النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
كتاب الفضائل والشمائل/ باب الكرامات
٥٩٤٦ - [وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: إِنَّ أَصْحَابٌ
الصُّقَّةِ كَانُوا أَنَاسًا فُقَرَاءَ، وَإِنَّ النَّبِيَّ ◌ِ قَالَ: ((مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ
بِثَالِثٍ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ أَوْ سَادِسِ)) وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ
بِثَلَاثَةٍ وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ◌َهَ بِعَشَرَةٍ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَى عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َِّ ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى
صُلِّيتِ الْعِشَاءَ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَى النَّبِيُّ ◌َهِ فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا
شَاءَ اللهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ؟ قَالَ: أَوَمَا عَشَّيْتِهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا
حَتَّى تَجِيءَ، فَغَضِبَ وَقَالَ: وَاللهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًّا. فَحَلَفَت المرَأَةُ أَلَّا تَطْعَمَهُ، وَحَلَفَ
الأَضيَافُ أَلَّا يَطْعَمُوهُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَانَ هَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ. فَدَعَا بِالطَّعَامِ فَأَكَلَ
وَأَكَلُوا، فَجَعَلُوا لَا يَرفَعُونَ لُقْمَةً إِلَّ رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا، فَقَالَ لِإِمْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ
بَنِي فِرَاسِ، ما هذا؟ قَالَتْ: وَقُرَّةٍ عَيْنِي إِنَّها الآنَ لأَكْثَرُ مِنها قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مِرَارٍ.
فَأَكُلُوا وَبَعَثَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ نَ فَذُكِرَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْهَا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ(١) وَذَكَرَ حَدِيثَ
عبْدِ الله بنِ مَسعُودٍ ((كُنَّا نَسمَعُ تَسبيحَ الطّعامِ)) في (المُعجِزات))].
(إِنَّ أَصْحَابِ الصُّفَّة كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاء) إِنَّ الصُّفَّةِ مَكَان فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِد
النَّبَوِيّ مُظَلَّل أُعِدّ لِنُزُولِ الْغُرَبَاءِ فِيهِ مِمَّنْ لَا مَأْوَى لَهُ وَلَا أَهْلِ، وَكَانُوا يَكْتُرُونَ فِيهِ
وَيَقِلُّونَ بِحَسَبٍ مَنْ يَتَزَوَّجِ مِنْهُمْ أَوْ يَمُوتِ أَوْ يُسَافِرِ، وَقَدْ سَرَدَ أَسْمَاءَهُمْ أَبُو نُعَيْمٍ فِي
((الْحِلْيَة)) فَزَادُوا عَلَى الْمِائَةِ (مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنٍ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ) أي: مِنْ أَهْلِ
الصُّفَّة الْمَذْكُورِينَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِمِ ((فَلْيَذْهَبْ بِثَلَاثَةٍ)) قَالَ عِيَاضٍ: وَهُوَ غَلَط،
وَالصَّوَابِ رِوَايَة الْبُخَارِيّ لِمُوَافَقَتِهَا لِسِيَاقٍ بَاقِي الحَدِيث.
وَقَالَ الْقُرْطُِيّ: إِنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَسَدَ الْمَعْنَى، لِأَنَّ الَّذِي عِنْدِه طَعَامٍ إِثْنَيْنِ إِذَا
ذَهَبَ مَعَهُ بِثَلَاثَةٍ لَزِمَ أَنْ يَأْكُلُهُ فِي خَمْسَة وَحِينَئِذٍ لَا يَكْفِيهِمْ وَلَا يَسُدّ رَمَقَهُمْ، بِخِلَافٍ
مَا إِذَا ذَهَبَ بِوَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَأْكُلُهُ فِي ثَلَاثَةٍ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: ((طَعَامِ الإِثْنَيْنِ
يَكْفِي أَرْبَعَةٍ)) أي: الْقَدْرِ الَّذِي يُشْبِعِ الإِثْنَيْنِ يَسُدّ رَمَق أَرْبَعَة، وَوَجَّهَهَا النَّوَوِيّ بِأَنَّ
(١) أخرجه البخاري (٣٥٨١)، ومسلم (٥٤٨٦).

٥٠٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
التَّقْدِير فَلْيَذْهَبْ بِمَنْ يُتِمّ مَنْ عِنْدِه ثَلَاثَةِ، أَوْ فَلْيَذْهَبْ بِتَمَامِ ثَلَاثَة.
(وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ أَوْ سَادِيٍ) أي: فَلْيَذْهَبْ
بِخَامِسِ إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْده مَا يَقْتَضِي أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلْيَذْهَبْ بِسَادِسٍ مَعَ
الْخَامِس إِنْ كَانَ عِنْده أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ. وَالْحِكْمَةِ فِي كَوْنِه يَزِيدِ كُلّ أَحَدٍ وَاحِدًا فَقَظْ أَنَّ
عَيْشِهِمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْت لَمْ يَكُنْ مُتَّسِعًا، فَمَنْ كَانَ عِنْدِه مَثَلًا ثَلَاثَة أَنْفُس لَا يَضِيق
عَلَيْهِ أَنْ يُظْعِمِ الرَّابِعِ مِنْ قُوتِهِمْ، وَكَذَلِكَ الْأَرْبَعَة وَمَا فَوْقِهَا، بِخِلَافٍ مَا لَوْ زِيدَت
الْأَضْيَافِ بِعَدَدِ الْعِيَالِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ يَحْصُلِ الإِكْتِفَاءِ فِيهِ عِنْدِ إِنَّسَاعِ الْحَالِ. وَوَقَعَ فِي
رِوَايَةٍ أَبِي الثَّعْمَانِ: ((وَإِنْ أَرْبَعِ فَخَامِس أَوْ سَادِس)) وَ(أَوْ) فِيهِ لِلتَّنْوِيعِ أَوْ لِلتَّخْبِيرِ كَمَا فِي
الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَى (أَوْ سَادِس)) وَإِنْ كَانَ عِنْده طَعَامٍ خَمْس
فَلْيَذْهَبْ بِسَادِسٍ، فَيَكُون مِنْ عَظْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَالتَّقْدِيرِ فَإِنْ كَانَ عِنْده
طَعَامٍ أَرْبَعِ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ أَوْ بِسَادِسٍ، فَحَذَّفَ عَامِلِ الْجُرّ وَأَبْقَى عَمَله، كَمَا يُقَال
مَرَرْت بِرَجُلٍ صَالِحٍ وَإِنْ لَا صَالِحِ فَطَالِح، أي: إِنْ لَا أَمُرّ بِصَالِحٍ فَقَدْ مَرَرْت بِطَالِجٍ،
وَيَجُوز الرَّفْعِ عَلَى حَذْفٍ مُضَافٍ وَإِقَامَةِ الْمُضَاف ◌ِلَيْهِ مَقَامِه وَهُوَ أَوْجَه.
قَالَ إِبْنِ مَالِك: تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيثِ حَذْفٍ فِعْلَيْنِ وَعَامِلَيْ جَرّ مَعَ بَقَاء عَمَلُهمَا
بَعْد إِنْ وَبَعْدِ الْفَاءِ، وَالتَّقْدِيرِ مَنْ كَانَ عِنْده طَعَامِ إِثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ قَامَ
بِأَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ {خَامِسٍ أَوْ سَادِس انتهى.
وَهَذَا قَالَهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الصَّلَاةِ، وَأَمَّا هَذِهِ الرِّوَايَة وَهِيَ قَوْله: ((بِخَامِيسٍ
بِسَادِيسِ)) فَيَكُون حُذِفَ مِنْهَا شَيْءٍ آخَر وَالتَّقْدِيرِ أَوْ إِنْ قَامَ بِخَمْسَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِسَادِسِ.
(وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ وَانْطَلَقَ الشَِّيُّ ◌َ بِعَشَرَةٍ) عَبَّرَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بِلَفْظِ:
الْمَجِيء لِبُعْدِ مَنْزِلِه مِن الْمَسْجِد، وَعَنِ النَّبِيّ ◌َهَ بِالإِنْطِلَاقِ لِقُرْبِهِ. وَقَوْله بَعْد ذَلِكَ
((وَأَبُو بَكْرِ ثَلَاثَة)) بِالنَّصْبِ لِلْأَكْثَرِ أي: أَخَذَ ثَلَاثَةِ فَلَا يَكُون قَوْله قَبْلِ ذَلِكَ ((جَاءَ
بِثَلَاثَةٍ)) تَكْرَارًا لِأَنَّ هَذَا بَيَان لِبْتِدَاءِ مَا جَاءَ فِي نَصِيبِه، وَالْأَوَّل لِبَيَانٍ مَنْ أَحْضَرَهُمْ
إِلَى مَنْزِلِهِ. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ ثَلَاثَة بِالرَّفْعِ وَقَدَّرَهُ وَأَبُو بَكْرِ أَهْلِه ثَلَاثَة أي: عَدَد أَضْيَافِهِ،

