النص المفهرس
صفحات 1-20
فَتْحُ الإِلَهُ
فِي
شَرَج المشكارة
تصنيف
الشَّيْخُ الإِحَامِ القَلّمَةِ المُقِّوْ
ابْنُحَجَ الهَيْتِيّ
المتوفى ٩٧٤ هنه
تحقيق وَتخرج وتعليمٌ
الشَّيخْ أَحْمَد فَرِيِّدِ المَرَيَدِيّ
الحُزْء الثاني
الأحاديث من ١٦١-٥٦٣
دار الكتب العلمية®
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
DKİ
أسّسَهاً لحد عليِبُ يَضُوتُ سَنَّة 1971 بَيْرُوت - لبْنَان
Est. by Mohammad Ali Baydoun 1971 Beirut - Lebanon
Établie par Mohamad Ali Baydoun 1971 Beyrouth - Liban
الكتاب :افتح الآنّ.
في شرح المشكاة
Title : FATH AL-ILÂH
FĪ ŠARH AL-MIŠKĀT
التصنيف : شرح حديث
Classification: Prophetic hadith explanation
-
المؤلف : العلامة المحقق ابن حجر الهيتمي (ت974 هـ)
Author : Ibn Hajar Al-Haytaml (D.974) :- )
المحقق : الشيخ أحمد فريد المزيدي
Editor : Al-Sheikh Ahmad Farid Al-Mazidi
الناشر : دار الكتب العلمية - بيروت
Publisher : Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah - Beirut
عدد الصفحات (10 مجلدات) 5728 (Pages (10 Volumes
Size
17x24 cm
قياس الصفحات
, Year
2015 A.D - 1436 H
سنة الطباعة
Printed in : Lebanon
بلد الطباعة للبنان
Edition : 1ª (2 Colors)
الطبعة :الأولى (لونان)
http://www.al-ilmiyah.com
Exclusive rights by @ Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah
Beirut-Lebanon No part of this publication may be
translated, reproduced, distributed in any form or by any
means,or stored in a data base or retrieval system,without
the prior written permission of the publisher.
Tous droits exclusivement réservés à @ Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah
Beyrouth-Liban Toute représentation, édition, traduction ou reproduction
même partielle,par tous procédés, en tous pays, faite sans autorisation
préalable signée par l'éditeur est illicite et exposerait le contrevenant à
des poursuites judiciaires.
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية
بيروت-لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب
كاملاً أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر
أو برمجته على أسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً.
Dar Al-Kotob
Al-ilmiyah
Est. by Mohamad Ali Baydoun
1971 Beirut - Lebanon
Aramoun, al-Quebbah,
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Bldg
Tel +961 5 804 810/11/12
Fax
+961 5 804813
Po Box 11-9424 Beirut-Lebanon,
Riyad al-Soloh Beirui 1107 2290
عرمون، القبة- مبنى دار الكتب العلمية
٨٠٤٨١٠/١١/١٢ ٥ ٩٦١+
هاتف
٥٨٠٤٨١٣ ٩٦١+
کاکس۔
بيروت-لبنان
صوب ٩٤٢٤٠-١١
١١٠٧٢٢٩٠
رياض الصلح-بيروت
ISBN-13: 978-2-7451-7813-8
90000
9 782745 178138
ISBN-10: 2-7451-7813-X
baydoun@al-ilmiyah.com
1
sales@al-ilmiyah
-
info@al-ilmiyah.com
L
7
نسِ اللَّهِالرَّحْمِ الرَّحِيمِ
(الفصل الثاني)
١٦١ - [عَنْ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيِّ قَالَ: أُتِيَ نَبِيُّ الله ◌َ ﴿ فَقِيلَ لَهُ: لِتَنَمْ عَيْنُكَ، وَلْتَسْمَعْ
أُذُنُكَ، وَلِيَعْقِلْ قَلْبُكَ. قَالَ: ((فَنَامَتْ عَيْنِي، وَسَمِعَتْ أَذْنَايَ، وَعَقَلَ قَلْبِي. قَالَ: فَقِيلَ لِي:
سَيِّدْ بَنَى دَارًا فَصَنَعَ مَأْدُبَةً، وَأَرْسَلَ دَاعِيًّا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ، وَأَكْلَ مِنَ
الْمَأْدُبَةِ، وَرَضِيَ عَنْهُ السَّيِّدُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ، وَلَمْ يَطْعَمْ مِنَ
الْمَأْدُبَةِ، وَسَخِطَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ. قَالَ: فَأَنَا السَّيِّدُ، وَمُحَمَّدُّ الدَّاعِي، وَالدَّارُ الإِسْلَامُ، وَالْجَنَّةُ
مَأْدُبَةُ)) (١). رَوَاهُ الدَّارِ مُّ].
(عَنْ رَبِيعَة الْجُرَشِيّ قَالَ: أَنِيَ نَبِىُّ الله وَلَ فَقِيلَ لَهُ) على لسان الملك المرسل إليه
لضرب المثل الآتي: (لِتَنَّمْ عَيْنُكَ وَلْتَسْمَعْ أَذُنُكَ) يؤخذ منه أن نوم الأنبياء كما لا
يستولي على قلوبهم لا يستولي على أسماعهم، وكان وجهه أن نومه إنما يستولي على
ظواهر أبدانهم، ومنها العين دون اللطيفة التي تسمع؛ لأنها في جوف الرأس، فهي في
حكم الباطن كالقلب.
(وَلْيَعْقِلْ قَلْبُكَ) المراد: من أمر جوارحه بذلك أمره؛ أي: كن نائم العين
حاضر السمع والقلب، فنوم العين حقيقة كما يدل عليه ما مرَّ في الخبر الخامس من
الفصل الأول خلافًا لمن حمله على المجاز، وهو طلب حضوره الكامل ليفهم هذا المثل؛
أي: لا تنظر بعينك، ولا تصنع بأذنك، ولا تجد شيئًا في قلبك، وعلى الأول فالمراد
بالأمر بالنوم الإخبار عنه؛ أي: أنت نائم سامع واع؛ لأن الملك إنما جاءه وهو نائم،
فقال له ذلك كما يدل عليه ذلك الخبر.
(١) أخرجه الطبراني (٤٥٩٧)، والدارمي (١١).
