النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ تتمة کتاب الإیمان/ باب الحقيقة، خلافًا لمن زعم حمله على زوجة الأب؛ لأن كل ما ازداد بعد وقوعه كان أنسب في معنى الغاية هنا، ومن ثم زاد في بيان وقاحته وذهاب ما وجهه بقوله: (عَلَانِيَةً لَكَانَ) أتى باللام فيه تضمينًا؛ لأن معنى ((لو)) كما يأتي ((لو)) بمعنى ((أن)) كثيرًا، ويصح أن تكون ((إن)» شرطية، ولكان جواب قسم هذا وجوابه الجزاء. (فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ، وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ) أبرز ضميرهم زيادة في تقبيح صنعهم، وبيانًا لكون ذلك دأبهم وعادتهم (تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً) هي في الأصل ما شرعه الله لعباده على ألسنة أنبيائه؛ ليتوصلوا به إلى رضاه، واستعمالها في الملل الباطلة كما هنا توسع لأمتهم لما عظم تفرقهم، وتدينت كل فرقة منهم بخلاف ما تدين به غيرها كانت طريقة كل منهم كالملة الحقيقة في التدين فسميت باسمها مجازًا. (وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً) فيه إشارة لتلك المطابقة مع زيادة هؤلاء في ارتكاب البدع بدرجة (كُلَّهُمْ فِي النَّارِ) أي: مرتكبون ما هو سبب في دخولها المؤبدة على كافريهم، والمستحقة الدخول لمبتدعة المسلمين منهم إلا أن يعفو الله عنهم (إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً) أي: إلا أهل ملة واحدة (قَالُوا: وَمَنْ هِيَ) تلك الملة الناجية (يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ) هي (مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي))) جعلها عين ما هو عليه مبالغة في مدحها وبيانًا لناهي اتباعها حتى يخيل أنها عين ذلك المتبع أو المراد بـ((ما)) الوصفية على حد ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧] أي: القادر العظيم الشأن سواها، فكذا هنا المراد هم: المهتدون المستمسكون بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي. ومرَّ قريبًا بيان البرهان الواضح على أن هؤلاء أهل السنة والجماعة؛ لأنهم لم يحكموا العقل، ولا التفتوا لتقبيحه وتحسينه بخلاف من عداهم، فإنهم حكموه حتى ردوا به السنن، وجعلوها وراء ظهورهم ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله ذلك بِأَنَّهُم كَانُوا يَكْفُرُون بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُون النَّبِّينَ بِغَيِرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١]. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). ١٧٢ - [وَ فِي رِوايَةِ أَحْمَدَ وَأَبِ دَاوُد عَنْ مُعَاوِيَةٍ: ثِنْتَانِ وَسَبْعونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ ٢٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني فِي الجَنَّةِ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ، وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامْ تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ، لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقُ وَلَا مَفْصِلُ إِلَّا دَخَلَهُ(١)]. (وَفِي رِوايَةٍ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد عَنْ مُعَاوِيَة) وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين (ثِنْتَانِ وَسَبْعونَ فِي التَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ) ووقع لشارح هنا تقدير مخالف لهذه الرواية فاجتنبه (وَ) دخولها على الجملة المثبتة هنا كما في ﴿وَإِنَّ مِنَ الحِجَارَةِ﴾ الآية [البقرة: ٧٤] (هِيَ الْجَمَاعَةُ) الذين اجتمعوا وتحاربوا على اقتفاء آثاره بَّ في كل ذرة ونفس، فلم يبتدعوا ولا حرفوا شيئًا مما بلغهم عنه، بل بادروا إلى التأسي به في جميع أقواله وأفعاله التي ليست من خصائصه. وهؤلاء هم الفقهاء المجتهدون والعلماء العاملون لا غير، وهم في هذه الأزمنة المتأخرة المعتقدون لما عليه أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي إماما أهل السنة والجماعة بعد الأئمة المقتدين؛ لتصديهما لتحرير الأدلة والبراهين، والرد على سائر المبتدعة المخالفين للكتاب والسنة، وتمييز السنة من البدعة على أكمل وجه وأبلغ تبیین. قال شريح: إن السنة قد سبقت قياسكم فاتبع ولا تبتدع، فإنك لن تضل ما أخذت بالأثر. وقال الشعبي: إنما رأى بمنزلة الميتة إذا احتجتها أكلتها. وقال سفيان في تفسير الجماعة: لو أن فقيهًا على رأس جبل لكان هو الجماعة. (وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامُ تَتَجَارَى بِهِمْ [تِلْكَ) (٢) الأَهْوَاءُ) جمع هوى، وهو الميل المشتعي للنفس، سمي بذلك؛ لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى الداهية، وفي الآخرة إلى الهاوية وضعها موضع البدع وضعًا للسبب موضع المسبب؛ لأن هوى الرجل الذي (١) أخرجه الترمذي (٢٦٤١) وقال: هذا حديث مفسر غريب. وأحمد (١٦٩٧٩)، والطبراني (٨٨٥)، والحاكم (٤٤٣)، وأبو داود (٤٥٩٧)، وابن أبي عاصم في السنة (٢). (٢) سقط من الأصل. ٢٣ تتمة کتاب الإيمان/ باب يحمله على إبداع الرأي الفاسد أو العلم به وجمعها إيذانًا بأن أهويتهم تباين اختلافهما، حتى سلكت كل فرقة منهم من البدعة والضلالة [بالهوى] فجذبت الأخرى. ومن ثم عبر بـ(يتجارى)) لأنها لما اشتد تباينها صار كل واحد منها يجذب الإنسان إليها، من: تجاذبنا الحديث؛ أي: يتجاذبنا أطرافه، وهذا أولى من تفسيرهم البخاري هنا بسريانها في العروق والمفاصل، وكان الحامل لهم على ذلك قوله: (كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ) بفتح اللام: كداء يعتري الإنسان من