النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحساب والقصاص والميزان
وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ](١).
الفصل الثالث
٥٥٦١ [عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ رَجُلُّ فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَي رَسُولِ اللهِ﴿ فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي مَمْلُوَكَيْنِ يُكْذِبُونَنِي وَيَخُونُونَنِي وَيَعْصُونَنِي، وَأَشْتُمُهُمْ وَأَضْرِبُهُمْ،
فَكَيْفَ أَنَا مِنْهُمْ؟ فَقَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمِ القِيَامَة يُحْسَبُ مَا خَانُوكَ وَعَصَوْكَ وَكَذَبُوكَ،
وَعِقَابُكَ إِيَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّهُمْ بِقَدْرٍ ذُنُوبِهِمْ كَانَ كَفَافًّا لَا لَكَ وَلَا عَلَيْكَ، وَإِنْ
كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ دُونَ ذُنُوبِهِمْ كَانَ فَضْلاً لَكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ فَوْقَ ذُنُوبِهِمُ
اقْتُصَّ لَهُمْ مِنْكَ الْفَضْلُ)) فَتَنَخَّى الرَّجُلُ وَجَعَلَ يَهْتِفُ وَيَبْكِي فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: (أَمَا
تَقْرَأُ قَوْل الله تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسُّ شَيْئًا وَإِن
كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا
رَسُولَ اللهِ، مَا أَجِدُ لِي وَلِهَؤُلَاءِ شَيْئًا خَيْرًا مِنْ مُفَارَقَتِهِمْ، أَشْهِدُكُمْ أَنَّهُمْ أَحْرَارَ كُلَّهُمْ)).
رَوَاهُ التِّزْمِذِي](٢).
٥٥٦٢ - [وَعَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُول الله ◌َيْهِ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ: ((اللَّهُمَّ
حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا) قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، مَا الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ قَالَ: ((أَنْ يَنْظُرَ فِي كِتَابِهِ
فَيَتَجَاوَزَ عَنْهُ، إِنَّهُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَئِذٍ يَا عَائِشَةُ هَلَكَ)). رَوَاهُ أَحْمَد](٣).
٥٥٦٣ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيْدِ الْخُدَرِي أَنَّهُ أَتَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَقَالَ: أُخْبِرْنِي مَنْ
يَقْوَى عَلَى القِيَامِ يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِي قَالَ اللهُ رَّ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ﴾
[المطففين: ٦] فَقَالَ: ((يُخَفَّفُ عَلَى المُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهِ كَالصَّلاةِ المَكْتُوْبَة))](٤).
(١) أخرجه أبو داود (٤٧٥٥) والبيهقي في ((الاعتقاد)) (٢١٠/١) والحاكم (٨٧٢٢).
(٢) أخرجه الترمذي (٣١٦٥) وقال: غريب، وأحمد (٢٦٤٤٤) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٨٥٨٦).
(٣) أخرجه وأحمد (٢٤٢٦١)، وابن حبان (٧٣٧٢) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٧٠)، والحاكم
(٩٣٦) وقال: صحيح على شرط مسلم، وإسحاق بن راهويه (٩٠٩) وابن خزيمة (٨٤٩).
(٤) لم أقف عليه.
٢٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
٥٥٦٤ [وَعَنْهُ قَالَ: ((سُئِلَ رَسُولُ اللهِوَلِّ عَنْ: ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ
سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] مَا طُوْل هَذَا الْيَوْمِ؟ فَقَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلَى المُؤْمِنِ
حَتَّى يَكُونَ أَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنِ الصَّلاةِ المَكْتُوْبَةِ يُصَلِّيْهَا فِي الدُّنْيَا)). رَوَاهُمَا البَيْهَقِي فِي
كِتَابٍ: (الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ)](١).