- ٣ -
٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
(قَالَ) وََّ: (فَنَامَتْ عَيْنِي وَسَمِعَتْ أَذْنِي وَعَقَلَ قَلْبِي) أي: امتثلت ما أمرت به،
قيل: ويجوز ألا يكون ثم قول ولا جواب كما في: ﴿اقْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا
طَائِعِینَ﴾ [فصلت: ١١].
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] أي: أخطر
بباله النظر في الدليل المؤدي إلى معرفة الإسلام فنظر وعرف؛ فالمعنى هنا: أراد الله أن
يجمع فيه ليه بين تلك المعاني فاجتمعت، واستعمال القول فيها لا نطق فيه كثير.
انتهى.
ولا محوج لهذا التأويل وإنما احتيج إليه في الآيتين؛ لأن الجماد يستحيل عليه
القول، والنبي يستحيل عليه غير الإسلام على أنه فيهما أيضًا لا مانع من حمله على
ظاهره بأن يركب في الجماد عقل ويخاطب، ويكون معنى أسلم: استسلم لأمري
استسلامًا يليق بخلتك.
(قَالَ: فَقِيلَ لِي) من جهة الملك: (سَيِّدُ) عظيم الشأن كثير الإحسان، فتنوينه
للتعظيم، وبه شاع الابتداء به (بنى) خبره (دَارًا فَصَنَعَ مَأْدُبَةً) مرَّ تفسيرها (وَأَرْسَلَ
دَاعِيًّا) جليل القدر عظيم الخلق كامل الرأفة والرحمة يدعو الناس إلى تلك المأدبة التي
من أكل منها سعد، ومن لا شقي.
(فَمَنْ أَجَابَ) ذلك (الدَّاعِيَ دَخَلَ) تلك (الدَّارَ، وَأَكَلَ مِنَ) تلك (الْمَأْدُبَةِ، وَرَضِيَ
عَنْهُ السَّيِّدُ) رضا لا سخط بعده (وَمَنْ لَمْ يُحِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُل) تلك الدار (وَلَم
يَأْكُلْ مِنْ) تلك (الْمَأْدُبَةِ، وَسَخَطَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ) سخطًا لا رضا بعده (قَالَ): أي: الملك
أو النبي ◌َّ، وهذا هو الذي دل عليه السياق إن أردت بيان هذا المثال (فَأَنَا السَّيِّدُ)
الباني والمرسل (وَمُحَمَّدُ الدَّاعِي، وَالدَّارُ الإِسْلَامُ، وَالْجَنَّةُ مَأْدُبَةٍ) لا ينافيه ما مر في ذلك
الحديث من تشبيه الدار بالجنة والمأدبة بما فيها؛ لما مر أن هذه قضية غير تلك
القضية، وإن اتحد الغرض منهما أن الإسلام سبب لدخول الجنة، فاكتفى في ذلك
الحديث بالمسبب عن السبب، والدعوة إليها لا تتم إلا بالدعوة إليه، فاستقام وضع كل
٥
تتمة كتاب الإيمان/ باب
مقام الآخر، وجعل الجنة هنا نفس المأدبة للمبالغة؛ إذ نعيمها هو المقصود منها (رَوَاهُ
الدَّارِميُّ).
١٦٢ - [عَنْ أَبِي رَافِعٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى
أَرِبِكَتِهِ يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي مَا وَجَدْنَا
فِي كِتَابِ اللهِ اتَّبَعْنَاهُ)(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه والبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِل
التُّبُوَّة].
(عَنْ أَبِي رَافِعٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: لَا أَلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ) أي: لأجدنه كلا
أُرينك هنا حال كونه (مُتَّكِئًا عَلَى أُرِيكَتِهِ) هي سرير مزین في قبة أو بيت، وحال كونه
(يَأْتِيهِ الأَمْرُ) فالنهي منصب عليهما؛ أي: لأجدنه في حالة اتكائه وقوله: عند مجيء
أمره إليه لا أدري (مِنْ) للتبعيض (أَمْرِي) أي: شأني أو قولي (مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْثُ
عَنْهُ) بيان للأمر مفيد أن المراد به الشأن الأعم من الأمر والنهي لا القول الجازم؛ لأنه
ضد النهي، فكيف يبين به؟ (فَيَقُولُ) عند إتيان الأمر المذكور إليه: (لَا أَدْرِي) ولا أتبع
غير القرآن (مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللهِ اتَّبَعْنَاهُ) وما وجدناه في غيره لا نتبعه.
نهى وَله نفسه بقوله إلى آخره عن أن تراهم بهذه الحالة المشتملة على الترفه
والدعة الموجبة للزوم البيوت، والصد عن طلب العلم والحديث، وعلى الكبر الموجب
لرد الحق والرضا بالبقاء في عمره الباطل، والمراد نهيهم على أن يكون على تلك الحالة،
فإنهم إذا كانوا عليها وجدهم ◌َل﴿ عليها، فهو من إطلاق المسبب على السبب (رَوَاهُ
أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه، والبَيْهَِيُّ فِي (دَلَائِلِ الُّبُوَّ))).
١٦٣ - [وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((أَلَا إِنِّي
أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلُ يَنْثَنِي شَبْعَانَ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ
(١) أخرجه أحمد (٢٣٩١٢)، وأبو داود (٤٦٠٥)، والترمذي (٢٦٦٣) وقال: حسن صحيح. وَابْنُ ماجه
(١٣) والشافعي (١٥١/١)، وابن حبان (١٣)، والطبراني (٩٣٤)، والحاكم (٣٦٨) وقال: صحيح
على شرط الشيخين. والبيهقي (١٣٢١٩)، والروياني (٧١٦).
٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامِ فَحَرِّمُوهُ،
وإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ كَمَا حَرَّمَ اللهُ، أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُم الْحِمَارُ الأَهْلُِّ، وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ
مِنَ السِّبَاعِ، وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ إِلَّ أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِ أَنْ
يَقْرُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ»(١)].
(وَعَنِ الْمِقْدَاِ بْنِ مَعْدِ يَكَرِبَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةٍ: أَلَا) للتنبيه،
مركبة من: همزة استفهام و((لا)) النافية، تفيد تحقق ما بعدها، ومن ثم صُدِّرت بما
يصدر به جواب القسم، ومثلها ((أمَا)) وتكريرها هنا توبيخ وتفريغ نشأ من غضب
عظيم على من ترك السنة زاعمًا أنه مستغنٍ عنها بالقرآن.
(إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ) حال كونه منصوبًا (مَعَهُ) ولا ينافي الحالية بوعد
(مثل)) في الإبهام وعدم تعرفها بالإضافة؛ لأنها وإن لم تتعرف بتخصيص وتخصيص
النكرة كافٍ في مجيء الحال منها، ثم هذه المماثلة إمّا في كونه وحيًا غير متلو، لكنه
متعلق بالباطن أو بالظاهر؛ لاشتماله على أحكام ومواعظ وأمثال، وإمَّا بيانًا لما فيه بأن
أذن له في اُن یعمم ویخصص ویزید وینقص.
قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
ومن قال بأنه وهل كان يجتهد ينزل اجتهاده منزلة الوحي؛ لأنه لا يخطئ، خلافًا
لمن وهم فيه، وأمَّا في المقدار؛ أي: مطلق العدد لا كميته للخبر الآتي إنها بمثل القرآن
وأكثر، ولما هو مشاهد أنه السنة تزيد على القرآن بأضعاف مضاعفة، والأولى الحمل
على ذلك كله وألّا يخص ببعضه؛ إذ لا مانع منه، بل الحق الواقع كما تعرفه من سير
أحواله آل﴾ يشهد لذلك.
ورجح للأخير بأنه رد لقول من قال: ((ما وجدتم من حلال ... إلى آخره)) المشعر
(١) أخرجه أحمد (١٧٢١٣)، وأبو داود (٤٦٠٤)، والطبراني (٦٧٠).
٧
تتمة كتاب الإيمان/ باب
بأن القرآن استوعب جميع الحلال والحرام، ويوافقه الخبر الآتي في حديث العرباض،
فحينئذٍ لا يستقيم الرد إلا إن حمل على العدد، وبأن معه صفة لـ((مثل)) المتوغلة في
الإبهام، ومن ثَمَّ لم يتعرف بالإضافة؛ أي: أوتيت مثل الكتاب مصاحبًا مع الكتاب
أحكام وسنن مثله عددًا وأكثر، وبأن قوله: ((ألا)) لا يحل تعداد الأحكام في السنة لا
القرآن. انتهى.
ومع تسليم ذلك كله الأولى حمله على تلك المحامل كلها كما ذكرته؛ لأنه أفيد
وأوفق للواقع، وفائدة معه الإعلام بأنه ما أتى بشيء من تلقاء نفسه؛ أي: من غير
اجتهاد لما هو الحق أنه كان قد يجتهد، فمن حصر السنة في الحديث القدسي والإلهام،
ورؤية المنام وإلقاء جبريل في قلبه إمَّا مشي على الضعيف أنه يمنع عليه الاجتهاد،
وإمَّا أراد الغالب، أو أراد بالإلهام ما يشمل الاجتهاد.
(أَلَا يُوشِكُ) أي: يقرب (رَجُلُّ شَبْعَانِ) متكئ أو جالس (عَلَى أُرِيكَتِهِ) فهو
صفة ذم ثانية؛ إذ الأولى تدل على البطر، والثانية على الكبر، أو حال من ((رجل))
لتخصيصه بالأولى، فيكون تتميمًا ومبالغة في بطره وأشره، وفيه تشنيع عظيم ونهي
فظيع على هذا القائل المارق المعاند المنافق (يَقُولُ)) أي: أنبهكم ناهيًا لكم عن أن
يقرب أحد من أن يقول: (عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ) شيء (حَلَالٍ
فَأَحِلُّوهُ) أي: اعتقدوا حله (وَمَا وَجَدْتُمْ) فِيهِ (مِنْ) شيء (حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ) أي:
اعتقدوا حرمته، ولا تلتفتوا لما جاء من السنة.
وذكر الشبع ليس للتقييد، بل للإعلام بأن مثل هذا القول الباطل إنما ينشأ
عن غاية العبارة والبلادة وسوء الفهم والأدب، أو عن الحماقة والبطر، وكل من هذه
الأربعة إنما تنشأ عن الشبع المكني به عن الشره وكثرة الترفه والغرور بالمال والجاه،
و((على أريكته)) تقرير لهذا الحمق والبطر وسوء الأدب الصادر من الخوارج ونحوهم
ممن تعلق بظواهر القرآن، وأعرض عن السنة المقتبس كثير منها من القرآن والمبينة له
والزائدة علیه بما لا ينكر شيئًا منه عاقل.
٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
(إِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ الله) أو أحله باجتهاده (كَمَا حَرَّمَ اللهُ) أو أحله في وجوب
اعتقاد صحته والعمل به؛ لأن اجتهاده لا يخطئ، وبهذا الصريح في أنه يجتهد، وأن
اجتهاده لا يقبل الخطأ يتضح الرد على من زعم أنه لا يجتهد، وعلى زعم أن اجتهاده قد
يخطئ، لكنه تنبيه عليه سريعًا، وهذا من كلام الراوي على ما ذهبوا إليه.
واعترضه الطيبي بأنه يلزم عليه تعسف بعيد من الفصاحة باعتبار مراعاة
السياق، فإنه قلّ بيَّن أولاً أنه شرع أحكامًا في الدين سوى القرآن، وثنَّى بتوبيخ مفکر
ذلك فجعله متكبرًا بطرًا طاغيًا، وثلَّث بما يشعر بالتعليل، وأن له أن يستقل بالأحكام،
ودفع شأن صور معدودة تمثيلاً لا تحديدًا تحقيقًا للمطلوب.
قال: فالوجه أنه من كلامه ﴿ ﴿ من باب الاستدراج وإرخاء العنان على سبيل
التجريد، والواو للحال من ((رجل)) والعامل ((يوشك)) وهي مقررة لجهة الإشكال؛ أي:
كيف يزعم ذلك والحال أنه ◌َ ﴿ نائب عن الله في التحريم والتحليل؟.
ثم بيَّن ما ثبت بالسنة من حيث الخصوص، وإن ثبت بالقرآن من حيث العموم
على جهة التمثيل لا التحديد (أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُم الْحِمَارُ الأَهْلِىُّ وَلَا كُلُّ ذِى نَابٍ) أي:
قوي، كما دل عليه تحليله ◌َّ﴾ الضبع ((مِنَ السِّبَاع)) أو مخلب من الطير كما في حديث
آخر؛ لأن هذه الثلاثة من الخبائث، وقد قال تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾
[الأعراف:١٥٧].