عضة الكلب، وهو الذي يصيبه داء شبه الجنون فيولغ في عض الناس، وعضته مورثة لشبه المالخوليا ومهلكة غالبًا. (بِصَاحِبِهِ لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقُ وَلَا مَفْصِلُ إِلَّا دَخَلَهُ) ولا دليل لهم في هذا؛ لأن التفاعل هنا صحيح أيضًا؛ لأن ذلك الداء إذا أصاب إنسانًا يصير ضاريًا كالكلب العقور فيتجاذب هو وذلك الداء حتى يغلبه، ذلك الداء يسري في جميع بدنه، فيكون ذلك إبان هلاكه فكذلك الأهوية تجاذب الإنسان فتدعوه إلى المعصية، ويدعوها إلى الترك حتی یستغرق میله جمیع بدنه، فحينئذٍ يطيعها ويكون ذلك وقت هلا كه. وبما تقرر اتضح بيان ذلك التشبيه المشتمل على تشبيه حال المتبوعة في غلبة أهويتهم عليهم حتى أهلكتهم، وفي سراية تلك الضلالة منهم للغير بدعائهم البهائم بامتناعهم من قبول فلاح يحجزهم عن ذلك، بحال صاحب الكلب عند سريان تلك العلة في عروقه ومفاصله حتی یصیر کالمجنون، ثم تعديه للغير بعقره إياه وامتناعه من الماء مع مزيد النفرة عنه حتى يهلك عطشًا، قيل: هذا التمثيل أبلغ من تمثيل بلعام بن باعوراء بالكلب في ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ ... ﴾ [الأعراف: ١٧٦] انتهى وفيه ما فيه؛ لأن حال بلعام لا يناسبه غير ذلك التشبيه، فهو الأبلغ في حقه كما أن حال هؤلاء المبتدعة لا يناسبه إلا ذلك التشبيه، فهو الأبلغ في حقهم، فلا يقال: إن أحد التشبيهين أبلغ من الآخر، بل كل منهما هو الأبلغ فيما سبق له، فتأمله. ١٧٣ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((إِنَّ اللّهَ ٢٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي - أَوْ قَالَ أَمَّةَ مُحَمَّدٍ ◌َِ - عَلَى ضَلَالَةٍ، وَيَدُ اللّه عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ))(١). رَوَاهُ التِّزْمِِيُّ]. (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِنَّ اللّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي - أَوْ قَالَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَّهِ - عَلَى ضَلَالَةٍ) أي: باطل فيما يتعلق بالاعتقاد أو العمل، والمراد هنا أمة الإجابة؛ لأنهم المخصوصون بذلك، وفي هذه الإضافة سيما لاسمه محمد يفرض أنه الرواية إشارة إلى امتياز أمته بهذه الفضيلة العظيمة على سائر الأمم، ثم إلى امتياز أهل السنة والجماعة. ومن ثم عقب ذلك بقوله: (وَيَدُ اللهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ) أي: فوقهم، واليد هنا كناية عن باهر نصره لهم على عدوهم وحفظه لطريقتهم على أن يقع فيها تغير أو تبديل أو عن خارق إحسانه إليهم ومنّه عليهم بالتوفيق، لتمام الاقتداء بما كان عليه وَ لّ من الاعتقاد المستقيم والأخلاق الفاضلة والأعمال الخالصة حتى علوا على من سواهم وأذلوا من ناوأهم، وهذا بالنسبة للأول نظير: ﴿يَدُ اللّه فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] المكني به عن باهر نصرتهم، وغلبتهم لأعدائهم بواسطة متابعتهم له وية، المنزل منزلة مبايعة الله المتكلفة بالنصر وقهر الأعداء. (وَ) إذا تقررت لهم هذه الفضيلة الباهرة فينبغي لمن يريد الانتماء إلى نبيه وقليل ألَّا يفارقهم فإن (مَنْ شَذَّ) عنهم بأن فارقهم خلع رِبقة طاعة الله ورسوله من عنقه، ومن فعل ذلك فقد (شَذَّ فِي النَّارِ) أي: وقع فيها وقوعًا ذريعًا، وبما قررته علم أن هذه الجملة معطوفة على مقدر علم من السياق؛ أي: فعلى كل أحد أن يتبعهم، ومن شذّ عنهم استحق النار (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). ١٧٤ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَتَّبِعُوا السَّوادَ الأَعْظَمَ فَإِنَّ مَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ (٢)]. (١) أخرجه الترمذي (٢١٦٧). (٢) أخرجه الحكيم (٤٢٢/١)، والحاكم (٣٩١). ٢٥ تتمة كتاب الإيمان / باب (وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: أَتَّبِعُوا السَّوادَ الأَعْظَمَ) أي: الجماعة الكثيرة بأن تنظروا إلى علماء المسلمين، وتكونوا على ما عليه الأكثر منهم في العمليات، فإنه الأقرب إلى الحق؛ إذ الخطأ إلى القليل أقرب منه إلى الكثير، وكذا في الاعتقاديات، فإنه الحق وما عداه باطل، ومن ثم كان المصيب فيها واحدًا فقط قطعًا بخلاف الفروع المصيب فيها واحد فقط لكن على الأصح؛ أي: لأنه يمكن تغادر الأحكام المختلفة منها على الشيء الواحد خلاف الاعتقاديات؛ ولهذا اختلفت الشرائع في الفروع اختلافًا كثيرًا، ولم تختلف في الاعتقاديات في مسائل كتفضيل الملائكة على البشر، بل بين الماتريدية والأشعرية تباين في مسائل كثيرة. قلت: تلك الصور ترجع إلى الفروع في الاكتفاء فيها، فلم يكن من الاعتقاديات حقيقة، فوقع فيها الخلاف بخلاف ما المطلوب فيه القطع، فإنه لم يقع بينهم فيه اختلاف، على أن بعض محققي الأشعرية بيَّن أن الخلاف بين الماتريدية والأشعرية لفظي، وأنه ليس بينهم خلاف محقق في شيء مطلقًا. (فَإِنَّ مَنْ شَذَّ) أي: خرج عن اتباع أولئك الأكثرين في شيء من الاعتقاديات (شَذَّ فِي النَّارِ) أي: وقع فيها؛ لأن المخطئ في الأصول آثم ضال بخلافه في الفروع، فإنه مأجور لما تقرر أن المطلوب ثم القطع وهنا الظن (رَوَاهُ [الترمذي]) بيض له في نسخ، وفي بعض النسخ نسبته لا بن ماجه من حديث أنس. ١٧٥ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله ◌َ: ((يَا بُنَيَّ، إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ لَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشُّ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ)) ثُمَّ قَالَ: ((يَا بُنَّ، وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أَحَبَّ سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَِّي، وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ)(١). رَوَاهُ النِّزْمِذِيُّ]. (وَعَنْ أَنَسِ ﴿ قَالَ: قَالَ [لي](٢) وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ) فيه غاية التلطف به واستدعائه إلى المبادرة لما أمره به (إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ) أي: إن تدخل (١) أخرجه الترمذي (٢٦٧٨). (٢) سقط من الأصل. ٢٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني في وقت الصباح والمساء حال كونك (لَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشُّ) من الغشش، وهو الماء الكدر (لأَحَدٍ) من المسلمين أو الكفار، بأن تحب لهم الهداية والصلاح والنصح، وتبذل في ذلك ما أمكنك من الوسع والتآلف ولو بالمال؛ أي: إن استطعت أن تدوم على ذلك (فَافْعَلْ) فإن في ذلك من الثواب ما يقصر عن مداه العقول. كما يدل عليه قوله: (ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّ، وَذَلِكَ) أي: دوام الإنسان ليس في قلبه غش لأحد (مِنْ سُنَّتِي) أي: طريقتي التي لم يؤت أحد منها (وَمَنْ أَحَبَّ سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي) لأن محبة الآثار علامة قطعية على محبة أصلها ومصدريها. (وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ) معية مقاربة لا معية اتحاد؛ إذ الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - دون منزلته التي هي أعلى درجة في الجنة فغيرهم أولى، وفي الحديث: ((سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها درجة في الجنة لا تكون إلا لعبد واحد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد))(١). ومما يدل على خطر هذه المرتبة وعظيم شرفها قوله ◌َدليله لأصحابه: ((الساعة يطلع عليكم رجل من أهل الجنة))(٢) فطلع رجل من الأنصار، ثم ثاني يوم قال ◌َله ذلك، فطلع ذلك الرجل، ثم في الثالث كذلك، فاحتال عبد الله بن عمرو فاستضافه موهمًا له أن بينه وبين أبيه شيئًا، فمكث في بيته ثلاثًا لم يرَ له عملاً زائدًا فقص له الخبر وسأله: ما الذي بلغك ذلك المقام الأكبر؟ قال: ليس لي من العمل غير ما رأيت، غير أني أنام كل ليلة وليس في قلبي غل لأحد، فقال ابن عمر: بهذا نلت ذلك، وأينا يقدر على ذلك؟ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). ١٧٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: مَنْ تَمَسَّكَ بِسُنَّتِي عِنْدَ (١) أخرجه مسلم (٣٨٤)، وأحمد (٦٥٦٨)، وأبو داود (٥٢٣)، والترمذي (٣٦١٤) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٦٧٨)، وابن حبان (١٦٩٠). (٢) أخرجه أحمد (١٣٠٣٤)، والنسائي (١٠٦٩٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٣٣٠). ٢٧ تتمة کتاب الإيمان/ باب فَسَادٍ أُمَّتِي فَلَهُ أَجْرُ مِائَة شَهِيدٍ (١). (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَنْ تَمَسَّكَ بِسُنَّتِي) أي: بطريقتي التي استمر عليها أصحابي فمن بعدهم (عِنْدَ فَسَادٍ أَمَّتِي) بكثرة الأهواء والبدع والفتن والمعاصي فيهم حتى صارت ذواتهم عين الفساد، فلم يرجح لهم صلاح، ولم يؤثر فيهم وعظ، لا سيما فسدت علماؤهم (فَلَهُ أَجْرُ مِائَة شَهِيدٍ) لأنه یقاسي في جنب إحياء السنة حينئذٍ ما يقاسيه الشهيد في جهاده لإحياء الدين وأكثر بأضعاف مضاعفة (رَوَاهُ [ ... ](٢)) بيض له في نسخ، وفي بعض النسخ: رواه البيهقي في كتاب «الزهد» له في حديث ابن عباس. ١٧٧ - [عَنِ جَابِرٍ ﴾ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ حِينَ أَتَاهُ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّا نَسْمَعُ أَحَادِيثَ مِنْ يَهُودٍ تُعْجِبُنَا أَفَتَرَى أَنْ نَكْتُبَ بَعْضَهَا؟ فقال: ((أَمُتَهوّكُونَ أَنْتُمْ كَمَا تَهَوَكَت اليَّهُودُ وَالنَّصَارَى؟ لَقَدْ جِئْتُكُم بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَلَو كَانَ مُوسَى حَيَّ مَا وَسِعَهُ إِلَّ اتِّبَاعِي))(٣). رَوَاهُ أَحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ]. (عَنِ جَابِرٍ ﴾ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ حِينَ أَتَاهُ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّا نَسْمَعُ أَحَادِيثَ مِنْ يَهُودٍ) هذا هو الأصل فيه كمجوس؛ لأنهما علمان خاصان لقومين أو قبيلتين، وإنما عرِّفا باللام إجراء لهما مجرى النكرات (تُعْجِبُنَا) أي: إما لما فيها من لطف خطاب الله لهم بـ (يا أبنائي، يا أحبائي، افعلوا كذا)) أو من أخبار ماضية أو آتية ليست في القرآن صريحًا، أو متعلقة بنعته وآله وبعثته ورسالته (أ) يحسن لنا استماعها (فَتَرَى أَنْ نَكْتُبَ بَعْضَهَا؟) الذي لا ضرر فيه بوجه علينا ولا على من رأى ذلك المكتوب بعدنا، وكان هذا هو حكمة تعميمه الإعجاب، وتخصيصه قوله وجانب الاستقامة. (١) أخرجه بنحوه الطبراني في الأوسط (٥٤١٤)، وأبو نعيم في الحلية (٢٠٠/٨). (٢) هكذا في الأصول. (٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٧٦)، ولم أقف عليه بهذا اللفظ عند أحمد. ٢٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني [(فَقَالَ: أَمْتَهوَّكُونَ)](١) أي: أُمتحيرون (أَنْتُمْ) في الإسلام، لا تعرفون دينكم حتى تأخذوه منهم (كَمَا تَهَوَكَت اليَهُودُ وَالنَّصَارَى؟) أي: تحيروا في أمور دينهم فأخذوها من علمائهم فغيروها لهم وبدلوها حسب إرادتهم، والله (لَقَدْ جِئْتُكُم بِهَا) أي: الملة الحنيفية حال كونها (بَيْضَاءَ) قيل: كناية عن مزيد الشرف والفضل؛ إذ البياض أشرف الألوان عند العرب، والوجه أنه استعارة بالكناية لقطوع براهنها ووضوح أدلتها مما له بياض ساطع وضوء لا مع. ثم أكَّد ذلك بمرادفه وهو قوله: (نَقِيَّةً) أي: صافية سليمة عن دنس التحريف والتبديل والشكوك والريب الواقعة في الملل قبلها، وعن الأضرار والمشاق التكليفية التي كانت على من قبلها، كقطع محل النجاسة من الثوب، وإخراج ربع المال في الزكاة، وتحتم القصاص في دين اليهود، وتحتم الدية وتحريم قتال العدو في دين النصارى؛ أي: أتيتكم بأعلى الإتيان وأفضلها فكيف يستبدلون عنه الأدنى؟ لا سيما عند مظنة تحير أهله فيه وتبديلهم وتلبيسهم عليكم، وشهادة القرآن عليهم بالفسق والفجور. (وَلَو) حال متداخلة من ضمير ((بيضاء)» (كَانَ مُوسَى) الذي هو نبيهم (حَيًّا) عند إرسالي (مَا وَسِعَهُ) أي: ما جاز لهم (إِلَّ اتِّبَاعِي) كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ التَّبِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ.﴾ [آل عمران: ٨١] ومن ثم كان نبي الأنبياء، وكان آدم فمن دونه تحت لوائه، وكان أكرم على الله من سائر مخلوقاته، فإذا كان هذا حال موسى فكيف يسعكم أن تطلبوا من هؤلاء المحرفين الكذابين على الله ورسوله ما تظنون أن فيه نفعًا لكم؟ (رَوَاهُ أَحْمَدُ والبَيْهَِيُّ فِي [ كِتَابٍ](٢) ((شُعَبِ الإِيمَانِ)»). ١٧٨ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: ((مَنْ أَكَلَ طَيِّبًا، وَعَمِلَ فِي سُنَّةٍ، وَأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ)) فَقَالَ رَجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا الَّذِي (١) سقط من الأصل. (٢) سقط من الأصل. ٢٩ تتمة کتاب الإیمان/ باب الْيَوْمَ لَكَثِيرٌ فِي النَّاسِ. قَالَ: (وَسَيَكُونُ فِي قُرُونٍ بَعْدِي))(١)]. (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ أَكَلَ طَيِّبًا) أي: حلالاً (وَعَيِلَ) أعماله المطلوبة منه (في) موافقة (سُنَّةٍ) أو أن ذلك ظرف لعمل إشارة إلى أن اتحاده بالسنة حتى صارت كأنها محله ومقره، ومن ثم نكرت لإرادة استغراق أفراد جنسها حتى يفيد أن كل عمل وردت فيه سنة حتى نحو قضاء الحاجة لا بد فيه من مراعاتها، وإلا كان لغوًا غير معتد به، فمن راعاها بأسرها في حركاته وسكناته فقد اتصف بهذه الخصلة الفاضلة. (وَأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ) جمع بائقة، وهي الداهية؛ أي: ظلمة وغشمة كما في حديث، وقيل: غوائله وشره (دَخَلَ الْجَنَّةَ)) فَقَالَ رَجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا الَّذِي) يعمل هذه الخصلة (الْيَوْمَ) ظرف لما بعده (لَكَثِيرٌ فِي النَّاسِ) وإن كانت لمشقتها توجب قلة العاملين بها، كما قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] لكن ببركة وجودك بين ظهرانيهم كثروا، فلله الحمد على هذه النعمة العظمى، ومن ثم أكد ذلك بـ((أن)) و((اللام)). (قَالَ) ◌َِّ: نعم هم كثيرون اليوم (وَ) لكن لا تخص ذلك بقرني، بل (سَيَكُونُ) من تعمل بهذه الخصال (فِي قُرُونٍ بَعْدِي) لكن مع الكثرة في القرون الثلاثة الأول، والقلة فيما بعدها؛ لأن ربي وعدني أنه «لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم إلى يوم القيامة))(٢) وفي هذه الأخبار بما ذكر غاية التحريض منه وَلّ على فعل هذه الخصال والتحذير عن تركها، وإن كانت شاقة يقل فاعلوها. ١٧٩ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ مَنْ تَرَكَ (١) أخرجه الترمذي (٢٥٢٠) وقال: غريب. والحاكم (٧٠٧٣) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي في شعب الإيمان (٥٧٥٢)، وهناد (١١٣٦). (٢) أخرجه مسلم (١٩٢٠)، والترمذي (٢٢٢٩) وقال: حسن صحيح. وَابْنُ ماجه (١٠). ٣٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني مِنْكُمْ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَكَ، ثُمَّ يَأْتِي زَمَانُ مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعُشْرِ مَا أَمِرَ بِهِ تَجَ))(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ) فيه، وهذا هو الرابط لجملة الشرط وموصوفها، وهو زمان (عُشْرَ مَا أَمِرَ بِهِ) من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا مطلقًا؛ لأن أحدًا لا يعذر في ترك واجب من الواجبات في أي زمان كان (هَلَكَ) لعزة الدين وظهور الحق ونزول الوحي، ومشاهدة المعجزات وبين ظهراني رسول الله وَّ﴾ فلا عذر لأحد في التهاون من ذلك بشيء مطلقًا. (ثُمَّ يَأْتِي زَمَانُ) يتقهقر فيه الإسلام ويكثر الفساد، ويقل أهل الحق وأنصار الدين فيه حتى يصير (مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعُشْرِ مَا أَمِرَ بِهِ) من الأمر بالمعروف (تَجًا) لأن ذلك هو مقدوره أو فوق مقدوره، وإنما كلف نفسه ورطة مشقة الصبر عليه زيادة في الامتثال والاجتهاد، ومناسبة هذا المعنى لهذا الباب، وبيان أن ترك العمل بالأمر لعدم القدرة عليه لا يوجب لتاركه؛ لذلك عدم اعتصامه بالكتاب والسنة، وبهذا يندفع ما لشارح هنا، وجملة المأمور به هنا على المندوب بدفعه قوله: ((هلك)) تارة و(نجا)) أخرى؛ إذ المندوب لا يستعمل فيه ذلك، فالأولى ما مر (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). ١٨٠ - [عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدَى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ)) ثُمَّ قَرَّأَ رَسُولُ اللهِ وَِّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلََّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمُّ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨](٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه]. (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: مَا ضَلَّ قَوْمُ بَعْدَ هُدَّى كَانُوا عَلَيْهِ) بأن تركوا سبيل أهل السنة والجماعة، وركبوا متن الضلال والابتداع (إِلَّا) وقد (أُوتُوا (١) أخرجه الترمذي (٢٢٦٧) وقال: غريب. وابن عدي (١٨/٧). (٢) أخرجه أحمد (٢٢٢١٨)، والترمذي (٣٢٥٣) وقال: حسن صحيح. وَابْنُ ماجه (٤٨)، والطبراني (٨٠٦٧)، والحاكم (٣٦٧٤) وقال: صحيح الإسناد. ٣١ تتمة كتاب الإيمان/ باب الْجَدَلَ) استثناء مفرغ؛ أي: ما ترك قوم الهدى الذين هم عليه إلى الابتداع أو الزندقة كائنين على حال من الأحوال إلا على واحد، هي سلوكهم طريق العناد والدجاج والمراء والتعصب لترويج مذاهبهم وآراء مشايخهم؛ لأنهم عموا عن إصابة الحق، فكبوا متن عمياء وخبطوا خبط عشواء. (ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ وَلِ هَذِهِ الآيَةَ) استشهادًا على ما قرره أن دأب الفرق الضالة أنهم يعرفون الحق بالبراهين الساطعة، ثم يعاندون وينتحلون مطاعن يطعنون بها على أهل السنة، فإذا لم تجدهم شيئًا جادلوا الحق بالباطل وصمموا عليه، فلا ينفع فيهم دلیل سمعي ولا برهان عقلي. (﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ﴾) أي: ما قالوا آلهتنا خير أم هو؛ أي: عيسى (﴿إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ﴾) أي: شديد، والخصومة بالجدل والعناد بسبب نزولها؛ أي: مشركي مكة العابدين للأوثان لما سمعوا قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] قالوا: رضينا أن نكون مع المسيح والملائكة في النار، فإنهما عبدًا من دون الله، وليست آلهتنا خيرًا من عيسى، فبين تعالى أنهم لم يقولوا ذلك إلا مجرد جدل وخصومة بالباطل؛ لعلمهم ببطلان ما قالوا، فإنه لا يخفى عليهم أن ما في تلك الآية لغير العاقل، فكيف يزعمون أنها تتناول عيسى والملائكة حتى يقولوا: رضينا أن نكون معهم؟. والعابدون للملائكة قالوا: ((الملائكة خير أم عيسى؟ فإذا عبد النصارى عيسى فنحن نعبد الملائكة الذين هم خير منه)) فبيَّن تعالى أنهم لم يقولوا بخيرية الملائكة وقياسهم على عيسى له، بل لمجرد العناد والخصام وإيذائه وَله بالباطل (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه). ١٨١ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهَ كَانَ يَقُولُ: ((لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدِّدَ اللهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ ٣٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ ﴿وَرَهْبَانِيَّةً﴾ [الحديد: ٢٧] (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (وَعَنْ أَنَسِ ﴿ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ كَانَ يَقُولُ: لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) بأن تكلفوها من الأعمال ما لا تظنوا، ومن المبالغة في سؤاله وَل﴾ عنادًا وامتحانًا (فَيُشَدِّدَ) بالنصب جوابًا للنهي (اللهُ عَلَيْكُمْ) أمَّا على الاحتمال الأول فيقطعكم عن تواصل الأوقات والطاعات، كما أشار إليه ◌َله بقوله: ((عليكم من الأعمال ما تطيقونه، فإن الله لا يمل حتى تملوا))(٢) وبقوله في ((المنبت)) أي: المكلف دابته خلاف طاقتها في السير ((لا ظهرًا أبقى ولا أُرضًا قطع))(٣) فإنه إذا بلغ منها أول سفره قضاها في السير وقفت في أثنائه فلم يبقَ ظهرها، ولم تقطع ما تبلغه مقصده، فيقع في غاية الحسرة والندامة، كذلك المكلف نفسه ما لا يطيق إمَّا لعجز وإمَّا يمتنع، فلم يبقَ إقبالها ولم یبلغ ما قصده متن العمل. وأمَّا على الاحتمال الثاني فبزيادة التكليف والتشديد فيه كما وقع لبني إسرائيل أنهم لما شددوا في الأسئلة في شأن البقرة شدَّد الله عليهم حتى لم يحصل مقصودهم إلا ببقرة اشتروها بملء جلدها ذهبًا، ولو بادروا أولاً إلى امتثال أمر موسى الكليئها لهم بذبح بقرة فذبحوا؛ أي: بقرة أجزأتهم، كما قال ◌َليفة، قال: ((ولكن شددوا فشدد الله عليهم))(٤) ثم فرع على التشديد المنهي عنه قوله: (فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ). يحتمل أن المراد بهم: أصحاب البقرة، وبه يتأيد الثاني أو أعم، فيشمل الرهبان المشددين على أنفسهم في الأعمال مما لا يطاق مما لم يؤمروا به وبه يتأيد الأول، ويؤيد (١) أخرجه أبو داود (٤٩٠٦). (٢) أخرجه البخاري (٥٥٢٣)، ومسلم (٧٨٢). (٣) قال العجلوني (٢٨٤/٢): أخرجه العسكري عن علي خلالعنه رفعه وفى سنده الفرات بن السائب ضعيف. (٤) أخرجه أبو داود (٤٩٠٤)، وأبو يعلى (٣٦٩٤)، والضياء (٢١٧٨). ٣٣ تتمة كتاب الإيمان/ باب هذا قوله عطفًا على الأول بفاء التعقيب (فَتِلْكَ) مبتدأ إشارة لما في الذهن من تصور جماعة باقية من أولئك المشددين، والخبر قوله: (بَقَايَاهُمْ) نظير ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]. (فِي الصَّوَامِعِ) جمع صومعة، وهو بناء صغير للتعبد على شكل دائرة (وَالدِّيَارِ) جمع دير، وهو بناء وسيع فيه محل للعبادة، وباقية لنحو نزول المارة، وأتوا الغريب ابتدعوا هذا التشديد على أنفسهم (﴿رَهْبَانِيَّةً﴾﴾ أي: فعله منصوب للرهبان، من رهب؛ أي: طلب رضوان الله بذلك ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] فمالت أنفسهم للدنيا ولذاتها لمللها تلك المشاق، فقطعوا عنها الخيرات بواسطة تلك التشديدات (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد). ١٨٢ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ: نَزَلَ الْقُرْآنِ عَلَى خَمْسَة أَوْجُهُ: حَلَاَل وَحَرَامٍ وَنُحْكَمْ وَمُتَشَابِهِ وَأَمْثَالِ، فَأَحِلُّوا الْحَلَالِ، وَحَرِّمُوا الْحَرَامِ، وَاعْمَلُوا بِالمُحكَم، وَآمِنُوا بالمُتَشَابِهِ، وَاعْتَبِرُوا بِالأَمْثَالِ. هَذَا لَفْظُ ((المَصَابِيحِ) وَرَوَى البَيْهَقِيّ ◌ِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)) وَلَفْظُهُ: فَاعْمَلُوا بِالْحَلالِ، وَاجْتَنِبُوا الْحَرَامَ، وأَّبِعُوا المُحْكَم (١)]. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةَ: نَزَلَ الْقُرْآنِ عَلَى خَمْسَة أَوْجُهُ: حَلَال) يشمل الواجب والمندوب والمباح والمكروه وخلاف الأولى (وَحَرَام) وهذه الأحكام الستة إنما تستعمل غالبًا في العمليات؛ فلذا عطف عليها ما يستعمل غالبًا في الاعتقاديات والأمور الأخروية (وَمُحْكَم) يشمل النص واللفظ (وَمُتَشَابِهِ) يشمل الظاهر والمأول كما مرَّ بسط ذلك أواخر الفصل الأول من القدر (وَأَمْثَال) من جملتها قصص ومواعظه وآدابه. (فَأَحِلُّوا الحَلَال) أي: افعلوه معتقدين حله (وَحَرِّمُوا الْحَرَام) أي: اجتنبوه ن حرمته (وَاعْمَلُوا بِالمُحْكَمِ، وَآمِنُوا بِالمُتَشابِهِ) قال تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي البيهقي في شعب الإيمان (٢٢٩٣). ٣٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلُّ﴾ أي: من المحكم والمتشابه ﴿مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] (وَاعْتَبِرُوا) أي: اتعظوا (بِالأَمْثَالِ) فاذكروا العواقب وخافوا سطوة الحق وانتقامه إن عصيتموه. (هَذَا لَفْظُ (المَصَابِيح)، وَرَوَى البَيْهَقِيّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ))) نحوه، وأخذوا هذا العلم به (وَلَفْظُه: فَاعْمَلُوا بِالْحَلالِ، وَاجْتَنِبُوا الْحَرامَ، واتَّبِعُوا المُخْڪم) .. ١٨٣ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: الأَمْرُ ثَلاثَةُ: أَمْرُ بَيِّنُ رُشْدُهُ فَاتَّبِعْهُ، وَأَمْرَّ بَيِّنَّ غَيُّهُ فَاجْتَنِبْهُ، وَأَمْرَّ اخْتُلِفَ فِيهِ فَكِلْهُ إِلَى الله (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: الأَمْرُ) أي: الشأن والحال في الأعمال المتكلفة (ثَلاثَةُ) أي: ثلاثة أنواع (أَمْرُ) أي: شأن وحال (بَيِّنَّ رُشْدُهُ) أي: وضح هداه وخيره وحقيقته بأن يثبت له ذلك بنص جلي أو بظاهر من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، بالنسبة للمجتهد، أو بنص مذهب يجوز تقليد إمامه بالنسبة للمقلد (فَاتَّبِعْهُ) فإنه لا شبهة حينئذٍ في وجوب اتباعه. (وَأَمْرُ بَيِّنْ غَيُّهُ) أي: واضح بطلانه وجوره وحلاله بأن يثبت له ذلك بما ذكر بتفضیله (فَاجْتَنِبْهُ) فإنه لا شبهة حينئذٍ في وجوب اجتنابه. (وَأَمْرَّ اخْتُلِفَ فِيهِ) أي: اشتبه وخفي حكمه أو فهمه كما تشابه القرآن أولت، أو اختلف العلماء فيه وتكافأت آراؤهم أو اشتبهت أسباب حكمه، بأن قامت قرينة على حله وقرينة على حرمته ولا مرجح، أو بأن ثبت حله بمقتضى الظاهر وهو يحتمل الحرمة احتمالاً قريبًا في الباطن. (فَكِلْهُ إِلَى الله (38) أي: أعرض حيث كان لك عنه منه وجه فيما عند الأول، وفوض علم معناه في الأول، وحقيقته حكم المطابقة للواقع فيما بعده إلى من لا يخفى (١) أخرجه الطبراني (١٠٧٧٤). ٣٥ تتمة كتاب الإيمان/ باب عليه خافية ﴿يَعْلَمُ السَِّّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]. ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] وهذا على نحو الخبر المشهور: ((الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن أبقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ... ))(١). (الفصل الثالث) ١٨٤ - [عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِثْبُ الإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ، يَأْخُذُ الشَّاذَّةَ وَالْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ، وَإِيَّاكُمْ وَالشّعَابَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ))(٤). رَوَاهُ أَحْمَدُ]. (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهُ: إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الإِنْسَانِ) أي: مفسد ومهلك له (كَذِئْبِ الْغَنَمِ) فإنه يهلكها عن آخرها (يَأْخُذُ) صفة لذئب الغنم أو حال منه؛ لأنه اسم جنس معروف نظير ﴿كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] أو عامله على الحالية؛ يعني: التشبيه (الشَّاذَّةَ) أي: المتأخرة التي لم تتأنس بأخواتها وتختلط بهن (وَالْقَاصِيَةَ) أي: البعيدة عنهن لأجل المرعى مثلاً لا نفرة عنهن (وَالنَّاحِيَةَ) أي: التي صارت في ناحية من الأرض عن أخواتها لغفلتها عنهن. شبه * حالة مفارقة الإنسان للسواد الأعظم، وهم أهل السنة والجماعة في الاعتقاد، أو في جماعة صلواتهم، أو في عقد الأمانة العظمى، ثم تسليط الشيطان عليه، ومبالغته في إغوائه وإهلاكه بوسوسته، وتزيينه الباطل حقًّا بحالة شاة فارقت أخواتها فتمكن الذئب من افتراسها، ثم أثبت له اسم الذئب مبالغة في التشبيه. ولما فرغ من ذلك التمثيل أكده بقوله: (وَإِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ) وهي المنعطفات في (١) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩)، وأحمد (١٨٣٩٨)، وأبو داود (٣٣٣٠)، والترمذي (١٢٠٥) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٤٤٥٣)، وَابْنُ ماجه (٣٩٨٤)، والدارمي (٢٥٣١)، والبيهقي (١٠١٨٠). (٢) أخرجه أحمد (٢٢٠٨٢)، والطبراني (٣٤٤). ٣٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني الأودية؛ لأنها محل السباع والهوام وقطاع الطرق والسرق، ومن شَعبتَ الشيء إذا جمعته، وشعبته: فرقته؛ لأن الشعب يجتمع منه