٥٥٦٥ - [وَعَنْ أَسْمَاء بِنْتِ يَزِيْد، عَنْ رَسُولِ اللهِوَه قَالَ: ((يُحْشَرِ النَّاسُ فِي
صَعِيْدٍ وَاحِدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُنَادِي مُنَادٍ فَيَقُولِ: أَيْنَ الَّذِيْنَ كَانَتْ تَتَجَافَى جُنُوبُهْم عَن
المَضَاجِعِ؟ فَيَقُومُونَ وَهُمْ قَلِيْلُ، فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ، ثُمَّ يُؤمَر لِسَائِرِ النَّاسِ
إِلى الْحِسَابِ)). رَوَاهُ البَيْهَِي فِي: (شُعَبِ الإِيْمَانِ))](٢).
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)) (٣٠٩٧).
باب الحوض والشفاعة
الفصل الأول
٥٥٦٦ - [عَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ:(بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ، إِذَا أَنَا بِنَهَرٍ
حَافَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ الْمُجَوَّفِ، قُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ
رَبُّكَ، فَإِذَا طِينُهُ مِسْكُ أَذْفَرُ)). رَوَاهُ البُخَارِي)](١).
٥٥٦٧ - [وعَنِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((حَوْضِي مَسِيرَةُ
شَهْرٍ، وَزَوَايَاهُ سَوَاءُ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ الْلبْنِ، وَرِيحُهُ أَظْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومٍ
السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَا يَظْمَأْ أَبَدًّا)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
(حَوْضِي مَسِيرَة شَهْر وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ) فِي تَقْدِير مَسَافَة الْحَوْض عَلَى اِخْتِلَاف
الْعَرْضِ وَالطُّول أُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ إِخْتِلَافًا كَثِيرًا فَوَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس: ((كَمَا بَيْنِ أَيْلَةَ
وَصَنْعَاء مِن الْيَمَنِ) وَأَيْلَةِ مَدِينَة كَانَتْ عَامِرَة وَهِيَ بِطَرَفِ نَجْرِ الْقُلْزُم مِنْ طَرَف الشَّام
وَهِيَ الْآَنَ خَرَابِ يَمُرّ بِهَا الْحَاجَ مِنْ مِصْرِ فَتَكُون شَمَالِيَّهُمْ وَيَمُرّ بِهَا الْحَاجٌ مِنْ غَزَّة
وَغَيْرِهَا فَتَكُونِ أَمَامِهِمْ، وَيَجْلِبُونَ إِلَيْهَا الْمِيرَة مِن الْكُرْكِ وَالشَّوْبَكِ وَغَيْرِهِمَا يَتَلَقَّوْنَ
بِهَا الْحَاجّ ذَهَابًا وَإِيَابًا، وَإِلَيْهَا تُنْسَب الْعَقَبَةِ الْمَشْهُورَةِ عِنْدِ الْمِصْرِيِّينَ، وَبَيْنِهَا وَبَيْن
الْمَدِينَة التَّبَوِيَّة نَحْوِ الشَّهْرِ بِسَيْرِ الْأَثْقَال إِن اِقْتَصَرُوا كُلَّ يَوْمٍ عَلَى مَرْحَلَةٍ وَإِلَّا فَدُون
ذَلِكَ، وَهِيَ مِنْ مِصْر عَلَى أَكْثَر مِن النَّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يُصِبْ مَنْ قَالَ مِن الْمُتَقَدِّمِينَ
إِنَّهَا عَلَى النَّصْف مِمَّا بَيْنِ مِصْر وَمَكَّة بَلْ هِيَ دُون الثُّلُثِ فَإِنَّهَا أَقْرَب إِلَى مِصْرِ. وَنَقَلَ
عِيَاض عَنْ بَعْض أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ أَيْلَةَ شِعْب مِنْ جَبَلِ رَضْوَى الَّذِي فِي يَنْبُع، وَتُعُقِّبَ
بِأَنَّهُ إِسْمَ وَافَقَ إِسْمَا، وَالْمُرَادِ بِأَيْلَةَ فِي الْخَبَرِ هِيَ الْمَدِينَةِ الْمَوْصُوفَة آنِفًا، وَقَدْ ثَبَتَ ذِكْرُهَا
(١) أخرجه البخاري (٤٦٨٠)، والترمذي (٣٣٦٠) وقال: حسن صحيح، وأحمد (١٣١٧٩)، وابن حبان
(٦٤٧٤)، وعبد بن حميد (١١٨٩)، وأبو يعلى (٢٨٧٦).
