النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي ◌َّ- وصفاته المادة، وقوة الحرارة، وهذا يستلزم كمال القوى الباطنية. (طَوِيلَ الْمَسْرُبَةِ): بفتح الميم وسكون السين وضم الراء وفتحها وبالموحدة، وهي: الشعر الدقيق النابت من الصدر سائلاً ومتواصلاً إلى السرة كالقضيب. وقال الترمذي: المسربة: الشعر الدقيق الذي كأنه قضيب من الصدر إلى السرة. (إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤَ) بالهمزة فيهما. وفي نسخةٍ: ((تكفا - بالألف المنقلبة عن يا - تكفيًا)) بكسر الفاء المشددة بعدها ياء تحتية، أي: تمايل إلى جهة أمامه، وهذه جملة أخرى مستأنفة. قال ميرك: و(تكفؤاً) مصدر مؤكد، وهو في الأصل بهمزٍ ويخفف، فإذا رُوي على الأصل يُقرأ بضم الفاء كتقدَّم تقدُّماً، وإذا خُفف يُقرأ: تكفيًا بكسر الفاء کتستَّی تسمیًا، انتهى. (كَأَنَّمَا يَنْحَظُ) وفي روايةٍ: ((كأنما يهوي من صببٍ)) وفي نسخٍ: كأنه بدل (كأنما) و(مِنْ) بمعنى: في، كما بعض النسخ، وهو حال من فاعل (تكفأ) مبالغة في التكفي والتثبّت في مشيه، وحمله على سرعة انطواء الأرض تحت قدميه خلاف الظاهر. والانحطاط: النزول والإسراع، وأصل الانحدار من علوٍّ إلى سفل وأسرع ما يكون الماء جاريًا إذا كان منحدرًا. وفي ((القاموس)): (صَبَبٍ) ما انحدر من الأرض أي: كأنما ينزل في موضع منحدر. وتفسير المصنف الآتي الصبب بالحدور بوزن رسول الذي هو مصدر: بيان لأصل المعنى، ولم يدغم صبب لئلا يلتبس بالصب الذي بمعنى العاشق. (لَمْ أَرَ وَّه) لم أبصر، وهذه جملة أخرى معربة عن كمال حسنه، ونهاية جماله. (قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ) ظاهره نفي روية مثله قبل رؤيته وبعدها؛ وذلك متعارف في المبالغة في نفي المثل سواء كان المتكلم ممن هو في زمن قبله أو لا، فهو كناية عن نفي کون أحد مثله، وهو يدل عرفًا علی کونه أحسن من كل أحدٍ. ٣٦٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر ومما يتعيَّن على كل مكلفٍ أن يعتقد أن الله ريك أوجد خلق بدنه الشريف على وجهٍ لم يظهر قبله ولا بعده مثله في آدمي، وسر ذلك ما سبق أن محاسن الذات دليل على ما بطن فيها من بدائع الأخلاق وجلائل الصفات، والنبي ◌َّ بلغ الغاية التي لا ترتقي في كل من ذلك. تنبيه: قال الشيخ الأكبر في ((الفتوحات)): إذا أراد الله أن يخلق إنسان معتدل النشأة، مستقيم التصرفات والحركات وفَّق الأب لما فيه صلاح مزاج الرحم، واعتدلت فيه الأخلاط اعتدال القدر الذي به صلاح النطفة، ويوقت الله لإنزال المني في الرحم طالعًا سعيدًا بحركات فلكية لا يعرفها إلا من كشف عن بصيرته الحجاب، قد جعلها الله بإرادته علامة على الصلاح فيما يكون فيه من الكائنات، فيجامع الرجل في طالع سعيد، بمزاج معتدل، فينزل الماء في رحم معتدل، فيتلقاه على كيفية معتدلة، وتوفق الأم إلى الشهوة لكل غذاءٍ فيه صلاح مزاجها، وما تتغذى به النطفة، فيقبل التصوير في مكانٍ معتدلٍ، ومواد معتدلة وحركات فلكية مستقيمة فتخرج النشأة، وتقوم على اعتدالٍ فتكون نشأة صاحبها معتدلاً ليس بالطويل ولا بالقصير، لين اللحم ليس عنده غلظ ولا رقة، أبيض مشرباً بحمرة أو صفرة، معتدل الخلق والشعر، ليس بسبط ولا جعد قطط، في شعره حمرة ليس بذاك السواد، عظيم رأسه، في عنقه استواء، معتدل الجثة، طويل البنان أي: الأصابع قليل الكلام إلا لحاجة، في نظره سرور، قليل الطمع في المال، لا يريد الرياسة على أحدٍ، ليس بعجلٍ ولا بطيءٍ. قال: فهذا ما قالت الحكماء أنه أعدل الخلقة الإنسانية وأحكمها، ومنها خُلق نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام فصحَّ له الكمال في النشأة كما صحَّ له الكمال في المرتبة؛ فكان أكمل الناس في جميع الوجوه ظاهرًا وباطنًا. [المواهب المحمدية] بتصرف. ٥٧٩١ - [وَعَنْهُ، كَانَ إِذَا وَصَفَ النَّبِيَّ ◌َّهِ قَالَ: لَمْ يَكُنْ بِالطَّوِيلِ الْمُمَغَّطِ وَلَا بِالْقَصِيرِ الْمُتَرَدِّدِ، وَكَانَ رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَلَا بِالسَّبِطِ، كَانَ جَعْدًا رَجِلاً، وَلَمْ يَكُنْ بِالْمُطَهَّمِ وَلَا بِالْمُكَلْثَمِ، وَكَانَ فِي الْوَجْهِ تَدْوِيرٌ، أَبْيَضُ مُشْرَبٌ، ٣٦٣ كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي وَلّ وصفاته أَدْعَجُ الْعَيْنَيْنِ، أَهْدَبُ الأَشْفَارِ، حَلِيلُ الْمُشَاشِ وَالْكَتِدِ، أَجْرَدُ ذُو مَسْرُبَةٍ شَئْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، إِذَا مَشَى يَتَقَلَّعُ كَأَنَّمَا يَمْشِي فِي صَبَبٍ، وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ مَعَّ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِّينَ، أَجْوَدُ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً، وَأَلْيَنُهُمْ عَرِيكَةً، وَأَكْرَمُهُمْ عِشْيْرَةً، مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ، يَقُولُ نَاعِتُهُ: لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ نَّهِ- رَوَاهُ التِّرْمِذِي](١). (لَمْ يَكُنْ بِالطَّوِيلِ الْمُمَغَّطِ) بضم الميم الأولى وفتح الثانية مشددة وكسر الغين معجمة أو مهملة، بعدها طاء مهملة، وأصله منمغط، فالنون للمطاوعة، فقُلبت ميمًا وأدغمت في الميم وأصله من مغطة الحبل فانغمط، إذا مددته فأمد، وعلى هذا فالممغط اسم فاعل من الإمغاط، وضبطه الجوهري بضم الميم الأولى وفتح الثانية مخففة وتشديد الغين المعجمة المفتوحة، وهو اسم مفعول من التفضيل واختاره الجزري، ومعناه: المتناهي في الطول، فهو بمعنى: (البائن) في روايةٍ، وبمعنى: (الشرب) في أخرى، فالمُراد نفي الطول البائن وقلة اللحم. (وَلَا بِالْقَصِيرِ الْمُتَرَدِّدِ) أي: المتناهي في القصر، كأنه رد بعض خلقه على بعضٍ، وتداخلت أجزاؤه، كذا في «النهاية». (وَكَانَ رَبْعَةً) عطف على قوله: (لَمْ یَكُنْ) وفي نسخ بلا واو، وكيف ما كان فهو إثبات صفة الكمال بعد نفي النقصان تكميلاً للمدح، وعدم الاكتفاء باستلزام النفي للإثبات في مقام المدح من فنون البلاغة. (مِنَ الْقَوْمِ) مناط الفائدة؛ إذ الطول ومقابلاه متفاوت في الأقوام، وأراد به نوعًا منه وهو المائل إلى الطول، فلا ينافي فيما ورد أنه كان أطول من المربوع. والقوم: جماعة الرجال ليس فيهم امرأة، سُمُّوا به لقيامهم بالعظائم والمهمات. قال الصغاني: وربما يتناول النساء تبعًا. (وَلَمْ يَكُنْ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ): بفتح القاف وكسر الطاء الأولى أو فتحها أي: (١) أخرجه الترمذي (٣٩٩٩). ٣٦٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر المتناهي في الجعودة، وهذا الوصف هو مصيب النفي. (وَلَا بِالسَّبِطِ): بفتح السين وكسر الباء أو فتحها لغتان مشهورتان، وهو الذي ليس به تثن، وإنما هو مسترسل، وكان شعره بين ذلك قوامًا. ولذا قال: (گان) بلا واو، (جعْدًا) أي: بل کان جعدًا، فهو بیان لما قبله. (رَجِلاً) بفتح الراء وكسر الجيم، وقد تُفتح وقد تُضم وقد تسكن أي: فيه تثن والتواء قليل، فكان بين السبوطة والجعودة. (وَلَمْ يَكُنْ بِالْمُطَهَّمِ) بضم الميم وفتح الطاء وتشديد الهاء المفتوحة. قال القسطلاني: الرواية فيه وفي: (مكلثم) بلفظ اسم المفعول فقط. واختلف في تفسير (المطهم) فقيل: الفاحش السمن. وقيل: المنتفخ الوجه الذي فيه جهامة أي: عبوس ناشئ من السمن. وقيل: النحيف الجسم، فهو من الأضداد. وقيل: طهمة اللون أن تميل سمرته إلى السواد، ووجهه مطهم إذا كان كذلك، ولا مانع من إرادة كل من هذه الأربع. (وَلَّا بِالْمُكَلْثَمِ): بالبناء للمفعول وهو القصير الحنك مع نتوء الجبهة، المستدير الوجه مع كثرة اللحم، أراد: أنه أسيل الوجه، مسنون الخدين، ولم يكن مستديرًا غاية التدوير، بل بين الاستدارة والإسالة، وهو أحلى عند العرب وغيرهم من كل ذي ذوقٍ سليمٍ وطبع قويم. بل نقل الذهبي عن الحكيم أن استدارته أي: المفرطة دالة على الجهل. وفي (الصحاح)): الكلثمة: اجتماع لحم الوجه. (وَكَانَ فِي الْوَجْهِ تَدْوِيرٌ) تنكيره إما للنوعية، أي: نوع منه، أو للتعليل، أي: شيء منه قليل، وليس كل تدويرٍ حسنًا وهذه الجملة كالمبينة لقوله: (ولا بالمكلثم). (أَبْيَضُ) بالرفع أي: فهو أبيض والجملة مشتملة على نمط التقدير. (مُشْرَبُ) بصيغة اسم المفعول مخففًا صفة أبيض أي: ((مشرب بحمرة)) كما في روايةٍ، فالبياض المثبت ما خلطه حمرة، والمنفي ما لا يخالطها، وهو الذي تكرهه ٣٦٥ كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي ◌َّ وصفاته العرب وتسميه: أمهق. والمشرب: بالتخفيف من الإشراب وهو خلط لون بلون كأنه يُسقى به، وفي نسخٍ بالتشديد: اسم مفعول من التشريب يُقال: بياض مشرب بحمرة بالتخفيف، فإذا شُدد كان للتنكير والمبالغة، فهو هنا للمبالغة في البياض. (أَدْعَجُ الْعَيْنَيْنِ) بمهملتين فجيم العينين أي: شديد سواد الحدقة مع سعة العين. ففي ((الصحاح): (الدعج) محركًا شدة سواد العين مع سعتها. وفي ((النهاية)): (الدعجة) السواد في العین. (أَهْدَبُ الأَشْفَارِ) جمع شفر بالضم والفتح، وهي: حروف الأجفان التي ينبت عليها الشعر، وهو الهدب بضم الهاء، والأهداب: من طال شعر أجفانه، وما أوهمه كلامه من أن الأشفار هي الأهداب غير مراد. ففي ((المصباح)) عن ابن عتيبة: العامة تجعل أشفار العين الشعر وهو غلط وفي ((المغرب)) وغيره: لم يذكر أحدٌ من الثقات أن الأشفار هي الأهداب، فهو إما على حذف مضاف أي: الطويل شعر الأشفار، أو يُسمَّى النابت باسم المنبت للملابسة. (جَلِيلُ): أي: عظيم (الْمُشَاشِ) بضم فمعجمتين بينهما ألف: جمع مشاشة بالضم والتخفيف، وهي: روؤس المناكب أو روؤس العظام. (وَالْكَتِدِ) بمثناة فوقية تُفتح وتُكسر مجتمع الكفين أي: عظيم ذلك، وهو الكاهل، وهو علامة النجابة ونهاية القوة. وفي (المصباح)): الكاهل: مقدم على الظهر مما يلي العنق، وهو الثلث الأعلى من الظهر، وفيه ست فقرات. وقال في ((الكفاية)): الكاهل هو: الكتد، انتهى. (أَجْرَدُ) أي: هو أجرد أي: غير أشعر، في القاموس: رجلُ أجردُ لا شعر عليه، فوصفه به مع وجود الشعر في مواضع من يده غالبًا. وقول البيهقي في ((التاج)»: معنى أجرد هنا: صغير الشعور. وفي ((القاموس)): الأجرد إذا جُعل وصفًا للفرس كان بمعنى صغر شعره، وإذا جُعل وصفًا للرجل فمعناه: لا شعر عليه، على أن لحيته الشريفة كانت كثة، وفي القاري: (الأشعر): مَنْ عمَّ الشعر ٣٦٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر جميع بدنه، فالأجرد مَنْ لم يعمَّه الشعر، فيصدق لمن في بعض بدنه شعر كالمسربة والساعدين والساقين، وقد كان له وسلم هذا الوصف باعتبار أكثر بدنه، انتهى. وقيل: معنى أجرد: لا غش فيه ولا غل، فهو على أصل الفطرة. (ذُو مَسْرُبَةٍ): أي: شعر ممتد من صدره إلى سرته كما تقدَّم. (شَتْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ) أي: عظيمهما مع اللين والنعومة كما تقدَّم. (إِذَا مَشَى يَتَقَلَّعُ) أي: رفع رجليه رفعًا متداركً أحدهما بالأخرى، وهي مشية أهل الجلادة والهِمَّة، لا كمن يمشي اختيالاً يقارب خطاه، فإن ذلك من مشي النِّساء، فالتقلُّع قريب من التكفُّؤ. (كَأَنَّمَا يَمْشِي فِي صَبَبٍ) هذا مؤكدُّ لمعنى التقلُّع. (وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ مَعًا) أي: بجميع أجزائه، فكأنه إذا توجَّه لشيءٍ توجَّه إليه بكليةٍ، ولا يخالف ببعض جسده بعضًا، كي لا يخالف بدنه قلبه، وقصده مقصده، لما في ذلك من التلون وأمارة الخفة وعدم الصيانة. قال الدلجي: وينبغي أن يخص هذا بالتفاته وراءه، أما لو التفت يمينه أو يساره فالظاهر أنه لا يفعله. وقيل: أراد بذلك أنه لا يسارق النظر. قال القسطلاني: وهو أقرب في أنه كان جل نظره الملاحظة. [المواهب للجمل]. ٥٧٩٢ - [وعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهَ لَمْ يَسْلُكْ طَرِيقًا فَيَتْبَعُهُ أَحَدَّ إِلَّا عَرَفَ أَنَّهُ قَدْ سُلَكَهُ مِنْ طِيبٍ عَرْفِهِ، أَوْ قَالَ: مِنْ رِيحِ عَرَقِهِ رَوَاهُ الدَّارِمي(١). ٥٧٩٣ - [وعَنْ أَبِ عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: ((قُلْتُ لِلُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّدِ بْنِ عَفْرَاءَ: صِفِي لَّنَا رَسُولَ اللهِ لَ قَالَتْ: يَا بُنَّ لَوْ رَأَيْتَهُ رَأَيْتَ الشَّمْسَ طَالِعَةً)). رَوَاهُ الدَّارِمي)(٢). ٥٧٩٤ - [وعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: ((رَأَيْتُ النَِّيَّ ◌َ فِي لَيْلَةٍ إِضْحِيَانٍ، فَجَعَلْتُ (١) أخرجه الدارمي (٦٧). (٢) أخرجه الدارمي (٦١). ٣٦٧ كتاب الفضائل والشمائل/ باب أسماء النبي ص 84* وصفاته أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهَ وَإِلَى الْقَمَرِ وَعَلَيْهِ حُلَّةُ حَمْرَاءُ، فَإِذَا هُوَ أَحْسَنُ عِنْدِي مِنَ الْقَمَرِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَالدَّارِمي](١). ٥٧٩٥ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللهِهِ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ فِي مَشْبِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ كَأَنَّمَا الأَرْضُ تُطْوَى لَهُ، إِنَّا لَنَجْهِدُ أَنْفُسَنَا وَإِنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي](٢). ٥٧٩٦ - [وعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: ((كَانَ فِي سَاقَّيَّ رَسُولِ اللهِوَلِ حُمُوشَةٌ، وَكَانَ لَا يَضْحَكُ إِلَّا تَبَسُّمَا، وَكُنْتُ إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ قُلْتُ: أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ وَلَيْسَ بِأَكْحَلَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي](٣). (كَانَ فِي سَاقَيَّ رَسُولِ اللهِ وَلِهِ حُمُوشَةٌ) بضم الحاء المهملة والميم: دقة، ودقتها مما یمتدح به، وقد أكثر أهل القیافة من ذکر محاسن ذلك وفوائده. وأما قول ابن حجر تبعًا للعصام: بضم أوله المعجم فمخالف للأصول ومعارض للغة، على ما يشهد به ((القاموس)) و(النهاية)) ومغير للمعنى، فإن الخمش بالمعجمة هو خدش الوجه ولطمه وقطع عضو منه. (وَكَانَ لَا يَضْحَكُ إِلَّا تَبَسُّمًا) جعل التبسم من الضحك واستثنى منه، فإن التبسُّم من الضحك بمنزلة السنة من النوم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ [النمل: ١٩] أي: شارعًا في الضحك، وهذا الحصر يحمل على غالب أحواله و له لما سبق أنه وَالر ضحك حتى بدت نواجذه، وقيل: ما كان يضحك إلا في أمر الآخرة، وأما في أمر الدنيا فلم يزد على التبسُّم وهو تفصيل حسن، وورد: ((أنّه ◌َ * كان إذا ضحك يتلألأ في الجدر)) بضم أوليه أي: يشرق نوره عليها إشراقًا كإشراق الشمس. (وَكُنْتُ) بصيغة المتكلم، وفي نسخة بصيغة المخاطب في الأفعال الثلاثة، وفي المشكاة نقلاً عن الترمذي: (١) أخرجه الترمذي (٣٠٤١)، والدارمي (٥٨). (٢) أخرجه الترمذي (٤٠٠٩). (٣) أخرجه الترمذي (٤٠٠٦). ٣٦٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر ((وكنت)) بالواو وهو أظهر. (إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ) أي: في بادئ الرأي. (قُلْتُ: أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هو أكحل أي: يعلو جفون عينيه سواد ناشئ من استعمال الكحل. (وَلَيْسَ بِأَكْحَلَ) أي: كحلاً جعليًّا ناشئًا من التكحُّل بل كحله نَّو كان خلقيًّا، فالإثبات بالنظر لمبادئ النظر، والنفي باعتبار الحقيقة ونفس الأمر، وكل منهما متعلق بالكحل الحاصل من استعمال الكحل، وأما الكحل الخلقي فلم يذكر في العبارة نفيًا ولا إثباتًا، وإن كان ثابتًا له وَّهِ وقائمًا به. [المواهب المحمدية للجمل]. الفصل الثالث ٥٧٩٧ - [عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ أَفْلَجَ الثَّنِيَّتَيْنِ، إِذَا تَكَلَّمَ رُئِيَ كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهُ)). رَوَاهُ الدَّارِمي](١). (كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّ﴿ أَفْلَجَ الثَّنِيَّتَيْنِ) بتشديد الياء تثنية ثنية. وفي نُسخٍ: ((الثنايا)» بصيغة الجمع. والفلج: بالتحريك فرجة ما بين الثنايا والرباعيات، والفرق فرجة ما بين الثنايا، فاستعمل في الحديث الفلج مكان الفرق، بقرينة نسبته إلى الثنايا فقط، ذكره ابن الأثير. وقال: الفلج هنا الفرق بقرينة إضافته إلى الثنايا؛ إذ الفلج فرجة بين الثنايا والرباعيات، والفرق فرجة بين الشنایا، انتهى. لكن ظاهر كلام الصحاح: أن الفلج مشترك بينهما، وحينئذٍ فلا يحتاج إلى القول باستعماله في محل الفرق، ويحتمل أن يكون إطلاقه على الثنايا مجازًا لغويًّا. وفي الفم أربع ثنايا معروفة. (إِذَا) هي ومدخولها (تَكَلَّمَ) خبر ثان (لكان) (رُنِيّ) بالبناء للمجهول، إشارة إلى أن الرؤية لا تختص بأحدٍ دون