من النهي عن الاشتغال بالتوراة، المفيد للنهي عن
غيرها أيضًا لما مر أن سبب النهي اقتضاء أحوال قارئها أنهم يحاكون بها القرآن
ويعملون بما فيها ما لا يقتضيه شرعنا مع كونها كسائر الشرائع منسوخة به.
(وَمَنْ كَذَبَ عَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَأ) من تبوأ الدار اتخذها مسكنًا، والأمر فيه
للتهكم والتغليظ إن هو أبلغ من كان مقعده في النار (مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) ومن ثم كان
ذلك كبيرة، بل قال الشيخ أبو محمد الجوين: إنه كفر؛ أي: لأنه يترتب عليه
الاستخفاف بالشريعة، وزعموا أنهم إنما كذبوا له لا عليه وما درى المجرمون أن الله
تعالى أعز رسوله وشريعته أن يكذب لهما، كيف وما درى عنه وليه من تلك الأنواع
فيه مقنع أي مقنع، لا سيما مع كثرة التي تفوق الحصر؟
ويؤخذ من الحديث أن من قرأ حديثه وهو يعلم أنه يلحن فيه يدخل في هذا
الوعد الشديد؛ لأنه بلحنه كاذب عليه، وأن محل ذلك الوعيد فيمن علم أن ذلك
كذب وظنه كما لو رآه بكتاب لا يعرف مؤلفه، أو لا يعتمد أو سمعه ممن هو كذلك
فحفظه وأورده، فهو من جملة الكذابين بخلاف إذا عرف مؤلفه أو ذاكره وهو ممن يوثق
به وبأنه لا يروي موضوعًا، أو عرف وروده ولو من وجه ضعيف لكن بشرط بيان
ضعفه والإشارة إليه بنحو: روی.
وما أوهمه كلام شارح من حرمة التحديث بالضعيف مطلقًا مردود، ولكون

٥٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
الإسناد يعلم به الموضوع من غيره كانت معرفته من فروض الكفاية، ومن ثم قال ابن
المبارك: ((الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء)) فأقروا له وأحدثوا
مقابلاً لبلغوا وجوب هذا التحري الذي قلناه في الحديث مع اغتنام دعائه وَ لّ لمن فعل
ذلك بقوله: ((نضر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها كما سمعها)(١) وهذا
الحديث من المتواتر في سائر طبقاته، وبلغ بعض الحفاظ رواية من الصحابة بضعًا
وستين منهم العشرة المشهود لهم بالجنة، بل قيل: لم نعرف حديث اجتمع فيه هؤلاء
العشرة (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
١٩٩ - [وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةً قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (مَنْ
حَدَّثَ عَنِّى بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبُ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ))(٢). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةً قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ حَدَّثَ
عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى) بضم الياء؛ أي: يظن وبفتحها؛ أي: يعلم أو العلم فيه بمعنى الظن
على أن مفتوحها يأتي بمعنى الظن فاستوت الروايتان (أَنَّهُ كَذِبْ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ)
بالجمع والتثنية فيدخل في الوعيد السابق، وإن لم يبتدئ الكذب؛ يعني: الكاذب
ونشاركه إذا عده ويسره فتسميته كاذبًا مجاز، ثم أدرج في الكذابين موهمًا أنه منهم كما
مر في العلم أحد اللسانين، وخرج بقوله وهو يرى أنه كذب ما لم يظنه كذبًا، فلا
حرج عليه في روايته، لكن لا يسوغ له الجزم به بسنده لمن قاله أو سر لعدم جزمه به
کروى (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
٢٠٠ - [وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ
(١) أخرجه أحمد (١٦٧٨٤) والدارمي (٢٢٨) وأبو يعلى (٧٤١٣) والطبراني (١٥٤١) والحاكم
(٢٩٤) وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأبو داود (٣٦٦٠)، وَابْنُ ماجه (٢٣٠) والطبراني
(٤٩٢٥).
(٢) أخرجه مسلم (١)، وأحمد (١٨٢٠٩)، والترمذي (٢٦٦٢) وقال: حسن صحيح. وَابْنُ ماجه (٤١)،
والطبراني (١٠٢١).