٥٠٣
كتاب الفضائل والشمائل/ باب الكرامات
وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ عِنْده طَعَامٍ أَرْبَعَة وَمَعَ ذَلِكَ فَأَخَذَ خَامِسًا وَسَادِسًا
وَسَابِعًا فَكَأَنَّ الْحِكْمَةِ فِي أَخْذِه وَاحِدًا زَائِدًا عَمَّا ذَكَرَ النَّبِيِّ وَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُؤْثِرِ السَّابِعِ
بِنَصِيبِهِ إِذْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلِ أَوَّلَّا مَعَهُمْ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ((وَأَبُو بَكْر
بِثَلَاثَةٍ)) فَيَكُون مَعْطُوفًا عَلَى قَوْله: ((وَانْطَلَقَ النَّبِيّ)) أي: وَانْطَلَقَ أَبُو بَكْر بِثَلَاثَةٍ وَهِيَ
رِوَايَة مُسْلِم، وَالْأَوَّلِ أَوْجَهُ، والله أَعْلَمُ.
(وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َهِ ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صُلَّيْتِ الْعِشَاءَ، ثُمَّ رَجْعَ)
شَرَحَهُ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ: هَذَا يُشْعِر بِأَنَّ تَعَقِّي أَبِي بَكْر كَانَ بَعْد الرُّجُوعِ إِلَى النَِّيّ ◌َِّ
وَالَّذِي تَقَدَّمَ بِعَكْسِهِ، وَالْجَوَابِ أَنَّ الْأَوَّل بَيَان حَالِ أَبِي بَكْر فِي عَدَمِ إِحْتِيَاجِه إِلَى
الطَّعَامِ عِنْد أَهْلِهِ، وَالثَّانِي فِيهِ سِيَاقِ الْقِصَّة عَلَى التَّرْتِيبِ الْوَاقِعِ: الْأَوَّلِ تَعَشِّي الصُّدِّيق
وَالثَّانِي تَعَشِّي النَّبِيّ ◌َّهِ. وَالْأَوَّلِ مِن الْعَشَاء بِفَتْحِهَا أي: الْأَكْلِ، وَالثَّانِي بِكَسْرِهَا أي:
الصَّلَاةِ، فَأَحَدِ هَذِهِ الإِحْتِمَالَاتِ أَنَّ أَبَا بَكْر لَمَّا جَاءَ بِالثَّلَاثَةِ إِلَى مَنْزِلِه لَبِثَ إِلَى وَقْت
صَلَاة الْعِشَاء فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيّ ◌َّهِ حَتَّى تَعَشَّى عِنْده، وَهَذَا لَا يَصِحَ لِأَنَّهُ يُخَالِف صَرِيح
قَوْله فِي الحَدِيث: (وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ وَّهِ) ثُمَّ إِنَّ الَّذِي وَقَعَ عِنْدِ الْبُخَارِيّ
بِلَفْظِ: ((ثُمَّ رَجَعَ" بِالْحِيمِ لَيْسَ مُتَّفَقًّا عَلَيْهِ مِن الرُّوَاةِ لِمَا سَأَذْكُرُهُ، وَظَاهِرِ قَوْله فِي هَذِهِ
الرِّوَايَة: ((ثُمَّ رَجَعَ)) أي: إِلَى مَنْزِلِه، وَعَلَى هَذَا فَفِي قَوْله: (فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى الشَّبِيُّ ◌َُّ
فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللّهُ) تَكْرَار وَفَائِدَتِه الْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ تَأْخُّره عِنْد
النَِّيّ ◌َ﴿ كَانَ بِمِقْدَارٍ أَنْ تَعَشَى مَعَهُ وَصَلَّى الْعِشَاءِ وَمَا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِه ◌ِلَّا بَعْد أَنْ مَضَى
مِنِ اللَّيْل قِطْعَة، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيِّ وَ كَانَ يُحِبّ أَنْ يُؤَخِّرِ صَلَاةَ الْعِشَاءِ كَمَا فِي حَدِيث
أَبِي بَرْزَة، وَوَقَعَ عِنْدِ الْإِسْمَاعِيِيّ((ثُمَّ رَكَعَ)) بِالْكَافِ أي: صَلَى النَّافِلَة بَعْدِ الْعِشَاء، فَعَلَى
هَذَا فَالتَّكْرَارِ فِي قَوْله: (فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى)) فَقَظْ، وَفَائِدَته مَا تَقَدَّمَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة
مُسْلِمٍ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ أَيْضًا ((فَلَبِثَ حَتَّى نَعَسَ، بِعَيْنٍ وَسِين مُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ مِن
النُّعَاسِ وَهُوَ أَوْجَهُ، وَقَالَ عِيَاض إِنَّهُ الصَّوَابِ، وَبِهِ يَنْتَفِي التَّكْرَار مِن الْمَوَاضِعِ كُلَّهَا إِلَّا
فِي قَوْله: (لَبِثَ)) وَسَبَبِهِ إِخْتِلَاف تَعَلُّق اللُّبْثِ فَالْأَوَّل قَالَ: ((لَبِثَ حَتَّى صَلَّى الْعِشَاء)) ثُمّ

٥٠٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
قَالَ: ((فَلَبِثَ حَتَّى نَعَسَ)) وَالْحَاصِلِ أَنَّهُ تَأَخَّرَ عِنْدِ النَّبِيّ ◌َ حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءِ ثُمَّ تَأْخَّرَ
حَتَّى نَعَسَ النَّبِيّ وَّهِ وَقَامَ لِيَنَامَ فَرَجَعَ أَبُو بَكْرِ حِينَئِذٍ إِلَى بَيْته، وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ
الْمُصَنَّف فِي أَبْوَابِ الصَّلَاة قُبَيْل الْأَذَان «بَابِ السَّمَر مَعَ الضَّيْفِ وَالْأَهْلِ) وَأَخَذَهُ مِنْ
كَوْن أَبِي بَكْرِ رَجَعَ إِلَى أَهْلِه وَضِيفَانه بَعْد أَنْ صَلَّى الْعِشَاء مَعَ النَّبِيّ ◌َِّ فَدَارَ بَيْنِهِمْ
وَبَيْنِه مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَة الْجْرِبِيّ عَنْ أَبِي عُثْمَان أَوْ
أَبِي السَّلِيل عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن أَبِي بَكْرِ قَالَ: ((نَزَلَ بِنَا أَضْيَافِ، وَكَانَ أَبُو بَكْر
يَتَحَدَّث عِنْدِ النَِّيّ ◌َِّ فَقَالَ: لَا أَرْجِعِ إِلَيْكِ حَتَّى تَفْرُغْ مِنْ ضِيَافَة هَؤُلَاءِ) وَنَحْوِهِ مِنْ
طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الْجَرِيرِيّ عَنْ أَبِي عُثْمَانِ بِلَفْظِ: ((أَنَّ أَبَا بَكْر تَضَيَّفَ رَهْطَا، فَقَالَ
لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: دُونِك أَضْيَافِك، فَإِّ مُنْطَلِقٍ إِلَى النَّبِيّ ◌َّهِ فَافْرُغْ مِنْ قِرَاهُمْ قَبْل أَنْ
أَجِيء)) وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَحْضَرَهُمْ إِلَى مَنْزِلِهِ وَأَمَرَ أَهْلِهِ أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ وَرَجَعَ هُوَ
إِلَى النَّبِيّ ◌َّهِ وَيَدُلّ عَلَيْهِ صَرِيحٍ قَوْله: ((وَإِنَّ أَبَا بَكْرِ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ)).
(قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ؟) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ ((عَنْ
أَضْيَافِك)) وَكَذَا هُوَ فِي الصَّلَاةِ وَرِوَايَةٍ مُسْلِمٍ: ((أَوْ ضَيْفك)) شَكّ مِن الرَّاوِي، وَالْمُرَاد بِهِ
الْجِنْس لِأَنَّهُمْ ثَلَاثَة، وَاسْمِ الضَّيْف يُطْلَق عَلَى الْوَاحِد وَمَا فَوْقِه.
وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: أَوْ هُوَ مَصْدَرِ يَتَنَاوَلِ الْمُثَنَّى وَالْجُمْعِ، كَذَا قَالَ وَلَيْسَ بِوَاضِچٍ.
(قَالَ: أَوَمَا عَشَّيْتِهِمْ؟) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ ((أَوَ مَا عَشَّيْتِهِمْ)) بِزِيَادَةٍ مَا النَّفِيَةِ،
وَكَذَا فِي رِوَايَةٍ مُسْلِمٍ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ، وَالْهَمْزَة لِلِاِسْتِفْهَامِ وَالْوَاو لِلْعَظْفِ عَلَى مُقَدَّر بَعْد
الْهَمْزَةِ، وَفِي بَعْضِهَا عَشَيْتِهِمْ بِإِشْبَاعِ الْكَسْرَةِ.
(قَالَتْ: وَقُرَّةِ عَيْنِ) قُرَّةَ الْعَيْنِ يُعَبَّر بِهَا عَنِ الْمَسَرَّةِ وَرُؤْيَة مَا يُحِبّهُ الْإِنْسَان
وَيُوَافِقِهُ، يُقَالِ ذَلِكَ لِأَنَّ عَيْنِه قَرَّتْ أي: سَكَنَتْ حَرَكَتَهَا مِنِ التَّلَقُّتِ لِحُصُولِ غَرَضِهَا
فَلَا تَسْتَشْرِف لِشَيْءٍ آخَرِ، فَكَأَنَّهُ مَأْخُوذ مِن الْقَرَارِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَامِ الله عَيْنِك وَهُوَ
يَرْجِعُ إِلَى هَذَا، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ مَأْخُوذ مِن الْقَرّ وَهُوَ الْبَرْدِ أي: أَنَّ عَيْنِه بَارِدَة لِسُرُورِهِ،
وَلِهَذَا قِيلَ دَمْعَة الْحُزْنِ حَارَّةٍ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ فِي ضِدّه أَسْخَنَ الله عَيْنه، وَإِنَّمَا حَلَفَتْ أُمّ