(وَلَا لُقَطَةٌ مُعَاهِدٍ) ذكر ليعلم أن لقطة غيره من الذمي، فالمسلم أولى بذلك (إِلَّا
أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا) أي: إلا أن يعرض عنها مالكها لحقارتها؛ لما هو مقرر أن ما
اعتید الإعراض عنه من غالب الناس ککسرة خبز وسنابل الحصادین ملكه أخذه، أو
ألا يبيحها مالكها لمن يأخذها استغناء عنها، فتحل حينئذٍ وإن عظم خطرها.
وذكر الاستغناء ليس قيدًا، بل لكون الغالب أن إباحة غير التافه إنما يصدر
من الغني دون المحتاج، أو إلا أن يعرفها وأخذها ثم يتملكها بشروطه، وكنى عن هذا
بما ذكر؛ لأن مضي مدة التعريف تشعر بأن صاحبها استغنى عنها بتركه الإنشاد عنها،
٩
تتمة كتاب الإيمان / باب
وهذه يمكن أخذها من عموم قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ١٣٤] إذ الالتقاط
اكتساب، فاللقطة من الکسب.
ومن ثم صرح النووي في ((شرح مسلم)) بأن: من يملك لقطة بشروطها لا
يحاسب عليها؛ لأنها من کسبه، بخلاف الدیون.
(وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ) أي: استضافهم (فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ) بفتح أوله، من قريته:
أحسنت إليه، قُرِئ بالقصر إن كسر أوله، وبالمد إن فتحه.
(فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبُهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ) أي: فله أن يأخذ من مالهم مثل قراه
الذي حرمه عوضًا عنه؛ مجازاة لهم على قبيح صنيعهم من أعقبه بطاعته؛ أي: جازاه،
ويقال أيضًا: ((أعقبه وعقّبته)) مشددًا ومخففًا إذا أخذ منه عقبى وعقبه؛ أي: بدلاً عما
فاته، وفي هذا دليل لمن أوجب الضيافة كأحمد ﴾، وأجاب عنه الأكثرون القائلون
بندبها؛ لقوله ◌َ في الحديث الصحيح: ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب
نفس))(١) بأنه محمول على المضطر، فإنه يجب إطعامه إجماعًا، وله أن يأخذ مال من امتنع
من إطعامه، ولم يكن مضطرًّا إليه حالاً ولو بمقابلته، وإن أدت إلى قتل المالك الممتنع
لتقصيره الذي صار به دمه هدرًا.
ويحتمل أن هذا مما نسخ بوجوب الزكاة، ويرد بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال،
واستدل لعدم الوجوب بقطعه هذا عن أسلوب ما قبله من المنهيات، ويرد بأن مثل هذا
لا يفيد عند الأصوليين والفقهاء، على أنه جاء في أحاديث الضيافة أحق بها واجب،
فلولا ما ذكرته من حديث: ((لا يحل مال امرئ مسلم)(٤) وإلا لم يكن للوجوب
معارض.
فإن قلت: إنما ذكر ◌َلِّ ما حرمه، فأين ما أحله؟
قلت: قد ذكره أيضًا بالنص حيث قال: ((إلا أن يستغني عنها صاحبها)) وقال:
(١) أخرجه أحمد (٢١٢٣٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٤٩٢)، وفي السنن الكبرى (١١٣٢٥).
(٢) انظر التخريج السابق.
١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
((فله أن يعقبهم ... إلى آخره)»(١) وعجيب من الطيبي حيث استشكل ذلك ثم أجاب عنه
بما لا يدفعه مع ما فيه من النظر، وهو أن الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما خصه
الدليل؛ لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] فخُصت منها
أشياء بنص التنزيل، وبقي ما عداها في معرض التحليل، فخص منها بنص الحديث
نقص، فبقي سائرها على أصل الإباحة، فكأنه وَ له نص على تحليلها فلا يزيد ولا
ينقص. انتهى.
١٦٤ - [وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﴾ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ وَلَ فَقَالَ: «أَيَحْسَبُ
أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَظُنُّ أَنَّ اللهَ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إِلَّ مَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ، أَلَا إِنِّي
وَاللهِ قَدْ أَمَرْتُ وَوَعَظْتُ وَنَهَيْثُ عَنْ أَشْيَاءَ إِنَّهَا لَمِثْلُ الْقُرْآنِ أَوْ أَكْثَرُ، وَأَنَّ اللّهَ وَكَ لَمْ
يُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا بِإِذْنِهَمْ، وَلَا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ، وَلَا أَكْلَ
أَثْمَارِهِمْ إِذَا أَعْطَوْكُم)(٢). رَوَاهُ وَأَبُو دَاوُدِ ، إِسْنَادُه: أَشْعَثُ بْنُ شُعْبَة المَصيصِي قَدْ
تَكَلَّمَ فِیهِ].
(وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ﴾ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ وَ) الظاهر أنه ◌ََّ قام
حقيقة إعلامًا لهم بمزيد الاعتناء بهذا الأمر (أَيَحْسَبُ أَحَدُكُمْ) حال كونه (مُتَّكِئًا
عَلَى أَرِيكَتِهِ يَظُنُّ) بدل من يحسب لمزيد التأكيد والزجر عن ذلك (أَنَّ اللّهَ وَكَ لَمْ
يُحَرِّمْ شَيْئًا إِلَّ مَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ) العظيم الشأن.
(أَلَا) أيحسب أحدكم أن الله حصر المحرمات في القرآن الحال (إِنَّى) فالهمزة
في ((أيحسب)) للإنكار، وكذا في ((ألا)) وحرف التثنية مقحم بين الحال وعاملها كما
أقحم للإنكارين المبتدأ والخبر في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذَابِ أَفَأَنْتَ
تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ﴾ [الزمر: ١٩] جاءت الهمزة مؤكدة معادة بين المبتدأ المتضمن للشرط
وبین الخبر.
(١) أخرجه أحمد (١٧٢١٣)، وأبو داود (٤٦٠٤)، والطبراني (٦٧٠).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٠٥٠)، والبيهقي (١٨٥٠٨).