٥٣
كتاب العلم
فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمُ وَاللهُ يُعْطِي)(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّةَ: مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ
فِي الدِّينِ) أي: يفهمه أحكامه من فقه بالكسر فيهم، أو بجعل الفقه سجية له من فقه
بالضم إذا صار فقيهًا عالمًا هذا مدلوله لغةً، وأمَّا اصطلاحًا فهو العلم بالأحكام
الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، والمراد بالعلم فيه الظن؛ لأن الفقه
من باب الظنون، فكل ما قطع بحكمه لا يسمى فقهًا، ووجه امتياز تلك الأحكام بهذا
الاسم أنها تستدعي فهمًا جيدًا أو نظرًا دقيقًا أو إحاطة بمدارك المسائل التي لا تحصل
إلا لمن بلغ الاجتهاد المطلق بخلاف بقية علوم الشرع.
وأُخذ من الحديث أن التفقيه في الدين علامة على حسن الخاتمة؛ لأن إرادة
الخير بعيد يقتضي أنه من أهل السعادة، لكن في رواية صحيحة ((من يرد الله به خيرًا
يفقهه في الدين ويلهمه رشده)(٤) وبها يعلم أن تلك الإرادة مقيدة بإلهام الرشد، ومن
ثم لما قيل للحسن البصري عن شيء قاله ليس هكذا تقول الفقهاء قال: ويحك هل
رأيت فقيهًا فظ؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بأمر دينه
والمداوم على عبادة ربه، وفي رواية إنما الفقيه من انفقأت عينا قلبه فنظر إلى ربه.
(وَ) إذا تقرر أن التفقه منوط بإرادة الله تعالى فلا تقولوا في مثله على غيره تعالى
(إِنما أَنا قَاسِمٌ) بينكم من غير تفصيل يصدر مني لبعضكم على بعض ما أوحى إلي
أن أوصله إليكم على قدر مراتبكم، وما قسمه الله لكم (وَاللهُ) هو الذي (يُعطِي)
التوفيق لما شاء منكم إلى فهمه، والعمل بقضيته، فالتفاوت بينكم ليس إليَّ بل
إلى الله المعطي لمن يشاء ما شاء، والمانع لمن يشاء ما شاء، ومن ثم تفاوتت أفهام
الصحابة واستنباطاتهم مع استواء تبليغه وليس لهم، بل فاق بعض من جاء بعد الصحابة
بعضهم في الفهم والاستنباط كما أشار إلى ذلك عليه بقوله في الخبر الآتي: ((رب حامل
(١) أخرجه البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧)، وأحمد (١٦٩٥٦).
(٢) أخرجه الطبراني (٧٨٦)، وأبو نعيم في الحلية (١٠٧/٤) وقال: غريب.

٥٤
-
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)(١).
وبما قررته من التقدير علم أن الواوهنا للحال، إمَّا من فاعل يفقه؛ أي: إني
ألقى ما وصلني إليكم مسويًا بينكم، والله يوفق كلًّا منكم لما شاء من العطاء، أو
من مفعوله؛ أي: أنه تعالى يعطي كلّا ممن أراد أن يفقهه استعدادًا لإدراكه المعاني على ما
قدره، ثم يلهمني أن أوصل لكل منكم ما يليق باستعداده (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٢٠١ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َيُ: ((النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ
الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُو(٢). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: النَّاسُ مَعَادِنُ) من عدن توطن،
ولذا سمي محل الجوهر والفلز ونحوهما معدنًا لتوطنها فيه ويجوز به هنا عن تفاوتهم؛
أي: متفاوتون في النسب شرفًا وصفة كما يدل عليه قوله في حديث آخر: «فعن معادن
العرب تسألوني)»(٣) قالوا: نعم. أي: أصولها الذي ينسبون إليها ويتفاخرون بها تفاوتًا
(كَـ) تفاوت (معادِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ) وعلامة ذلك التجوز ما في كل من الاستعدادات
المتفاوتة، فمنها ما هو قابل لفيض الله تعالى على مراتب المعادن في الكثرة والحسن
وضدهما، وما هو غير قابل لذلك أصلاً، ثم بيَّن هذا التفاوت الحاصل لها بعد
فيض الله تعالى عليها من العلوم والحكمة التي من أوتيها أوتي خيرًا كثيرًا.