٥٠٥
كتاب الفضائل والشمائل/ باب الكرامات
رُومَان بِذَلِكَ لِمَا وَقَعَ عِنْدهَا مِن السُّرُورِ بِالْكَرَامَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُمْ بِبَرَكَةِ الصِّدِّيق
- رَضِيَ الله عَنْهُ -.
وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهَا أَرَادَتْ بِقُرَّةٍ عَيْنِهَا النَّبِيِّ نَّهِ فَأَقْسَمَتْ بِهِ، وَفِيهِ بُعْدُ. وَالَا))
فِي قَوْلَهَا: ((لَا وَقُرَّةٍ عَيْنِ)) زَائِدَة أَوْ نَافِيَة عَلَى حَذْفٍ، تَقْدِيرِهِ لَا شَيْءٍ غَيْرِ مَا أَقُول.
[الفتح ٣٨٦/١٠] بتصرف.
الفصل الثاني
٥٩٤٧ - [عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يُرَى عَلَى
قَبْرِهِ نُورٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١).
٥٩٤٨ - [وَعَنْهَا قَالَتْ: لَمَّا أَرَادُوا غَسْلَ النَّبِيِّ نَّهِ قَالُوا: لَا نَدْرِي أَنُجُرِّدُ
رَسُولَ اللهِ وَه مِنْ ثِيَابِهِ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ نُغَسِّلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ؟ فَلَمَّا اخْتَلَفُوا
أَلْقَى اللهُ عَلَيْهِمُ النَّوْمَ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلُ إِلَّا وَذَقْنُهُ فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمُ مِنْ
نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ: اغْسِلُوا النَّبِيِّ ◌َّهَ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، فَقَامُوا فَغَسَلُوهُ وَعَلَيْهِ
قَمِيصُهُ يَصُبُّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ وَيُدَلَّكُونَهُ بِالْقَمِيصِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي «دَلائِلِ
النُّبُوَّةِ)](٩).
٥٩٤٩ - [ابْنِ الْمُنْكَدِرٍ: أَنَّ سَفِينَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ وَ﴿ أُخْطَأُ الْجَيْشَ بِأَرْضِ
الرُّومِ أَوْ أُسِرَ، فَانْطَلَقَ هَارِبًا يَلْتَمِسُ الْجَيْشَ فَإِذَا هُوَ بِالأَسَدِ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَارِثِ، أَنَا
مَوْلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ كَانَ مِنْ أَمْرِي كَيْتَ وَكَيْتَ؛ فَأَقْبَلَ الأَسَدُ لَهُ بَصْبَصَةٌ حَتَّى قَامَ إِلَى
جَنْبِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ صَوْتًا أَهْوَى إِلَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَمْشِي إِلَى جَنْبِهِ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى بَلَغَ
الْخَيْشَ، ثُمَّ رَجَعَ الأَسَدُ رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ))](٣).
٥٩٥٠ - [وَعَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ قَالَ: قُحِطَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَحْطًا شَدِيدًا، فَشَكَوْا إِلَى
(١) أخرجه أبو داود (٢٥٢٥).
(٢) أخرجه أبو داود (٣١٤٣)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (٣١٩٦).
(٣) أخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (٤٧١/٦).

٥٠٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
عَائِشَةَ فَقَالَتْ: انْظُرُوا قَبْرَ النَّبِيِّ ◌َِّ فَاجْعَلُوا مِنْهُ كِوَّى إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُ
وَبَيْنَ السَّمَاءِ سَقْفٌّ. قَالَ: فَفَعَلُوا، فَمُطِرْنَا مَطَرًّا حَتَّى نَبَتَ الْعُشْبُ، وَسَمِنَتِ الإِبِلُ حَتَّى
تَفَتَّقَتْ مِنَ الشَّحْمِ، فَسُمِّيَ عَامَ الْفَتْقِ- رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ](١).
٥٩٥١ - [وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: لَمَّا كَانَ أَيَّامُ الْحَرَّةِ لَمْ يُؤَذَّنْ فِي مَسْجِدِ
النَّبِيِّ وَّهِ ثَلَاثًا وَلَمْ يُقَمْ، وَلَمْ يَبْرَحْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ الْمَسْجِدَ، وَكَانَ لَا يَعْرِفُ وَقْتَ
الصَّلَاةِ إِلَّا بِهَمْهَمَةٍ يَسْمَعُهَا مِنْ قَبْرِ النَّبِيِّ ◌َ- رَوَاهُ الدَّارِيُّ] (٩).
٥٩٥٢ - [وَعَنْ أَبِي خَلْدَةَ قَالَ: قُلْتُ لأَّبِي الْعَالِيَةِ: سَمِعَ أَنَسَّ مِنَ النَّبِيِّ ◌َ؟ قَالَ:
خَدَمَهُ عَشْرَ سِنِينَ، وَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ ◌َ لِهِ وَكَانَ لَهُ بُسْتَانَ يَحْمِلُ فِي كُلِّ سَنَةِ الْفَاكِهَةَ مَرَّتَيْنِ،
وَكَانَ فِيهَا رَيْحَانَّ يَجِيءُ مِنْهُ رِيحَ الْمِسْكِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ
غَرِيبٌ)(٣).
الفصل الثالث
٥٩٥٣ - [عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيرِ ﴾ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ بنِ عَمْرٍو بنِ نُفَيْلٍ
خَاصَمَتْهُ أَرْوَى بِنْتَ أُوَيْسِ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَادَّعَتْ أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِهَا.
فَقَالَ سَعِيدُ: أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئًا بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِّه! قَالَ:
مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌َ يَقُولُ: ((مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ
الأَرْضِ ظُلْمًا طَوِّقَهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ)) فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لَا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا. فَقَالَ
سَعِيدُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَعَمِّ بَصَرَهَا وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا. قَالَ: فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ
بَصَرُهَا، وَبَيْنَمَا هِيَ تَمْشِي فِي أَرْضِهَا؛ إِذْ وَقَعَتْ فِي حُفْرَةٍ فَمَاتَتْ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ
المُسْلِمٍ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبدِ الله بنِ عَمْرٍو بِمَعْنَاهُ وَأَنَّهُ رَآهَا عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ
الْجُدُرَ تَقُولُ: أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعِيدٍ. وَأَنَّها مَرَّت عَلَى بِثْرٍ فِي الدَّارِ الَّتِي خَاصَمَتَهُ فِيهَا،
(١) أخرجه الدرامي (٩٣).
(٢) أخرجه الدارمي (٩٤).
(٣) أخرجه الترمذي (٤٢٠٤)، والبيهقى في ((دلائل النبوة)) (٢٤٥١).

٥٠٧
كتاب الفضائل والشمائل/ باب الكرامات
فَوَقَعَتْ فِيهَا فَكَانَتْ قَبْرَهَا](١).
(طُوَّقَهُ) بِضَمّ أَوَّله عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ) بِفَتْجِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ
إِسْكَانَهَا قَالَ الْخَطَّابِيّ قَوْله: (طُوَّقَهُ) لَهُ وَجْهَانِ: أَحَدِهمَا أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُكَلَّفُ نَقْلَ مَا
ظَلَمَ مِنْهَا فِي الْقِيَامَةِ إِلَى الْمَحْشَرِ وَيَكُونُ كَالطَّوْقِ فِي عُنُقِهِ، لَا أَنَّهُ طَوْقُ حَقِيقَةً.
الثَّانِي: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُعَاقَبُ بِالْخُسْفِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ أي: فَتَكُونُ كُلّ أَرْضِ فِي تِلْكَ
الْحَالَةِ طَوْفًا فِي عُنُقِهِ اِنْتَهَى.
وَهَذَا يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ إِبْنِ عُمَرِ ثَالِث أَحَادِيثِ الْبَابِ بِلَفْظُ (خُسِفَ بِهِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ)) وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كَالْأَوَّلِ، لَكِنْ بَعْدَ أَنْ يَنْقُلَ جَمِيعِه يُجْعَلُ كُلّه ◌ِي
عُنُقِهِ طَوْقًا وَيَعْظُمُ قَدْرِ عُنُقْهُ حَتَّى يَسَعَ ذَلِكَ كَمَا وَرَدَ فِي غِلَظِ جِلْدِ الْكَافِرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيّ وَابْنِ حِبَّن مِنْ حَدِيث يَعْلَى بْن مُرَّةٍ مَرْفُوعًا: ((أَيُّمَا رَجُلٍ ظَلَمَ
شِبْرًا مِن الْأَرْضِ كَلَّفَهُ اللهِ أَنْ يَحْفِرَهُ حَتَّى يَبْلُغَ آخِرِ سَبْعِ أَرَضِينَ، ثُمَّ يُطَوَّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ)) وَلِأَبِي يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَنِ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الْحَارِثِ السُّلَمِيّ
مَرْفُوعًا: ((مَنْ أَخَذَ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ شِبْرًا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ))
وَنَظِيرٍ ذَلِكَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةٍ فِي حَقٌ مَنْ غَلَّ بَعِيرًا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ، وَيُحْتَمَلُ
- وَهُوَ الْوَجْهُ الرَّابِعُ - أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ: (يُطَوَّقه) يُكَلَّفُ أَنْ يَجْعَلَهُ لَهُ طَوْقًا وَلَا
يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ فَيُعَذَّبُ بِذَلِكَ، كَمَا جَاءَ فِي حَقّ مَنْ كَذَبَ فِي مَنَامِهِ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ شَعِيرَة
وَيُحْتَمَل - وَهُوَ الْوَجْهُ الْخَامِسُ - أَنْ يَكُونَ التَّطْوِيقِ تَطْوِيقِ الْإِثْم، وَالْمُرَاد بِهِ أَنَّ الظُّلْمَ
الْمَذْكُورَ لَازِمُ لَهُ فِي عُنُقِهِ لُزُومِ الْإِثْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾
[الإسراء: ١٣] وَبِالْوَجْهِ الْأَوَّل جَزَمَ أَبُو الْفَتْحِ الْقُشَيْرِيّ وَصَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ
تَتَنَوَّعَ هَذِهِ الصِّفَاتُ لِصَاحِبِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ أَوْ تَنْقَسِمَ أَصْحَابُ هَذِهِ الْجِنَايَةِ فَيُعَذَّب
بَعْضهمْ بِهَذَا وَبَعْضِهِمْ بِهَذَا بِحَسَب قُوَّةِ الْمَفْسَدَةِ وَضَعْفِهَا، وَقَدْ رَوَى إِبْن أَبِي شَيْبَة
(١) أخرجه البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (٤٢١٨ - ٤٢١٩).