١١
تتمة کتاب الإيمان/ باب
(وَاللّهِ قَدْ أَمَرْتُ) الأمة بأوامر كثيرة ليست في القرآن صريحة، وإنما هي بوحي
تارة وباجتهاد أخرى (وَوَعَظْتُ) الأمة بمواعظ خوفتهم بها وحذرتهم من عواقبها؛
لينزجروا عن سائر المخالفات، ويجتهدوا في مهمات العبادات (وَنَهَيْتُ) الأمة (عَنْ
أَشْيَاءَ) كثيرة (إِنَّهَا) أي: المناهي المذكورة صريحًا والأوامر والمواعظ المذكورتين ضمنًا
(لَمِثْلُ الْقُرْآنِ أَوْ) الأحسن أن يكون بمعنى «بل)) (أَكْثَرُ) قد يستشكل هذا بقوله
تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] نبأ على بقائه على عمومه.
ويجاب بأن: نسبة هذا له وَلّ إنما هو لكونه الذي استنبطه واستخرجه من
القرآن، ويؤيد ذلك قول الشافعي : كل ما حكم به رسول الله وَّله فهو مما فهمه من
القرآن، ثم ما أخرج ما يؤيده قوله وَين: ((إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولا
أحرم إلا ما حرم الله في كتابه)(١) وقال: جميع ما تقوله الأمة شرح للسنة، وجميع السنة
شرح للقرآن، وقال: ما نزل بأحد من الدين نازلة إلا وهي في كتاب الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود: ((إذا حدثتكم بحديث أنبأتكم
بتصديقه من كتاب الله»(٢).
وعن ابن جبير: ما بلغني حديث على وجهه إلا وجدت مصداقه في كتاب الله،
ثم بيَّن مثالاً لما أحله وحرمه ما ليس في القرآن؛ أي: من صريحًا نظير ما مر، فقال:
(اللّهَ وَكَ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ) أي: المفعول له الذمة منهم،
وكذا من غيرهم، فالتعبير بهم للغالب، وخرج بهم الحربي لحل أخذ ماله بغير إذنه (إِلا
بِذْنِهِمْ) ولو ضمنًا كأن شرط عليهم ضيافة من مر بهم من المسلمين (وَلَّا ضَرْبَ
نِسَائِهِمْ) وصبيانهم مطلقًا (وَلَا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ)) فضلاً عن بقية أموالهم إلا بإذنهم كما
علم ما ذكر أولاً.
هذا كله (إِذَا أَعْطَوْكُمْ) المال الذي يجب عليهم بفقد الجزية، وأثر هذا على
(١) أخرجه الشافعي (٢٩/١)، وابن سعد (٢١٥/٢)، والبيهقي (١٣٢١٧).
(٢) أخرجه الطبراني (٩٠٤٣).
١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
أعطوكم الجزية؛ لأنه أفخم، فإن امتنعوا منه بنحو قتال فهم ناقضون للعهد، فيبلغون
المأمن، ثم يغنم أموالهم ونساؤهم وصبيانهم ويتحرى الإمام في كامليهم، أو بنحو
تسويف أخذت منهم قهرًا (رَوَاهُ) بيض له في نسخة، وفي نسخة (وَأَبُو دَاوُد إِسْنَادُه:
أَشْعَتُ بْنِ شُعْبَة المَصيصِي قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ).
١٦٥ - [وَعَنْهُ قَالَ: صَلَى بِنَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا
بِوَجْهِهِ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ
رَجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُؤَدِّعٍ فَأَوْصِنَا. فَقَالَ: (أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى
الله، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِيشُ بَعْدِي فَسَيَرَى
اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ تَمَسَّكُوا
بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِدِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ
بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ)(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه إِلَّا أَنَّهِمَا لَمْ يَذْكُرَا
الصَّلَاة].
(وَعَنْهُ قَالَ: صَلَى بِنَا رَسُوْلُ اللهَّ ◌َ﴾ ذاتَ يوم) مر معناه من في حديث جبريل
(ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً) أي: بالغ فيها بالإنذار والتخويف، مع
وجازة اللفظ وكثرة المعنى ومزيد الإيضاح والبيان، ومن ثم (ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ) أي:
سالت دموعها على حد قوله تعالى: {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣]
حزنًا، فإسناد السيلان للعيون مبالغة في تعظيم السبب الحامل على ذلك المشار إليه
بقوله: (وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ) لاستيلاء سلطان ما تضمنه تلك المواعظ من عظيم
الخشية ومزيد الخوف والرقة عليها حتى أثرت فيهم، وأخذت بمجامعهم ظاهرًا
وباطنًا، وبما قررته علم أن سبب تقديم ذرفت على وجلت مع تفرعه عليه أنه مشاهد
دونه فيستدل به علیه.
(١) أخرجه أحمد (١٧١٨٤)، وأبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦) وقال: حسن صحيح. وَابْنُ ماجه
(٤٢)، والحاكم (٣٢٩) وقال: صحيح ليس له علة. والبيهقي (٢٠١٢٥)، وابن حبان (٥)،
والدارمي (٩٥).
١٣
تتمة كتاب الإيمان/ باب
(فَقَالَ رَجُلُ [مِنْ أَصْحَابِهِ)(١): يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ) أي: لأن
المودع لا يترك عند توديعه شيئًا يفتقر إليه المودع إلا يبينه له على غاية من الاستقصاء
والبيان، وإذا كانت هذه الموعظة كذلك وإنك مودع لنا (فَأوْصِنَا) بجميع ما نفتقر إليه
من الأمور الكلية لتعذر ذكر ما عداها.
(فَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى الله) ومرَّ في الفصل الأول بيان أقسامها الثلاثة:
تقوى الشرك، وتقوى المعصية، وتقوى ما سوى الله (وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ) لكل من
ولاه الله عليكم (وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا) لأن الاستئناف عن الطاعة للمتولي يؤدي
إلى إثارة الحروب وتهييج الفتن، وظهور الفساد في الأرض، وكان ذكر خصوص الحبشي؛
لكونه الغالب في ذلك الزمن، وإلا فغيره كالزنجي أحسن منه فكان أنسب بالغاية، ثم ما
وصيتكم به لا تفرطوا فيه، وما اقتضاه هذا الإيراد من احتمال وقوع ولاية للعبد لا
تستبعدوه.
(فَإِنَّهُ) أي: الشأن (مَنْ يَعِشْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلافًا) على الملك وغيره «كَثِيرًا»
يؤدي إلى الفتن وظهور المعاصي وولاية الأخساء على العبيد، فلا يسلم أحد من شرك
ذلك كله إلا بملازمة للتقوى لله، وطاعة الأمراء فيما يأمرون به وينهون عنه ما لم
يكن إثما، وزعم أن ذكر ولاية العبد على سبيل المبالغة لا التحقيق إن أراد به قائله
أن ولا يتهم متعذرة شرعًا فواضح، أو غير واقعة في الوجود فليس في محله، وقد وقعت
کثیرًا في أزمنة مختلفة.
