النص المفهرس

صفحات 661-680

٦٦١
كتاب المناقب والفضائل / باب جامع المناقب
واتفاقُ من رجّح - وحسبُك منهم بأبي حاتم، وبيَّن أوجه الحديث على أن
الصواب فيه رواية أبي مُسْهِر ومَن تابعه - يقضي على دعوى إعلال الحديث
بالاضطراب، فهذا الاختلاف غير قادح، وإنما يقدح الاضطراب لو تعذر الترجيح
وتساوت أوجه الخلاف، وهذا مُنتَفٍ هنا، فالتخريج لوحده كافٍ لتبيين الرواية
الراجحة، كيف وقد نصّ على تصويبها الحفاظ؟ فبهذا يجاب عن كلام الحافظ ابن
حجر.
وأما إعلال ابن الجوزي للحديث فمن أعجب ما ترى، فقد أخطأ أخطاء مركبة
في تضعيفه، فذكر أن مدار الحديث على محمد بن إسحاق البلخي، وهو ليس بثقة، فرد
عليه الذهبي في ((تلخيص العلل المتناهية)) (٢٢٥): ((وهذا جهل منه، فإنما محمد بن
إسحاق هنا هو أبو بكر الصاغاني، ثقة))، ثم أبطل الذهبي نسبة التفرد له، وهذا واضح
في سياق طرق الحديث.
ثم قال ابن الجوزي إن في سنده الآخر إسماعيل بن محمد، وقد كذّبه الدارقطني،
فرد عليه الذهبي: ((وهذه بليّة أخرى؛ فإن إسماعيل هنا هو الصفَّار، ثقة، والذي كذَّبه
الدارقطني هو المزني یروي عن أبي نعيم».
هذا .. وأما إعلال بعض المتأخرين بتغيّر سعيد بن عبد العزيز فغير سديد؛ إذ
لم يُعِلَّ الحديث بهذا أحدٌّ من الحفاظ، بل لا تجد مِن مُتقدِّميهم أحدًا يُعل باختلاط
سعيد أصلاً، فهو أثبتُ الشاميين وأصحُّهم حديثا؛ كما قال الإمام أحمد وغيرُه، وما
غمز فيه أحد، بل ساووه بالإمام مالك، وقدّموه على الأوزاعي، واحتج بروايته الشيخان
وغيرُهما مطلقًا، وقضيةُ اختلاطه أخذها مَن أخذها مِن قول تلميذه أبي مُسْهِر، فقد
قال: ((كان سعيد بن عبد العزيز قد اختلط قبل موته، وكان يُعرض عليه قبل أن
يموت، وكان يقول: لا أجيزها. تاريخ ابن معين رواية الدوري (٥٣٧٧) فظهر أن القصة
التي فيها ذكْرُ اختلاط سعيد؛ فيها أيضا امتناعُه عن التحديث حالَه، فلم يضر
اختلاطُه روايته، فمَن أخذَ أولَ القصة وتَرَكَ آخرها فقد حاد عن النهج العلمي. ثم

٦٦٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
هَب أن سعيد قد اختلط وحدّث، فَمَن رواه عنه (وهو أبو مسهر) عالمٌ بالحديث يَقظُّ
متثبّت، بل أثبت الشاميين في زمانه عمومًا، وأثبتهم في سعيد خصوصًا، وكان سعيد
يقدّمُه ويخصُّه، وقد رفع من أمره وإتقانه جدًّا الإمامان أحمد وابن معين، ولا سيما
الثاني.
فهذه خمسة طرق عن سعيد بن عبد العزيز، وكلهم من ثقات الشاميين، ويبعد
عادة أن يكونوا جميعًا سمعوه منه بعد الاختلاط، وكأنه لذلك لم يُعله الحافظ
بالاختلاط.
بقي قولُ أبي حاتم إن عبد الرحمن لم يسمع الحديث من النبي ◌َّ وهذا لا يضر
في صحة الحديث، لأن أبا حاتم نفسه قد نص على صُحبة ابن أبي عَميرة كما في
الإصابة (٣٠٨/٦)، وكما قال ابنُه عبد الرحمن، كما في الجرح والتعديل (٢٧٣/٥) فغاية
ما هنالك أن تكون روايته من مراسيل الصحابة، وهي مقبولة محتج بها عند أهل
العلم، وأمثلتها كثيرة. وربما كان كلام أبي حاتم منصبا على قول عبد الرحمن: سمعت
النبي ◌َ، فيحكم أبو حاتم أن اللفظة غير محفوظة - قارن بصنيع البخاري في
التاريخ (٢٤٠/٥) فربما أخذ الحديث عن صحابي آخر، وهذا لا يؤثر في صحة الحديث،
كما يقع في روايات بعض الصحابة - رضي الله عنهم جميعًا - مثل الحسن والحسين
وابن عباس لأحاديث لم يُدركوها، وهذه لا تجد أحدًا من أهل العلم والفهم يدفعُ
صحتها بدعوى عدم سماعها من النبي ◌ِّة، علمًا بأنه وقع سماع عبد الرحمن بن أبي
عَميرة في هذا الحديث في كثير من مصادره، وفي بعضها التصريح من الراوي عنه بأن
عبد الرحمن من أصحاب النبي دولار.
وجملة القول أن العلة التي ذكرها أبو حاتم هي من النوع المسمى: العلة غير
القادحة، لأنه من الواضح من كلامه أنه لو كانت هناك علة للحديث سوى ما قاله
لذكرها.
فتبيّن مما سبق أن سائر ما أُعلّ به الحديث ليس بقادح، وأن المحفوظ منه

٦٦٣
كتاب المناقب والفضائل/ باب جامع المناقب
صحيح السند، ورجاله ثقات أثبات، وثبّته جمع من الحفاظ، فالحُكْمُ لهم، والله تعالى
أعلم.
الخليفة معاوية : كان من كتاب الوحي تحت يد النبي وَ ل﴾. فقد استأمنه
النبي ◌َ﴾ وهناك من يرد حديث معاوية له فكفى بهذا ضلالاً.
فعن سهل بن الربيع بن الحنظلية أنه حينما قدم على رسول الله وَالر عيينة بن
حصن والأقرع بن حابس فسألاه فأمر لهما بما سألا وأمر معاوية فكتب لهما بما
سألا)). [أبو داود في سننه (١٦٢٩)].
وعن شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس أن النبي صل﴾ قال له: «اذهب وادع لي
معاوية)) وفي رواية زاد ابن عباس - رضي الله عنهما - ((وكان كاتبه))(١).
وعن عمير بن سعد الأنصاري ﴾ قال: لا تذكروا معاوية إلا بخير فإني سمعت
النبيِ وَّ يقول: ((اللُّهُمَّ اهد به)).
فهي دعوة مستجابة من النبي ﴿ ﴿ فيا تُرى ماذا يقول الذين يطعنون في معاوية؟
أم أنهم أحسن حكماً من رسول الله وَل﴿ والعياذ بالله؟!
وفي حديث أم حرام: ((أن رسول الله وَ ل﴾ نام عندها ثم استيقظ وهو يضحك،
قالت: فقلت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «ناس من أمتي عُرضوا عليّ غزاة في
سبيل الله يركبون ثبج - وسط - هذا البحر ملوكًا على الأسرّة - أو مثل الملوك على
الأسرّة)) قالت: فقلت يا رسول الله: ادع الله أن يجعلني منهم قال: ((أنت من الأولين))
فركبت البحر في زمن معاوية بن أبي سفيان فصرعت عن دابتها حين خرجت من
البحر فهلكت)) [رواه البخاري (٦٦٠٠)، ومسلم (١٩١٢)].
قال ابن كثير: ((يعني جيش معاوية حين غزا قبرص ففتحها في سنة سبع
وعشرين أيام عثمان بن عفان وكانت معهم أم حرام فماتت هناك بقبرص، ثم كان أمیر
(١) أخرجه مسلم والرواية التي فيها الزيادة عن أحمد والآجري.