فقال: (خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَامِ) شبههم بالمعادن في كونها
أوعية للجواهر النفيسة وغيرها مما يعم النفع به على حسب شرفه واحتياج الناس
إليه، وكونهم أوعية لمعادن الإيمان وما نشأ عنه من العلوم والحكم، فالتفاوت في
الجاهلية بحسب النسب الموروث، وفي الإسلام بحسب العلم المكتسب وشتان ما بين
الفضيلتين؛ إذ ليس من فضيلته في إنائه كمن فضيلته في ذاته، أمَّا من جمع الفضيلتين
(١) أخرجه الترمذي (٢٦٥٦) وقال: حسن. وأبو داود (٣٦٦٠)، والنسائي (٥٨٤٧).
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٣٨)، وأحمد (١٠٩٦٩).
(٣) أخرجه البخاري (٣٣٧٤)، ومسلم (٦٣١١)، وابن حبان (٤١٦).

٥٥
كتاب العلم
فهو الأعلى على الإطلاق.
ومن ثم قيد ◌َّ ذلك الخيار بقوله: (إِذا فَقُهُوا) إعلامًا بأن من فقه وله
النسب جمع بين شرف النسب وشرف الحسب، أو ولا نسب له لكان أشرف من
شريف مسلم جاهل، ومن ثم قال الأحنف: كل من لم يؤتلد بعلم فإلى ذل مصيره (رَوَاهُ
مُسْلِمْ).
٢٠٢ - [وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا حَسَدَ إِلَّ فِي اثْنَتَيْنِ:
رَجُلُّ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلُّ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهْوَ يَقْضِي بِهَا
وَيُعَلِّمُهَا))(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: لَا حَسَدَ) أي: لا غبطة وهي
تمني نظير النعم مع بقائها لصاحبها بخلاف حقيقة الحسد، فإنه تمنيها نفسها بأن
تزول عن صاحبها ثم تأتي إليه (إِلَّا فِي) شأن خصلتين (اثْنَتَيْنِ، رَجُلُ) أي: خصلة
رجل، وروي: اثنين فرجل، بدل من غير تقدير (آتَاهُ اللهُ مَالاً) حلالاً (فَسَلَّطَهُ عَلَى
هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ) أي: إعطائه لمستحقيه على حد ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لَا نُرِيدُ
مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾ [الإنسان: ٩].
وعبر بـ((سلطه)) لإفادة قهره لنفسه المجبولة على الشح البالغ وبـ«هلكته))
لإفادته أنه لم يبقَ منه شيئًا لكن لما أوهم ذلك الإسراف المذموم دفعه بقوله في الحق؛
إذ لا سرف في الخير كما لا خير في السرف.
(وَرَجُلٍ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً) وهي العلم الدقيق والعمل المتقن الصفي من الشوائب
(فَهُوَ يَقْضِي بِهَا) للمحق وعلى المبطل (وَيُعَلِّمُهَا) للناس مستمرًا على ذلك باذلاً وسعه
فيه لرقيه إلى مقام الوراثة العظمى، وما قيل يؤخذ منه إباحة نوع من الحسد لتضمنه
المنفعة في الدين فغير صحيح؛ لأنه تمنيه ذلك إن أراد زوالهما من صاحبهما فهو حاسد
(١) أخرجه البخاري (١٣٤٣)، ومسلم (٨١٦)، وأحمد (٣٦٥١)، وَابْنُ ماجه (٤٢٠٨)، وابن حبان
(٩٠).

٥٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
فاسق، وأي عذر أو مصلحة في الدين في ذلك أو لم يرد زوالهما عن صاحبهما فهو
الغبطة التي قلناها.