٥٠٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثٍ أَبِي مَالِك الْأَشْعَرِيِّ ((أَعْظَمُ الْغُلُولِ عِنْدَ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذِرَاع
أَرْض يَسْرِقُهُ رَجُلُّ فَيُطَوَّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ)).
وَفِي الْحَدِيثِ: تَحْرِيمِ الظُّلْمِ وَالْغَصْبِ وَتَغْلِيظ عُقُوبَته.
وَإِمْكَان غَصْبِ الْأَرْضِ وَأَنَّهُ مِن الْكَبَائِرِ قَالَهُ الْقُرْطُبِيّ، وَكَأَنَّهُ فَرَّعَهُ عَلَى أَنَّ
الْكَبِيرَةَ مَا وَرَدَ فِیهِ وَعِيد شَدِید.
وَأَنَّ مَنْ مَلَكَ أَرْضًا مَلَكَ أَسْفَلَهَا إِلَى مُنْتَهَى الْأَرْضِ، وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ حَفَرَ تَحْتَهَا
سَرَبًّا أَوْ بِثْرًا بِغَيْرِ رِضَاهُ.
وَفِيهِ: أَنَّ مَنْ مَلَكَ ظَاهِرِ الْأَرْضِ مَلَكَ بَاطِنِهَا بِمَا فِيهِ مِنْ حِجَارَةٍ ثَابِتَةٍ وَأَبْنِيَةٍ
وَمَعَادِنَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنَّ لَهُ أَنْ يَنْزِلَ بِالْحُفْرِ مَا شَاءَ مَا لَمْ يَضُرّ بِمَنْ يُجَاوِرُهُ.
وَفِيهِ: أَنَّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ مُتَرَاكِمَة لَمْ يُفْتَقْ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ؛ لِأَنَّهَا لَوْ فُتِقَتْ
لَاكْتُفِيَّ فِي حَقّ هَذَا الْغَاصِبِ بِتَطْوِيقِ الَّتِي غَصَبَهَا لِنْفِصَالِهَا عَمَّا تَحْتَهَا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ
الدَّاؤُدِيّ.
وَفِيهِ: أَنَّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ طِبَاق كَالسَّمَوَاتِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِن
الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: (سَبْعِ أَرَضِينَ) سَبْعَة
أَقَالِيمَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُطَوَّقِ الْغَاصِبِ شِبْرًا مِنْ إِقْلِيمٍ آخَرَ قَالَهُ إِبْنُ التّينِ. وَهُوَ
وَالَّذِي قَبْلَهُ مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ الْعُقُوبَةَ مُتَعَلِّقَةٍ بِمَا كَانَ بِسَبَيِهَا وَإِلَّا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ذَلِكَ
لَا تَلَازُمَ بَیْنَ مَا ذَکرُوهُ.
٥٩٥٤ - [وَعَن ابنِ عُمَرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ جَيْشًا وَأَمَّرَ عَلَيهِمْ
رَجُلاً يُدعَى: سَارِيَةَ، فَبَينَما عُمَرُ يَخْطُبُ فَجَعَلَ يَصِيحُ: يَا سَارِي الْجَبَلَ. فَقَدِمَ رَسُولُ
مِنَ الْجَيشِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، لَقِينَا عَدُوَّنا فَهَزَمُونَا، فَإِذَا صَائِعُ يَصِيحُ: يَا سَارِي
الْجَبَلَ، فَأُسْنَدَنَا ظُهورَنا إِلَى الْجَبلِ فَهَزَمَهُم اللهُ تَعَالَى. رَوَاهُ الْبَيْهَِيُّ فِي ((دَلائِلِ

٥٠٩
كتاب الفضائل والشمائل/ باب الكرامات
التُّبُوَّةِ))](١).
٥٩٥٥ - [وَعَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ: أَنَّ كَعْبًا دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرُوا رَسُولَ اللّهُ وَُّ
فَقَالَ كَعْبُ: مَا مِنْ يَوْمٍ يَطْلُعُ إِلَّا نَزَلَ سَبْعُونَ أَلْفًّا مِنَ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى يَحْفُّوا بِقَبْرِ النَّبِيِّ
وَ﴿ يَضْرِبُونَ بِأَجْنِحَتِهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَ حَتَّى إِذَا أَمْسَوْا عَرَجُوا، وَهَبَطَ
مِثْلُهُمْ فَصَنَعُوا مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا انْشَقَّتْ عَنْهُ الأَرْضُ خَرَجَ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ
الْمَلَائِكَةِ يَزِفُّونَهُ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ](٢).
(١) أخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢٦٥٥).
(٢) أخرجه الدارمي (٩٥).

باب هجرة الرسول إلى المدينة ووفاته
الفصل الأول
٥٩٥٦ - [عَنِ الْبَرَاءِ ﴾ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ الله
مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أَمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلَا يُقْرِثَانِنَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ جَاءَ عَمَّارٌ وَبِلَالْ وَسَعْدُ،
ثُمَّ جَاءً عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَِّ ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ ◌َ فَمَا
رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِهِ، حَتَّى رَأَيْتُ الْوَلَائِدَ وَالصِّبْيَانَ يَقُولُونَ: هَذَا
رَسُولُ اللهِ قَدْ جَاءَ. فَمَا جَاءَ حَتَّى قَرَأْتُ: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] فِي سُوَرٍ
مِثْلِهَا مِنَ المُفَصَّلِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١).
(الْوَلَائِدَ) جمع وليدة وهي الجارية الصغيرة والذكر وليد فعيل بمعنى مفعول،
وقد يطلق على الأمة وإن كانت كبيرة.
وقال شارح: الوليدة الصبية والأمة ويناسبه (وَالصِّبْيَانَ) جمع الصبي.
٥٩٥٧ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ ﴾: أَنَّ رَسُولَ الله ◌َّهِ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ:
((إِنَّ عَبْدًا خَيِّرَهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا
عِنْدَهُ، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا. فَعَجِبْنَا لَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: انْظُرُوا
إِلَى هَذَا الشَّيْخِ يُخْبِرُ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا
وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ وَهْوَ يَقُولُ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا. فَكَانَ رَسُولُ اللهِلَ هُوَ الْمُخَيَّرَ،
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ أَعْلَمَنَا بِهِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
(إِنَّ عَبْدًا خَيََّهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَّهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ) الْمُرَاد بِزَهْرَةِ الدُّنْيَا
نَعِيمِهَا وَأَعْرَاضِهَا وَحُدُودِهَا، وَشَبَّهَهَا بِزَهْرَةِ الرَّوْض (فَدَيْنَاك) دَلِيل ◌ِجَوَازِ التَّقْدِيَةِ، وَكَانَ
أَبُو بَكْر - رَضِيَ الله عَنْهُ - عَلِمَ أَنَّ النَّبِيّ ◌َ هُوَ الْعَبْدِ الْمُخَيَّرِ، فَبَكَى حُزْنًا عَلَى فِرَاقه،
(١) أخرجه البخاري (٤٩٤١)، وأحمد (١٩٠١٢).
(٢) أخرجه البخاري (٣٩٠٤)، ومسلم (٦٣٢٠)، وأحمد (١١٤٣٣).
- ٥١٠ -