٦٦٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
الجيش الثاني ابنه يزيد بن معاوية ولم تدرك أم حرام جيش يزيد، وهذا من أعظم
دلائل النبوة)) [البداية والنهاية (٢٣٢/٨)].
وعن أم حرام أيضا قال رسول الله وَله: ((أول جيش من أمتي يغزون البحر قد
أوجبوا)) قالت أم حرام: قلت: يا رسول الله أنا فيهم؟ قال: ((أنت فيهم)) ثم قال النبي ◌َليّ:
((أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم)، فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟
قال: ((لا)) [رواه البخاري].
وقال الحافظ ابن حجر: ((وقوله: قد أوجبوا أي: فعلوا فعلاً وجبت لهم به الجنة))
[الفتح (١٢٨/٦)].
وكان رأي عمر ﴾ في معاوية عمليًّا؛ فقد استعمله على الشام، وعمر أبعد ما
يكون عن الهوى ومن أكثر الناس فراسة وحكما على الرجال، ومعنى ذلك أنه رضي
معاوية لأحوال المسلمين وأنه يصلح للإمارة والحكم لا كما يصفه المغرضون.
وقال البغوي: حدثنا عمي عن الزبير حدثني محمد بن علي قال: كان عمر إذا
نظر إلى معاوية قال: هذا كسرى العرب. وفي مسند أحمد وأصله في مسلم عن ابن
عباس قال: قال لي النبي وَ الر: (ادع لي معاوية)) وكان كاتبه.
وقد روى معاوية أيضًا عن أبي بكر وعمر وعثمان وأخته أم المؤمنين أم حبيبة
بنت أبي سفيان. وروى عنه من الصحابة ابن عباس وجرير البجلي، ومعاوية بن
خديج والسائب بن يزيد وعبد الله بن الزبير والنعمان بن بشير وغيرهم ... [الإصابة
(١١٣/٦)].
وعن ابن أبي مليكة: ((قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما
أوتر إلا بواحدة، فقال: ((إنه فقيه)) [البخاري].
وهذه شهادة حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس - رضي الله عنهما -.
وهذه الشهادة بالفقه من ابن عباس تدل على أن معاوية كان من المجتهدين؛ إذ
لفظة (فقيه) في القرون الأولى عصر الصحابة وأتباعهم ترادف (المجتهد المطلق) في

٦٦٥
كتاب المناقب والفضائل/ باب جامع المناقب
القرون المتأخرة كما هو معلوم.
وقال أبو الدرداء ﴾ لأهل الشام: ((ما رأيت أحدا أشبه صلاة بصلاة رسول الله
* من إمامكم هذا - يعني معاوية)».
وقال قبيصة بن جابر: ((ألا أخبركم من صحبت؟ صحبت عمر بن الخطاب فما
رأيت أفقه فقهًا، ولا أحسن مدارسةً منه، ثم صحبت طلحة بن عبيد الله فما رأيت
رجلاً أعطى للجزيل من غير مسألة منه، ثم صحبت معاوية فما رأيت رجلاً أحب
رفيقًا ولا أشبه سريرة بعلانية منه)) [تاريخ الطبري (٢٦٩/٣)].
وورد عن جماعة من السَّلف أنهم ذكروا عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال
الأعمش: ((فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا: في حلمه؟ قال: لا والله بل في عدله).
وعن أبي أسامة حماد بن أسامة بن زيد وقد قيل له: «أيهما أفضل معاوية أو
عمر بن عبد العزيز؟ فقال: أصحاب رسول الله (وَل﴿ لا يقاس بهم أحد)) [الشريعة
للآجري (٥٢٠/٣)].
وقال عبد الله بن المبارك: معاوية عندنا محنة فمن رأيناه ينظر إليه شررًا اتهمناه
على القوم - يعنى الصحابة. [البداية والنهاية (٤٤٩/١١)].
وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي: سئل المعافى بن عمران: أيهما أفضل
معاوية أم عمر بن عبد العزيز، فغضب وقال للسائل: أتجعل رجلاً من الصحابة مثل
رجل من التابعين، معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحي الله. [البداية والنهاية
(٤٥٠/١١)].
وسئل الإمام أحمد بن حنبل #: ما تقول رحمك الله فيمن قال: لا أقول إن
معاوية كاتب الوحي ولا أقول أنه خال المؤمنين فإنه أخذها بالسيف غصباً؟ قال أبو
عبد الله: هذا قول سوء رديء، بجانبون هؤلاء القوم ولا يجالسون ونبين أمرهم للناس.
[السنة للخلال (٤٣٤/٢)].
وقال ابن أبي العز الحنفي: «وأول ملوك المسلمين معاوية وهو خير ملوك

٦٦٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
المسلمين)). [شرح العقيدة الطحاوية (٥١٠)].
وقال الإمام ابن کثیر في فضل معاوية ﴾: خال المؤمنین وکاتب وحي رسول رب
العالمين. [البداية والنهاية (٢٠/٨)].
وقال الإمام الذهبي عنه: هو أمير المؤمنين ملك الإسلام. [السير (١٢٠/٣)].
ويقول الإمام النووي: ( ... وأما معاوية له فهو من العدول الفضلاء والصحابة
النجباء ﴾)) [شرح النووي لصحيح مسلم (١٤٠/١٥)].
وقال ابن خلدون: «وقد كان ينبغي أن تلحق دولة معاوية وأخباره بدول الخلفاء
وأخبارهم فهو تاليهم في الفضل والعدالة والصحبة)) [العبر (١١٤٠/٢)].
وينبغي التنبيه على أن الأحاديث التي يطعنون بها في معاوية ﴾ قسمان:
الأول: أحاديث موضوعة لا يصح أن تنسب إلى رسول الله وله وإنما اخترعها
الضلال ليطعنوا في هذا الصحابي الجليل ويوغروا الصدور عليه ومنها:
((اللَّهُمَّ أركسهما في الفتنة ودعمهما في النار دعًّا)) أي: معاوية وعمرو بن العاص
- رضي الله عنهما -))، ((يطلع عليكم رجل يموت على غير سنتي)) فطلع معاوية، «قام
النبي والد خطيباً، فأخذ معاوية بيد ابنه يزيد وخرج ولم يسمع الخطبة. فقال النبي ◌َله:
((لعن الله القائد والمقود)).
هذا من أسمج وأقبح الكذب فمعاوية لم يتزوج إلا في زمن عمر وولد له يزيد في
زمن عثمان سنة سبع وعشرين من الهجرة، وكذلك: «إذا رأيتم معاوية على منبري
فاقتلوه))(١).
قال الإمام ابن حجر الهيتمي: ((زعم بعض الملحدة الكذبة الجهلة الأغبياء
الأشقياء إخوان الضلالة والعناد والبهتان والفساد أن النبي # قال: ((إذا رأيتم معاوية
على منبري فاقتلوه)، وإن الذهبي صحح هذا الحديث وليس الأمر كما زعم، بل ضل
(١) انظر: ((من سب الصحابة ومعاوية فأمه هاوية)) (ص١٦٦).