أحدٍ. (كَالُّورِ) الكاف اسم بمعنى مثل، فلا يحتاج لتقدير شيء يخرج حال من نائب الفاعل وفاعله الضمير الراجع إليه، (١) أخرجه الدارمي (٥٩). ٣٦٩ كتاب الفضائل والشمائل / باب أسماء النبي ﴿ وصفاته أي: رُئي مثل النور أو نفس النور خارجًا من بين ثناياه، وأصله إما من الثنايا نفسها، وإما من داخل الفم وطريقه من بينها، فالمُراد: يرى شيء أبيض له صفاء يلمع كالنور معجزةً له ◌َّةِ، فلا حاجة للقول بزيادة الكاف كما صنع ابن حجر، وكيف ما كان فذلك النور حسِّي، ومن صار إلى أنه معنوي، وزعم أن المُراد به ألفاظه على طريق التشبيه، وأنه أشار بذلك إلى أنه لا يقول إلا حقًّا أو إلى القرآن أو السُّنة فقد وهم وما فهم قوله: (رُئي). ٥٧٩٨ - [وعَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). ٥٧٩٩ - [وَعَنْ أَنَس، أنَّ غُلامًا يَهُودِيًّا كَانَ يَخْدِمُ الَّبِيّ ◌ََّ فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ◌َّ يَعُودُهُ، فَوَجَدَ أَبَاهُ عِنْدَ رَأْسِهِ يَفْرَأُ الثَّوْرَاةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّ: (يَا يَهُودِي، أَنْشِدُكَ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةِ عَلَى مُؤْسَى، هَلْ تَجِدِ فِي التَّوْرَاةِ نَعْتِي وَصِفَتِي وَمَخْرَچِي؟)) قَالَ: لَا، قَالَ الفَتَى: بَلَى والله يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا تَجِدُ لَكَ فِي التَّوْرَاةِ نَعْتَكَ وَصِفَتَكَ وَتَخْرَجَكَ، وَإِّي أُشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَّهَ إِلَّ الله وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ النَِّيُّ ◌َّهِ لأَصْحَابِهِ: ((أَقِيْمُوا هَذَا مِنْ عِنْدَ رَأْسِهِ وَلُوا أَخَاكُمْ)) رَوَاهُ البَّيْهَتِي فِي: ((دَلائِلِ النُّبُوَّة))](٢). ٥٨٠٠ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةً مُهْدَاةً) رَوَاهُ الدَّرَامِي وَالبَيْهَقِي فِي: (شُعَبِ الإِيْمَانِ))](٣). (١) أخرجه البخاري (٣٥٥٦)، ومسلم (٧١٩٢). (٢) أخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢٥٣٠). (٣) أخرجه الدارمي (١٥)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٤٢٧). باب في أخلاقه وشمائله واله الفصل الأول ٥٨٠١ - [عَنْ أَنَسِ قَالَ: خَدَمْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أَفَّ، وَلَا لِمَ صَنَعْتَ؟ وَلَا أَلَّا صَنَعْتَ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). (خَدَمْتُ النَّبِيَّ وَّه) بفتح الدال في الماضي، وكسرها وضمها في المضارع، أي: في السفر والحضر. (عَشْرَ سِنِينَ) الرواية بسكون الشين، ولا مانع من فتحها، وكان عمره حين خدم النبي ﴿4﴾ عشر سنين. (فَمَا قَالَ لِي: أَفَّ) كلمة تبرم وملال، وهي بضم الهمزة وفتح الفاء مشددة وكسرها بلا تنوين وبه، فهذه ثلاث قُرئ بها في السبع، وذكر القاضي وغيره فيها عشر لغات: فتح الفاء وضمها وكسرها مع التنوين وعدمه فهذه ست، وبضم الهمزة وإسكان الفاء، وبكسر الهمزة وفتح الفاء، وأفى وأفه بضم همزتهما، وهي اسم فعل بمعنى: أضجر وأکره. قال نيزك: وأصل الأف: وسخ الظفر والأذن، ويُقال لكل ما يتضجر ويستثقل منه: أف له، ويستوي فيه الواحد والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُل ◌َّهُمَا أُفٌ﴾ [الإسراء: ٢٣]. وقد ذكر أبو الحسن الكرماني فيها تسعًا وثلاثين لغة، وزاد ابن عطية واحدة فأكملها أربعين، ونظمها السيوطي في أبيات فأجاد. (وَلَا لِمَ صَنَعْتَ؟ وَلَا أَلَّا صَنَعْتَ) وما ذاك إلا لكمال معرفته بأنه لا فاعل، ولا معطي، ولا مانع إلا الله، وأن الخلق آلات ووسائط؛ فالغضب على المخلوق في شيءٍ (١) أخرجه البخاري (٦٠٣٨)، ومسلم (٦١٥٣). - ٣٧٠ ٣٧١ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله وَليه فعله إشراك ينافي التوحيد. وقال بعضهم: سبب ذلك أنه كان يشهد تعريف محبوبه فيه، وتعريف المحبوب في المحبة لا يعلل، بل يسلم، بل هو مستلذ، فكل ما يفعله الحبيب محبوب ولا فعل لأنس في الحقيقة. وفيه: بيان كمال خلقه وصبره، وحسن عشرته، وعظيم حلمه، وصفحه وَّة، وترك العقاب على ما فات، وصون اللسان عن الزجر والذم، وتألف خاطر الخادم بترك معاتبته، وكل ذلك من الأمور المتعلقة بحظ الإنسان أما اللازمة شرعًا، فلا يتسامح بها لأنها من الأمر بالمعروف. وفيه: فضيلة تامة لأنس حيث لم ينتهك من محارم الله شيئًا، ولم يرتكب في تلك السنين في خدمته ما يوجب المؤاخذة شرعًا؛ لأن سكوته عن الاعتراض عليه يستلزم ذلك. ٥٨٠٢ - [وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َّهِ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحَاجَةٍ فَقُلْتُ: وَالله لَا أَذْهَبُ، وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَخَرَجْتُ حَقَى أَمْرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ فَإِذَا رَسُولُ اللهِوََّ قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: ((يَا أُنَيْسُ، أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ الله. رَوَاهُ مُسْلِمٌ)(١). ٥٨٠٣ - [وعَنْه قَالَ: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِوَهُ وَعَلَيْهِ بُرْدُّ نَجْرَائِيُّ غَلِيظُ الْخَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَائِيُّ فَجَبَذَهُ بِدَائِهِ جَبْذَةٌ شَدِيدَةً، وَرَجَعَ نَبِيِّ اللّه فِي نَحْرِ الأعْرَابِي، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةٍ عَائِقِ رَسُولِ اللهِ وَهِ قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْلِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ الله ◌ِيه ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٤). (١) أخرجه مسلم (٦١٥٥). (٢) أخرجه البخاري (٥٨٠٩)، ومسلم (٢٤٧٦). ٣٧٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر (جَبْذَتِهِ) يُقَال: جَبَذَ وَجَذَبَ، لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ. قال النووي: فِيهِ إِحْتِمَالِ الْجَاهِلِينَ وَالْإِعْرَاض عَنْ مُقَابَلَتهمْ. وَدَفْع السَّيِّئَة بِالْحَسَنَةِ وَإِعْطَاء مَنْ يُتَأَلَّف قَلْبُهُ، وَالْعَفْوِ عَنْ مُرْتَكِب كَبِيرَة لَا حَدّ فِيهَا بِجَهْلِهِ، وَإِبَاحَةِ الضَّحِكِ عِنْدِ الْأُمُورِ الَّتِي يُتَعَجَّب مِنْهَا فِي الْعَادَةِ، وَفِيهِ كَمَالُ خُلُق رَسُول الله ﴿ل﴾ وَحِلْمه وَصَفْحه الجميل. ٥٨٠٤ - [وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَل﴿ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيْلَةً فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَاسْتَبَلَّهُمْ الَّبِيُّ ◌َّه قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ يَقُولُ: ((لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا) وَهُوَ عَلَى فَرَسِ لأَّبِي طَلْحَةَ عُرْىٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجِ وَفِي عُنُقِهِ السَّيْفُ، فَقَالَ: (لَقَدْ وَجَدْتَهُ بَجْرًا)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١). ٥٨٠٥ - [وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَهِ شَيْئًا قٌَ فَقَالَ: لَا. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ](٢). ٥٨٠٦ - [وعَنْ أَنَسِ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ وَهُ غَنَمَا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: أي: قَوْمٍ أَسْلِمُوا فَوَاللهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ. رَوَاهُ مُسْلِمْ](٣). ٥٨٠٧ - [وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ لِهِ مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنٍ، فَعَلِقَتِ الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ النَِّيُّ فَقَالَ: «أَعْطُونِي رِدَائِي، لَوْ كَانَ لي عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَم لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُوِي تَخِيلاً وَلَا كَذُوبًا وَلَا جَبَانًا)). رَوَاهُ البُخَارِي](٤). (مَقْفَله مِنْ حُنَيْنٍ) أي: مَرْجِعُهُ، كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيّ، وَوَقَعَ لِغَيْرِهِ هُنَا ((مُقْبِلاً)) وَهُوَ (١) أخرجه البخاري (٣٠٤٠)، ومسلم (٦١٤٦). (٢) أخرجه البخاري (٦٠٣٤)، ومسلم (٦١٥٨). (٣) أخرجه مسلم (٦١٦١). (٤) أخرجه البخاري (٢٨٢١). ٣٧٣ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله وكلية مَنْصُوب عَلَى الْحَالِ وَ(السَّمُرَة) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَضَمّ الْمِيمِ شَجَرَة طَوِيلَة مُتَفَرِّقَة الرَّأْس قَلِيلَةِ الظُّلّ صَغِيرَة الْوَرَقِ وَالشَّوْكِ صُلْبَة الْخُشَب قَالَهُ إِبْنِ الّين، وَقَالَ الْقَزَّاز: وَالْعِضَاه شَجَرِ الشَّوْك كَالطَّلْجِ وَالْعَوْسَجِ وَالسِّدْرِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: السَّمُرَةُ هِيَ الْعِضَاهِ. وَقَالَ الْخُطَائِيّ: وَرَقِ السَّمُرَةِ أَثْبَتِ وَظِلّهَا أَكْثَف. وَيُقَالِ هِيَ شَجَرَة الظَّلْحِ. وَاخْتُلِفَ فِي وَاحِدَة الْعِضَاه فَقِيلَ عَضَةٌ بِفَتْحَتَيْنِ مِثْل شَفَة وَشِفَاهِ، وَالْأَصْلِ عَضْهَةٍ وَشَفَهَةٍ فَحُذِفَتِ الْهَاءِ، وَقِيلَ وَاحِدِهَا عِضَاهَة. (فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ) فِي مُرْسَل عَمْرو بْنِ سَعِيد عِنْد عُمَر بْنِ شَبَّة في ((كِتَاب مَگَّة)» حَقَى عَدَلُوا بِنَاقَتِهِ عَن الطَّرِيقِ، فَمَرَّ بِسَمُرَاتٍ فَانْتَهَسْنَ ظَهْرهِ وَانْتَزَعْنَ رِدَاءَهُ فَقَالَ: (نَاوِلُونِي رِدَائِي)) فَذَكَرَ نَحْوِ حَدِيث جُبَيْرِ بْن مُطْعِم وَفِيهِ ((فَنَزَلَ وَنَزَلَ النَّاسِ مَعَهُ، فَأَقْبَلَتْ هَوَازِن فَقَالُوا: جِئْنَا نَسْتَشْفِعِ بِالْمُؤْمِنِينَ إِلَيْكِ، وَنَسْتَشْفِعِ بِكِ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ)) فَذَكَرَ الْقِصَّة. وَفِيهِ: ذَمُّ الْحِصَالِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ الْبُخْلِ وَالْكَذِب وَالْجُبْنِ، وَأَنَّ إِمَام الْمُسْلِمِينَ لَا يَصْلُحِ أَنْ يَكُون فِيهِ خَصْلَة مِنْهَا. وَفِيهِ: مَا كَانَ فِي النَّبِيّ ◌َيهِ مِن الْحِلْمِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ وَسِعَة الْجُودِ وَالصَّبْرِ عَلَى جُفَاة الْأَعْرَابِ. وَفِيهِ: جَوَاز وَصْف الْمَرْءِ نَفْسِهِ بِالْخِصَالِ الْحَمِيدَة عِنْدِ الْحَاجَةِ كَخَوْفٍ ظَنِّ أَهْل الْجَهْل بِهِ خِلَاف ذَلِكَ، وَلَا يَكُون ذَلِكَ مِن الْفَخْرِ الْمَذْمُومِ. وَفِيهِ: رِضَا السَّائِلِ لِلْحَقِّ بِالْوَعْدِ إِذَا تَحَقَّقَ عَنِ الْوَاعِد التَّنْجِيز. وَفِيهِ أَنَّ الْإِمَامِ مُخَيَّرِ فِي قَسْم الْغَنِيمَةِ إِنْ شَاءَ بَعْد فَرَاغْ الْحَرْبِ وَإِنْ شَاءَ بَعْد ذَلِكَ. ٥٨٠٨ - [وعَنْ أَنّسِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا صَلَى الْغَدَاةَ جَاءَ خَدَمُ الْمَدِينَةِ بِآنِيَتِهِمْ فِيهَا الْمَاءُ، فَمَا يَأْتُون ◌ِإِنَاءٍ إِلَّا