٥١١
كتاب الفضائل والشمائل/ باب هجرة الرسول * إلى المدينة ووفاته
وَانْقِطَاعِ الْوَحْي، وَغَيْرِهِ مِن الْخَيْرِ دَائِمًا، وَإِنَّمَا قَالَ لَّهِ: (إِنَّ عَبْدًا) وَأَبْهَمَهُ؛ لِيَنْظُرِ فَهُم
أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، وَنَبَاهَةِ أَصْحَابِ الْحِذْق.
٥٩٥٨ - [وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴾ قَالَ: صَلَّ رَسُولُ اللهِ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ
ثَمَانِي سِنِينَ، كَالْمُؤَدِّعِ لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ، ثُمَّ طَلَعَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: ((إِّ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطُ،
وَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ، وَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْخَوْضُ، وَإِّ لأَنْظُرُ إِلَيْهِ وَأَنَا فِي مَقَامِي هَذَا، وَإِّ
قَدْ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ، وَإِّ لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا، وَلَكِنِّي
أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا)). وَزَادَ بَعْضُهُم: ((فَتَقْتَتِلُوا فَتَهْلِكُوا كَمَا هَلَكَ
مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(وَلَكِنِّي أَخَافِ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا) فِيهِ إِنْذَارِ بِمَا سَيَقَعُ فَوَقَعَ كَمَّا قَالَ بَّهِ وَقَدْ
فُتِحَتْ عَلَيْهِم الْفُتُوحِ بَعْده وَآلَ الْأَمْرِ إِلَى أَنْ تَحَاسَدُوا وَتَقَاتَلُوا وَوَقَعَ مَا هُوّ الْمُشَاهَد
الْمَحْسُوسِ لِكُلِّ أَحَد مِمَّا يَشْهَد بِمِصْدَاقٍ خَبَرِهِ وَهَ وَوَقَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي هَذَا الْحَدِيث
إِخْبَارِهِ بِأَنَّهُ فَرَطهمْ أي: سَابِقِهِمْ وَكَانَ كَذَلِكَ، وَأَنَّ أَصْحَابِهِ لَا يُشْرِكُونَ بَعْده فَكَانَ
كَذَلِكَ، وَوَقَعَ مَا أَنْذَرَ بِهِ مِن التَّنَافُسِ فِي الدُّنْيَا، وَوَقَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَفُتِحَتْ عَلَيْهِم
الْفُتُوحِ الْكَثِيرَة وَصُبَّتْ عَلَيْهِم الدُّنْيَا صَبًّا. [الفتح ٣٩٩/١٠] بتصرف.
٥٩٥٩ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: إِنَّ مِنْ نِعَمِ الله عَلَيَّ أَنَّ
رَسُولَ الله ◌ِ﴿ تُوُنَّ فِي بَيْتِي وَفِي يَوْمِي، وَبَيْنَ سَحْرِي وَتَخْرِي، وَأَنَّ اللهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي
وَرِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، دَخَلَ عَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن أَبِي بَكْرٍ وَبِيَدِهِ سِوَاكْ وَأَنَا مُسْنِدَةً
رَسُولَ اللهِ وَهِ فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ، فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ. فَأَشَارَ
بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَتَنَاوَلْتُهُ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: أُلَيِّئُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَلَيَّنْتُهُ
وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةُ فِيهَا مَاءً، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ يَقُولُ: (لَا إِلَّهَ
إِلَّا اللهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ)) ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: ((فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى)) حَتَّى قُبِضَ
(١) أخرجه البخاري (٤٠٤٢)، ومسلم (٦١١٦ - ٦١١٧)، وأحمد (١٧٨٦١).

٥١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
وَمَاَلَتْ يَدُهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١).
٥٩٦٠ - [وَعَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: «مَا مِنْ نَبِيِّ يَمْرَضُ إِلَّا خُيِّرَ
بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) وَكَانَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ أَخَذَتْهُ تُحَةٌ شَدِيدَةٌ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ:
((مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ)) فَعَلِمْتُ أَنَّهُ
خُيِّرَ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٩).
٥٩٦١ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ وَ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ الكَرْبُ، فَقَالَتْ
فَاطِمَةُ: وَاكَرْبَ أَبَاهُ. فَقَالَ لَهَا: (لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبُ بَعْدَ الْيَوْمِ)) فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: يَا
أَبَتَاهُ أَجَابَ رَبَّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهُ مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ، يَا أَبَتَاهُ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ. فَلَمَّا
دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ: يَا أَنَسُ، أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْتُوا عَلَى رَسُولِ اللهِوَ الُّرَابَ. رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ](٣).
الفصل الثاني
٥٩٦٢ - [عَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَيْهِ الْمَدِينَةَ لَعِبَتِ الْحَبَشَةُ
بِرَابِهِمْ فَرَحًا لِقُدُومِهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد(٤).
وَفِي رِوَايَةِ الدَّارِمِيّ: مَا رَأَيْتُ يَوْمًا قٌَ كَانَ أَحْسَنَ وَلَا أَضْوَأَ مِنْ يَوْمٍ دَخَلَ عَلَيْنَا
فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﴿ وَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا كَانَ أَقْبَحَ وَلَا أَظْلَمَ مِنْ يَوْمِ مَاتَ فِيهِ رَسُولُ الله
عَ ليه (٥).
وَفِي رِوَايَةِ التِّرمِذِيِّ: لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ وَلِ الْمَدِينَةَ أَضَاءَ
مِنْهَا كُّ شَيْءٍ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، وَمَا نَفَضْنَا أَيدينَا
(١) أخرجه البخاري (٤٤٤٩).
(٢) أخرجه البخاري (٤٣١٠)، ومسلم (٦٤٤٨)، وأحمد (٢٦٣٦٢)، ابن ماجه (١٦٢٠).
(٣) أخرجه البخاري (٤١٩٣).
(٤) أخرجه أبو داود (٤٩٢٥).
(٥) أخرجه الدارمي (٨٩).

٥١٣
كتاب الفضائل والشمائل/ باب هجرة الرسول 143ه إلى المدينة ووفاته
عَنِ القُّرابِ، وَإِنَّا لَفِي دَفْنِهِ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا](١).
(لَعِبَتِ الْحَبَشَةُ بِحِرَابِهِمْ) أي: بِمَاجِ صَغِيرَة جَمْع حَرْبَة.
٥٩٦٣ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ وَيُ
اخْتَلَفُوا فِي دَفْنِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَ شَيْئًا، قَالَ: «مَا قَبَضَ اللهُ
نَبِيًّا إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ)). ادْفِنُوهُ فِي مَوْضِعِ فِرَاشِهِ. رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ](٩).
(مَا قَبَضَ اللهُ تَبِيًّا إِلَّ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ) إكرامًا له حيث لم
يفعل به إلا ما يحبه ولا ينافيه كراهة الدفن في البيوت لأن من خصائص الأنبياء أنهم
يدفنون حيث يموتون. [الأحوذي ٨٤/٤].
الفصل الثالث
٥٩٦٤ - [عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَقُولُ وَهْوَ
صَحِيحٌّ: ((إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَّرَ) قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا
نَزَلَ بِهِ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ ثُمَّ قَالَ:
((اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى)) فَقُلْتُ: إِذَّا لَا يَخْتَارُنَا. وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا وَهْوَ
صَحِيحٌ فِي قَولِهِ: ((إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيُّ قَط حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَّرَ، قَالَتْ
عَائِشَةُ: فَكَانَتْ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا النَّبِيُّ ◌َهِ قَولُهُ: ((اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى)). مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ](٣).
(إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيُّ قَط حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرَ) بِضَمِّ أَوَّلِه وَفَتْح
الْخَاء الْمُعْجَمَة.
(اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى) فيه رَدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ ((الرَّفِيق)) تَغْيِير مِن الرَّاوِي وَأَنَّ
(١) أخرجه أحمد (١٤١٨٣)، والترمذي (٣٩٧٨)، وابن ماجه (١٧٠٠).
(٢) أخرجه الترمذي (١٠٣٤).
(٣) أخرجه البخاري (٤٤٦٣)، ومسلم (٦٤٥٠).

٥١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
الصَّوَابِ الرَّقِيعِ بِالْقَافِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ السَّمَاءِ.
وَقَالَ الْجُوْهَرِيّ: الرَّفِيقِ الْأَعْلَى الْجَنَّة.
وَيُؤَيِّدهُ مَا وَقَعَ عِنْد أَبِي إِسْحَاق: الرَّفِيقِ الْأَعْلَى الْجُنَّة، وَقِيلَ: بَل الرَّفِيقِ هُنَا اِسْم
جِئْس يَشْمَلِ الْوَاحِد وَمَا فَوْقِهِ، وَالْمُرَادِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَنْ ذُكِرَ فِي الْآيَة. وَقَدْ خُتِمَتْ بِقَوْلِهِ:
(وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] وَنُكْتَة الْإِثْيَانِ بِهَذِهِ الْكَلِمَة بِالْإِفْرَادِ الْإِشَارَة
إِلَى أَنَّ أَهْلِ الْجُنَّة يَدْخُلُونَهَا عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِد، نَبَّهَ عَلَيْهِ السُّهَيْلِيُّ.
وَزَعَمَ بَعْض الْمَغَارِبَةِ أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى الله عَزَّ وَجَلَّ لِأَنَّهُ مِنْ
أَسْمَائِهِ كَمَا أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَبْد الله بْن مُغَفَّل رَفَعَهُ: ((إِنَّ الله رَفِيقِ يُحِبّ
الرِّفْقِ)) كَذَا اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَالْحَدِيث ◌ِنْد مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَة فَعَزْوهِ إِلَيْهِ أَوْلَى. قَالَ:
وَالرَّفِيقِ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون صِفَةٍ ذَات كَالْحَكِيمِ، أَوْ صِفَة فِعْل. قَالَ: وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِهِ
حَضْرَة الْقُدْسِ، وَيَحْتَمِلِ أَنْ يُرَاد بِهِ الْجَمَاعَةِ الْمَذْكُورُونَ فِي آيَةِ النِّسَاءِ. وَمَعْنَى كَوْنِهِمْ
رَفِيقًا تَعَاوُنِهِمْ عَلَى طَاعَةِ الله وَارْتِفَاقِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَهَذَا الثَّالِثِ هُوَ الْمُعْتَمَد. وَعَلَيْهِ
اِقْتَصَرَ أَكْثَرِ الشُّرَّاح.
وَقَدْ غَلَّطَ الْأَزْهَرِّ الْقَوْلِ الْأَوَّل، وَلَا وَجْه لِتَغْلِيطِهِ مِن الْجِهَةِ الَّتِي غَلَّطَهُ بِهَا
وَهُوَ قَوْله: مَعَ الرَّفِيقِ أَوْ فِي الرَّفِيق، لِأَنَّ تَأْوِیله عَلَى مَا يَلِیق بِاللهِ سَائِغ.
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: الْحِكْمَة فِي إِخْتِتَامِ كَلَام الْمُصْطَفَى بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ كَوْنِهَا تَتَضَمَّن
التَّوْحِيد وَالذِّكْرِ بِالْقَلْبِ حَتَّى يُسْتَفَاد مِنْهُ الرُّخْصَة لِغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطِ أَنْ يَكُون
الذِّكْرِ بِاللَّسَانِ لِأَنَّ بَعْض النَّاسِ قَدْ يَمْنَعهُ مِن النُّطْقِ مَانِعٍ فَلَا يَضُرّهُ إِذَا كَانَ قَلْبه
عَامِرًا بِالذِّكْرِ. إِنْتَهَى مُلَخَّصًا.
٥٩٦٥ . [وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِیهِ: ((يَا
عَائِشَةُ، مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الظَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي

٥١٥
كتاب الفضائل والشمائل/ باب هجرة الرسول سل* إلى المدينة ووفاته
مِنْ ذَلِكَ السَّمِّ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١).
(مَا أَزَالِ أَجِدِ أَلَم الطَّعَام) أي: أَحُسّ الْأَلَم فِي جَوْفِي بِسَبَبِ الطَّعَامِ، وَقَالَ
الدَّاوُدِيُّ: الْمُرَادِ أَنَّهُ نَقَصَ مِنْ لَذَّة ذَوْقِه وَتَعَقَّبَهُ إِبْنِ التِّين. (أَوَان) بِالْفَتْجِ عَلَى الظَّرْفِيَّة.
(وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السَّمِّ) قَالَ أَهْلِ اللُّغَةِ: الْأَبْهَر عِرْق مُسْتَبْطِن
بِالظَّهْرِ مُتَّصِل بِالْقَلْبِ إِذَا اِنْقَطَعَ مَاتَ صَاحِبه. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُقَال: إِنَّ الْقَلْبِ مُتَّصِل
بِهِ.
(أَبْهَرِي) أي: حين وجدته ووقت وجدته وإلا وأن الزمان والوقت مفتوح الهمزة
وضبطناه في النون هنا بالوجهين الفتح على الظرف والضم على خبر المبتدأ، فأما ضمه
فعلى إعطاء خبر المبتدأ حقه من الرفع ووجه النصب، فعلى الظرف والبناء لإضافته إلى
مبني وهو الفعل الماضي؛ لأن المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد، وهو في التقدير
مرفوع بخبر المبتدأ وغلط ابن مكي المحدثين في رفع أوان ولم يقل شيئًا.
٥٩٦٦ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللهِ وَهُ
وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌّ، فِيهِم عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ، قَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((هَلُّمُّوا أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا
تَضِلُّوا بَعْدَهُ)) فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ غَلَبَ عَلَيهِ الْوَجَعُ وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ، حَسْبُكُم
كِتَابُ الله. فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ وَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبُ لَكُمْ
رَسُولُ اللهِ وَيهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالإِخْتِلَافَ قَالَ
رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((قُومُوا عَنِّي) قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسِ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ
الَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﴿ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ لإِخْتِلَافِهِمْ
وَلَغَطِهِمْ(٤).
وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَانَ بنِ أَبِي مُسْلِمِ الأَحْوَلِ: قَال ابْنُ عَبَّاسِ: يَوْمُ الْخَمِيسِ، وَمَا يَوْمُ
الْخَمِيسِ؟ ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْخَصَى. قُلْتُ: يَا أَبَا عَبَّاسِ، مَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ قَالَ:
(١) أخرجه البخاري (٤٤٢٨).
(٢) أخرجه البخاري (٤٤٣٢)، وأحمد (٣١٦٦).

٥١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ وَّهِ وَجَعُهُ، فَقَالَ: ((اقْتُونِي بِكَتِفٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ
أَبَدًّا)) فَتَنَازَعُوا، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيِّ تَنَازُعُ، فَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ؟ أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ. فَذَهَبُوا
يُرُدُّونَ عَلَيْهِ فَقَالَ: (دَعُوِي، ذَرُوِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ)) فَأَمَرَهُمْ
بِثَلَاثٍ، فَقَالَ: ((أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ
أَجِيزُهُمْ)) وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ، أَوْ قَالَهَا فَنَسِيتُهَا. قَالَ سُفْيَانُ: هَذَا مِنْ قَوْلِ سُلَيْمَانَ.
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(يَوْمِ الْخَمِيس) هُوَ خَبَر لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوف أَوْ عَكْسِه (وَمَا يَوْمِ الْخَمِيس) يُسْتَعْمَل
عِنْد إِرَادَةٍ تَفْخِيمِ الْأَمْرِ فِي الشِّدَّة وَالتَّعَجُّب مِنْهُ.
(اشْتَدَّ بِرَسُولِ الله ◌ِهِ وَجَعُهُ) زَادَ فِي رواية: ((يَوْم الْخَمِيس)) وَهَذَا يُؤَيِّد أَنَّ اِبْتِدَاء
مَرَضِه، كَانَ قَبْل ذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: ((لَمَّا حُضِرَ رَسُول اللّه ◌َ) بِضَمِّ الْخَاء
الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَة أي: حَضَرَهُ الْمَوْتِ، وَفِي إِظْلَاق ذَلِكَ تَجَوُّز؛ فَإِنَّهُ عَاشَ
بَعْد ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الإِثْنَيْنِ (كِتَابًا) قِيلَ: هُوَ تَعْبِينِ الْخَلِيفَة بَعْده (وَلَا يَنْبَغِي عِنْد نَبِيّ
تَنَازُع) هُوَ مِنْ جُمْلَة الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُدْرَجًا مِنْ قَوْل اِبْن عَبَّاس.
وَالصَّوَّابِ الْأَوَّل (فَقَالُوا مَا شَأْنه؟ أَهَجَرَ) بِهَمْزَةٍ لِجَمِيعِ رُوَاةِ الْبُخَارِيّ، وَفِي رِوَايَة بِلَفْظِ:
((فَقَالُوا هَجَرَ) بِغَيْرِ هَمْزَة، وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَاكَ: ((فَقَالُوا هَجَرَ، هَجَرَ رَسُول اللّهِ وَ﴾»
(أَعَادَ هَجَرَ مَرَّتَيْن)) قَالَ عِيَاض: مَعْنَى أَهْجَرَ أَفْحَشَ، يُقَالِ هَجَرَ الرَّجُلِ إِذَا هَذَى،
وَأَهْجَرَ إِذَا أَفْحَشَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمِ أَنْ يَكُون بِسُكُونِ الْهَاء وَالرِّوَايَاتِ كُلّهَا إِنَّمَا
هِيَ بِفَتْحِهَا، وَقَدْ تَكَلَّمَ عِيَاض وَغَيْرِهِ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فَأَطَالُوا، وَلَخَصَّهُ الْقُرْطُبِيّ
تَلْخِيصًا حَسَنًا ثُمَّ لَخَصْته مِنْ كَلَامِه، وَحَاصِله أَنَّ قَوْله هَجَرَ الرَّاجِحِ فِيهِ إِثْبَاتِ هَمْزَة
الإِسْتِفْهَامِ وَبِفَتَحَاتٍ عَلَى أَنَّهُ فِعْلِ مَاضٍ، قَالَ: وَلِبَعْضِهِمْ أَهُجْرًا بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُون
الْحِيم وَالتَّنْوِين عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول بِفِعْلٍ مُضْمِر أي: قَالَ هُجْرًا، وَالْهُجْرِ بِالضَّمِّ ثُمَّ السُّكُون
(١) أخرجه البخاري (٣١٦٨)، ومسلم (٤٣١٩)، وأحمد (١٩٦٣).