ثم إذا رأيتم ذلك الاختلاف الذي لا نجاة منه إلا بما ذكر من التقوى وطاعة
الأمراء (فَعَلَيْكُمْ) بشيء يعينكم على ذينك الأمرين، وهو أن تستمسكوا (بِسُنَّتِي)
أي: طريقتي أقوالاً وأفعالاً، وفيه التفات مبين لخطر تلك السنة (وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ
الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ [بَعْدِي)](٢)) أبو بكر وعمر وعثمان وعلي؛ أي: طريقتهم كذلك؛
(١) سقط من الأصل.
(٢) سقط من الأصل.
١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
لأنهم لفخامة شأنهم وواسع علمهم وشدة تحريمهم لا يخطئون فيما يستنبطونه من
سنته بالاجتهاد أولاً بعض سنته لم تشتهر إلا في زمنهم، فالإضافة إليهم للرد على من
طعن في خلافتهم، والأخذ بما صدر عنهم، ولبيان رفع شأوهم على غيرهم، وأنه يقدم
قول أحدهم على من خالفه من بقية الصحابة، كما هو قول الشافعي : لا لنفي
الخلافة عن غيرهم، فقد قال ◌َله: (يكون في أمتي اثنا عشر خليفة)(١) كما بينته في
كتابي ((الصواعق المحرقة)».
تمسكوا بها (وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِدِ) بالمعجمة؛ أي: الأضراس.
وقيل: الضواحك.
وقيل: الأنياب، وهذا مثل بعيد ما قبله المتضمن للتأكيد بتلك الوصية بعد
تأكيد الأمر بالتمسك بها بجميع ما يمكن من أسبابها، كمن يتمسك بشيء ثم
يستعين عليه بأسنانه استظهارًا للمحافظة عليه.
(وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُور) عطف على ((عليكم)) لمزيد التأكيد والتقرير أيضًا
(فَإِنَّ كُلّ) فعلة (مُحْدَثَة) لم يشهد قواعد الشرع بحسنها (بِدْعَة) قبيحة (وَكُلَّ بِدْعَةٍ)
كذلك (صَلالَةُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه إِلَا أَنَّهِمَا) أي: الترمذي
وَابْنُ مَاجَه (لَمْ يَذْكُرَا الصَّلاة) أي: قول العرباض: ((صلى بنا ... إلى آخره)) وإنما ابتدأ
((فوعظنا رسول الله وَ﴾ موعظة ... إلى آخره).
١٦٦ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللهِوَ خَّا ثُمَّ قَالَ:
((هَذَا سَبِيلُ الله)) ثُمَّ خَظَ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ وَقَالَ: ((هَذَا سَبِيلُ عَلَى كُلِّ
سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانُ يَدْعُو إِلَيْهِ)) ثُمَّ قَرَّأَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ... ﴾
[الأنعام: ١٥٣](٢). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارِيُّ].
(١) أخرجه بنحوه البخاري (٦٧٩٦)، ومسلم (١٨٢٢)، وأحمد (٢٠٨٦٢)، وأبو داود (٤٢٧٩)،
والترمذي (٢٢٢٣) وقال: حسن صحيح. والطيالسي (٧٦٧)، وابن أبي عاصم (١١٢٣)، وأبو يعلى
(٧٤٦٣)، والطبراني (١٨٠٩).
(٢) أخرجه أحمد (٤٢٢٥)، والدارمي (٢٠٨).
١٥
تتمة كتاب الإيمان/ باب
(عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: خَطَّ لَنَا) أي: لأجل التقريب لأفهامنا؛ إِذ
الداعي للتصوير والتمثيل العناية بإبراز ما احتجب من المعاني، وبرفع الأستار عمَّا
كَمُنَ في المباني حتى يصير كالمجاهد المحسوس، وينجلي انكشافه للعقل تجليًا تامًّا لا
ريب فيه ولا وهم (رَسُولُ اللهِ وَ﴿ِ خَطًّا ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيلُ) تشبيه بليغي معكوس؛
أي: في سبيل ((الله)) الذي هو طريقته ** وما كان عليه مثل هذا الخط في كونه على
غاية الاستقامة وعدم الانحراف.
(ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا) منحرفة (عَنْ يَمِينِهِ) خطوطًا منحرفة عَنْ (يَسَارِهِ، وَقَالَ:
هَذَا سَبِيل) أي: مثل الطرق الضلالة المنحرفة عن طريق الاستقامة التي أشار إليها
وَله بقوله: ((ستفترق أمتي على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا ما كنت عليه أنا
وأصحابي»(١).
(عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانُ يَدْعُو) الناس (إِلَيْهِ) حتى يقعوا في غيره، ويرتبكوا
في خطره فلا يطيقون الخروج منه إلى أن يبتلعهم غوره ويشترطهم حوره، فلا يرجى لهم
شيء من الفلاح، ولا يتم لهم داعية من دواعي النجاح؛ لاستحكام الضلال على
قلوبهم، واستيلاء الابتداع على نفوسهم؛ لتفريطهم تارة كما مرَّ في الجبري؛ إذ قوله: ((لا
كسب ولا اختيار للعبد)) فهو تفريط يؤدي إلى إبطال الكتب والرسل، وإفراطهم أخرى
كالقدري؛ لجعلهم المخلوق العاجز خالقًا لأفعاله وقادرًا على الاستقلال بها، فهو
إفراط يفضي إلى الترك، وأمَّا طريق أهل السنة فهو الوسط المعتدل السالم عن
ذينك الانحرافين؛ لنظرهم إلى القدرة تارة والكسب أخرى كما مر بسطه في باب
القدرة.
([ثُمَّ](٢) وقَرَأ) ◌َِّ استشهادًا على ما مهده ووضحه قوله تعالى: (﴿وَأَنَّ هَذَا﴾)
أي: دين الإسلام الذي كان عليه النبي وَله وأصحابه وتابعوه بإحسان كما فسَّرَه ◌َّه
(١) أخرجه الطبراني (٨٠٥٤)، وابن أبي عاصم (٦٨).
(٢) سقط من الأصل.