٦٦٧
كتاب المناقب والفضائل/ باب جامع المناقب
وافترى ولم يصححه الذهبي، إنما ذكره في تاريخه ثم بين أنه كذب موضوع لا أصل له،
على أنه يلزم على فرض ذلك نقيصة سائر الصحابة إن بلغهم هذا الحديث أو نقيصة
من بلغه منهم وكتمه لأن مثل هذا يجب تبليغه للأمة حتى يعملوا به، على أنه لو كتمه
لم يبلغ التابعين حتى نقلوه لمن بعدهم وهكذا، فلم يبق إلا القسم الأول وهو أن
يبلغهم فلا يعملون به، وهو لا يتصور شرعا إذ لو جاز عليهم ذلك جاز عليهم كتم
بعض القرآن أو رفض العمل به وكل ذلك محال شرعا، لا سيما مع قوله التالية: (تركتكم
على الواضحة البيضاء ... )) الحديث. ومما يصرح بل يقطع بكذب ناقل هذا الحديث
تولية عمر له دمشق الشام مدة ولا يته .... )). [تطهير الجنان ص ٢٩].
(( .. وفي مبايعة وتنازل سبط رسول الله ◌َ﴾ الحسن بن عليّ بن أبي طالب ظه
لمعاوية رد بليغ وإلقام حجر في فَم الروافض أعداء الله، والحسن ﴾ من الأئمة
المعصومين عندهم الذين لا يجوز الخطأ في حقهم، فلم يا تُرى خالفوه وسموه بمسود
وجوه المؤمنين؟! إنه الهوى والضلال والزندقة))(١).
وينبغى أن نذكر أنه تعصب قوم لمعاوية فاخترعوا أحاديث في مدحه.
الثاني: أحاديث وروايات صحيحة لكن أهل الباطل - كعادتهم - أخرجوها
عن معناها إلى معنى مفاده الطعن في معاوية، وها نحن نذكرها ونذكر شرح العلماء
لها:
- أرسل النبي وَلاو ابن عباس # ليطلب له معاوية ﴾، قال ابن عباس :
فأتيته وهو يأكل، فقلت: أتيته وهو يأكل، فأرسلني الثانية، فأتيته وهو يأكل، فقلت:
أتيته وهو يأكل، فقال: ((لا أشبع الله بطنه)) [صحيح مسلم (٢٦٠٣)].
فليس في الحديث ما يدل على الطعن أبدًا في معاوية ، وقد يستغل بعض
الفرق الضالة من المنتسبين والغواة الحمقى المغفلين، هذا الحديث ليتخذوا منه مطعنًا
(١) انظر: ((من سب الصحابة ومعاوية فأمه هاوية)) (١٤٨).

٦٦٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
صَلىالله؟!
وسيلة
في معاوية # وليس فيه ما يساعدهم على ذلك كيف وفيه أنه كان كاتب النبي
ولذلك قال الحافظ ابن عساكر: ((إنه أصح ما ورد في فضل معاوية)).
فالظاهر أن هذا الدعاء منه ◌َل * غير مقصود بل هو ما جرت به عادة العرب في
وصل كلامها بلا نيّة كقوله {وَلّر في بعض نسائه: ((عقري حلقك)) و((تربت يمينك))
ويمكن أن يكون ذلك منه * بباعث البشرية التي أفصح عنها هو نفسه وصله في
أحاديث كثيرة متواترة منها حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: دخل على
رسول الله له رجلان فكلماه بشيء لا أدري ما هو فأغضباه فلعنهما وسبهما، فلما
خرجا قلت: يا رسول الله من أصاب من الخير شيئًا ما أصابه هذان؟ قال: ((وما ذاك؟))
قالت: قلت: لعنتهما وسببتهما، قال: ((أو ما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: اللُّهُمَّ
إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجرا)). رواه مسلم [٢٦٠٠]
مع الحديث الذي قبله في باب واحد هو: ((باب من لعنه النبي ◌َله أو سبه أو دعا عليه
وليس هو أهلا لذلك كان له زكاة وأجرًا ورحمة)). وقد أشار الإمام الذهبي إلى المعنى
الثاني فقال: قلت: لعل أن يقال: هذه منقبة لمعاوية لقوله وَّيّ: «اللَّهُمَّ من لعنته أو
سببته، فاجعل ذلك له زكاة ورحمة)). [السير (٩/ ١٢٣)]. ولا نقص على معاوية في هذا
الحديث أصلاً، أما الأول: فلأنه ليس فيه أن ابن عباس قال لمعاوية أن رسول الله وله
يدعوك فتباطأ، وإنما يحتمل أن ابن عباس لما رآه يأكل استحى أن يدعوه فجاء فأخبر
النبي ◌َل﴾ بأنه يأكل، وكذا في المرة الثانية، وحينئذ فسبب الدعاء بفرض أن يراد به
حقيقة، أن طول زمن الأكل يدل على الاستكثار منه وهو مذموم على أن ذلك ليس فيه
الدعاء عليه بنقص ديني وإنما هو للدعاء عليه بكثرة الأكل لا غير، وهي إنما
تستدعي المشقة والتعب في الدنيا دون الآخرة، وكل من لم يضره نقص أخروي لا ينافي
الكمال، وأما ثانيًا: فبفرض أن ابن عباس أخبر معاوية بطلب النبي كله يحتمل أنه ظن
في الأمر سعة وأن هذا الأمر ليس فوريًا. [تطهير الجنان واللسان عن الخطور والتفوه
بثلب سيدنا معاوية بن أبى سفيان للعلامة ابن حجر الهيتمي (٢٨، ٢٩)].

٦٦٩
كتاب المناقب والفضائل/ باب جامع المناقب
وأما ما ورد في صحيح مسلم (٢٤٠٤) من أن معاوية ﴾ قال لسعد بن أبي
وقاص : ما منعك أن تسبَّ أبا تراب - أي: عليّ ﴾؟ فقال: أما ذكرت ثلاثًا قالهن له
رسول الله وَ﴾؟ فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم:
سمعت رسول الله ول﴾ يقول له وقد خلّفه في بعض مغازيه، فقال له عليّ: یا
رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان، فقال له رسول الله وسلم: ((أما ترضى أن تكون
مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)).
وسمعته يقول يوم خيبر: ((لأعطينَّ الراية غدًا رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله
ورسوله))، قال: فتطاولنا لها فقال: ((ادعوا لي عليًّا)»، فأتي به أرمد -أي: به وجع في عينيه
-فبصق في عینیه ودفع الرایة إلیه ففتح الله علیه.
ولما نزلت هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١]
دعا رسول الله وَ ل﴿ عليًّا وفاطمة وحسنًا وحسينًا، فقال: ((اللَّهُمَّ هؤلاء أهلي)).
وحمل هذا وغيره على معنى الخير واجب لأنه قد ثبت أن النبي وَله دعا لمعاوية
واتخذه كاتبا للوحي فأي معنى لحمل الحديث على معنى سيئ؟ وكلام الرسول وَلا لا
يتناقض أبدا ولا يمكن لأي مؤمن أن يدعو لسب عليّ # فكيف بمن هذا حاله من
الصحبة والإيمان؟!
يقول الإمام النووي: ((قال العلماء: الأحاديث الواردة التي في ظاهرها دخل على
صحابي يجب تأويلها. قالوا: ولا يقع في روايات الثقات إلا ما يمكن تأويله فقول
معاوية هذا ليس فيه تصريح بأنه أمر سعدًا بسبه وإنما سأله عن السبب المانع له من
السب، كأنه يقول: هل امتنعت تورعًا أو خوفًا أو غير ذلك؟ فإن كان تورعًا وإجلالاً له
عن السب فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك فله جواب آخر. ولعل سعدا قد
كان في طائفة يسبون فلم يسب معهم وعجز عن الإنكار وأنكر عليهم فسأله هذا
السؤال ... )). [شرح صحيح مسلم (١٦٢/١٥)].
ومثل هذا المعنى هو الصحيح، كيف لا؟ وقد ثبت أن معاوية كان يُعظم عليًّا