٥١٧
كتاب الفضائل والشمائل/ باب هجرة الرسول له إلى المدينة ووفاته
الْهَذَيَانِ وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا مَا يَقَع مِنْ كَلَام الْمَرِيضِ الَّذِي لَا يَنْتَظِم وَلَا يُعْتَدّ بِهِ لِعَدَمِ
فَائِدَته. وَوُقُوعِ ذَلِكَ مِن النَّبِيّ ◌َِّ مُسْتَحِيل ◌ِأَنَّهُ مَعْصُوم فِي صِحَّته وَمَرَضِه لِقَوْلِهِ
تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] وَلِقَوْلِهِ وََّ: ((إِنِّي لَا أَقُول فِي الْغَضَب
وَالرِّضَا إِلَّا حَقًّ)) وَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا قَالَهُ مَنْ قَالَهُ مُنْكِرًا عَلَى مَنْ يُوقَف فِي إِمْتِثَال
أَمْرِه ◌ِإِحْضَارِ الْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: كَيْفَ تَتَوَقَّف أَتَظُنُّ أَنَّهُ كَغَيْرِهِ يَقُولِ الْهَذَيَانِ
فِي مَرَضِه؟ اِمْتَثِلْ أَمْرهِ وَأَحْضِرُهُ مَا طَلَبَ فَإِنَّهُ لَا يَقُول إِلَّا الْحَقّ، قَالَ: هَذَا أَحْسَن
الْأَجْوِبَةِ، قَالَ: وَيَحْتَمِل أَنَّ بَعْضهمْ قَالَ ذَلِكَ عَنْ شَكّ عَرَضَ لَهُ، وَلَكِنْ يُبْعِدهُ أَنْ لَا
يُنْكِرُهُ الْبَاقُونَ عَلَيْهِ مَعَ کَوْنِهِمْ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، وَلَوْ أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ لَنُقِلَ، وَيَحْتَمِل أَنْ
يَكُونِ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ صَدَرَ عَنْ دَهَش وَحَيْرَة كَمَا أَصَابَ كَثِيرًا مِنْهُمْ عِنْد مَوْتِهِ، وَقَالَ
غَيْره: وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَائِلِ ذَلِكَ أَرَادَ أَنَّهُ إِشْتَدَّ وَجَعه فَأَظْلَقَ اللَّازِمِ وَأَرَادَ الْمَلْزُومِ،
لِأَنَّ الْهَذَيَانِ الَّذِي يَقَع لِلْمَرِيضِ يَنْشَأْ عَنْ شِدَّة وَجَعه. وَقِيلَ: قَالَ ذَلِكَ لِإِرَادَةِ سُكُوتِ
الَّذِينَ لَغَطُوا وَرَفَعُوا أَصْوَاتِهِمْ عِنْده، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ يُؤْذِيهِ وَيُفْضِي فِي الْعَادَةِ إِلَى مَا
ذُكِرَ، وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون قَوْله أَهْجَرَ فِعْلًا مَاضِيًا مِن الْهَجْرِ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُون الحِيم
وَالْمَفْعُولِ مَحْذُوف أي: الْحَيَاةِ، وَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي مُبَالَغَةٍ لِمَا رَأَى مِنْ عَلَامَات
الْمَوْت.
قُلْت: وَيَظْهَر لِي تَرْجِيح ثَالِث الإِحْتِمَالَاتِ الَّتِي ذَكَرِهَا الْقُرْطُبِّ وَيَكُون قَائِل
ذَلِكَ بَعْض مَنْ قَرُبَ دُخُولِهِ فِي الْإِسْلَامِ وَكَانَ يَعْهَد أَنَّ مَن إِشْتَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَع قَدْ يَشْتَغِل
بِهِ عَنْ تَحْرِير مَا يُرِيدُ أَنْ يَقُولُهُ لِجَوَازِ وُقُوع ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: (فَقَالَ
بَعْضِهِمْ إِنَّهُ قَدْ غَلَبَهُ الْوَجَعِ)) وَوَقَعَ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْنِ خَلَادٍ عَنْ
سُفْيَانٍ فِي هَذَا الْحَدِيث ((فَقَالُوا مَا شَأْنِه يَهْجُر، اِسْتَفْهِمُوهُ) وَعَن إِبْنِ سَعْد مِنْ طَرِيق
أُخْرَى عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْرٍ: (أَنَّ نَبِيّ الله لَيَهْجُر)) وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ بَعْد أَنْ قَالَ ذَلِكَ إِسْتَفْهَمُوهُ
بِصِيغَةِ الْأَمْرِ بِالإِسْتِفْهَامِ أي: اِخْتَبِرُوا أَمْرَهُ بِأَنْ يَسْتَفْهِمُوهُ عَنْ هَذَا الَّذِي أَرَادَهُ وَابْجَنُوا
مَعَهُ فِي كَوْنِه الْأَوْلَى أَوْلًا.

٥١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
وَفِي قَوْله فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: ((فَاخْتَصَمُوا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول قَرِّبُوا يَكْتُب لَكُمْ)) مَا
يُشْهِر بِأَنَّ بَعْضهمْ كَانَ مُصَمِّمًا عَلَى الإِمْتِثَالِ وَالرَّدّ عَلَى مَن اِمْتَنَعَ مِنْهُمْ، وَلَمَّا وَقَعَ مِنْهُم
الإِخْتِلَاف ◌ِرْتَفَعَتِ الْبَرَكَة كَمَا جَرَتِ الْعَادَة بِذَلِكَ عِنْد وُقُوع التَّنَازُعِ وَالتَّشَاجُر؛ فَإِنَّهُ
◌َّ خَرَجَ يُخْبِرُهُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَرَأَى رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فَرُفِعَتْ.
قَالَ الْمَازِرِيُّ: إِنَّمَا جَازَ لِلصَّحَابَةِ الإِخْتِلَافِ فِي هَذَا الْكِتَابِ مَعَ صَرِيحِ أَمْرِه لَهُمْ
بِذَلِكَ لِأَنَّ الْأَوَامِرِ قَدْ يُقَارِنِهَا مَا يَنْقُلُهَا مِن الْوُجُوبِ، فَكَأَنَّهُ ظَهَرَتْ مِنْهُ قَرِينَة دَلَّتْ
عَلَى أَنَّ الْأَمْرِ لَيْسَ عَلَى النَّحَتُم بَلْ عَلَى الإِخْتِيَارِ فَاخْتَلَفَ إِجْتِهَادِهِمْ، وَصَمَّمَ عُمَرَ عَلَى
الإِمْتِنَاعِ لِمَا قَامَ عِنْده مِن الْقَرَائِنِ بِأَنَّهُ وَّله قَالَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ قَصْد جَازِم، وَعَزْمِه ◌َِّ
كَانَ إِمَّا بِالْوَحْيٍ وَإِمَّا بِالإِجْتِهَادِ، وَكَذَلِكَ تَرْكَه إِنْ كَانَ بِالْوَحْيٍ فَبِالْوَحْيٍ وَإِلَّ فَبِالإِجْتِهَادِ
أَيْضًا، وَفِيهِ حُجَّة لِمَنْ قَالَ بِالرُّجُوعِ إِلَى الإِجْتِهَادِ فِي الشَّرْعِيَّات.
وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّفَقَ قَوْل الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ قَوْل عُمَر (حَسْبُكُمْ كِتَابُ الله) مِنْ
قُوَّة فِقْهِه وَدَقِيقِ نَظَرَه؛ لِأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكْتُب أُمُورًا رُبَّمَا عَجَزُوا عَنْهَا فَاسْتَحَقُوا
الْعُقُوبَة لِكَوْنِهَا مَنْصُوصَةٍ، وَأَرَادَ أَنْ لَا يَنْسَدّ بَابِ الإِجْتِهَادِ عَلَى الْعُلَمَاءِ.
وَفِي تَرْكَه ◌َّرِ الْإِنْكَارِ عَلَى عُمَر إِشَارَةٍ إِلَى تَصْوِيبِه رَأَيهِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ:
(حَسْبُكُمْ كِتَابُ الله) إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا فَرَظْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]
وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَصَدَ النَّخْفِيفِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ ل﴿ لَمَّا رَأَى مَا هُوَ فِيهِ مِنْ شِدَّة
الْكَرْبِ، وَقَامَتْ عِنْده قَرِينَة بِأَنَّ الَّذِي أَرَادَ كِتَابَتِه لَيْسَ مِمَّا لَا يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ، إِذْ لَوْ
كَانَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لَمْ يَتْرُكَهُ وَّهِ لِأَجْلِ إِخْتِلَافِهِمْ، وَلَا يُعَارِضِ ذَلِكَ قَوْل اِبْن عَبَّاس:
(إِنَّ الَّزِيَّة إِلَخْ لِأَنَّ عُمَر كَانَ أَفْقَهُ مِنْهُ قَطْعًا.
وَقَالَ الْخَطَّائِيُّ: لَمْ يَتَوَهَّمَ عُمَر الْغَلَطِ فِيمَا كَانَ النَِّيّ ◌َ يُرِيد كِتَابَتِهِ، بَل
إِمْتِنَاعِه تَحْمُول عَلَى أَنَّهُ لَمَّا رَأَى مَا هُوَ فِيهِ مِن الْكَرْبِ وَحُضُورِ الْمَوْت خَشِيَ أَنْ يَجِد
الْمُنَافِقُونَ سَبِيلًا إِلَى الطَّعْنِ فِيمَا يَكْتُبُهُ وَإِلَى حَمْله عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ الَّتِي جَرَتِ الْعَادَة
فِيهَا بِوُقُوعٍ بَعْض مَا يُخَالِفِ الإِنِّفَاقِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَب تَوَقُّف عُمَرِ، لَا أَنَّهُ تَعَمَّدَ مُخَالَفَة