١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
بنحو ذلك في غير حديث: ((صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾﴾ [الأنعام: ١٥٣] الإضافة وفي
سبيل الله؛ لتفخيم شأنه وتعظيم حرمته، كما أن التنكير فيه عند إضافته له ولد في:
﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] لزيادة المدح والتنويه بشأنه وله؟
لأن تنويه التعظيم.
وعرف في ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] إرشادًا للعباد إلى طلب هذه
المرتبة السنية والرفعة العلية، مع دوام الثبات عليها والانتماء إليها لهذه الرفعة لهذا
الصراط التي تضمنتها هذه الآيات كما في قوله: ((فَاتَّبِعُوهُ ... )) وهي: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا
السُّبُلَ﴾ أي: المنحرفة المتشعبة من طرق الشرك والابتداع ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن
سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] أي: تنحرف بكم عن ذلك الرأي القويم والطريق المستقيم
الذي هو الاعتقاد الحق، والعمل الصالح المصون عن أن تتعدد أنجاؤه أو تختلف
جهاته.
وإنما له درجات ومنازل يصل إليها السالك بعلمه وعمله، فمن زلَّت قدمه
وانحرف عن ذلك الصراط الأقوم فقد ضلَّ سواء السبيل، وحق عليه النحيب والعويل،
فإنه لا يزال متباعدًا عن الحق، منهمكً في أودية الضلالة والهلاك إلا أن يتداركه الله
بفضله، فيتبين له اعوجاجه وانحرافه، فيأخذ في أسباب الاستقامة إلى أن يُكسى حلة
الكرامة.
لا يقال: كل فرقة من أولئك الفرق الضالة يزعم أنه على الصراط المستقيم فما
الدليل لنا عليهم على أنهم على خلافه؟ لأنا نقول: يتضح ذلك بسر أحواله ريواله وأفعاله
وأقواله، وأحوال الصحابة وتابعيهم بإحسان الواردة في صحاح الأحاديث التي لا
مطعن لعاقل في شيء منها، كما هو بديهي عند جهابذة علم الحديث الذي لا ينكره
إلا من غلب عليه هواه فأضله وأعماه.
ثم بعد هذا السر ينظر إلى من استمسك بهديهم، وقصر عمله وعلمه على
اتباعهم، ولم يجعل عقله حاكمًا على النقل حتى يرد منه ما شاء ويقبل ما شاء، فحينئذٍ
١٧
تتمة كتاب الإيمان/ باب
يتضح المتبعون وينكشف المبتدعون (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَمي).
١٦٧ - [وَعَنِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ:
(لَا يُؤْمِن أَحَدِكُمْ حَتَّى يَكُون هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْت بِهِ)(١). رَوَاهُ فَي ((شَرحِ السُّنَّة)) وَقَالَ
التّووي في (أَربَعِینه): هَذَا حَدِيث صَحِيح رويناه في كتَابِ ((الحجة)) بِإِسناد صَحِيح].
(وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َ: لَا
يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) إيمانًا كاملاً (حَتَّى) يندرج في قهر نفسه المجبولة في أصل خلقتها على
محبة الشهوات واستيفاء اللذات، بإقامة نواميس الجلال القوية القامعة لها عن التطلع
لشيء من ذلك، والإيمان الكامل الثائر لها على اتباع الكمالات، والملحين لهواها إلى
اتباع الشرع، ثم لا يزال مندرجًا في ذلك إلى أن (يَكُونَ هَوَاهُ) أي: محبته وإرادته
(تَبَعًا) هذا أبلغ من ((حتى يكون تبعًا)) لإيذانه بأن الهوى الذي قد يكون معبودًا كما
في قوله تعالى: ﴿أَفَرَّأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] ومالكما كما في قوله ◌َّ:
((تعس عبد الدنيا، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة))(٢) إذا تبع الشرع كان
صاحبه أولى بذلك.
(لِمَا جِئْتُ بِهِ) من الشريعة الغراء الواضحة البيضاء، فإن يتوفر محبته اتباع
جميع كمالاتها وكراهيته في فعل شيء مما يصد عنها، وإنما يتم ذلك بذهاب كل كدر
للنفس، ثم تجليها بالصفات النورانية وتأييدها بالقوى الروحانية، وهذا حال العلماء
العاملين والأئمة العارفين، ودونه الاقتصار على فعل الواجبات ومجانبة المنهيات، ودونه
اعتقاد أن هواه أحق بالمخالفة، وأن الشرع هو الحقيق بالموافقة، وإن لم يعمل بقضية
ذلك فهذا يصدق عليه صدقًا.
فأمَّا أن هواه تبع للشرع، ويصح حمل الحديث على نفي أصل الإيمان؛ أي: لا
يصح إيمان أحدكم حتى يتبع ما جئت به عن اعتقاد لا عن نفاق (رَوَاهُ فَي (شَرح
(١) أخرجه الخطيب (٣٦٨/٤)، وابن أبي عاصم (١٥).
(٢) أخرجه بنحوه البخاري (٢٧٣٠)، وَابْنُ ماجه (٤١٣٥)، وابن حبان (٣٢١٨)، والبيهقي (١٨٢٧٩).
١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
السُّنَّة)) وَقَالَ التَّوَوِي فِي (أَرَبَعِينِه): هَذَا حَدِيث صَحِيحِ رَوَيْنَاه فِي كِتَابٍ ((الحجة))
پاِسناد صَحِيح).
وقد تكلمت به بأبسط مما هنا في شرح هذه الأربعين مع بيان صاحب كتاب
«الحجة)) وبعض ترجمته.
١٦٨ - [وَعَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ المُزْنِيّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((مَنْ أَحْيَا سُنَّةً
مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي فَإِنَّ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلَ أُجُورٍ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ
يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمّنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةٍ لَا يَرْضَاهَا اللهُ وَرَسُولُهُ كَانَ عَلَيْهِ
مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامٍ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهَمْ شَيْئًا))(١). رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ].
(وَعَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُؤْنِيّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَِّ: ((مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ
سُنَّتِي) أي: طريقة من الطرق المنسوبة إليَّ كما أفاده إضافة ((سنة)) إلى الضمير المقتضية
للعموم الذي مدلوله كلية لا كلي، ولا كل واجبة أو مندوبة أخذت عني بنص أو
استنباط، وخرج بهذا القيد سنة غيره؛ إذ السنة لغة: وضع الشيء ورسمه ليقتدي
به.