٦٧٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
ويعرف قدره ويرسل إليه يسأله في بعض مسائل القضاء ولما جاءه خبر مقتل الإمام عليّ
ال#ه جعل يبكي فقالت له امرأته: ((أتبكيه وقد قاتلته؟ قال: ويحك إنك لا تدرين ما فقد
الناس من الفضل والفقه والعلم)) [البداية والنهاية (١٣٣/٨)].
لكن الخلاف بينهما كان مسألة اجتهاد والأمور مشتبهة جدا كما ذكرنا وكما
سيأتي معنا. ويقول الإمام القرطبي: ((وأما معاوية فحاشاه من ذلك لما كان عليه من
الصحبة والدين وكرم الأخلاق وما يذكر عنه من ذلك فكذب وأصح ما في ذلك قوله
لسعد هذا وتأويله ما ذكر عياض وقد كان معاوية معترفا بفضل عليّ وعظيم قدره)(١).
ذكر بعض أصحاب كتب التراجم والرجال الذين ترجموا لمعاوية # ولم يذكروه
إلا بخير:
البخاري في التاريخ الكبير (٣٢٦/٧). ابن سعد في الطبقات الكبرى (٤٠٦/٧).
ابن حبان في الثقات (٣٧٣/٣). ابن جرير الطبري في التاريخ (٢٦٠/٣). ابن قتيبة
في المعارف (١٠٢). الخطيب في تاريخ بغداد (٢٠٧/١). ابن عساكر في تاريخ دمشق
(٥٥/٥٩). ابن الأثير في أسد الغابة (٢٠١/٥)، والكامل (٥/٤). ابن الجوزي في المنتظم
(٣٣٢/٥). ابن عبد البر في الاستيعاب (١٣٤/١٠). ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/
٣٧٧). الذهبي في سير أعلام النبلاء (١١٩/٣). المزي في تهذيب الكمال (١٧٦/٢٨). ابن
حجر في الإصابة (١٥١/٦) وتهذيب التهذيب (٢٠٧/١٠). ابن كثير في البداية والنهاية
(١٢٠/٨) وفي جامع المسانيد (٥٦٨/١١). ابن العماد في شذرات الذهب (٦٥/١).
السيوطي في تاريخ الخلفاء (١٩٤). ابن دقمان في الجوهر الثمين (٧٣)، وغيرهم کثیر.
نقلاً عن كتاب ((من سبَّ الصحابة ومعاوية فأمه هاوية)) (١٦٥).
تتمة وفائدة فيما قيل من عدم ثبوت فضائل خاصة بمعاوية :
روى ابن عساكر (١٠٦/٥٩) وابن الجوزي في الموضوعات (٢٤/٢) من طريق أبي
(١) انظر: ((من سب الصحابة ومعاوية فأمه هاوية)) (ص١٣٨).

٦٧١
كتاب المناقب والفضائل/ باب جامع المناقب
عبد الله الحاكم، عن أبي العباس محمد بن يعقوب الأصم، قال: سمعت أبي يقول:
سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: لا يصح عن النبي رؤية في فضل معاوية بن
أبي سفيان شيء.
قلت: وعلى هذه العبارة اتكأ غالبُ مَن ردَّ ما ثبت من أحاديث في فضل
معاوية ، وهي عبارةٌ لم تثبت عن الإمام إسحاق؛ المعروف بابن راهُوْيَه، فالراوي
عنه: يعقوب بن الفضل ترجمتُه عزيزةٌ جدًّا؛ إذ لم يَذَكُرْه ابنُ أبي حاتم ولا ابن حِبّان
مع استيعابهما، إنما ذكره الخطيب في ((تاريخه)) (٢٨٦/١٤) باقتضاب شديد، وترجمه
الذهبي في ((السير)) (٤٥٣/١٥) وتاريخ الإسلام (وفيات سنة ٢٧٧ ص٤٩٦) ولم أجد فيه
جرحًا ولا تعديلاً.
وقال الحافظ ابن عساكر بعد روايته له معقّبًا: ((وأصحّ ما رُوي في فضل معاوية
حديثُ أبي حمزة عن ابن عباس أنه كاتِبُ النبيِّ وَّ، فقد أخرجه مسلم في صحيحه،
وبعدَه حديثُ العِرباض: ((اللَّهُمَّ علّمه الكتاب)) وبعده حديث ابن أبي عَمِيرة: ((اللَّهُمَّ
اجعله هاديا مهديّا)) فهذا ردُّ منه على الكلام المنسوب لإسحاق، ورأيتُ ابنَ حَجَر
الهيتمي يُشكك في ثبوت التضعيف عن إسحاق كما في ((تطهير الجنان)) له (ص١٢)
وربما احتجَّ بعضُهم بقصةٍ غير صريحة في الباب تُروى عن الإمام النَّسائي من وجوه
مختلفة المتن والمكان، انظرها في (تهذيب الكمال)) (٣٣٨/١ - ٣٣٩) و((بغية الراغب
المُتَمَنِّي)» للسخاوي (ص١٢٧ - ١٣٢).
ونقل المزي عن ابن عساكر قوله: ((وهذه الحكاية لا تدل على سوء اعتقاد أبي
عبد الرحمن - يعني النسائي - في معاوية بن أبي سفيان وإنما تدل على الكف في ذكره
بكل حال، ومما يفيد في فهم قصة النَّسائي قولُ سفيان الثوري: إذا كنتَ في الشام
فاذكرْ مناقب علي، وإذا كنتَ في الكوفة فاذكر مناقب أبي بكر وعمر.
وقوله: منعتنا الشيعة أن نذكر فضائل عَليّ. («الحلية)) (٢٧/٧) وقول شعبة في بيته
بالكوفة: لقد حدثنا الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي ، عن النبي صلى