٥١٩
كتاب الفضائل والشمائل/ باب هجرة الرسول ول# إلى المدينة ووفاته
قَوْل النَّبِيّ ◌َهُ وَلَا جَوَاز وُقُوعِ الْغَلَط عَلَيْهِ حَاشَا وَكَلًا، وَقَوْله: (وَقَدْ ذَهَبُوا يَرُدُّونَ عَنْهُ)»
يَحْتَمِلِ أَنْ يَكُونِ الْمُرَادِ يَرُدُّونَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدُوا عَلَيْهِ مَقَالَتْه وَيَسْتَثْبِتُونَهُ فِيهَا، وَيَحْتَمِل
أَنْ يَكُونِ الْمُرَادِ يَرُدُّونَ عَنْهُ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ عَلَى مَنْ قَالَهُ.
(فَقَالَ دَعُونِي: فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرِ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) قَالَ اِبْنِ الْجَوْزِيّ وَغَيْرِه:
يَحْتَمِل أَنْ يَكُونِ الْمَعْنَى دَعُونِي فَالَّذِي أُعَايِنْهُ مِنْ كَرَامَةِ اللهِ الَّتِي أَعَدَّهَا لِي بَعْدِ فِرَاق
الدُّنْيَا خَيْرِ مِمَّا أَنَا فِيهِ فِي الْحَيَاةِ، أَوْ أَنَّ الَّذِي أَنَا فِيهِ مِن الْمُرَاقَبَة وَالتَّأَهُّب لِلِقَاءِ الله
وَالشَّفَكُّرِ فِي ذَلِكَ وَنَحْوِهِ أَفْضَل مِن الَّذِي تَسْأَلُونَنِي فِيهِ مِن الْمُبَاحَثَةِ عَنِ الْمَصْلَحَة فِي
الْكِتَابَةِ أَوْ عَدَمهَا.
وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُونِ الْمَعْنَى فَإِنَّ اِمْتِنَاعِي مِنْ أَنْ أَكْتُب لَكُمْ خَيْرِ مِمَّا تَدْعُونَنِي
إِلَيْهِ مِن الْكِتَابَةِ.
قُلْت: وَيَحْتَمِل عَكْسِه أي: الَّذِي أَشَرْت عَلَيْكُمْ بِهِ مِن الْكِتَابَةِ خَيْرِ مِمَّا
تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ مِنْ عَدَمَهَا بَلْ هَذَا هُوَ الظَّاهِرِ، وَعَلَى الَّذِي قَبْله كَانَ ذَلِكَ الْأَمْرِ إِخْتِبَارًا
وَامْتِحَانًا فَهَدَى الله عُمَر لِمُرَادِهِ وَخَفِيَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ. وَأَمَّا قَوْل إِبْنِ بَظَّال: عُمَر أَفْقَه
مِن إِبْن عَبَّاس حَيْثُ إِكْتَفَى بِالْقُرْآنِ وَلَمْ يَكْتَفِ إِبْن عَبَّاس بِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ إِظْلَاق
ذَلِكَ مَعَ مَا تَقَدَّمَ لَيْسَ بِيِّدٍ، فَإِنَّ قَوْل عُمَر: (حَسْبُكُمْ كِتَابُ الله) لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ يَكْتَفِي
بِهِ عَنْ بَيَانِ السُّنَّة، بَلْ لِمَا قَامَ عِنْده مِن الْقَرِينَةِ، وَخَشِيَ مِن الَّذِي يَتَرَتَّب عَلَى كِتَابَة
الْكِتَابِ مِمَّ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَة إِلَيْهِ، فَرَأَى أَنَّ الإِعْتِمَاد عَلَى الْقُرْآن لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ شَيْء
مِمَّا خَشِيَهُ، وَأَمَّا إِبْنِ عَبَّاس فَلَا يُقَالِ فِي حَقّه لَمْ يَكْتَفِ بِالْقُرْآنِ مَعَ كَوْنه حَبْر
الْقُرْآنِ وَأَعْلَمِ النَّاسِ بِتَفْسِيرِهِ وَتَأْوِيلِهِ، وَلَكِنَّهُ أَسِفَ عَلَى مَا فَاتَهُ مِن الْبَيّانِ بِالتَّنْصِيصِ
عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَوْلَى مِنِ الإِسْتِنْبَاطِ والله أَعْلَمُ.
قَوْله: (فَأَمَرَهُمْ بِثَلَاثٍ) أي: فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الَّذِي أَرَادَ أَنْ
يَكْتُبُهُ لَمْ يَكُنْ أَمْرًا مُتَحَتِّمًا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِمَّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُهُ لِوُفُوع
إِخْتِلَافِهِمْ، وَلَعَاقَبَ اللّه مَنْ حَالَ بَيْنِه وَبَيْن تَبْلِيغه، وَلَبَلَّغَهُ لَهُمْ لَفْظَا كَمَا أَوْضَاهُمْ

٥٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
بِإِخْرَاجِ الْمُشْرِكِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ عَاشَ بَعْد هَذِهِ الْمَقَالَة أَيَّامًا وَحَفِظُوا عَنْهُ أَشْيَاءِ
لَفْظَا، فَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون مَجْمُوعِهَا مَا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبُهُ والله أَعْلَمُ.
(أَجِيزُوا الْوَقْد) أي: أَعْطَوْهُمْ، وَالْجَائِزَةِ الْعَطِيَّةِ، وَقِيلَ أَصْلِهِ أَنَّ نَاسًا وَفَدُوا عَلَى
بَعْض الْمُلُوك وَهُوَ قَائِمٍ عَلَى قَنْطَرَةِ فَقَالَ: أَجِيزُوهُمْ فَصَارُوا يُعْطُونَ الرَّجُلِ وَيُظْلِقُونَهُ
فَيَجُوز عَلَى الْقَنْطَرَةِ مُتَوَجِّهَا فَسُمِّيَتْ عَطِيَّةٍ مَنْ يَقْدَم عَلَى الْكَبِيرِ جَائِزَة، وَتُسْتَعْمَل
أَيْضًا فِي إِعْطَاء الشَّاعِر عَلَى مَدْحِه وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَوْله بِنَحْوٍ: ((مَا كُنْت أُجِيزِهُمْ)) أي:
بِقَرِيبٍ مِنْهُ، وَكَانَتْ جَائِزَةِ الْوَاحِد عَلَى عَهْدَه ◌ََّ وُقِيَّةِ مِنْ فِضَّة وَهِيَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا.
(وَسَكَتَ عَنِ الَّالِئَةِ أَوْ قَالَ: فَنَسِيتَهَا) يَحْتَمِلِ أَنْ يَكُونِ الْقَائِلِ ذَلِكَ هُوَ
سَعِيد بْن جُبَيْرِ، ثُمَّ وَجَدْتِ عِنْدِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ النَّصْرِيحِ بِأَنَّ قَائِلِ ذَلِكَ هُوَ إِبْن عُيَيْنَةَ وَفِي
((مُسْنَد الْحُمَيْدِيِّ)) وَمِنْ طَرِيقه أَبُو نُعَيْم في ((الْمُسْتَخْرَج)): قَالَ سُفْيَانٍ: قَالَ سُلَيْمَان أي:
إِبْن أَبِي مُسْلِمٍ: لَا أَدْرِي أَذَكَرَ سَعِيد بْنِ جُبَيْرِ الثَّالِئَةِ فَنَسِيتَهَا أَوْ سَكَتَ عَنْهَا. وَهَذَا هُوَ
الْأَرْجَحِ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: الثَّالِثَة الْوَصِيَّة بِالْقُرْآنِ، وَبِهِ جَزَمَ اِبْن التِّين.
وَقَالَ الْمُهَلَّب: بَلْ هُوَ تَجْهِيزِ جَيْشِ أُسَامَةٍ، وَقَوَّاهُ اِبْنِ بَظَّالِ بِأَنَّ الصَّحَابَة لَمَّا
إِخْتَلَفُوا عَلَى أَبِي بَكْرِ فِي تَنْفِيذ جَيْش أُسَامَة قَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْر: إِنَّ النَّبِيّ ◌َُّ عَهِدَ
بِذَلِكَ عِنْد مَوْته.
وَقَالَ عِيَاضِ: يَحْتَمِل أَنْ تَكُونِ هِيَ قَوْله: ((وَلَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وَثَنَّا)) فَإِنَّهَا ثَبَتَتْ
فِي الْمُوَظَّأْ مَقْرُونَة بِالْأَمْرِ بِإِخْرَاجِ الْيَهُودِ، وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون مَا وَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس
أَنَّهَا قَوْله: ((الصَّلاة وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانِكُمْ)). [الفتح ٢٥٢/١٢] بتصرف.
٥٩٦٧ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴿ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - بَعْدَ وَفَاةِ
رَسُولِ اللهِ وَ﴾: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ الله ◌َ يَزُورُهَا. فَلَمَّا
انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فَقَالَا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ أَمَا تَعلَمِينَ أَنَّ مَا عِنْدَ الله خَيْرٌّ لِرَسُولِ الله
وَ؟ فَقَالَتْ: إِنِّي لَا أَبْكِي أَنِّي لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِ اللهِّ
وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ. فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