طرف ويتفرق منه طرف؛ أي: احذروا الانفراد عمن مر فيما مر، فإنه سبب لكل هلاك وضلال. ثم أكد له الأمر بملازمة الجماعة تأكيدًا بأبعد تأكيد، وقرره تقريرًا غير تقرير، فقال: (وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ) الفرقة (وَالعَامَّةِ) وهم السواد الأعظم، كقوله ◌ِّيه في الخبر السابق آنفًا: ((اتبعوا السواد الأعظم فإنه من شذ شد في النار))(١). كقوله: ((والعامة)) مرادف للجماعة، وأتى بالواو للإشارة إلى أن كلّا من المتعاطفين مستقل بالحكم، وإن ذكر أحدهما يغني عن الآخر؛ لأن الجماعة حيث المطلق يؤيد به شرعًا السواد الأعظم، وإنما الجمع بينهما لمجرد التأكيد والإطناب، فذكروا الواو المفيد لذلك أبلغ من حذفها الدال على افتقار الأول للثاني في تبينه وإزالة إبهامه (رَوَاهُ أَحْمَدُ). ١٨٥ - [وَعَنْ أَبِي ذَرِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ))(٢). رَوَاهُ مَالِك وَأَبُو دَاوُد]. (وَعَنْ أَبِي ذَرِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَيِّ: مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ) بأن لم ينقد لأحكام الشرع ولا استسلم لها استخفافًا أو مستهزئًا أو استحلالاً (شِبْرًا) كفاية عن منع المفارقة في شيء من تلك الأحكام وإن قل (فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ) كناية عن كفره وردته؛ لأن الربقة تجعل في عنق البهيمة أو يدها ليمسكها، فاستعيرت للانقياد لأحكام الإسلام، وخلعها الارتداد والخروج عن طاعة الله ورسوله وسلم ويصح حمل الحديث على مفارقة الجماعة في اعتقاد أو عمل، ويكون التعبير (١) أخرجه الحكيم (٤٢٢/١)، والحاكم (٣٩١). (٢) أخرجه أحمد (٢١٦٠٠)، وأبو داود (٤٧٥٨)، والحاكم (٤٠٢)، والبزار (٤٠٥٨)، والبيهقي (١٦٣٩١)، ولم أقف عليه عند مالك. ٣٧ تتمة كتاب الإيمان/ باب عن هذا بذلك الخلع للمبالغة في التخويف والتنفير عن هذه المفارقة الإعلام، بأن المداومة على مفارقته تؤدي إلى ذلك الخلع الحقيقي (رَوَاهُ مَالِك وَأَبُو دَاوُد). ١٨٦ - [عَنْ مَالِك بْنِ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ الله وَسُنَّةَ رَسُولِهِ (١). رَوَاهُ فِي المُوظَأ]. (عَنْ مَالِكَ بْنِ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: تَرَكْتُ فِيَكُمْ أَمْرَيْنِ) عظيمين (لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ الله وَسُنَّةَ رَسُولِهِ) أي: مدة دوام تمسكهم بها معًا بأن تعلموا بكل ما فيها، وتتعظوا بما في أحدهما من تقييد أو تخصيص أو نصح أو نحو ذلك على الآخر، وعلى ما هو مبسوط في الأصول بخلاف المتمسك بالقرآن وحده والإعراض عن السنة، فإنه من أقبح البدع كما مرت أحاديثه في الفصل الأول، وكذا عكسه وهو ظاهر، وسيأتي لذلك زيادة في باب مناقب أهل البيت إن شاء الله تعالى. وعدل عن سنتي الذي هو الأصل إلى سنة رسوله مبالغة في زيادة شرفه، والحض على التمسك بسنته بذكره السبب في ذلك، وهو خلافته عن الله وقيامه برسالته، وإنما جاء به ليس إلا من تلك الرسالة لا من تلقاء نفسه (رَوَاهُ فِي ((المُوطَأ))). ١٨٧ - [وَعَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْخَارِثِ الثُّمَالِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَا أَحْدَثَ قَوْمُ بِدْعَةً إِلَّ رُفِعَ مِثْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ)) فَتَمَسُّكُ بِسُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ إِحْدَاثٍ بِدْعَةٍ(٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ]. (وَعَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ الثُّمَالِيّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّلْ مَا أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً إِلَّا رُفِعَ مِثْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ) سمى الضد: مثلاً؛ لأن الضد أقرب خطورًا بالبال عند ذكر ضده، وأسرع ثبوتًا عند ارتفاعه، فكان بينهما تناسب ما (فَتَمَسُّكُ بِسُنَّةٍ) قدره (خَيْرٌ مِنْ إِحْدَاثِ بِدْعَةٍ) مستحسنة، كما إذا أحيا آداب الخلاء على ما ورد في السنة (١) أخرجه مالك في الموطأ (٣٣٣٨). (٢) أخرجه أحمد (١٧٠١١). ٣٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني فهو خير من بناء رباط أو مدرسة. وسُّ ذلك: إن من راعى هذه الآداب فإن الله يوفقه ويلطف به حتى يترقى منه إلى ما هو أعلى منه، فلا تزال في الترقي والصعود إلى أن تبلغ إلى مقام القرب كما في الحديث القدسي: ((ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه .. )(١) ومن ترك ذلك أداه إلى ترك الأفضل فالأفضل حتى ينزل إلى مقام الدين والطبع، هذا ما قرره الطيبي، وفيه نظر واضح ولا نسلم له ما ذكره في ذلك المثال: أمَّا أولاً: فلأن البدع الحسنة ملحقة بالسنن المنصوصة؛ لما مر أنها التي شهدت قواعد الشرع بحسنها، فكأنها سنة منصوصة، لكن لما لم تؤلف في الصدر الأول سمیت: بدعة. وأمَّا ثانيًا: فنحو المدرسة نفعها عام دائم وثوابها متضاعف باقٍ ببقائها، فكيف يفضل عليها ما نفعه قاصر وثوابه منقطع بانقضاء فعله؟ هذا مما لا يعقل، على أن وصفه سنته التي في الحديث بقوله: ((قدره) من القبح والشناعة وسوء الأدب ما ينفر منه من الطبع ويمجه السمع، ولولا اشتهار علم الرجل وتحقيقه وحسن طريقته لقضى عليه بهذه الكلمة بأمر عظيم، كيف وأصحابنا مصرحون بأمن من استقذر شيئًا منسوبًا إليه وَّل كفر، والسنة منسوبة إليه؟ فوصفها بالقذارة توقع في تلك الورطة، لولا إمكان تأويله بأنه لم يصفها بالقذارة من حيث كونها سنة، بل من حيث تعلق فعلها بمستقذر، وهذا يفرض قبوله، إنما يمنع الكفر فحسب لا الشناعة والقبح وسوء الأدب، فتفطن لذلك لتنجو من هذه الورطة البالغ قبحها النهاية. فإن قلت: فما معنى الخيرية في الحديث حينئذٍ؟ قلت: خير فيه ليست أفعل تفضيل حتى يحتاج في التكلف له إلى ما أوقع في تلك الورطة، تأويله: بل هي على حد: أي الفريقين خير؟ وحينئذٍ فالتقدير التمسك (١) أخرجه البخاري (٦١٣٧)، وابن حبان (٣٤٧)، والبيهقي (٢٠٧٦٩)، وأبو نعيم في الحلية (٤/١). ٣٩ تتمة كتاب الإيمان/ باب بسنة فيه خير عظيم، وببدعة لا خير فيه أصلاً، وهذا كلام صحيح لا يرد عليه شيء، ثم رأيته صرح بذلك مستعدًّا باستعداده فيه، بل هو الصواب لا ما قدمه (رَوَاهُ أَحْمَدُ). ١٨٨ - [عَنْ حَسَّانَ ﴾ قَالَ: مَا ابْتَدَعَ قَوْمُّ بِدْعَةً فِي دِينِهِمْ إِلَّا نَزَعَ اللهُ مِنْ سُنَّتِهِمْ مِثْلَهَا، ثُمَّ لَا يُعِيدُهَا إِلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ(١). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ]. (عَنْ حَسَّانَ ﴾ قَالَ: مَا ابْتَدَعَ قَوْمٌ بِدْعَةً فِي دِينِهِمْ) بأن فعلوا شيئًا لم يشهد الشرع بحسنه وعدوه دينًا (إِلَّا نَزَعَ اللهُ مِنْ سُنَّتِهِمْ) سنة (مِثْلَهَا) بأن يعرضوا عنها اعتقادًا أو عملاً وسبق وجه تسميتها مثلاً (ثُمَّ لَا يُعِيدُهَا إِلَيْهِمْ) على مثل ما كانت عليه من التأصل والاستقراء والثبات والظهور (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) عقوبة لهم في مقابلة تعذيبهم، بذلك الابتداع (رَوَاهُ الدَّارِييُّ) ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي لاشتماله على أخبار بغيب، وهو قوله: ((ثم ... إلى آخره)) فصدوره من مثل حسان يجعله في حكم المرفوع إلى رسول الله ولا﴾. ١٨٩ - [وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَة ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: مَنْ وَقَّرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الإِسْلَامِ(٢). رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)) مُرْسَلاً]. (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَة ) التابعي المشهور (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَنْ وَقَّرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ) أي: عظمه كأن قام له وصدره في مجلس أو خدمه من غير عذر ظاهر يلجئه إلى ذلك كما هو ظاهر من القواعد الشرعية، وأصل الوقار السكون والحلم (فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الإِسْلَامِ) لاستلزامه تعظيمه بعظيم بدعته، والمجاهرة باستقام طريقته وحقيقتها مع كونها في غاية الاعوجاج والبطلان، ويلزم من المجاهرة بذلك المجاهرة ببطلان ما خالفها من قواعد الإسلام وأدلته وهذا هدم للإسلام؛ أي: هدم وثلم أي ثلم، وكان قياس السياق فقد استخف بالسنة؛ لأنها المقابلة للبدعة، وما ثبت لأحد الضدين ثبت نقيضه لضده، فعدل لذلك تغليظًا إيذانًا بأن مستخف السنة (١) أخرجه الدارمي (٩٩). (٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٩٤٦٤). ٤٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني مستخف بالإسلام ومستخف هادم لبنائه. وإذا كان هذا حال موقر المبتدع فما بال المبتدع نفسه وبقولي: ((وما ثبت ... إلى آخره)» يعلم أن من وقر صاحب سنة فقد أعان على إشادة الإسلام وإحكام بنائه)) (رَوَاهُ البَيْهَِيُّ فِي (شُعَبِ الإِيمَانِ)) مُرْسَلاً). ١٩٠ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: مَنْ تَعَلَّمَ كِتَابَ اللّهِ ثُمَّ اتَّبَعَ مَا فَيهِ هَدَاهُ اللهُ مِنَ الضَّلالَةِ فِي الدُّنْيَا، وَوَقَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سُوءَ الْحِسَابِ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: مَنِ اقْتَدَى بِكِتابِ اللهِ لَا يَضِلُّ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَشْقَى فِي الآخِرَةِ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَة: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣] (١). رَوَاهُ رَزِين]. (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: مَنْ تَعَلَّمَ كِتَابَ الله ثُمَّ اتَّبَعَ مَا فَيهِ) فعمل به وبما في السنة؛ لأنها المبينة له فلم يعتد بالعمل بما فيه من عدم النظر لما فيها (هَدَاهُ اللهُ) أي: أمنه بدليل تعديته للمفعول الثاني بمن في قوله: (مِنَ الضَّلالَةِ) أي: ارتكاب المعاصي والانحراف عن الصراط المستقيم (في الدُّنْيَا، وَوَقّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سُوءَ الْحِسَابٍ) أي: الحساب السوء، وهو المشار إليه بقوله ◌َّج: ((من نوقش الحساب عذب)»(٢) وخرج به الحساب اليسير الذي يقع لمن ﴿أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإسراء: ٧١] فإنه مجرد العرض من غير خوف ولا عذاب، ووقاية ذلك كناية عن حسن الخاتمة المستلزم بمقتضى وعد الله وفضله للأمن من العذاب في الآخرة كما أمن من أسبابه في الدنيا، وهذا مستمد من الحديث الصحيح: ((من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)»(٣) ويلهمه رشده، فسعادة الدارين منوطة باتباع الكتاب والسنة، وهلاكهما منوط بمخالفة أحدهما. (وَفِي رِوَايَةٍ) عن ابن عباس (قَالَ: مَنِ اقْتَدَى بِكِتابِ الله) مع سنة رسول الله (١) أخرجه الطبراني (١٢٢٦٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٩٧٠). (٢) أخرجه مسلم (٢٨٧٦)، وأبو داود (٣٠٩٣)، والقضاعي (٣٣٨). (٣) أخرجه البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧)، وأحمد (١٦٩٢٤)، وابن حبان (٨٩)، والدارمي (٢٢٤).