٦٧٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
بشيءٍ لو حدّثتُكم به لرقصتم، والله لا تسمعونه مني أبدًا. انظر: ((العلل)) لعبد الله بن
أحمد (٣٥٤/٣) و(«الحلية)) (١٥٧/٧) و(«تاريخ بغداد)» (٢٦٠/٩) وكلام الأئمة في مثل هذا
كثير، وإنما اقتصرت على الثوري وشعبة لإمامتهما ولأنهما كوفیان.
ويُخالف كلَّ هذا تصحیحُ جَمْعٍ من الحفاظ لأحاديث في فضائل معاوية، وتبويب
بعضهم لذلك، كالترمذي وغيره، بل وإفرادُ بعضهم لمناقبه.
وأشارَ الحافظ أبو موسى المَديني لثبوت جُملةٍ من الفضائلِ لمُعاوية ﴾، فقد
أورد حكاية لا تصح عن علي بن الحسين # في فضل معاوية، ثم عقَّب قائلاً: معاوية
ظله ذو فضائل جمة، وحال هذا الإسناد لا يخفى على أهل العلم به ذِكْرُ الإمام الحافظ
ابن منده، ومَن أدركهم من أصحابه الخلّال (ص١٠٢) (٧١) فجعل الفضائلَ الجمّةَ
مُقابِلَةً للضعيفِ الذي لم يثبت. انظر: كتابنا [القول الرضي بتصحيح حديث الترمذي
في فضل معاوية الصحابي للتتوي السندي - بدراسة وتحقيق للفقير].
٦٢٤٥ - [وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (أَسْلَمَ النَّاسُ وَآمَنَ
عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ](١).
٦٢٤٦ - [وَعَنْ جَابِرِ ﴿ه قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ الله ◌ِ﴿ فَقَالَ: ((يَا جَابِرُ، مَا لِي أَرَاكَ
مُنْكَسِرًّا؟)) قُلْتُ: اسْتُشْهِدَ أَبِي وَتَرَكَ عِيَالاً وَدَيْنًا. قَالَ: ((أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللهُ بِهِ
أَبَاكَ؟)) قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «مَا كَّمَ اللّهُ أَحَدًّا قَطُ إِلَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَأَحْيَا
أَبَاكَ فَكَّمَهُ كِفَاحًا، قَالَ: يَا عَبْدِي، تَمَنَّ عَلَّ أَعْطِكَ. قَالَ: يَا رَبِّ، تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ
ثَانِيةً. قَالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّ أَنَّهُمْ لَا يُرْجَعُونَ)) فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَا
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَانًا.﴾ [آل عمران: ١٦٩]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](٢).
٦٢٤٧ - [وَعَنْهُ قَالَ: اسْتَغْفَرَ لِي رَسُولُ اللهِ وَ خَمْسَّا وَعِشْرِينَ مَرَّةً رَوَاهُ
(١) أخرجه أحمد (١٧٤٤٩) والترمذي (٣٨٤٤) والروياني (٢١٢) والطبراني (٨٤٥) وابن عساكر
(١٣٤/٤٦).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٢٨١).

٦٧٣
كتاب المناقب والفضائل/ باب جامع المناقب
التّرْمِنِيُّ](١).
٦٢٤٨ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: «كَمْ مِنْ أَشْعَتَ أَغْبَرَ ذِي
طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللّه لِأَبَرَّهُ، مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ،
وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((دَلائِلِ التُّبُوَّةِ)](٢).
٦٢٤٩ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (أَلَا إِنَّ عَيْبَتِي الَّتِي آوِي
إِلَيْهَا أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّ كَرِشِي الأَنْصَارُ، فَاعْفُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ وَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ)). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنَّ](٣).
٦٢٥٠ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: (لَا يَبْغَضُ
الأَنْصَارَ أَحَدُّ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ
صَحِيحٌ](٤).
٦٢٥١ [وَعَنْ أَنَسِ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله
◌ِّ: ((اقْرَأْ قَوْمَكَ السَّلَامَ، فَإِنَّهُمْ مَا عَلِمْتُ أَعِقَّةُ صُبُّرَ)) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](٥).
٦٢٥٢ - [وَعَنْ جَابِرٍ ﴾: أَنَّ عَبْدًا لِخَاطِبٍ جَاءَ إِلَى النَّبِّ ◌َّه يَشْكُو حَاطِبًا إِلَيْهِ،
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبُ النَّارَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((كَذَبْتَ، لَا يَدْخُلُهَا؛
فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ)(٦).
(١) أخرجه الترمذي (٤٢٢٤).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٨٥٤) والحاكم (٥٢٧٤) وأبو نعيم (٣٥٠/١) والبيهقي في ((دلائل النبوة))
(٢٦٥١).
(٣) أخرجه الترمذي (٣٩٠٤) وابن أبي شيبة (٣٢٣٥٧) وابن سعد (٢٥٢/٢) وأبو يعلى (١٠٢٥).
(٤) أخرجه أحمد (٢٨١٩) والترمذي (٣٩٠٦) والنسائي في ((الكبرى)) (٨٣٣٣) وابن أبي شيبة
(٣٢٣٧٢) والضياء (١٣٥).
(٥) أخرجه الترمذي (٣٩٠٣)، والطبراني (٤٧١٠)، والحاكم (٦٩٧٣)، وأبو يعلى (٣٣٨٩).
(٦) أخرجه مسلم (٢٤٩٥)، والترمذي (٣٨٦٤)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٠٧٤)، والطبراني (٣٠٦٤)،
والحاكم (٥٣٠٨).

٦٧٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
٦٢٥٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ ثَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا
يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، مَنْ
هَؤُلاءِ الَّذِينَ إِنْ تَوَلَّيْنَا اسْتُبْدِلُوا بِنَا ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَنَا؟ فَضَرَبَ عَلَى فَخِذٍ سَلْمَانَ
الْفَارِيِّ، ثُمَّ قَالَ: ((هَذَا وَقَوْمُهُ، وَلَوْ كَانَ الدِّينُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالُّ مِنَ الْفُرْسِ)).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](١).
٦٢٥٤ - [وَعَنْهُ قَالَ: ذُكِرَتِ الأَعَاجِمُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِوَ﴿ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ:
(لأَنَا بِهِمْ أَوْ بِبَعْضِهِمْ أَوْتَقُ مِنِّي بِكُمْ أَوْ بِبَعْضِكُمْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](٤).
الفصل الثالث
٦٢٥٥ - [وَعَنْ عَلِّ ◌َ﴾ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((إِنَّ لِكُلِّ نَبِيِّ سَبْعَةَ نُجَبَاءَ وَرُقَبَاءَ،
وَأُعْطِيتُ أَنَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ)) قُلْنَا: مَنْ هُمَ؟ قَالَ: «أَنَا وَابْنَايَ وَجَعْفَرُّ وَحَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ
وَعُمَرُ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَبِلَالْ وَسَلْمَانُ وَعَمَّارٌ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو ذَرِّ
وَالْمِقْدَادُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](٣).
٦٢٥٦ - [وَعَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﴾ قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَمَّارِ بْنِ یَاسِرٍ كَلَامُ،
فَأَغْلَظْتُ لَهُ فِي الْقَوْلِ، فَانْطَلَقَ عَمَّارٌ يَشْكُونِي إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِهِ فَجَاءَ خَالِدَّ، وَهُوَ
يَشْكُوهُ إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: فَجَعَلَ يُغْلِظُ لَهُ وَلَا يَزِيدُهُ إِلَّ غِلْظَةً، وَالنَِّيُّ ◌َ سَاكِتُ لَا
يَتَكَلَّمُ، فَبَكَى عَمَّارُ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَرَاهُ؟ فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ وَهِ رَأْسَهُ وَقَالَ: ((مَنْ
عَادَى عَمَّارًا عَادَاهُ اللهُ، وَمَنْ أَبْغَضَ عَمَّارًا أَبْغَضَهُ اللهُ)) قَالَ خَالِدَّ: فَخَرَجْتُ فَمَا كَانَ
شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَّ مِنْ رِضَا عَمَّارٍ، فَلَقِيتُهُ بِمَا رَضِيَ فَرَضِيَ](٤).
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٧٠)، والبغوي (١٧٦/٧).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٩٣٢).
(٣) أخرجه الترمذي (٣٧٨٥)، والطبراني (٦٠٤٧)، والحاكم (٤٩٠١).
(٤) أخرجه أحمد (١٦٨٦٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٢٦٩)، وابن حبان (٧٠٨١)، والحاكم
(٥٦٧٤)، وابن أبي شيبة (٣٢٢٥٢).