وحكمة تسميتها حسدًا: المبالغة في تحصيل هاتين النعمتين الخطيرتين اللتين لا
غاية فوقهما؛ أي: ينبغي الاجتهاد في تحصيلهما، وإن توقف على ذلك الطريق المذموم
فكيف بالطريق المحمود؟ قيل: فيه دليل لمن منع الرواية بالمعنى؛ إذ لو أبدل حسد
بغبطة وسلطه وهلكته والحكمة بغيرها فأنت تلك الدقائق. انتهى.
ويرد بأن المقصود بالذات أصل المعنى، فحيث عبر بما يفيده جاز توسعه للناس
في طرق الرواية، وإلا لشق عليهم وامتنعوا من كثير منها فيفوت انتفاع الناس بها، بل
يحصل لهم غاية الضرر (مُتَّفَقُ عَلَيْهِ).
٢٠٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَالَ:((إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ
عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُولَهُ(١). رَوَاهُ
مُسْلِمُ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ)
أي: ثواب عمله (إِلَّا مِنْ ثَلاثَةٍ) لبقاء نفعها بعد موته، ومن ثم لم ينحصر الأمر في هذه
الثلاثة، بل وردت زيادة خصال أخرى في معناها أفدت بالتأليف، وبهذا اندفع ما أورد
على هذا الحصر من خبر: ((من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم
القيامة، ومن دعا إلى هذا فله مثل أجر من اتبعه))(٩).
ووجه رده ما علم مما تقرر أن الحصر إضافي على أن هذين لا يبعد دخولهم في
العلم المنتفع به من بعده، ثم رأيت القاضي صرح بذلك بالنسبة للأول قال: لأن وضع
السنن وتأسيسها من باب التعليم، وفي حديث آخر يأتي: ((إن المرابط في سبيل الله ينمو
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٣٨)، ومسلم (١٦٣١)، وأحمد (٨٨٣١)، وأبو داود (٢٨٨٠)،
والترمذي (١٣٧٦) وقال: حسن صحيح. وَابْنُ ماجه (٢٤٢)، والنسائي (٣٦٥١).
(٢) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (٤٦٩٩).

٥٧
كتاب العلم
عمله إلى يوم القيامة))(١) ولا يرد على هذا الحصر أيضًا لما تقرر على أنه قيل: يمكن
دخوله في الصدقة الجارية؛ لأن القصد بالمرابطة نصرة المسلمين ورفع أعلام الدين أو
مجاهدة الكفار ودعوتهم إلى الإسلام لينتفعوا في الدارين، ونية المرء خير من عمله ولم
يبعد دخوله تحت جنس الصدقة الجارية كبناء الرباط وحفر البئر.
(إِلَّا) بدل مما قبله لمزيد التقرير والتأكيد وإسقاطه من بعض نسخ (المصابيح))
معترض بأن المعروف ثبوتها (مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ) أي: مستمرة، وحملها العلماء على
الوقف فيكتب للواقف ثوابه ما بقي ذلك الوقف، فإن قلت: ينبغي أن يدخل فيه أيضًا
من تصدق على غيره بمعين، فينبغي دوام ثوابه ما بقيت تلك العين عند المتصدق عليه
ولو بعد موته.
قلت: ظاهر تخصيصهم ذلك بالوقف أنه لا يجري في ذلك، ويوجه بأن للمتصدق
عليه ملك تلك العين ملكًا حقيقيًّا بقاء نسبة للمتصدق، ويجوز للمتصدق عليه
التصرف فيه بأي وجه أراده، فلم يذم ثوابه لانقطاع صدقته بخلاف الوقف فإن لم
ينتقل عن ملكه كذلك؛ لأن لنا قولاً شهيرًا؛ لأن الملك فيه للواقف وعلى مقابله
الأصح أن الملك فیه لله بمعنى أنه انفك اختصاص الآدمي عنه، فهو مع ذلك منسوب
إليه للحجر على الموقوف عليه فيه؛ لأجل بقاء نفع الواقف قدام له ثوابه.
(أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ) بعد موته إمَّا لكونه من تصنيفه أو إفتائه أو تعليمه ولو
المسألة عمل بها بعده (أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ) أي: مسلم، وجعل من جنس العمل لكونه
السبب في وجوده وإصلاحه بإرشاده إلى الهدى ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ
صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] بناء على عود الضمير على ولد نوح دون سؤاله، وإنما حملت الصالح
على المسلم لبيان حصول أصل هذا الثواب بمجرد كون الولد مسلمًا، فإن انضم
للإسلام أعمال صالحة كان ذلك زيادة في ثوابه وكماله.
(١) أخرجه الطبراني (٦٤١)، وابن عساكر (٢٤١/٢٦)، وسعيد بن منصور في كتاب السنن
(٢٤١٣).

٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
(يَدْعُولَهُ) ليس قيدًا في انتفاعه كما علم ما تقرر، وإنما هو لبيان فائدة أخرى
يحصل له من الولد، وإن حصلت من الأجنبي أيضًا؛ لأنه من الولد أسرع قبولاً وأرجى
نفعًا لا يدل عليه كلام أئمتنا في المقدم من الأقارب في إمامة الصلاة على الميت، أو
لتحريض الولد على الدعاء، وأنه يتأكد عليه أو لبيان أن شأن الولد الصالح أنه يديم
الدعاء لوالده ولا يغفل عنه (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
وفيه بيان هذا الفضل العظيم لهذه الخصال الثلاث، وإنه ينبغي لكل أحدٍ أن
يتوارث عليها أو على بعضها ويكثر من ذلك مقدمًا الأنفع فالأنفع لا سيما من
العلوم؛ إذ لا أحوج من الميت، فإذا وصله ذلك كان أعذب موردًا وأبلغ موقعًا من زلال
الظمآن وقوت لمضطر، وأن الدعاء والصدقة ولو بقضاء الدين يصل ثوابهما إلى الميت
من وارث وأجنبي، وذلك مما أجمع عليه المسلمون فيهما.
ولا ينافي ما تقرر في هذا الحديث ما في حديث آخر ((إن كل ميت يختم على عمله
إلا المرابط فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة)(١) إمَّا؛ لأن المختوم عليه هو عمل
بنفسه، بدليل استثناء المرابط وما هنا فيما هو سبب فيه فلا ينافي، وإمَّا؛ لأنه عام
مخصوص بغير ما في ذلك الحديث وغيره ونحوه كالمرابط المذكور فيه كقوله تعالى: ﴿ وَأَن
تَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] فإن الأصح فيه أنه كذلك لما علمت من
الإجماع على فصول نحو الصدقة والدعاء، وكذا القراءة على الأصح إن كانت على القبر
أو بعيدة عنه ودعاء له عقبها.
٢٠٤ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ نَقَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبٍ
الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبٍ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ
فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَّرَ مُسْلِمَا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا
كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا
(١) أخرجه الطبراني (٨٤٨)، والديلمي (٤٧٣٤).

٥٩
كتاب العلم
إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ الله وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ
إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَقَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ
عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ)) (١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا)
أي: فرج عنه ضيقًا أو غمًّا أو شدة هو فيه، وآثره على نفسه إشعارًا، تُعظم تلك الكربة
حتى كأنها سدت مداخل أنفاسه الموجب سدها لموته لوقته وبعظيم تفريجها لتنزيله
منزلة فتح تلك المداخل (نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبٍ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) مقابلة لفعله
بما هو من صورته، وإلا فشتان ما بين الكربتين؛ إذ كرب الدنيا في غاية السهولة
بالنسبة لكرب الآخرة.
(وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ) وهو من ركبه دين لم يجد له وفاء؛ أي: أنظره لميسرة كما
هو الواجب عليه أو أبرأه منه كما هو المندوب له المتأكد ندبه حتى قال جماعة من
أئمتنا: إنه أفضل من ذلك الواجب لتحصيله مصلحة وزيادة، أو سعى في أن دائنه
ينظره أو يبرئه لما مر أن من دعا إلى هدى فله مثل أجر من اتبعه (يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ)
أموره الصعبة (فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) مقابلة لفعله بمثله، بل أعلى على ما مر.
