النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ كتاب المناقب والفضائل/ باب مناقب قريش وذكر القبائل مقتضيا لبغضه فمن أبغضهم فغلبه هذا الداء العضال والعياذ بالله تعالى . نسأل الله السلامة والعافية منه - آمین. وقد خاطب سلمان بهذا الخطاب وهو سيد الفرس وسابقهم وصاحب الفضائل الكثيرة تنبيهًا وزجرًا لغيره، وأن يقع في هذا الوعيد الشديد والبلاء الوكيد، ولم يدرك فضلاً كفضل سلمان أو علمًا كعلمه، ومع ذلك عرفه بمرتبته ونهاه أن يرتفع على من فضله الله عليه من غير عمل؛ ولذلك كان يقول : «نفضّلُكُمْ يا معشر العَرَب لتفضيل رسولِ الله وَلَّ إِيَّاكُمْ، لا ننكح نِسَاءَكُمْ، ولا نؤمُكُمْ فِي الصَّلَاةِ»(١) رواه البزار بإسناده، وهذا الحديث وحده كافٍ في هذا الباب لمن كان مُشفقًا على دينه من أبناء العجم؛ لأنه وإن بلغ ما بلغ، ما یشم رائحة بفضل سلمان وعلمه؛ لأنه من أکابر الصحابة. وقد اتفق أهل الحق على أن القطب من هذه الأمة لا يساوي رتبة الصحابة - الذي فارق الذنوب في الفضل - فضلاً عن غيره كما في حديث الاصطفاء. فإذا فهمت هذه، فإن علم بعدهم أو فضَّل الولي يرتفع به على من فضَّله الله عليه بلا سبب، فإذا فعل فقد أوقع نفسه في العطب، ولتعلم من هذا أن بغض جنس العرب كفرًا أو سبب للكفر، وإن محبتهم سبب قوة الإيمان. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ له: ((أَحِبُّوا العَربَ وبقاءَهم، فإنَّ (١) أخرجه الطبراني في «الكبير)) (٦٠٣٥) والبيهقي في ((الكبرى)) (١٤١٤٠) وذكره مرعي الكرمي في (مسبوك الذهب)) (ص٥) وعزاه للبزار. وقال: وهذا الحديث ممّا احتجَّ بهِ أكثرُ الفقهاء الذين جعلوا العربيةَ منَ الكفاءةِ بالنسبة إلى العجمي قائلين: ولا تزوج عربية بعجمي. قالَ الفقهاءُ في تعليلِ ذلكَ - لأن الله تعالى - اصطفى العربَ على غيرهم وَمَيَّزَهُم عنهم بفضائل جمة. واحتج أصحابُ الإمام الشَّافعيّ، والإمام أحمد بهذا على أنَّ الشرفَ مما يستحق به التقدم في الصَّلاة. ٥٤٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر بقاءَهم نورٌّ في الإسلام، وإنَّ فناءَهم ظلمةُ في الإسلام)»(١) وروى الحاكم: (حُبُّ العَرَب إيمان وبُغْضُهُمْ كفر، فَمَنْ أحب العَرَبَ فقد أحبَّني، ومَنْ أَبْغَضَ العَرَبَ فقد أبغضَني))(٢). وعن جابر أن النبي وَ له: قال: ((إِذَا ذَلَّتِ الْعَرَبُ، ذَلَّ الإِسْلامُ))(٣) حديث صحيح. وعن عثمان بن عفان#ه قال: قال رسول الله وَله: ((مَنْ غَشَ العَرَبَ لم يدخل في شَفَاعتي، ولم تَنَلْهُ مَوَدَّتي» (٤). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴿ ﴿: ((أَنَا عَرَبِيُّ، وَالْقُرْآنُ عَرَبِيّ، وَلِسَانُ أَهْلِ الجنَّةِ عَرَبُ))(٥) قال الحاكم: إنه حديث صحيح ورجاله كلهم ثقات. وكذلك حديث: ((قَدِّمُوا قُرَيْشًا))(٦) فلا نُطيل بذكره. (١) أخرجه أبو الشيخ في ((طبقات المحدثين بأصبهان)) (٢٧٣/٤)، وأبو نعيم في ((ذكر أخبار أصبهان)) (٣٤٠/٢) وفي ((نسخة أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن شريط)) (ق ١٠٨/ ١) قال العجلوني (٥٥/١): أخرجه أبو الشيخ بسند ضعيف. (٢) أخرجه الحاكم (٦٩٩٨) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي في (شعب الإيمان)) (١٦٠٨). (٣) أخرجه أبو يعلى (١٨٨١) قال الهيثمي (٥٣/١٠): فيه محمد بن الخطاب البصري ضعفه الأزدي وغيره، ووثقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح. (٤) أخرجه أحمد (٥١٩) وابن أبي شيبة (٣٢٤٧١) والترمذي (٣٩٢٨) وقال: غريب. والبزار (٣٥٤) وعبد بن حميد (٥٣) والديلمي (٥٦٦٥) والبيهقي في ((البعث والنشور)) (١٧) وأبو الشيخ في (الطبقات)) (١٣٤٨) وابن الأعرابي في «معجمه)) (١٣٨٤) والعراقي في (محجة القرب)» (٢/٨). (٥) أخرجه الطبراني في الكبير (٦٩٥)، وفي الأوسط (١١٢٠١)، عن أبي هريرة، والحاكم (٧١٠٠) عن ابن عباس، وصححه، ولم يوافقه الذهبي على تصحيحه. * قلت: وإن عدَّ بعضهم الحديث في الموضوعات إلا أنه له شواهد من كلام السلف تؤكد أن لسان أهل الجنة عربي، أخرجها ابن المبارك في الزهد (٢٤٥)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٢١٥، ٢١٧، ٢١٧). (٦) أخرجه الشافعي في «مسنده)) (١٣٣٠) وابن أبي عاصم (١٥١٩) والبزار في «مسنده)» (٤٦٥) وأبو نعيم (٦٤/٩) والبيهقي في ((المعرفة)) (٣١) وفي ((الشعب)) (١٥٥٧). ٥٤٣ كتاب المناقب والفضائل/ باب مناقب قريش وذكر القبائل وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: ((إن قريشًا كانت نورًا بين يدي الله رحمتك قبل أن يخلق آدم بألفي عام يسبح ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه، فلما خلق الله رَك آدم ألقى ذلك النور في صلبه)) فقال رسول الله وَله: ((أهبطني الله في صلب آدم، وجعلني في صلب الأصلاب والأرحام الطاهرة حتى أخرجني بين أبوي لم يلتقيا على سفاح قط)(١). ومما يؤيد هذا المعنى أيضًا ما ذكر غير واحد أن عمر بن الخطاب ضه لما رتب الديوان للعطاء قالوا له: ابدؤوا بأمير المؤمنين، فقال: لا ولكن ضعوا عمر حيث وضعه الله، فبدأ بأهل بيت رسول الله وعليه، ثم من يليهم من قريش إلى أن جاءت نوبته في بني عدي، ثم بدأ بقبائل العرب فلما انقضت جاءنا العجم إلى ذوي الحاجات من العجم، وأمَّا إعطاء الديوان، فإنه لا حظ لهم فيه؛ لأنه خاص بالعرب؛ لأنهم كتائب الإسلام ولم يكتب عمر فيه # واحدًا من العجم إلا أفرادًا من أهل الفضل من الأكابر كسلمان فإنه مكتوب من أهل البيت لقوله ◌َ﴾: ((سلمان منا))(9) وبلال مع سيده؛ لأنه مولاه، وصهيب قيل: إنه من بني بكر. وأمَّا غير هؤلاء من العجم فلم يكتبوا واحدًا فيهم في الديوان، فبان لك من هذا أن جنس العرب أفضل من جنس العجم، ويؤيده ما في الخبر، فقد أخرج المخلص والطبراني والدارقطني: ((أَوَّلُ مَنْ أَشْفَعُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أُمَّتِي أَهْلُ بَيْتِي، ثُمَّ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ الأَنْصَارُ، ثُمَّ مَنْ آمَنَ بِي وَاتَّبَعَنِي مِنَ الْيَمَنِ، ثُمَّ مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ، ثُمَّ الأَعَاجِمِ، وَأَوَّلُ مَنْ أَشْفَعُ لَهُ أُولُو الْفَضْلِ ومَنْ أَشْفَعُ لَهُ أَوَّلاً أَفْضَلُ مِنَ (١) أخرجه الآجري في ((الشريعة)) (٩٤٨)، وابن أبي عمر العدني كما في ((إتحاف المهرة)) للبوصيري (٦٣٠٧) وابن عساكر (٤٠٨/٣)، وقال: غريب جدًّا. (٢) أخرجه ابن سعد (٨٢/٤) والطبراني (٦٠٤٠) قال الهيثمي (١٣٠/٦): فيه كثير ابن عبد الله المزني، ضعفه الجمهور، وحسن الترمذي حديثه، وبقية رجاله ثقات. والحاكم (٦٥٤١) وابن عساكر (٤٠٨/٢١). ٥٤٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر الذي بَعْدَهُ))(١). وأخرج أبو الشيخ والديلمي: ((مَن لم يعرف عِترتي والأنصار والعرب، فهو من إحدى الثلاث: إمَّا منافق، وإمَّا ولد زنا، وإمَّا حملت به أمه من غير طهور))(٢) .. فإن علم أن في مرتبة الشرف الكسبي أفضل من النسبي لقدم كثيرًا من أفاضل العجم على كثير من العرب؛ لأنه لا يستحي من الحق ولكنه لم يفعل؛ لأنه من أعلم الناس بمراتب التفضيل؛ ولذلك أخَّر نفسه على بعضها إعطاءً للمراتب حقها، فينبغي لكل عاقل من أهل الفضل أن يقتدي به ولا يخرج عما حكم به؛ لأنه على هذا درج السلف والخلف من أئمة الهدى المقتدى بهم، وفيما ذكرناه كفاية للعاقل من الأدلة النقلية؛ لأنها كثيرة فلا نُطيل بها، فمن أراد الهدى فبالقليل من النور يُهْتَدَى، ومن أراد اتباع الهوى فليس لعلته دَوَاء. وأمَّا الأدلة العقلية: فقد ثبتت بالتواتر المحسوس المشاهد أن العرب أكثر الناس كرمًا وشجاعة وسخاء وشهامة وبلاغة وفصاحة ولسانهم أتم الألسنة بيانًا وتمييزًا للمعاني، ومن كان كذلك فالعقل قاضٍ بفضله قطعًا على من ليس كذلك، ولهم مكارم محمودة لا تحصى غريزة جبلوا عليها كالخُطَبٍ والشعر والتغزل وغيرها، وهذه كانت سجية فيهم قبل الإسلام، فلما بعث فيهم رسول الله وي ليه زادهم فضلاً وشرفًا على غیرهم بلا ریب. قال بعض المحققين : وبالجملة فالذي عليه السنة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم، وأن قريشًا أفضل من العرب، وأن بني هاشم أفضل من قريش، وأن رسول الله وَل أفضل بني هاشم، فبان لنا بهذا أنه أفضل الخلق أجمعین. (١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٣٣٧٤). (٢) أخرجه ابن عدي (٧٠٠ زيد بن جبيرة) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٦١٤)، والديلمي (٥٩٥٥) وأبو الشيخ في الطبقات (٨٩١). ٥٤٥ كتاب المناقب والفضائل/ باب مناقب قريش وذكر القبائل قال الكرماني: هذا مذهب أهل العلم وأهل السنة، وأدركت من أدركت من أهل الآفاق حجاز وغيره على هذا، وإن من خالفها أو طعن فيها أو عاب قائلها مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن منهاج أهل السنة، ونعرف للعرب حقها وسابقتها ونُحبهم لحديث رسول الله وَّه: (حبُّ العَرَب إيمان وبُغْضُهُمْ كفر))(١) ولا نقول بقول (الشعوبية)) وأرذال الموالي الذين لا يحبون العرب ولا يقرون لهم بالفضل؛ لأن قولهم بدعة وخلاف، انتهى. قلت: وكلامه هذا كله تدل عليه الأخبار المتقدمة فلا يحتاج إلى دليل آخر، وقد أخذ بعض العلماء من ظواهر الأدلة المتقدمة أن العالم العجمي لا يكافئ بنت الأعرابي الجاهل والصواب أنه جائز، ولكنه تورع قائله أن يرتع حول الحمى فيقع فيه، وقد أعطى للمرتبة حقها # اقتداء بسلمان الفارسي # في قوله المتقدم: ((ففضلكم يا معشر العرب ... )) وهو حجة؛ لأنه من أكابر الصحابة فضلاً وعلمًا، ولم يلتفت إلى الاتصال بالفضل الكسبي؛ لأنه عرض ربما يزول عن صاحبه. وأمَّا النَّسبي فإنه ذاتي لا يُقارن، وصاحبه عمَّا أتى حال دليله فأسمعته من فضل جنس العرب على غيرهم، وقد علمت أنه كان فيها من هو متصف بالكفر فضلاً عن غيره من أوصاف الذم، ومع هذا لم ينته الفضل عن الجنس الشامل؛ لأنه ذاتي له وك لت؟ ولهذا حذر صاحبه من بغض الجنس الشامل له، فربما ينشأ هذا أخذ بعض الأفراد الموصوفة بالأوصاف المذمومة وهي كثيرة لا تحصى فيسري بغض الجنس في قلبه وهو لا يشعر فيقع في الهلاك الذي حذر منه ◌َل# وهو يدري، فمن أراد السلامة فلا يمر على وادي سلمى، ومن غلبته نفسه فليعين فرعًا أو يخصص فردًا ليخرج من الورطة المذكورة إن كان مشفقًا على نفسه، وليقف عند حده وإن لم يمتثل فسيندم. ومما يدل على فضل العرب على غيرهم: * النهي عن التشبه بالعجم من الزّي والكلام فقد صح عنه ◌َ﴾: «أن من كان (١) تقدم تخريجه. ٥٤٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر يُحسن أن يتكلمَ بالعربيةِ فلا يتكلم بالعجمية؛ فإِنَّه يُورِثُ النّفاق)) رواه ابن عمر - رضي الله عنهما - وقد قال عمر ع عنه: ((إياكم ورطانة الأعاجم)(١). ونقل عن الشيخ عبد القادر الجيلاني #: ويكره كل ما خالف زي العرب وأشبه زي الأعاجم. وعن ابن القاسم في ((المدونة)): لا يُحْرِم بالعجمية، ولا يدعو بها(؟). ومذهب الإمام أحمد أن الدعاء في الصلاة بغير العربية يُبطلها(٣). ومما يدل على فضلهم وشرفهم: * أن أفضل الكتب عند الله أنزل بلغتهم حتى صارت لغتهم عند من لم يعرفها اليوم حتى الباب الكبير الموصل لفهم معاني العلم النافع وهو الكتاب والسنة وهذا لا ينكره أحد حتى المعاند، وفي هذا كفاية للعاقل. قال محمد بن هلال في ((رسالته)): إن أشرف ما خلق الله العرب، فعلى غيرهم أن يتخذوهم سادة ويرفعوهم فوق رؤوسهم ويجعلوا أنفسهم تحتهم أداني لهم ومساكين لهم ووديعة تحت أيديهم وحواشي وعوالي لهم غاية المحبة لكون رسولهم وهاديهم وشفيعهم منهم، ومحبتهم من محبته وبغضهم من بغضه، ودليل هذا ما ذكره الله في سورة النمل والتوبة. وقال صاحب الفضل: لا ترون رجلاً يفضل العجم على العرب إلا وفيه عرق المجوسية ينزع إليها، وفي العرب أربعة لم يساوهم فيها سواهم: الحمية، والحماية، (١) قال مرعي الكرمي: ((وقد روى السَّلَفِيّ بإسناده، حديث صحيح على شرط الشيخين، ورجاله كلهم ثقات)) [(مسبوك الذهب في فضل العرب وشرف العلم على شرف النسب) ص ٩] وأتبعه بحديث ثان فيه: ((بالفارسية)) وعزاهما لأبي طاهر السَّلفي، وقال: هذان الحديثان يقتضيان تحريم الكلام بالعجمية لقادر على العربية إلا لحاجةٍ. والمختارُ أن ذلك مكروه. (٢) انظر: ((المدونة)) (١٢٣/١) و((التاج والإكليل لمختصر خليل)) (٤٥٩/١). (٣) انظر: ((الفروع لابن مفلح)) (١٧٨/٣). ٥٤٧ كتاب المناقب والفضائل/ باب مناقب قريش وذكر القبائل والكرم، والشجاعة. وإياك أن