٦٧٥
كتاب المناقب والفضائل/ باب جامع المناقب
٦٢٥٧ - [وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَهُ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((خَالِدُّ
سَيْفٌّ مِنْ سُيُوفِ الله ◌َ وَنِعْمَ فَتَى الْعَشِيرَةِ)). رَوَاهُمَا أَحْمَدُ](١).
(خَالِدُ سَيْفُ مِنْ سُيُوفِ اللّه ◌َتَ) أي: خَالِدِ بْنِ الْوَلِيد بْنِ الْمُغِيرَةِ بْن
عَبْد الله بْن عُمَر بْن ◌َخْزُومِ بْنِ يَقَظَة - بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْقَافِ وَالْمُشَالَة - إِبْنِ
مُرَّة بْن كَعْب، يَجْتَمِع مَعَ النَّبِيّ ◌َّهَ وَمَعَ أَبِي بَكْرِ جَمِيعًا فِي مُرَّة بْنِ كَعْب، يُكَتَّى أَبًا
سُلَيْمَانِ، وَكَانَ مِنْ فُرْسَان الصَّحَابَةِ، أَسْلَمَ بَيْن الْحُدَيْبِيَةِ وَالْفَتْحِ، وَيُقَال قَبْل غَزْوَة مُؤْتَة
بِشَهْرَيْنِ، وَكَانَتْ فِي ◌ُمَادَى سَنَة ثَمَان، وَمِنْ ثَمَّ جَزَمَ مُغَلْطَاي بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي صَفَر وَكَانَ
الْفَتْحِ بَعْد ذَلِكَ فِي رَمَضَان.
وَحَكَى إِبْنِ أَبِي خَيْئَمَةَ أَنَّهُ أَسْلَمَ سَنَةٍ خَمْسٍ، وَهُوَ غَلَط فَإِنَّهُ كَانَ بِالْحُدَيْبِيَةِ طَلِيعَة
لِلْمُشْرِكِينَ وَهِيَ فِي ذِي الْقَعْدَة سَنَة سِتّ. وَقَالَ الْحَاكِمِ: أَسْلَمَ سَنَة سَبْعٍ، زَادَ غَيْره
وَقِيلَ: عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، وَالرَّاجِحِ الْأَوَّل وَمَا وَافَقَهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيد بْنِ مَنْصُور عَنْ
هُشَيْمِ عَنْ عَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر عَنْ أَبِيهِ ((أَنَّ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَقَدَ قَلَنْسُوَة فَقَالَ:
إِعْتَمَرَ رَسُول الله ﴿ ﴿ فَحَلَقَ رَأْسِه، فَابْتَدَرَ النَّاسِ شَعْرِهِ فَسَبَقْتَهِمْ إِلَى نَاصِيَته فَجَعَلْتَهَا
فِي هَذِهِ الْقَلَنْسُوَةِ، فَلَمْ أَشْهَدِ قِتَالًا وَهِيَ مَعِي إِلَّا رُزِقْتِ النَّصْرِ)) وَشَهِدَ مَعَ النَِّيّ ◌َّلـ
عِدَّة مَشَاهِد ظَهَرَتْ فِيهَا نَجَابَته، ثُمَّ كَانَ قَتْل أَهْلِ الرِّدَّة عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ فُتُوح الْبِلَاد
الْكِبَارِ، وَمَاتَ عَلَى فِرَاشه سَنَة إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَبِذَلِكَ جَزَمَ إِبْنِ نُمَيْرِ، وَذَلِكَ فِي خِلَافَة
عُمَر بِحِمْصَ. وَنُقِلَ عَنْ دُحَيْمٍ أَنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ وَغَلَّطُوهُ، وَوَقَعَ فِي كَلَامِ إِبْنِ الثّين
وَتَبِعَهُ بَعْض الشُّرَّاحِ شَيْءٍ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْر، وَهُوَ غَلَط قَبِيح
أَشَدّ مِنْ غَلَط دُحَيْمٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ الصِّدِّيقِ لَمَّ أُخْتُضِرَ خَالِدِ وَالنِّسْوَةِ تَبْكِينَ
عَلَيْهِ: ((دَعْهُنَّ يُهْرِقَن دُمُوعهنَّ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانِ، فَهَلْ تَأَيَّمَتِ النِّسَاء عَنْ مِثْله))
إِنْتَهَى.
(١) أخرجه أحمد (١٦٨٦٩)، وابن أبي شيبة (٣٢٢٦٤).

٦٧٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
(سَيْفٌّ مِنْ سُيُوفِ الله) مِنْ يَوْمَئِذٍ تَسَمَّى سَيْف الله.
٦٢٥٨ - [وَعَنِ بُرَيْدَةَ عَّه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِّ: ((إِنَّ اللّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَمَرَنِي
بِحُبّ أَرْبَعَةٍ وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُحِبُّهُمْ)) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، سَمِّهِمْ لَنَا. قَالَ: ((عَلِيٍّ مِنْهُمْ)) يَقُولُ
ذَلِكَ ثَلَاثًا ((وَأَبُو ذَرِّ وَالْمِقْدَادُ وَسَلْمَانُ، أَمَرَنِي بِحُبِّهِمْ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُحِبُّهُمْ)). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنَّ غَرِيب](١).
٦٢٥٩ - [وَعَنْ جَابِرِ ﴾ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يَقُولُ: أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا، وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا.
يَعْنِي: بِلَالاً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٤).
٦٢٦٠ - [وَعَنْ قَيْسِ بنِ أَبِي حَازِمٍ: أَنَّ بِلَالاً قَالَ لأَّبِي بَكْرٍ: إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا
اشْتَرَيْتَنِي لِنَفْسِكَ فَأَمْسِكْنِي، وَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا اشْتَرَيْتَنِي لله فَدَعْنِي وَعَمَلَ الله. رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ](٣).
٦٢٦١ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: جَاءَ رَجُلُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ﴿ فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودُ.
فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّ مَاءً. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى
أُخْرَى فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقُلْنَ كُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: «مَنْ يُضِيفُهُ؟
وَيَرْحَمُهُ اللهُ، فَقَامَ رَجُلُّ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو طَلحَةَ، فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ. فَانْطَلَقَ
بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، فَقَالَ لإِمْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي. قَالَ: فَعَلِّلِهِمْ
بِشَيْءٍ وَنَوِّمِيهُم، فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَرِبِهِ أَنَّا تَأْكُلُ، فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ
كي تُصلِحِيهِ فَأَظْفِئِيهِ. فَفَعَلَتْ، فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ، وَبَاتَا طَاوِبَيْن، فَلَمَّا أَصْبَحَ
غَدَا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَقَدْ عَجِبَ اللهُ - أَوَ ضَحِكَ اللهُ - مِنْ
فُلَان وَفُلاَنَة)). وَفِي رِوَايَةٍ مِثْلَهُ، وَلَم يُسَمِّ أَبَا طَلحَةَ، وَفِي آخِرِهَا: فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالَى:
(١) أخرجه الترمذي (٣٧١٨)، وابن ماجه (١٤٩)، والحاكم (٤٦٤٩)، وأبو نعيم في «الحلية))
(١٧٢/١).
(٢) أخرجه البخاري (٣٧٥٤).
(٣) أخرجه البخاري (٣٧٥٥).