فإن قلت: لمَ جاء في الجزاء هنا زيادة في الدنيا ولم تجئ، ثم وحذف المعمول
المؤذن بالعموم كما قدرته نص على كونه واحدة من كرب القيامة على هذا التيسير من
جملة تصريح تلك الكرب، فلم اختص بهاتين الزيادتين مع أنه بعض تلك الكرب؟
قلت سبب ذلك أن الإعسار، وإن كان كربة لكنه أشد من غيره؛ لأنه يترتب عليه
العقاب بحق وهو حبسه إلى ثبوت إعساره، وذلك قد يدوم عليه لعجزه عن إثباته،
فكان السعي في خلاصه من هذه الورطة العظيمة الدائم عقابها متكفلاً بذلك الجزاء
الأكمل.
(١) أخرجه مسلم (٢٦٩٩) وأحمد (٧٤٢١) وأبو داود (٤٩٤٦) والترمذي (٢٩٤٥) وَابْنُ ماجه (٢٢٥)
وابن حبان (٥٣٤).

٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
ولاختصاصه بهذه الشدة المفرطة أفردت بالذكر عن بقية الكرب مع كونها من
جملتها على أنها تشتمل من أنقذ مضطرًا بإعطائه ما أزال اضطراره، ومحتاجًا بإعطائه
ما أزال حاجته؛ لأن كلًا من هذين معسر؛ بمعنى: إنه فاقد لما فيه حياته أو سلامته من
المؤذيات ومحبوسًا ظلمًا لم يجد طريقًا لخلاصه بإخراجه من ذلك الحبس؛ لأنه خرج
كالمعسر وإخراجه تيسيرًا عليه أي تيسير، وحينئذٍ فقد امتازت هذه الخصلة بما هو
أشد الکرب وهو لا مخلص منه غالبًا، فلذلك اختصت بذلك الجزاء الأ کبر.
(وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا) أي: ستر عورته أو بدنه أو رآه أو علمه على فاحشة، ولم
يتعين عليه رفعه للحاكم فلم يفضحه (سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا) بنظير تلك الثلاثة
(وَالآخِرَةِ) فلا يفضحه بذنبه على رؤوس الأشهاد، وقد يعبر بالستر عن المغفرة فلا
يعاقبه تعالى على بعض ذنوبه، وذكر هنا الدنيا والآخرة أيضا لنظير ما في الذي قبله، فإن
هذا باعتبار الستر الظاهر من تفريج الكربة، لكنه يستدعي إعسار صاحبه
واضطراره، فهو من جملة التيسير على المعسر وأفرد اهتمامًا شأنه، وباعتبار الستر عن
الفضيحة كذلك.
ثم رأيت الشارح أجاب عن السؤال السابق، فقال: ذكر كربة تقليلاً، وميز بها
بعد الإبهام وبينه بقوله: ((من الدنيا)) للإيذان بتعظيم شأن التنفيس؛ يعني: إن أقله
المختص بالدنيا يفيد هذه الفائدة، فكيف بالكثير المختص بالعقبى؟ فلذلك لم تقيّد
هذه القرينة بما قيده في القرينتين الأخيرتين من ذكر الدنيا والآخرة معًا؛ ولأنهما
تخصيص بعد التعميم اهتمامًا بشأنهما. انتهى.
وما ذكره آخرًا بقوله؛ ولأنهما قد يوافق بعض ما قدمته وأولاً فيه نظر ظاهر، بل
فيه اشتباه؛ لأن ظاهر أوله أن جزاءه، وهو تنفيس كربة من كرب يوم القيامة إذا
ترتب على تنفس كربة من كرب الدنيا، فكيف بتنفيس كربة الآخرة؟ كأن يغتم
إنسان بأمر أخروي، كخوف عقاب أداه إلى مقاربة الناس فأزاله آخر عنه بذكر ما ورد
في الرجاء، فهذا يترتب عليه ذلك التنفيس بالأولى وظاهره آخره، وهو قوله فلذلك إلخ.