تفهم المساواة بين العرب والعجم في الفضل من قوله وقوله: (لَا فَضْلَ لِعَرَبِيِّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ ... )) (١) فإنه لما وردت الأخبار الكثيرة في فضل العرب على غيرهم فربما يتوهم من سمعنا عدم التسوية بين الجنسين حتى في أمور الشريعة فرفع هذا التوهم بقوله وقتل﴾: ((لا فضل لعربي .. )) والمراد من هذا الخبر أنهما سواء في أحكام الشريعة من حدود وغيرها، فهذا معنى الحديث. ومن حمله على التسوية فإنه يؤدي إلى إبطال الأخبار الواردة في فضل العرب على غيرهم وهي ثابتة عند جمهور العلماء ولا ناسخ في الأخبار، فإذا فهمت هذا تبين لك أن حمل هذا الحديث على التسوية في الأعمال فقط كما قدمنا. ومن حمله على ظاهره فليحمله بالأصول، ولهذا قال ابن عيينة : الحديث مضلة إلا للفقهاء دون غيرهم؛ لأنهم يحملون الشيء على ظاهره وله تأويل من حديث غيره أو دليل يخفى عليهم أو متردد كالشيء فمن لا يعرفه إلا لمن تفقه لناقضته للقواطع، فمن هذه الأمور كان مضلة للجاهل، وأمَّا الفقيه فإنه يجمع بين النصوص إذا تعارضت ولا يهمل واحدًا منها لعلمه بالتصرف، فإذا فهمت ما ذكرناه تبين لك أن فضل المنفي هنا هو في الأحكام فقط لا في غيرها كل ما ورد من الأخبار في فضل العرب علی غیرها فهو على ظاهره، فافهم ترشد. قال شيخنا أبو العباس أحمد التجاني ﴾ - ومتعنا ببقائه آمين: ما ورد في فضل بني إسرائيل لا يسع أحدًا إنكاره؛ لأنه ورد به النص إلا أنهم فضلوا على عالم زمانهم، وكذلك فضل العرب على غيرهم من جنسهم وردت به النصوص مفصلاً ومجملاً، وهو ممتد من أول وجودهم إلى آخرهم، وهذا الفضل المذكور في الجنسين قبل بعثته وَيه ثمرته غير ظاهره لا يعلمها إلا من أطلعه الله عليها. (١) أخرجه ابن المبارك في ((مسنده)) (٢٤٠) والطبراني في ((الأوسط)) (٤٧٤٩) قال الهيثمي (٨٤/٨): أخرجه الطبراني والبزار بنحوه ورجاله رجال الصحيح. ٥٤٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر وأمَّا بعد البعثة فالأمر يعد ظاهراً لا إشكال فيه؛ لأن هذه الأمة أفضل من جميع الأمم لأجله ويليهو فلا نحتاج إلى دليل في هذا؛ لأنه واضح إلا أنها غير متساوية في الفضل فليس أصحابه ويهيفر كغيرهم لكونه على إيمان الأمة على حبهم، وقرن حبه بحبهم، وصلاته بصلاتهم، وإذايتهم بإذايته، وأمور غير هذه أقامهم فيها مقام نفسه كتحريم الصدقة وغيرها. فسببه ظاهر كما دلت عليه ثم قال شيخنا: أمَّا فضل الأمة بعد بعثته وَلَيلة الأخبار. وأمَّا فضل العرب وبني إسرائيل قبل بعثته وَّر بمحل نظر! لأنه لم يأتِ خبر سبب تفضيلهم، ومن قال بكثرة الأنبياء في بني إسرائيل فلم يظهر؛ لأن كلامنا فيما يحصل للفضل من الرتبة على غيره في الآخرة، وهذا لم يأتِ خبر عليه إلا أن الذي يظهر والله أعلم أن الذي يدخل الجنة من بني إسرائيل أكثر من أهل زمانهم، وأمَّا العرب فإذا نظرنا إلى الجنس فكذلك؛ لأن فضلهم ممتد ولم ينقطع كما قلنا وهو شامل الأول والآخر، وإن نظرنا لمن وجد قبل البعثة فالإشكال باقٍ على حاله والله أعلم بغيبه. قلت: فمن كان من أفراد هذا الجنس المذكور فليطلب من الله الهداية ويتواضع ليمتلئ قلبه نورًا وينخرط في دائرة الفضل ويفوز سعيه المشكور، ومن لم يكن منه تفضل الله عليه ببعض مزايا الفضل كالعلم فيعرف قدره ولا يتعدى طوره، وأن يعرف لكل ذي حق حقه فهذه كانت صفة أهل الفضل قبله، وإن طال بوصفه ولم يقف عند حده فيخشى عليه أن يمتد به هذا الحال حتى يرفع نفسه على الذين اختارهم الله على غيرهم في أزل الأزل فيتيه بجهله في أودية الضلال، وهو يزعم أنه من أكمل الرجال، وبلغني أن بعضًا ممن ينسب إلى العلم في زماننا هذا وقعوا في هذا وقالوه فحيوا بهم ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩] نسأل الله السلامة من أن يكون هلاكنا فيما به نجاتنا، وأن يوفقنا لما فيه صلاحنا دنيا وأخرى .. آمين. [نصرة الشرفا برد أهل الجفا - بتحقيقنا]. باب مناقب الصحابة رضي الله عنهم أجمعين الفصل الأول ٦٠٠٧ - [عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١). (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي) وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ جَرِير وَمُحَاضِر عَنِ الْأَعْمَشِ ذِكْرِ سَبَب ◌ِهَذَا الْحَدِيث وَهُوَ مَا وَقَعَ فِي أَوَّلِه قَالَ كَانَ بَيْن خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ شَيْء فَسَبَّهُ خَالِدٍ فَذَكَرَ الْحَدِيث. كَذَا فِي ((فَتْح الْبَارِي)». فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَاد بِأَصْحَابِي أَصْحَابِ مَخْصُوصُونَ، وَهُم السَّابِقُونَ عَلَى الْمُخَاطَبِينَ فِي الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ: نَزَلَ السَّابّ مِنْهُمْ لِتَعَاطِيهِ مَا لَا يَلِيق بِهِ مِن السَّبّ مَنْزِلَةٍ غَيْرهمْ، فَخَاطَبَهُ خِطَابِ غَيْرِ الصَّحَابَة. ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، انتهى. [عون ١٧٥/١٠]. وقال السندي: قِيلَ الْخِطَابِ لِمَنْ بَعْد الصَّحَابَة تَنْزِيلًا لَهُمْ مَنْزِلَة الْمَوْجُودِينَ الْحَاضِرِينَ وَقِيلَ لِلْمَوْجُودِينَ مِن الْعَوَامّ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الَّذِينَ لَمْ يُصَاحِبُوهُ وَِّ وَيُفْهَم خِطَاب مَنْ بَعْدهمْ بِدَلَالَةِ النَّصّ وَقِيلَ الْخِطَابِ بِذَلِكَ لِبَعْضِ الصَّحَابَة لِمَا وَرَدَ أَنَّ سَبَبِ الْحَدِيث أَنَّهُ كَانَ بَيْنِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ شَيْءٍ فَسَبَّهُ خَالِدِ وَالْمُرَادِ بِأَصْحَابِ الْمَخْصُوصِينَ وَهُم السَّابِقُونَ عَلَى الْمُخَاطَبِينَ فِي الْإِسْلَامِ وَقِيلَ يُنَزَّل الثَّانِي لِتَعَاطِيهِ بِمَا لَا يَلِيقِ مِن السَّبّ مَنْزِلَةٍ غَيْرِهِمْ فَخُوطِبَ خِطَابِ غَيْرِ الصَّحَابَةِ. وَقَالَ الشَّيْخِ تَقِيّ الدِّينِ السُّبْكِيّ: الظَّاهِرِ أَنَّ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ أَصْحَابِي مَنْ أَسْلَمَ قَبْل الْفَتْحِ وَأَنَّهُ خِطَابٍ لِمَنْ أَسْلَمَ بَعْد الْفَتْحِ وَيُرْشِدِ إِلَيْهِ قَوْلِهِ وَّةِ: ((لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ إِلَى آخِرِه)» مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْل الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] الْآيَةِ، وَلَا بُدّ لَنَا مِنْ تَأْوِيل بِهَذَا أَوْ بِغَيْرِهِ لِيَكُونَ الْمُخَاطَبُونَ غَيْرِ الْأَصْحَابِ الْمُوصَى بِهِم ◌ِنْتَفَى. (١) أخرجه البخاري (٣٤٧٠) ومسلم (٢٥٤١) وأحمد (١١٥٣٤) وأبو داود (٤٦٥٨) والترمذي (٣٨٦١) والطيالسي (٢١٨٣) وابن أبي شيبة (٣٢٤٠٤) وعبد بن حميد (٩١٨) وابن حبان (٧٢٥٣). ٥٤٩ - ٥٥٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر (فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ) وقال النووي: قَالَ أَهْلِ اللُّغَة: النَّصِيف النّصْف، وَفِيهِ أَرْبَعِ لُغَات: نِصْف بِكَسْرِ النُّون، وَنُصْف بِضَمِّهَا، وَنَصْف بِفَتْحِهَا، وَنَصِيف بِزِيَادَةِ الْيَاءِ، حَكَاهُنَّ الْقَاضِي عِيَاض فِي (الْمَشَارِقِ)) عَنِ الْخَطَّابِيِّ، وَمَعْنَاهُ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدِكُمْ مِثْلِ أُحُد ذَهَبًا مَا بَلَغَ ثَوَابِه فِي ذَلِكَ ثَوَابِ نَفَقَة أَحَد أَصْحَابِي مُدًّا، وَلَا نِصْف مُدّ. قَالَ الْقَاضِي: عَنِ الْجُمْهُورِ مِنْ تَفْضِيلِ الصَّحَابَةِ كُلّهِمْ عَلَى جَمِيعِ مَنْ بَعْدهمْ. وَسَبَب تَفْضِيلِ نَفَقَتهمْ أَنَّهَا كَانَتْ فِي وَقْت الضَّرُورَةِ وَضِيقِ الْحَالِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّ إِنْفَاقهِمْ كَانَ فِي نُصْرَتِه ◌َ وَحِمَايَتِه، وَذَلِكَ مَعْدُومٍ بَعْده، وَكَذَا جِهَادهمْ وَسَائِرِ طَاعَتهمْ، وَقَدْ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَّاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمْ دَرَجَةٍ﴾ [الحديد: ١٠] الْآيَة، هَذَا كُلّه مَعَ مَا كَانَ فِي أَنْفُسهِمْ مِن الشَّفَقَة وَالتَّوَّدُّد وَالْخُشُوعِ وَالتَّوَاضُعِ وَالْإِيثَارِ وَالْجِهَادِ فِي الله حَقَّ جِهَاده، وَفَضِيلَة الصُّحْبَةِ، وَلَوْ لَخَظَةِ لَا يُوَازِيهَا عَمَل، وَلَا تُنَال دَرَجَتهَا بِشَيْءٍ، وَالْفَضَائِل لَا تُؤْخَذْ بِقِيَاسِ، ذَلِكَ فَضْل الله يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء. قَالَ الْقَاضِي: وَمِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ مَنْ يَقُول: هَذِهِ الْفَضِيلَة ◌ُخْتَصَّةٍ بِمَنْ طَالَتْ صُحْبَتِه، وَقَاتَلَ مَعَهُ، وَأَنْفَقَ وَهَاجَرَ وَنَصَرَ، لَا لِمَنْ رَآهُ مَرَّةٍ كَوُفُودِ الْأَعْرَابِ أَوْ صَحِبَهُ آخِرًا بَعْد الْفَتْحِ، وَبَعْد إِعْزَازِ الدِّينِ مِمَّنْ لَمْ يُوجَد لَهُ هِجْرَةِ، وَلَا أَثَرِ فِي الدِّينِ وَمَنْفَعَة الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: وَالصَّحِيحِ هُوَ الْأَوَّل، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ. وَالله أَعْلَم. ٦٠٠٨ - [وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيِهِ ﴾ قَالَ: رَفَعَ - يَعِنِي: النَّبِيُّ ◌َ - رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: ((النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَنَّى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةُ لأَصْحَابِي فَإِذَا ذَهَبْتُ أَنَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةُ لِأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَنَى أَمَّتِي مَا يُوعَدُونَ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](١). (١) أخرجه مسلم (٦٦٢٩)، وأحمد (٢٠٠٩٣). ٥٥١ كتاب المناقب والفضائل/ باب مناقب الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ٦٠٠٩ . [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَ: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانُّ فَيَغْزُو فِئَامُ مِنَ النَّاسِ، فَيَقُولُونَ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ رَسُولَ الله وستار فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانْ فَيَغْزُو فِئَامُ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: هَلْ فِيَكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ وَيْهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ لَهُمْ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ(١)، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ:((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانُ يُبْعَثُ مِنْهُمُ الْبَعْثُ فَيَقُولُونَ: انْظُرُوا، هَلْ تَجِدُونَ فِيكُمْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ◌َّه؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ، ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّانِي فَيَقُولُونَ: هَلْ فِيهِمْ مَنْ رَأَى أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ؟ فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ، ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّالِثُ فَيُقَالُ: انْظُرُوا، هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى أَصْحَابَ الشَّبِيِّ ◌َه؟ ثُمَّ يَكُونُ الْبَعْثُ الرَّابِعُ فَيُقَالُ: انْظُرُواء هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ أَحَدًا رَأَى مَنْ رَأَى أَحَدًّا رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ ◌َِّ؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ))(٢). (يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَان فَيَغْزُو فِئَامٍ) بِكَسْرِ الْفَاءِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّة بِهَمْزَةٍ وَحُكِيَ فِيهِ تَرْك الْهَمْزَة أي: جَمَاعَة. وَيُسْتَفَادِ مِنْهُ بُطْلَانِ قَوْلِ مَن إِدَّعَى فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ الصُّحْبَةِ؛ لِأَنَّ الْخَبَرِ يَتَضَمَّنِ اِسْتِمْرَارِ الْجِهَادِ وَالْبُعُوث إِلَى بِلَادِ الْكُفَّارِ وَأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ: هَلْ فِيكُمْ أَحَد مِنْ أَصْحَابِه؟ فَيَقُولُونَ لَا، وَكَذَلِكَ فِي التَّابِعِينَ وَفِي أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ، وَقَدْ وَقَعَ كُلّ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى وَانْقَطَعَتِ الْبُعُوثِ عَنْ بِلَادِ الْكُفَّارِ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ، بَل ◌ِنْعَكَسَ الْحَالِ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٍ مُشَاهَد مِنْ مُدَّة مُتَطَاوِلَةٍ وَلَا سِيَّمَا فِي بِلَاد الْأَنْدَلُس، وَضَبَطَ أَهْلِ الْحَدِيث آخِر مَنْ مَاتَ مِن الصَّحَابَةِ، وَهُوَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَائِلَة اللَّيْئِيّ كَمَا جَزَمَ بْن مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِه، وَكَانَ مَوْته سَنَة مِائَة وَقِيلَ: سَنَة سَبْع وَمِائَة، وَقِيلَ: سَنَّة عَشْرِ وَمِائَةٍ، وَهُوَ مُطَابِقٍ لِقَوْلِهِ وَِّ قَبْلِ وَفَاته بِشَهْرٍ: «عَلَى رَأْس مِائَة سَنَة لَا (١) أخرجه البخاري (٣٤٤٩) ومسلم (٢٥٣٢) وأحمد (١١٠٥٦) وابن حبان (٤٧٦٨) والحميدي (٧٤٣). (٢) أخرجه مسلم (٦٦٣١). ٥٥٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهَا الْيَوْمِ أَحَد) وَفِي رِوَايَة أَبِ الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ عِنْد مُسْلِمٍ ذِكْر طَبَقَة رَابِعَة وَلَفْظُه: (ثُمَّ يَكُون الْبَعْثِ الرَّابِعِ) وَهَذِهِ الرِّوَايَةِ شَاذَّة، وَأَكْثَر الرِّوَايَات مُقْتَصِرَةٌ عَلَى الثَّلاثَة. وَمِثْلِه حَدِيث وَائِلَةَ رَفَعَهُ: ((لَا تَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا دَامَ فِيَكُمْ مَنْ رَآنِي وَصَاحَبَنِي، وَالله لَا تَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا دَامَ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي وَصَاحَبَنِي)) .. الْحَدِيث أَخْرَجَهُ إِبْن أَبِي شَيْبَة وَإِسْنَاده حَسَن. [الفتح ٤٤٤/١٠]. ٦٠١٠ - [وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ((خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِيِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السَّمَنُ))(١) وَفِي رِوَايَةٍ: ((وَيَحْلِفُونَ وَلَا يُسْتَحْلَفُونَ)(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. ٦٠١١ - [وَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «ثُمَّ يَخْلُفُ قَوْمُ يُحِبُّونَ السَّمَانَةَ يَشْهَدُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا))](٣) . (ثُمَّ يَخْلُف قَوْمٍ يُحِبُّونَ السَّمَانَة يَشْهَدُونَ قَبْلِ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا) وَفِي رِوَايَة (وَيَظْهَر قَوْمٍ فِيهِم السِّمَن) السَّمَانَة بِفَتْحِ السِّينِ هِيَ السِّينِ هِيّ السِّمَن. قَالَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث: الْمُرَاد بِالسَّمَنِ هُنَا كَثْرَة اللَّحْم، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَكْثُرُ ذَلِكَ فِيهِمْ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يَتَمَخَّضُوا سِمَانًا. قَالُوا: وَالْمَذْهُومِ مِنْهُ مَنْ يَسْتَكْسِبُهُ، وَأَمَّا مَنْ هُوَ فِيهِ خِلْقَةٍ فَلَا يَدْخُلِ فِي هَذَا، وَالْمُتَكَسِّب لَهُ هُوَ الْمُتَوَسِّع فِي الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ زَائِدًا عَلَى الْمُعْتَادِ، وَقِيلَ: الْمُرَاد بِالسِّمَنِ هُنَا أَنَّهُمْ يَتَكَثَّرُونَ بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ، وَيَدَّعُونَ مَا لَيْسَ لَهُمْ مِن الشَّرَف وَغَيْره، وَقِيلَ: الْمُرَادِ جَمْعهم الْأَمْوَال. (يَشْهَدُونَ قَبْلِ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا) هَذَا الْحَدِيثِ فِي ظَاهِرِهِ مُخَالَفَة لِلْحَدِيثِ الْآخَرِ: ((خَيْرِ الشُّهُودِ الَّذِي يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ قَبْلِ أَنْ يُسْأَلَهَا)) قَالَ الْعُلَمَاءِ: الْجُمْعِ بَيْنهمَا أَنَّ الدَّمّ فِي (١) أخرجه البخاري (٣٦٥٠)، ومسلم (٦٦٣٨)، وأحمد (٢٠٣٥٤). (٢) أخرجه مسلم (٦٦٤٠). (٣) أخرجه مسلم (٦٦٣٦). ٥٥٣ كتاب المناقب والفضائل/ باب مناقب الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ذَلِكَ لِمَنْ بَادَرَ بِالشَّهَادَةِ فِي حَقِّ الْآدَمِيّ هُوَ عَالِمٍ قَبْلِ أَنْ يَسْأَلَهَا صَاحِبِهَا، وَأَمَّا الْمَدْحِ فَهُوَ لِمَنْ كَانَتْ عِنْده شَهَادَة الْآدَمِيّ، وَلَا يَعْلَم بِهَا صَاحِبِهَا، فَيُخْبِرُهُ بِهَا لِيَسْتَشْهِدهُ بِهَا عِنْد الْقَاضِي إِنْ أَرَادَ، وَيَلْتَحِقِ بِهِ مَنْ كَانَتْ عِنْدِه شَهَادَة حِسْبَةٍ، وَهِيَ الشَّهَادَةِ بُحُقُوقِ الله تَعَالَى، فَيَأْتِي الْقَاضِي وَيَشْهَد بِهَا، وَهَذَا مَمْدُوح إِلَّا إِذَا كَانَت الشَّهَادَة بِحَدٍّ، وَرَأَى الْمَصْلَحَة فِي السِّقْرِ. هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِن الْجُمْعِ بَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ هُوَ مَذْهَب أَصْحَابِنَا وَمَالِك وَجَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الصَّوَابِ، وَقِيلَ فِيهِ أَقْوَالِ ضَعِيفَةٍ: خِلَافِ قَوْل مَنْ قَالَ بِالدَّمِّ مُظْلَقًّا، وَنَابَذَ حَدِيثِ الْمَدْحِ، وَمِنْهَا قَوْل مَنْ حَمَلَهُ عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ، وَمِنْهَا قَوْل مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الشَّهَادَةِ بِالْحُدُودِ، وَكُلّهَا فَاسِدَة. وَاحْتَجَّ عَبْد الله بْنِ شُبْرُمَةَ بِهَذَا الْحَدِيث لِمَذْهَبِهِ فِي مَنْعِه الشَّهَادَة عَلَى الْإِقْرَارِ قَبْل أَنْ يُسْتَشْهَد، وَمَذْهَبِنَا وَمَذْهَب الْجُنْهُور قَبُولُهَا. [النووي ٣١٣/٨]. الفصل الثاني ٦٠١٢ - [عَنِ عُمَرَ هُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: ((أَكرِمُوا أَصْحَابِي فَإِنَّهُم خِيَارُكم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَظْهَرُ الْكَذِبُ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لِيَحْلِفُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ، وَيَشْهَدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ، أَلَا