٦٧٧
كتاب المناقب والفضائل / باب جامع المناقب
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
(جَاءَ رَجُلُ إِلَى رَسُولِ الله وََّ) قال الحافظ: لَمْ أَقِفِ عَلَى اِسْمِه وَلَكِنَّهِ أَنْصَارِيّ
(فَقَالَ: إِنِّي ◌َجْهُودُ) مِنَ الْجَهْد أي: الْمَشَقَّة مِن الْجُوعِ (فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضٍ نِسَائِهِ) أي:
يَظْلُب مِنْهُنَّ مَا يُضَيِّفهُ بِهِ. (مَنْ يُضِيفُهُ؟ وَيَرْحَمُهُ اللهُ) أي: مَنْ يُؤْوِي هَذَا فَيُضَيِّفهُ،
(فَقَالَ رَجُلٍ مِن الْأَنْصَارِ) زَعَمَ إِبْنِ التِّين أَنَّهُ ثَابِت بْن قَيْس بْن شَمَّاس، وَقَدْ أَوْرَدَ ذَلِكَ
إِبْنِ بَشْكُوَال مِنْ طَرِيقٍ أَبِي جَعْفَر بْنِ النَّحَّاسِ بِسَنَدِهِ لَهُ عَنْ أَبِي الْمُتَوَّكَّلِ النَّاجِي مُرْسَلًا،
وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلِ الْقَاضِي فِي ((أَحْكَامِ الْقُرْآن) وَلَكِنَّ سِيَاقِهِ يُشْعِر بِأَنَّهَا قِصَّة أُخْرَى لِأَنَّ
لَفْظه «أَنَّ رَجُلًا مِن الْأَنْصَارِ عَبَرَ عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَيَّامِ لَا يَجِد مَا يُفْطِرِ عَلَيْهِ وَيُصْبِحِ صَائِمًا
حَتَّى فَطِنَ لَهُ رَجُل مِن الْأَنْصَارِ يُقَال لَهُ ثَابِتِ بْنِ قَيْس)) فَقَصَّ الْقِصَّة، وَهَذَا لَا يَمْنَع
التَّعَدُّد فِي الصَّنِيعِ مَعَ الضَّيْف وَفِي نُزُول الْآيَةِ، قَالَ إِبْنِ بَشْكُوَالٍ: وَقِيلَ: هُوَ عَبْد الله بْن
رَوَاحَةٍ، وَلَمْ يَذْكُر لِذَلِكَ مُسْتَنَدًا، وَرَوَى أَبُو الْبَخْتَرِيّ الْقَاضِي أَحَد الضُّعَفَاءِ الْمَتْرُوكِينَ
في ((كِتَاب صِفَة النَّبِيّ ◌َّ)لَهُ أَنَّهُ أَبُو هُرَيْرَة رَاوِي الْحَدِيث، وَالصَّوَابِ الَّذِي يَتَعَيَّنِ الْجُزْم
بِهِ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْنِ فُضَيْلٍ بْن غَزْوَانَ عَنْ
أَبِيهِ بِإِسْنَادِ الْبُخَارِيّ ((فَقَامَ رَجُل مِن الْأَنْصَارِ يُقَال لَهُ أَبُو طَلْحَة)) وَبِذَلِكَ جَزَّمَ الْخُطِيب
لَكِنَّهُ قَالَ: أَظُنّهُ غَيْرٍ أَبِي طَلْحَة زَيْدِ بْنِ سَهْل الْمَشْهُور، وَكَأَنَّهُ إِسْتَبْعَدَ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدهمَا: أَنَّ أَبَا طَلْحَة زَيْد بْنِ سَهْلِ مَشْهُور ◌ِلَا يَحْسُن أَنْ يُقَال فِيهِ ((فَقَامَ رَجُل
يُقَال لَهُ أَبُو طَلْحَةٍ)).
وَالثَّانِي: أَنَّ سِيَاقِ الْقِصَّةِ يُشْعِرِ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْده مَا يَتَعَشَى بِهِ هُوَ وَأَهْله حَتَّى
إِحْتَاجَ إِلَى إِظْفَاء الْمِصْبَاحِ، وَأَبُو طَلْحَة زَيْد بْنِ سَهْلِ كَانَ أَكْثَرِ أَنْصَارِيّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا
فَيَبْعُد أَنْ يَكُون بِتِلْكَ الصِّفَة مِنِ الثَّقَلُّل، وَيُمْكِنِ الْجَوَابِ عَنِ الاِسْتِبْعَادَيْنِ، والله
أَعْلَم.
(١) أخرجه البخاري (٤٨٨٩)، ومسلم (٥٤٨٠).

٦٧٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
(إِلَّا قُوت صِبْيَانِيٍ) يَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون هُوَ وَامْرَأَتِه تَعَشَّيَا وَكَانَ صِبْيَانِهِمْ حِينَئِذٍ
فِي شُغْلهمْ أَوْ نِيَامًا فَأَخَّرُوا لَهُمْ مَا يَكْفِيهِمْ، أَوْ نَسَبُوا الْعَشَاءِ إِلَى الصِّبْيَة لِأَنَّهُمْ إِلَيْهِ
أَشَدّ طَلَبًا، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة ((وَنَظْوِي بُطُونِنَا اللَّيْلَةِ)) (وَبَاتَا
طَاوِيَيْن) أي: بِغَيْرِ عَشَاء. (لَقَدْ عَجِبَ اللهُ - أَو ضَحِكَ اللهُ - مِنْ فُلَان وَفُلانَة) فِي
رِوَايَة جَرِير ((مِنْ صَنِيعك)) وَنِسْبَة الصَّحِكِ وَالتَّعَجُّب إِلَى الله مَجَازِيَّة وَالْمُرَاد بِهِمَا
الرِّضَا بِصَنِيعِهِمَا (فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾)
[الحشر: ٩] هَذَا هُوَ الْأَصَحّ فِي سَبَب نُزُول هَذِهِ الْآيَةِ، وَعِنْد اِبْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق
مُحَارِبِ بْن دِثَارِ عَن إِبْنِ عُمَر ((أَهْدِي لِرَجُلٍ رَأْس شَاةٍ فَقَالَ: إِنَّ أَخِي وَعِيَاله أَحْوَج مِنَّا
إِلَى هَذَا فَبَعَثَ بِهِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَبْعَث بِهِ وَاحِدٍ إِلَى آخَرِ حَتَّى رَجَعَتْ إِلَى الْأَوَّل بَعْد
سَبْعَةٍ، فَنَزَلَتْ)) وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون نَزَلَتْ بِسَبَبٍ ذَلِكَ كُلّه، قِيلَ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيل عَلَى
نُفُوذ فِعْلِ الْأَب فِي الإِبْنِ الصَّغِيرِ وَإِنْ كَانَ مَظْوِيًّا عَلَى ضَرَر خَفِيف إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ
مَصْلَحَة دِينِيَّةٍ أَوْ دُنْيَوِيَّة، وَهُوَ تَحْمُول عَلَى مَا إِذَا عُرِفَ بِالْعَادَةِ مِن الصَّغِيرِ الصَّبْر عَلَى
مِثْلِ ذَلِكَ، وَالْعِلْمِ عِنْد الله تَعَالَى. [الفتح ١٠٦/١١ بتصرف].
٦٢٦٢ - [وَعَنْهُ قَالَ: نَزَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِوَلَيهِ مَنْزِلاً، فَجَعَلَ النَّاسُ يَمُرُّونَ فَيَقُولُ
رَسُولُ اللهِ وَّةِ: (مَنْ هَذَا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟)) فَأَقُولُ: فُلَانَ. فَيَقُولُ: ((نِعْمَ عَبْدُ اللّه هَذَا))
وَيَقُولُ: ((مَنْ هَذَا؟)) فَأَقُولُ: فُلَانَ. فَيَقُولُ: ((بِئْسَ عَبْدُ اللهِ هَذَا)) حَتَّى مَرَّ خَالِدُ بْنُ
الْوَلِيدِ، فَقَالَ: ((مَنْ هَذَا؟)) فَقُلْتُ: خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ. فَقَالَ: «نِعْمَ عَبْدُ الله خَالِدُ بْنُ
الْوَلِيدِ، سَيْفُ مِنْ سُيُوفٍ الله)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](١).
٦٢٦٣ - [وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﴾ قَالَ: قَالَتِ الأَنْصَارُ: يَا نَبِيَّ اللّهِ، لِكُلِّ نَبِيِّ أَتْبَاعُ،
وَإِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاكَ، فَادْعُ اللّهَ أَنْ يَجْعَلَ أَتْبَاعَنَا مِنَّا. فَدَعَا بِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٢).
(فَادْعُ اللّهَ أَنْ يَجْعَلَ أَتْبَاعَنَا مِنَّا) أي: يُقَال لَهُمْ: الْأَنْصَارِ حَتَّى تَتَنَاوَلَهُم الْوَصِيَّة
(١) أخرجه الترمذي (٤٢١٧).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٧٨٧).