غَمَسَ يَدَهُ فِيهَا، فَرُبَّمَا جَاؤُوهُ بِالْغَدَاةِ الْبَارِدَةِ ٣٧٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر فَيَغْمِسُ يَدَهُ فِيهَا)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](١). ٥٨٠٩ [وَعَنْهُ قَالَ: كَانَتْ أَمَهُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ تَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ وَيه فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ رَوَاهُ البُخَارِي](٢). ٥٨١٠ - [وَعَنْهُ، أَنَّ امْرَأَّةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ ◌ِي إِلَيْكَ حَاجَةً فَقَالَ: ((يَا أُمَّ فُلَاٍ، انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ)) فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الظُّرُقِ حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٣). قال النووي: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث بَيَانِ بُرُوزهُ وََّ لِلنَّاسِ، وَقُرْبِه مِنْهُمْ، لِيَصِلَ أَهْل الْحُقُوق إِلَى حُقُوقهمْ، وَيُرْشِدَ مُسْتَرْشِدهمْ لِيُشَاهِدُوا أَفْعَالِه وَحَرَكَاتِه فَيُقْتَدَى بِهَا، وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِوُلَاةِ الْأُمُور. وَفِيهَا: صَبْرِهِ وَّهِ عَلَى الْمَشَقَّةِ فِي نَفْسِه لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِجَابَتْه مَنْ سَأَلَهُ حَاجَةً أَوْ تَبْرِيِكًا بِمَسِّ يَدِه وَإِذْخَالِهَا فِي الْمَاءِ كَمَا ذَكَرُوا. وَفِيهِ: التَّبَرُّك بِآثَارِ الصَّالِحِينَ، وَبَيَانِ مَا كَانَتِ الصَّحَابَة عَلَيْهِ مِن التَّبَرُّكِ بِآثَارِهِ وَلَّه وَتَبَرُّكَهِمْ بِإِدْخَالِ يَدِه الْكَرِيمَة فِي الْآنِيَةِ، وَتَبَرُّكهمْ بِشَعْرِهِ الْكَرِيم، وَإِكْرَامِهِمْ إِيَّاهُ أَنْ يَقَعَ شَيْءٍ مِنْهُ إِلَّا فِي يَدِ رَجُل سَبَقَ إِلَيْهِ، وَبَيَانِ تَوَاضُعه بِوُقُوفِهِ مَعَ الْمَرْأَةَ الضَّعِيفَةِ. ٥٨١١ - [وعَنْهُ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ وَِّ فَاحِشًّا وَلَا لَعَّانًا وَلَا سَبَّابًا، كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْمَعْتَبَةِ: ((مَا لَهُ، تَرِبَ جَبِينُهُ)). رَوَاهُ البُخَارِي](٤). (سَبَّابًا) بِالْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَة. (كَانَ يَقُول ◌ِأَحَدِنَا عِنْدَ الْمَعْتِبَة) بِفَتْحِ الْمِيم وَسُكُون الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّة الْفَوْقِيَّة - وَيَجُوزِ فَتْحِهَا - بَعْدِهَا مُوَخَّدَة وَهِيَ مَصْدَر عَتَبَ عَلَيْهِ يَعْتِب عَتَبًا وَعِتَابًا وَمَعْتَبَةٍ وَمُعَاتَبَةٍ، قَالَ الْخَلِيلِ: الْعِتَاب مُخَاطَبَة (١) أخرجه مسلم (٦١٨٧). (٢) أخرجه البخاري (٦٠٧٢). (٣) أخرجه مسلم (٦١٨٩). (٤) أخرجه البخاري (٦٠٤٦). ٣٧٥ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله وَّيه الْإِذْلَال، وَمُذَاكَرَة الْمُوجَدَّة. (مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينه) قَالَ الْخَطَّائِيُّ: يَحْتَمِل أَنْ يَكُونِ الْمَعْنَى خَرَّ لِوَجْهِهِ فَأَصَابَ التُّرَابِ جَبِينه وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُونِ دُعَاء لَهُ بِالْعِبَادَةِ كَأَنْ يُصَلِّ فَيَتْرَب جَبِينِهِ، وَالْأَوَّل أَشْبَه ◌ِأَنَّ الْجُبِين لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، قَالَ ثَعْلَب: الْجَبِينَانِ يَكْتَنِفَانِ الْجَبْهَةِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَثَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي: أَلْقَاهُ عَلَى جَبِينه. قُلْت: وَأَيْضًا فَالثَّانِي بَعِيد جِدًّا، لِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةِ اِسْتَعْمَلَهَا الْعَرَبِ قَبْلِ أَنْ يَعْرِفُوا وَضْع الْجَبْهَة بِالْأَرْضِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: قَوْله تَرِبَ جَبِينه كَلِمَة تَقُولَهَا الْعَرَب جَرَتْ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، وَهِيَ مِن التُّرَابِ، أي: سَقَطَ جَبِينه لِلْأَرْضِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ رَغِمَ أَنْفه، وَلَكِنْ لَا يُرَادِ مَعْنَى قَوْله تَرِبَ جَبِينه، بَلْ هُوَ نَظِيرٍ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْله تَرِبَتْ يَمِينك، أي: أَنَّهَا كَلِمَةٍ تَجْرِي عَلَى اللِّسَان وَلَا يُرَادِ حَقِيقَتهَا. [الفتح ١٧٩/١٧]. ٥٨١٢ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: ((إِنَّ لَمْ أَبْعَثْ لَعَّانَا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً)). رَوَاهُ مُسْلِمْ)(١). ٥٨١٣ - [وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢). (كَانَ الشَّبِيُّ ◌َّهِ أَشَدَّ حَيَاءً) آثره على أحى لأن المبالغة فيه أشد. (مِنَ الْعَذْرَاءِ) بفتح العين المهملة، وسكون الذال المعجمة، فراء ممدودة، البكر سُمِّيت به لأن عذرتها بالضم، وهي جلدة بكارتها باقية، أو لضيقها من قولهم: تعذَّر الأمر إذا ضاق. (في خِدْرِهَا) في محل الحال: أي حال كونها كائنة في خدرها، أو في محل الصفة: أي الكائنة في خدرها، وهو بكسر الخاء المعجمة، وسكون الدال المهملة: ستر يُجعل لها إذا شبت وترعرعت بجنب البيت؛ لتنفرد فيه حتى عن النساء، وهي فيه أشد حياءً؛ (١) أخرجه مسلم (٦٧٧٨). (٢) أخرجه البخاري (٦١٠٢)، ومسلم (٦١٧٦). ٣٧٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر لأنها إذا كانت في سترها تكون أشد حياءً لسترها حتى عن النساء بخلاف إذا تعودت مخالطة الناس، فإنها حينئذٍ تكون قليلة الحياء؛ إذ الخلوة مظنة وقوع الفعل بها، فالمُراد الحالة التي تعتريها عند الدخول عليها، لا التي هي عليها حال الانفراد أو اجتماعها بمثلھا فیه. وفي الحديث أن الحياء من الأوصاف المحمودة ما لم ينتهِ إلى ضعفٍ أو جبنٍ، أو خروج عن الحق، أو ترك إقامة الحد، وإلا كان مذمومًا، وحياؤه ◌ٍَّ كان مبرأ عن ذلك كله. [المواهب المحمدية]. ٥٨١٤ - [وعَنْ عَائِشَةَ - رَضِي اللّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ مُسْتَجْمِعًا قَظُ ضَاحِكًا، حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ)). رَوَاهُ البُخَارِي](١). (مُسْتَجْمِعًا قَطْ ضَاحِكًا) فِي رِوَايَة الْكُثْمِيهَنِيّ ((مُسْتَجْمِعًا ضَحِكًا)) أي: مُبَالِغًا في الضَّحِك لَمْ يَتْرُك مِنْهُ شَيْئًا، يُقَال إِسْتَجْمَعَ السَّيْلِ: إِجْتَمَعَ مِنْ كُلّ مَوْضِع، وَاسْتَجْمَعَتْ لِلْمَرْءِ أُمُوره: اِجْتَمَعَ لَهُ مَا يُحِبّهُ، فَعَلَى هَذَا قَوْله ((صَاحِكًا)) مَنْصُوب عَلَى الثَّمْيِيز وَإِنْ كَانَ مُشْتَقًّا مِثْل لله دَرّه فَارِسًا أي: مَا رَأَيْته مُسْتَجْمِعًا مِنْ جِهَة الضَّحِك بِحَيْثُ يَضْحَكِ ضَحِكً تَامَّا مُقْبِلًا بِكُلِّيَّتِهِ عَلَى الضَّحِكِ، وَاللَّهَوَاتِ بِفَتْحِ اللََّم وَالْهَاءِ جَمْع ◌َهَاة وَهِيَ اللَّحْمَةِ الَّتِي بِأَعْلَى الْحُنْجَرَةِ مِنْ أَقْصَى الْفَم. [الفتح ٢٦٥/١٧]. ٥٨١٥ - [وعَنْهَا قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ گَسَرْدِكُمْ، كَانَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لِأَحْصَاهُ مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](٢). ٥٨١٦ - [وَعَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ - تَعْنِي: خِدْمَةَ أَهْلِهِ - فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ رَوَاهُ الْبُخَارِي](٣). (١) أخرجه البخاري (٦٠٩٢). (٢) أخرجه البخاري (٣٥٦٧)، ومسلم (٧٧٠١). (٣) أخرجه البخاري (٦٧٦). ٣٧٧ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله واله ٥٨١٧ - [وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطْ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ الله ◌َ لِنَفْسِهِ فِي شَيءٍ قَطْ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللهِ فَيَنْتَقِمُ للهِ بِهَا. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). ٥٨١٨ - [وَعَنْهَا قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِوَ﴾ لِنَفْسِهِ شَيْئًا قَظُ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءُ قَظُ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ فَيَنْتَقِمَ للّهِ بِهَا. رَوَاهُ مُسْلِمْ](٢). الفصل الثاني ٥٨١٩ - [عَنْ أَنَسِ قَالَ: خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ وَأَنَا ابْنُ ثَمَانِي سِنِينَ، خَدَمْتُهُ عَشْرِ سِنِيْنِ فَمَا لامَنِي عَلَى شَيْءٍ قَطْ أَتِيَ فِيْهِ عَلَى يَدَي، فَإِنْ لامَنِي لائِم مِنْ أَهْلِهِ قَالَ: (دَعُوهُ فَإِنَّهُ لَوْ قَضِيَ شَيْءٍ كَانَ)). هَذَا لَفْظُ ((المَصَابِيْح)) وَرَوَى الْبَيْهَقِي فِي ((شُعَبِ الإِيْمَانِ)) مَعَ تَغْيِير يَسِيْر](٣). ٥٨٢٠ - [وعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ رَسُول الله وَّ فَاحِشًّا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَلَا سَخَّابًا فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ رَوَاهُ التِّرْمِذِي](٤). (فَاحِشًا) أي ذا فحشٍ في أقواله وأفعاله وصفاته، وهو ما خرج عن مقداره حتى يستقبح، واستعماله في القول أکثر. (وَلَّا مُتَفَحِّشًا) أي كلفًا للفحش في ذلك: أي لم يعلم به الفحش طبعًا، ولا تكلفًا؛ لأن الصفة القائمة به من حيث التطبع وإن صدق أن كل متفحش فاحش، فلا يرد أن نفي القيام به من جهة الطبع نفي القيام به من جهة التطبع، وكذا عكسه، (١) أخرجه البخاري (٦٧٨٦)، ومسلم (٦١٩٠). (٢) أخرجه مسلم (٦١٩٥). (٣) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)) (١٩٤) بنحوه، ولم أقف عليه في ((المصابيح)). (٤) أخرجه الترمذي (٢١٤٨). ٣٧٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر فمن ثَمَّ تسلط النفي على كلٍّ منهما وهذا من بديع الكلام. (وَلَّا سَخَّابًا فِي الأَسْوَاقِ) أي صياحًا، مأخوذٌّ من السخب أو الصخب، وفي ((القاموس)): الصخب محركة: شدة الصوت، صخب كفرح فهو صخاب وهي صخبة وصخابة، انتهى. و(في) ظرفية، (الأَسْوَاقِ) مفرد السوق مؤنثة بدليل تصغيرها على سويقة، وتأنيثها لإرادة البقعة، أو لأن الواضع الأول جاء بها مؤنثة، واشتقاقها من سوق الأرزاق إليها أو من قيام الناس فيها على سوقهم. ٥٨٢١ - [وَعَنْ أَنَسِ، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ وَ أَنَّهُ كَانَ يَعُودُ الْمَرِيضَ، وَيَتَّبِعُ الْجِنَازَةَ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَوْمَ خَيْبَرَ عَلَى حِمَارٍ خِطَامُهُ لِيفٌّ. رَوَاهُ ابْنِ مَاجَه والبَيْهَِي فِي: ((شُعَبِ الإِيْمَانِ))](١). ٥٨٢٢ - [وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِِّ يَخْصِفُ نَعْلَهُ وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كَمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ، وَقَالَتْ: كَانَ بَشَرًّا مِنَ الْبَشَرِ، يَفْلِي ثَوْبَهُ وَيَحْلُبُ شَاتَهُ وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِي](٢). (كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ) مهدت به لما تذكره بعده؛ لأنها لما رأت من اعتقاد الكفار أنه لا يليق بمنصبه أن يفعل ما يفعله غيره من العامة، وجعلوه كالملوك، فإنهم يرفعونهم عن الأفعال العادية تكبرًا، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧]. فقالت لهم ردًّا عليهم: أنه كان خلقًا من خلق الله تعالى: أي واحد من أولاد بني آدم يعتريه ما يعتريهم من الاحتياج للمأكل والمشرب في السوق والمحن والضرورات، ومن الاشتغال بمهنة أهله ونفسه إرشادًا للتواضع، وترك الترفِّع لكنه مشرف بالوحي والنبوة، ومكرم بالمعجزات والرسالة. (١) أخرجه ابن ماجه (٢٣٨٤)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٩٦٦) بنحوه. (٢) أخرجه الترمذي في ((الشمائل المحمدية)) (٣٣٧). ٣٧٩ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في أخلاقه وشمائله وَاله (يَقْلِي تَوْبَهُ) وَلِّر بفتح المثناة التحتية، وسكون الفاء بعدها لام من باب رمى: أي يفتشه ليلتقط ما فيه من نحو قمل. (وَيَحْلُبُ) بضم اللام، ويجوز كسرها. (شَاتَهُ وَيَخْدُمُ) بضم الدال، وتُكسر (نَفْسَهُ) وَشـ وفيه الترغيب في التواضع وترك التكبر وخدمة الرجل نفسه وأهله. ولهذا قال سيدنا علي لسيدنا عمر - رضي الله تعالى عنهما -: يا أمير المؤمنين إن سرك أن تلحق بصاحبيك، فرقع القميص، ونكس الإزار، واخصف النعل، وقصر الأمل، وكل دون الشبع تلحق بهما. ٥٨٢٣ - [وعَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: دَخَلَ نَفَرُ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، فَقَالُوا لَهُ: حَدِّثْنَا أَحَادِيثَ رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ: كُنْتُ جَارَهُ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، بَعَثَ إِلَيَّ، فَكَتَبْتُهُ لَهُ، فَكَانَ إِذَا ذَكَرْنَا الدُّنْيَا، ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَا الآخِرَةَ، ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَا الطَّعَامَ ذَكَرَهُ مَعَنَا، فَكُّ هَذَا أُحدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ - رَوَاهُ التّزْمِذِي)(١). ٥٨٢٤ - [وَعَنْ أَنَسِ: (أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِيهِ كَانَ إِذَا صَافَحَ الرَّجُلَ، لَمْ يَنْزِعْ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَنْزِعُ يَدَهُ، وَلا يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ وَجْهِهِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ وَجْهِهِ، وَلَمْ يُرَ مُقَدِّمًا رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ يَدَيْ جَلِيسٍ لَّهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي)(٢). ٥٨٢٥ - [وعَنْهُ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ كَانَ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ)). رَوَاهُ التَّرْمِذِي](٣). (وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَالْ كَانَ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا) أي لا يجعل شيئًا ذخيرة. (لِغَدٍ) أي لنفسه، أما لعياله فيدخر لهم قوت سنة لضعف توكلهم، وبيانًا لجواز (١) أخرجه الترمذي في ((الشمائل المحمدية)) (٣٣٨). (٢) أخرجه الترمذي (٢٦٧٨). (٣) أخرجه الترمذي (٢٣٦٢). ٣٨٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر الادخار، لكنه يؤثر عليهم وعلى نفسه ذا الحاجة، فإذا جاءه محتاج صرف له ما ادخره، فلا تعارض بين ادخاره ومضيه زمنًا طويلاً، وليس عنده شيء له ولا لهم؛ فادخاره لم يكن لخشية العدم، بل لأجل الكرم. وفيه: أن عدم الادخارآية عظيم التوكُّل والإيثار، وهما من محاسن الأخلاق. ٥٨٢٦ - [وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَهِ طَوِيلَ الصَّمْتِ. رَوَاهُ فِي ((شَرْجِ السُّنَّةِ))](١). ٥٨٢٧ - [وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: كَانَ فِي كَلَامِ رَسُولِ اللهِ وَِّ تَرْتِيلُ وَتَرْسِيلٌّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](٢). ٥٨٢٨ - [وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ يَسْرُدُ سَرْدَكُمْ هَذَا، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ بَيْنَهُ فَصْلٌّ، يَخْفَظُهُ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ رَوَاهُ التِّرْمِذِي](٣). (مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَسْرُدُ) بضم الراء من باب قتل أي: يتابع الكلام ويستعجل فيه ويوالي بين جمل كلامه. قال في ((المصباح)): السرد: الإتيان بالحديث على الولاء. (سَرْدَكُمْ هَذَا) الذي تأتون فيه ببعض الحروف إثر بعض، فإنه يورث لبسًا على السامعين بل كان يفصل ويميز بينها، بحيث يمكن المستمع عدها، وهذا أدعى لحفظه ورسوخه في ذهن السامع، وهو مع ذلك يوضح مراده ويبينه بيانًا تامًّا، بحيث لا يبقى فيه شبهة. (وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ بَيْنَهُ) أي: ظاهر، (بَيْنَهُ) بصيغة الماضي. (يَحْفَظُهُ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ) أي: عنده لظهوره وتفاصيله وامتيازه عن غيره، والمُراد: من سمعه وإن لم يجلس، من أصغى إليه ولو من الكفار الذين لا رغبة لهم في (١) أخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (٤٣٤/٦). (٢) أخرجه أبو داود (٤٨٤٠). (٣) أخرجه الترمذي (٤٠٠٠).