وأمَّا شرعًا: فهو قوله وأفعاله وتقريراته، وما أمر بفعله أمرًا غير جازم، وعلى كل
من هذين فقوله: ((من سنتي)) تأكيد وتفخيم لشأنها، وليس احترازًا عن غيرها.
(قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي) بأن ترك الناس العمل بها فعمل بها، فاقتدوا به أو حثهم
على العمل بها بإحسانه أو لسانه حتى عملوا بها، فاستعارة الإحياء للعمل أو الحث
استعارة بالكناية، واستعارة للإماتة للتبرك كذلك، وهي كالترشيح للأولى.
(فَإِنَّ لَهُ مِنَ الأَجْرِ) الكامل (مِثْلَ أُجُورٍ مَنْ عَمِلَ) أفرد ضميره رعاية للفظ (من))
(بِهَا مِنْ غَيْرٍ أَنْ يَنْقُصَ) ما حصل له المماثلة لجميع أجورهم (مِنْ أَجُورِهِمْ شَيْئًا) لأنه
حصل له باعتبار الدلالة والإحياء، والمغايرين للاعتبار المحصل لهم وهو الفعل، فلم
يتواردا على محل واحد حتى يتوهم أن حصول أحدهما ينقص الأجر.
(١) أخرجه الترمذي (٢٦٧٧) وقال: حسن. وَابْنُ ماجه (٢٠٩).
١٩
تتمة كتاب الإيمان/ باب
(وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةٍ) بالإضافة وعدمها واحترز بها عن بدعة غير
ضلالة، بأن يشهد قاعدة من قواعد الشرع بحسنها، فإنها من عداد الأولى كما مر (لًا
يَرْضَاهَا اللهُ وَرَسُولُهُ) بأن نهيا عنه، ولو نبهه ◌َّه وحده؛ إذ نهيه ولو باجتهاده يصح
نسبته إلى الله تعالى، وهذه صفة كاشفة؛ إذ البدعة الضلالة لا تكون إلا كذلك،
وقابل هذا بـ(أميتت)) السابق؛ لإفادة أن المبتدع إنما يميت السنة؛ لأنه لا يرضاها ولا
يحب أن يعمل به.
(كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامٍ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهَمْ شَيْئًا)
نظير ما مر، وحكمة ذلك: أن من كان سببًا في إيجاد شيء صحت نسبة ذلك الشيء
إليه على الدوام، وبدوام نسبته إليه تضاعف ثوابه أو عقابه؛ لأنه الأصل فيه، ومر في
شرح ذلك في تاسع عشر أحاديث الفصل الأول (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).
١٦٩ - [وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ].
(وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ الله بِنِ عَمْرو) بن عوف (عَنْ أَبِيهِ عَنْ
جَدِّهِ) أي: فما في أكثر نسخ ((المصابيح)) مما يخالف ذلك غلط كما قاله الشارحون.
١٧٠ - [وَعَنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ إِلَى
الْحِجَازِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا، وَلَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ مِنَ الْحِجَازِ مَعْقِلَ الأَرْوِيَّةِ مِنْ
رَأْسِ الْجَبَلِ))(١)].
(وَعَنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْحِجَازِ))
هو مكة والمدينة واليمامة وقراها، سمي بذلك؛ لأنه حجز بين نجد وتهامة (كَمَا تَأْرِزُ
الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا) مر معنى ذلك، وكان وجه التخصيص ثم بالمدينة، وهنا بالحجاز أنه
يأرز إليه أولاً، ثم لا يزال ينعدم من أهله حتى يأرز إليها أخرى؛ لأنها مستقره أولاً
فعاد إليها؛ ليكون مستقره أخرى أيضًا.
(١) أخرجه الترمذي (٢٦٣٠) وقال: حسن صحيح. والطبراني (١١)، وابن عدي (٥٧/٦).
٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثاني
(وَلَيَعْقِلَنَّ) عطف على ((ليأزر)) أو على ((أن)) ومعمولها؛ أي: ليتحصن وينضم
ويلتجئ (الدِّينُ) أبرزه وحقه الإضمار إعلامًا بعظيم شرفه ومزيد فخامته، ومن ثم
ضوعفت أدوات التأكيد، وأتى بالقسم المقدر، وبأن هذا المثال أشرف وأنسب بالدين
من المثال الأول كما يعلم مما مر فيه في الفصل الأول (مِنَ الْحِجَازِ مَعْقِلَ) مصدر أو
اسم مكان (الأَرْوِيَّةِ) أي: الأنثى من الوعول (مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ) وخصت؛ لأنها أقدر على
التمكن مما توعر من الجبال، وقيل: معنى ذلك: إن أهل الإيمان ينضمون للحجاز، ثم
ينفرون عنه حتى لا يبقى منهم أحد وهو بعيد، وأن ما ورد قد يدل عليه بالنسبة
للمدينة.
١٧١ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
(لَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي كَمَا أَنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالثَّعْلِ، حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ
أَتَى أُمَّهُ عَلَائِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ، وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ
وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّ مِلَّةً وَاحِدَةً. قَالُوا:
وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ:
(لَيَأْتِيَنَّ عَلَى) عداه بها مضمنًا له معنى الغلبة المؤدية إلى الهلاك كما في: ﴿مَا تَذَرُ مِن
شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢] لأن أصل معنى الإتيان [هو]
المجيء بسهولة، وهو غير مراد هنا (أَمَّتِي) أي: بعض أمة الدعوى، إمَّا من أهل القبلة
بقرينة كونه إضافتهم إلى نفسه، أو مطلقًا فيشمل ملك الكفر أيضًا (كَمَا أَفَى عَلَى بَنِي
إِسْرَائِيلَ) أي: مثل ما أهلك بني إسرائيل من الأفعال البالغة النهاية في القبح، فالكاف
الفاعل، ويصح نصبها على المصدر، والفاعل مقدر؛ أي: ليأتين على أمتي مخالفة لما أنا
عليه مثل المخالفة التي أتت على بني إسرائيل حتى أهلكتهم.
(حَذْوَ التَّعْلِ بِالتَّعْلِ) أي: تلك المماثلة المذكورة في غاية المطابقة والموافقة
كمطابقة النعل بالنعل (حَتَّى إِنْ) بالكسر (كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَنَى) أي: وطئ (أُمَّهُ)