٦٧٩
كتاب المناقب والفضائل/ باب جامع المناقب
بِهِمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (فَدَعَا بِهِ) أي: بِمَا سَأَلُوا.
٦٢٦٤ - [وَعَنْ قَتَادَةَ ﴿ قَالَ: مَا نَعْلَمُ حَيَّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ أَكْثَرَ شَهِيدًا أَعَّ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ: وَقَالَ أَنَسُ: قُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ، وَيَوْمَ بِثْرٍ مَعُونَةً
سَبْعُونَ، وَيَوْمَ الْيَمَامَةِ سَبْعُونَ، وَيَوْمُ الْيَمَامَةِ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ سَبْعُونَ. رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ](١).
٦٢٦٥ - [وَعَنْ قَيْسِ بنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: كَانَ عَطَاءُ الْبَدْرِيِّينَ خَمْسَةَ آلَافٍ. وَقَالَ
عُمَرُ: لَأُفَضِّلَنَّهُمْ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٤).
تسمية من سُمي من أهل بدر
في ((الجامع)) للبخاري
[الشَّبِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْهَاشِيُّ ◌َِّ - عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ
الْقُرَشِيُّ - عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيُّ - عُثْمَانُ بْنُ عَقَّانَ الْقُرَشِيُّ، خَلَّفَهُ النَّبِيُّ ◌َ عَلَى
ابْنَتِهِ رُقَيَّة وَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ، عَيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِيُّ - إِیَاسُ بْنُ الْبُکَیْرِ - بِلَالُ بْنُ
رَبَاجِ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقُ - حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَلِبِ الْهَاشِمُِّ - حَاطِبُ بْنُ أَبِي
بَلْتَعَةَ حَلِيفٌ لِقُرَيْشِ - أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ الْقُرَشِيُّ - حَارِثَةُ بْنُ الرَّبِيعِ
الأَنْصَارِيُّ، قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهْوَ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةً كَانَ فِي النَّظَّارَةِ - خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ
الأَنْصَارِيُّ - خُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ - رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعِ الأَنْصَارِيُّ - رِفَاعَةُ بْنُ
عَبْدِ الْمُنْذِرِ أَبُو لُبَابَةَ الأَنْصَارِيُّ - الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ الْقُرَشِيُّ - زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ أَبُو طَلْحَةَ
الأَنْصَارِيُّ - أَبُوزَيْدِ الأَنْصَارِيُّ - سَعْدُ بْنُ مَالِكِ الزُّهْرِيُّ - سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ الْقُرَشِيُّ -
سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ الْقُرَشِيُّ - سَهْلُ بْنُ حُنَيْفِ الأَنْصَارِيُّ - ظُهَيْرُ بْنُ
رَافِعِ الأَنْصَارِيُّ - وَأَخُوهُ - عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ
(١) أخرجه البخاري (٤٠٧٨).
(٢) أخرجه البخاري (٤٠٢٢).

٦٨٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
الزُّهْرِيُّ - عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ الْقُرَشِيُّ - عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ الأَنْصَارِيُّ - عَمْرُو بْنُ
عَوْفٍ حَلِيفُ بَنِي عَامِرٍ بْنِ لُؤَيِّ - عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الأَنْصَارِيُّ - عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةً
الْعَنَزِيُّ - عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ الأَنْصَارِيُّ - عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ الأَنْصَارِيُّ - عِثْبَانُ بْنُ مَالِكٍ
الأَنْصَارِيُّ - قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ - قَتَادَةُ بْنُ الُّعْمَانِ الأَنْصَارِيُّ - مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ
الْجُمُوجِ - مُعَوَّذُ بْنُ عَفْرَاءَ وَأَخُوهُ - مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ أَبُو أَسَيْدِ الأَنْصَارِيُّ - مِسْطَحُ بْنُ
أَثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ - مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ - مَعْنُ بْنُ
عَدِيِّ الأَنْصَارِيُّ - مِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ - هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ
الأَنْصَارِيُّ ﴾ٌ أُجَمَعِينَ](١).
(تسمية من سُمي من أهل بدر) فائدة: قال بعض العارفين: ما جعلت يدي على
رأس مريض فتلوت أسماءهم بنية خالصة إلا شفاه الله تعالى، وإن يكن قد حضر
أجله خفف الله تعالی عنه.
وقال بعضهم: جربت أسماءهم في الأمور المهمة تلاوة وكتابة فما رأيت أسرع
منها إجابة.
وروي عن جعفر بن عبد الله ﴾ قال: أوصاني والدي بحبِّ أصحاب رسول الله
وَل﴾، والتوسل بأهل بدر في جميع المهمات، وقال لي: يا بني، إن الدعاء عند ذكرهم
يستجاب، وإن الرحمة والبركة والغفران والرضا والرضوان يحيط بالعبد عند ذكرهم،
ودعا بأسمائهم، وإن من ذكرهم كل يوم، وسأل الله تعالى بهم حاجة قضيت له لكن
ينبغي لمن ذكره في قضاء المهم أن يترضى عن كل واحد عند من ذكره؛ فيقول: محمد
رسول الله صل﴾، أبو بكر الصديق *، عمر بن الخطاب ﴾ وهكذا إلى آخرهم؛ فإن
ذلك أنجح للإجابة.
وذكر عن زيد بن عقيل عنه قال: قد انقطعت في طريق أرض ((المغرب)) في بعض
(١) أخرجه البخاري (٣٩١/١٣).