مَنْ سَرَّهُ بُجْبُوحَةُ الْجُنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْفَذِّ وَهُوَ مِنَ الإِثْنَيْنِ أَبْعَدُ، وَلَا يَخْلُوَنَّ رَجُلْ بِامْرَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُم، وَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتْهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ)). رَوَاهُ النَّسَائِيّ](١). ٦٠١٣ - [وَعَنْ جَابِرِ عَنِ الشَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((لَا تَمَسُّ النَّارُ مُسْلِمَا رَآنِي أَوْ رَأَى مَنْ رَآنِي)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](٢). (١) أخرجه أحمد (١١٤)، والشافعي (٢٤٤/١)، والطيالسي (٣١)، والحميدي (٣٢)، والحارث كما في (بغية الباحث)) (٦٠٧)، وعبد بن حميد (٢٣)، والترمذي (٢١٦٥) وقال: حسن صحيح غريب. والنسائي في («الكبرى)) (٩٢٢٥)، وأبو يعلى (١٤١)، وابن حبان (٧٢٥٤)، والدارقطني في ((العلل)) (١١١)، والحاكم (٣٨٧) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والبيهقي (١٣٢٩٩). (٢) أخرجه الترمذي (٤٢٣١). ٥٥٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر ٦٠١٤ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيَّ: ((اللّهَ اللهَ فِي أَصْحَابِي، اللّهَ اللهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا مِنْ بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللهَ، وَمَنْ آذَى اللهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ](١). ٦٠١٥ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: (مَثَلُّ أَصْحَابِي فِي أَمَّتِي كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ؛ لا يَصْلُحُ الطَّعَامُ إِلا بِالْمِلْجِ)) قَالَ الْحَسَنُ: فَقَدْ ذَهَبَ مِلْحُنَا، فَكَيْفَ نَصْلُحُ؟. رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)] (٢). ٦٠١٦ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيِهِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّ: ((مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِي يَمُوتُ بِأَرْضِ إِلَّ بُعِثَ قَائِدًا وَنُورًا لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ (٣)، وَذَكَرَ حَدِيثَ ابنِ مَسعُودٍ: لَا يُبَلِّغْنِي أَحَدَّ) فِي بَابِ «حِفْظِ الِّسَانِ)»]. الفصل الثالث ٦٠١٧ - [عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: (إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَسُبُّونَ أَصْحَابِي فَقُولُوا: لَعْنَةُ اللهِ عَلَى شَرِّكُمْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](٤). ٦٠١٨ - [وَعَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((سَأَلِتُ رَبِّي عَنِ اخْتِلافٍ أَصحَابِي مِنْ بَعدِي؟ فَأَوحَى إِليَّ: يَا مُحمَّدُ، إِنَّ أُصحَابَكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ (١) أخرجه أحمد (١٦٨٤٩)، والبخاري في (التاريخ الكبير)) (١٣١/٥)، والترمذي (٣٨٦٢) وقال: غريب. وأبو نعيم في الحلية)) (٢٨٧/٨)، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (١٥١١)، وابن حبان (٧٢٥٦)، والديلمي (٥٢٥). (٢) أخرجه البغوي في (شرح السنة)) (٧٦/٧). (٣) أخرجه الترمذي (٤٢٣٩). (٤) أخرجه الترمذي (٣٨٦٦)، والطبراني في «الأوسط)) (٨٣٦٦). ٥٥٥ كتاب المناقب والفضائل/ باب مناقب الصحابة رضي الله عنهم أجمعين النُّجُومِ فِي السَّماءِ، بَعْضُها أَقْوَى مِن بَعضٍ، وَلِكُلُّ نُورٍ، فَمَنْ أَخَذَ بِشَيءٍ مِمَّا هُم عَلَيْهِ مِن اخْتِلافِهِم فَهُو عِندِي عَلَى هُدَّى)) قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، فَبِأَيِّهِم اقْتَدَيْتُم اهْتَدَيْتُمْ)). رَوَاهُ رَزِين(١). (١) ذكره ابن الأثير في ((جامع الأصول)) (٦٣٦٩). باب مناقب أبي بكر الفصل الأول ٦٠١٩ - [عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ◌َ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: "إِنَّ مِن أَمَنِّ النَّاسِ عَّ فِي صُحْبَتِهِ ومَالِهِ أَبُو بَكْرٍ - وَعِنْدَ البُخَارِيِّ: (أَبَا بَكرٍ)) - وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً لَا تَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ لَا تُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةُ إِلَّا خَوْخَةً أَبِي بَكْرٍ)) (١)، وَفِي رِوَايَةٍ: ((وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً)(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (خَوْخَةُ إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ) الْخُوْخَة بِفَتْجِ الْحَاءِ، وَهِيَ الْبَابِ الصَّغِيرِ بَيْن الْبَيْتَيْنِ. أَو الدَّارَيْنِ، وَنَحْوِهِ. وَفِيهِ فَضِيلَةٍ وَخِصِّيصَةِ ظَاهِرَة لِأَبِي بَكْرِ رَضِيَ الله عَنْهُ. وَفِيهِ أَنَّ الْمَسَاجِدِ تُصَانُ عَنْ تَطَرُّق النَّاسِ إِلَيْهَا فِي خَوْخَاتِ وَنَحْوِهَا إِلَّ مِنْ أَبْوَابِهَا إِلَّا ◌ِجَاجَةٍ مُهِمَّةٍ. قال المهلب: فيه التعريض بالعلم للناس، وإن قل فهماؤه، خشية أن يدخل عليهم مساءة أو حزن. وفيه: أنه لا يستحق أحد العلم حقيقة إلا من فهم، والحافظ لا يبلغ درجة الفهم، وإنما يقال للحافظ عالم بالنص لا بالمعنى والتأويل؛ ألا ترى أن أبا سعيد جعل لأبي بكر مزية بفهمه، أوجب له بها العلم حقيقة وإن كان قد أوجب العلم للجماعة. وفيه: أن أبا بكر أعلم الصحابة؛ لأن أبا سعيد شهد له بذلك بحضرة جماعتهم، ولم ينكر ذلك عليه أحد، ويدل على صحة ذلك مقامه بعد موت النبي ◌ّ﴾ ووقت ارتداد العرب على بديهة منه دون أن يطيش له جنان، أو يختلج له لسان، وشدة نفسه وثبات قدمه؛ ولذلك حلف أبو هريرة بالله الذي لا إله إلا هو: لولا أبو بكر الصديق (١) أخرجه البخاري (٣٦٩١)، ومسلم (٢٣٨٢)، والترمذي (٣٦٦٠)، وابن حبان (٦٨٦١). (٢) أخرجه البخاري (٣٦٥٤)، وأحمد (١١٤٣٣). - ٥٥٦ - ٥٥٧ كتاب المناقب والفضائل/ باب مناقب أبي بكر رضي الله عنه ما عبد الله. وفيه: الحض على اختيار ما عند الله والزهد في الدنيا والإعلام بمن اختار ذلك من الصالحين. وفيه: أن على السلطان شكر من أحسن صحبته ومعونته بنفسه وماله، والاعتراف له بالمنة، واختصاصه بالفضيلة التي لم يُشارك فيها، كما اختص هو أبا بكر بما لم يخص به غيره؛ وذلك أنه جعل بابه في المسجد؛ ليخلفه في الإمامة ليخرج من بيته إلى المسجد، كما كان الرسول يخرج، ومنع الناس كلهم من ذلك دليل على خلافة أبي بكر بعد الرسول، ودليل على أن المرشح للخلافة يُخصُّ بكرامة تدل على ترشحه. وفيه: دليل أن الخليل فوق الصديق والأخ. [ابن بطال ١٤١/٣]. ٦٠٢٠ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً لَا تَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً، وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي وَقَدِ الَّخَذَ اللهُ صَاحِبَكُمْ خَلِيلاً)) رَوَاهُ مُسْلِمْ)(١). (لَوْ كُنْت مُتَّخِذًا خَلِيلًا) زَادَ فِي حَدِیث أَبِي سَعِيد «غَیْرِ رَبِی)» وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُودٍ عِنْدِ مُسْلِمِ ((وَقَد ◌ِنَّخَذَ اللهِ صَاحِبِكُمْ خَلِيلًا)) وَقَدْ تَوَارَدَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى نَفْي الْخُلَّةِ مِن النَِّيّ ◌ََّ لِأَحَدٍ مِن النَّاسِ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْب قَالَ: ((إِنَّ أَحْدَث عَهْدِي بِنَبِيِّكُمْ قَبْلِ مَوْتِه ◌ِخَمٍْ، دَخَلْت عَلَيْهِ وَهُوَ يَقُول)»: ((إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيّ إِلَّا وَقَد ◌ِنَّخَذَ مِنْ أُمَّتِه خَلِيلًا، وَإِنَّ خَلِيلٍ أَبُو بَكْرِ أَلَا وَإِنَّ الله اِنَّخَذَّنِي خَلِيلًا كَمَا ◌ِتَّخَذَ إِبْرَاهِيمٍ خَلِيلًا)) أَخْرَجَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْخْرْبِيّ فِي ((فَوَائِده) وَهَذَا يُعَارِضِهُ مَا فِي رِوَايَة جُنْدَبٍ عِنْد مُسْلِمٍ كَمَا قَدَّمْتَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ ◌َّهَ يَقُول قَبْل أَنْ يَمُوت ◌ِخَمْسِ: ((إِنَّ أَبْرَأ إِلَى الله أَنْ يَكُونِ لِي مِنْكُمْ خَلِيل)) فَإِنْ ثَبَتَ حَدِيث أُبَيّ أَمْكَنَ أَنْ يُجْمَعِ بَيْنهمَا بِأَنَّهُ (١) أخرجه مسلم (٦٣٢٢)، وأحمد (٤٢٦٧). ٥٥٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر لَمَّا بَرِئَّ مِنْ ذَلِكَ تَوَاضُعًا لِرَبِّهِ وَإِعْظَامًا لَهُ أَذِنَ الله تَعَالَى لَهُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِمَا رَأَى مَنْ تَشَوُّفِه إِلَيْهِ وَإِكْرَامًا لِأَبِي بَكْرٍ بِذَلِكَ، فَلَا يَتَنَافَى الْخَبَرَانِ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ نَحْوِ حَدِيث أُبَيّ بْنِ كَعْب دُون التَّقْبِيد بِالْخَمْسِ، أَخْرَجَهُ الْوَاحِدِيّ فِي (تَفْسِيرِ) وَالْخَبَرَانِ وَاهِيَانٍ، والله أَعْلَمُ. (وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي) فِي رِوَايَةٍ خَيْئَمَةَ فِي ((فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ)) عَنْ أَحْمَد بْنِ الْأَسْوَد عَنْ مُسْلِمٍ بْن إِبْرَاهِيمٍ وَهُوَ شَيْخِ الْبُخَارِيّ فِيهِ «وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحبي فِي الله تَعَالَى)) وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدِهَا ((وَلَكِنْ أُخُوَّة الْإِسْلَامِ أَفْضَل)) وَقَوْله: فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة: ((حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنِ أَسَد وَمُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلِ التَّبُوذَكِيُّ)) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ الصَّوَابِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِ ذَرّ وَحْده ((التَّنُّوِيّ)) وَهُوَ تَصْحِيف. وَاخْتُلِفَ فِي الْمَوَدَّةِ وَالْحُلَّةِ وَالْمَحَبَّة وَالصَّدَاقَة هِيَ مُتَرَادِفَةٍ أَوْ مُخْتَلِفَةِ، قَالَ أَهْلِ اللُّغَةِ: الْخُلَّةِ أَرْفَعِ رُثْبَة، وَهُوَ الَّذِي يُشْعِر بِهِ حَدِيث الْبَابِ، وَكَذَا قَوْلِهِ وَّ: (لَوْ كُنْت مُتَّخِذَا خَلِيلًا غَيْرِ رَبِّي)) فَإِنَّهُ يُشْعِرِ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَلِيلٍ مِنْ بَنِي آدَمٍ، وَقَدْ ثَبَتَتْ مَحَبَّتِه ◌ِجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ كَأَبِي بَكْر وَفَاطِمَةٍ وَعَائِشَةِ وَالْحَسَنَيْنِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَا يُعَكِّر عَلَى هَذَا إِنَّصَاف إِبْرَاهِيمٍ عَلَيْهِ السَّلَامِ بِالْخُلَّةِ وَمُحَمَّد ◌َهَ بِالْمَحَبَّةِ فَتَكُون الْمَحَبَّة أَرْفَع رُتْبَةٍ مِن الْخُلَّةِ، لِأَنَّهُ يُجَاب عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مُحَمَّدًا وَِّهِ قَدْ ثَبَتَ لَهُ الْأَمْرَانِ مَعَا فَيَكُون رُجْحَانِه مِن الْجِهَتَيْنِ، والله أَعْلَمُ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الْخَلِيلِ هُوَ الَّذِي يُوافِقك في خِلالك وَيُسَاپرك في طريقك، أَو الَّذِي يَسُدّ خَلَلك وَتَسُدّ خَلَله، أَوْ يُدَاخِلك خِلَال مَنْزِلِكَ إِنْتَهَى. وَكَأَنَّهُ جَوَّزَ أَنْ يَكُون اِشْتِقَاقه مِمَّا ذُكِرَ. وَقِيلَ: أَصْلِ الْخُلَّةِ إِنْقِطَاعِ الْخَلِيلِ إِلَى خَلِيلِه، وَقِيلَ: الْخُلِيل مَنْ يَتَخَلَّلهُ سِرّكِ، وَقِيلَ: مَنْ لَا يَسَع قَلْبه غَيْرِكِ، وَقِيلَ: أَصْلِ الْخُلَّةِ الإِسْتِصْفَاءِ، وَقِيلَ: الْمُخْتَصّ بِالْمَوَدَّةِ، وَقِيلَ: إِشْتِقَاقِ الْخُلِيلِ مِن الْخُلَّة بِفَتْحِ الْخَاء وَهِيَ الْحَاجَةِ، فَعَلَى هَذَا فَهُوَ الْمُحْتَاج إِلَى مَنْ يُخَالَهُ، وَهَذَا كُلّه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَان، أَمَّا خُلَّة الله لِلْعَبْدِ فَبِمَعْنَى نَصْرِه لَهُ وَمُعَاوَنَته. [الفتح ٤٥٥/١٠]. ٥٥٩ كتاب المناقب والفضائل/ باب مناقب أبي بكر رضي الله عنه ٦٠٢١ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّ فِي مَرَضِهِ: ((ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا؛ فَإِنِّ أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٌّ وَيَقُولَ قَائِلَ: أَنَا وَلا، وَيَأْبَى اللهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ، وَفِي ((كِتَابِ الحِمِيدِي)): (أَنَا أَوْلَى)) بَدَل (أَنَا وَلا))](١). ٦٠٢٢ - [وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﴾ قَالَ: أَتَّتِ النَّبِيُّ ◌َِّ امْرَأَةً فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ فَلَمْ أَجِدْكَ؟ كَأَنَّهَا تُرِيدُ الْمَوْتَ. قَالَ: ((فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢). - ٦٠٢٣ - [وعَنْ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ لَه: أَنَّ الشَّبِيَّ نَّهِ بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أَي: النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: ((عَائِشَةُ)) قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: ((أَبُوهَا)) قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((عُمَرُ)) فَعَذَّ رِجَالاً، فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آَخِرِهِمْ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣). ٦٠٢٤ - [وَعَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: قُلْتُ لأَّبِي: أي: النَّاسِ خَيْرْ بَعْدَ النَّبِيِّ ◌ِلَ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُمَرُ. وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ: عُثْمَانُ، قُلْتُ: ثُمَّ أَنْتَ؟ قَالَ: مَا أَنَا إِلَّا رَجُلُّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٤). ٦٠٢٥ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ لَا نَعْدِلُ بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًّا، ثُمَّ عُمَرَ، ثُمَّ عُثْمَانَ، ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ◌ََّ لَا نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(٥)، وَفِي رِوَايَةٍ لأَّبِي دَاوُد: (أَفْضَلُ أَمَّةِ النَّبِيِّ ◌ِّ بَعْدَهُ: أَبُو بَكْرِ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ ﴿))]. (١) أخرجه مسلم (٦٣٣٢). (٢) أخرجه البخاري (٣٦٥٩)، ومسلم (٦٣٣٠)، والترمذي (٤٠٣٩). (٣) أخرجه البخاري (٤٣٥٨)، ومسلم (٦٣٢٨)، وأحمد (١٨٢٨٦)، والترمذي (٤٢٥٩). (٤) أخرجه البخاري (٣٦٧١)، وأبو داود (٤٦٣١). (٥) أخرجه البخاري (٣٦٩٧)، وأبو داود (٤٦٢٩). ٥٦٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر (ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ◌ََّ لَا نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ) تَقَدَّمَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا لَمْ يَذْكُر إِبْن عُمَر عَلِيًّا لِأَنَّهُ أَرَادَ الشُّيُوخِ وَذَوِي الْأَسْنَانِ الَّذِينَ كَانَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرِ شَاوَرَهُمْ، وَكَانَ عَلِيّ فِي زَمَانِه ◌َِّ حَدِيث السِّنّ. قَالَ وَلَمْ يُرِدِ إِبْنِ عُمَر الإِزْدِرَاء بِهِ وَلَا تَأْخِيرِهِ عَنِ الْفَضِيلَةِ بَعْد عُثْمَانِ إِنْتَهَى. وَمَا اِعْتَذَرَ بِهِ مِنْ جِهَة السِّنّ بَعِيد لَا أَثَرلَهُ فِي التَّفْضِيلِ الْمَذْكُورِ، وَقَدِ إِنَّفَقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَأْوِيل كَلَامِ إِبْن عُمَر هَذَا لِمَا تَقَرَّرَ عِنْد أَهْلِ السُّنَّة قَاطِبَةٍ مِنْ تَقْدِيمِ عَلِيّ بَعْد عُثْمَانِ وَمِنْ تَقْدِيمِ بَقِيَّة الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ وَمِنْ تَقْدِيمِ أَهْلِ بَدْرِ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْهَدهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَالظَّاهِرِ أَنَّ إِبْنِ عُمَر إِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا النَّفْي أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْتَهِدُونَ فِي التَّفْضِيلِ، فَيَظْهَر لَهُمْ فَضَائِلِ الثَّلاثَةِ ظُهُورًا بَيِّنَا فَيَجْزِمُونَ بِهِ وَلَمْ يَكُونُوا حِينَئِذٍ إِطَّلَعُوا عَلَى التَّنْصِيصِ، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَى الْبَزَّارِ عَن ◌ِبْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ((كُنَّا نَتَحَدَّث ◌َنَّ أَفْضَلِ أَهْل الْمَدِينَة عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب)) رِجَاله مُوَثَّقُونَ، وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ ذَلِكَ قَالَهُ إِبْن مَسْعُود بَعْد قَتْل عُمَر، وَقَدْ حُمِلَ حَدِيث اِبْنِ عُمَر عَلَى مَا يَتَعَلَّقِ بِالَّرْتِيبِ فِي التَّفْضِيلِ، وَاحْتَجَّ فِي التَّرْبِيعِ بِعَلِيِّ بَحَدِيثٍ سَفِينَة مَرْفُوعًا: ((الْخِلَافَةِ ثَلاثُونَ سَنَةٍ ثُمَّ تَصِير مُلْكَّ)) أَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن وَصَحَّحَهُ إِبْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: لَا حُجَّة فِي قَوْله: ((كُنَّا نَتْرُكِ)) لِأَنَّ الْأُصُولِيِّينَ إِخْتَلَفُوا فِي صِيغَة (كُنَّا نَفْعَل)) لَا فِي صِيغَة كُنَّا لَا نَفْعَل لِتَصَوُّرِ تَقْرِير الرَّسُولِ فِي الْأَوَّل دُون الثَّانِي، وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون حُجَّةٍ فَمَا هُوَ مِن الْعَمَلِيَّات حَتَّى يَكْفِي فِيهِ الظّنّ، وَلَوْ سَلَّمْنَا فَقَدْ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْنِ عُمَر أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَقَعَ لَهُمْ فِي بَعْض أَزْمِنَة النَّبِيّ ◌َّهِ فَلَا يَمْنَع ذَلِكَ أَنْ يَظْهَرِ بَعْد ذَلِكَ لَهُمْ، والله أَعْلَمُ. [الفتح ٤٩٤/١٠]. الفصل الثاني ٦٠٢٦ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَهَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: «مَا لِأَحَدٍ عِنْدَنَا يَدْ إِلَّا وَقَدْ كَافَيْنَاهُ مَا خَلَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا يَدًّا يُكَافِئُهُ اللهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا نَفَعَنِي مَالُ أَحَدٍ قَظُ، مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَا خَلِيلاً لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