(٢) أخرجه البخاري (٦٢٠٨)، ومسلم (٢٢٩٢)، وابن حبان (٦٤٥٢).
- ٢٢٣ -
٢٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
فِي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) فِي قِصَّة غَزْوَة تَبُوكِ، وَفِيهِ: ((أَنَّ صَاحِب أَيْلَةَ جَاءَ إِلَى رَسُول الله
وَصَالحَهُ».
وَأَمَّا صَنْعَاء فَإِنَّمَا قُيِّدَتْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِالْيَمَنِ إِحْتِرَارًا مِنْ صَنْعَاءِ الَّتِي بِالشَّامِ،
وَالْأَصْلِ فِيهَا صَنْعَاءُ الْيَمَن لَمَّ هَاجَرَ أَهْلِ الْيَمَن فِي زَمَن عُمَر عِنْدِ فَتُوحَ الشَّامِ نَزَلَ
أَهْلِ صَنْعَاء فِي مَكَان مِنْ دِمَشْقِ فَسُمِّيَ بِاسْمِ بَلَدِهِمْ، فَعَلَى هَذَا فَمِنْ فِي قَوْله فِي هَذِهِ
الرِّوَايَة مِن الْيَمَنِ: إِنْ كَانَت إِبْتِدَائِيَّةً فَيَكُونِ هَذَا اللَّفْظِ مَرْفُوعًا وَإِنْ كَانَتْ بَيّانِيَّة
فَيَكُون مُدْرَجًا مِنْ قَوْل بَعْض الرُّوَاة وَالظَّاهِرِ أَنَّهُ الزُّهْرِيُّ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث جَابِرِ بْن
سَمُرَةٍ أَيْضًا ((كَمَا بَيْنِ صَنْعَاء وَأَيْلَة)) وَفِي حَدِيث حُذَيْفَةٍ مِثْله لَكِنْ قَالَ ((عَدَن)) بَدَلَ
صَنْعَاءِ، وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةِ (أَبْعَدِ مِنْ أَيْلَةَ إِلَى عَدَن)) وَعَدَن بِفَتْحَتَيْنِ بَلَّد مَشْهُور
عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فِي أَوَاخِرِ سَوَاحِلِ الْيَمَنِ وَأَوَائِلِ سَوَاحِل الْهِنْدِ وَهِيَ تُسَامِتِ صَنْعَاءِ
وَصَنْعَاء فِي جِهَةِ الْجِبَالِ، وَفِي حَدِيث أَبِي ذَرّ: ((مَا بَيْنِ عُمَان إِلَى أَيْلَةَ)) وَعُمَان بِضَمِّ
الْمُهْمَلَةِ وَتَّخَفِيف النُّونِ بَلَد عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِنْ جِهَةِ الْبَحْرَيْنِ، وَفِي حَدِيث أَبِي بُرْدَة
عِنْد إِبْنِ حِبَّان: ((مَا بَيْنِ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كَمَا بَيْن أَيْلَةَ وَصَنْعَاء مَسِيرَة شَهْر)) وَهَذِهِ
الرِّوَايَات مُتَقَارِبَة ◌ِأَنَّهَا كُلّهَا نَحْوِ شَهْر أَوْ تَزِيد أَوْ تَنْقُص. وَوَقَعَ فِي رِوَايَات أُخْرَى
التَّحْدِيدِ بِمَا هُوَ دُون ذَلِكَ: فَوَقَعَ فِي حَدِيث عُقْبَة إِبْنِ عَامِر عِنْدِ أَحْمَد ((كَمَا بَيْنِ أَيْلَةَ
إِلَى الْجُحْفَةِ)) وَفِي حَدِيث جَابِرٍ: ((كَمَا بَيْنِ صَنْعَاء إِلَى الْمَدِينَة)) وَفِي حَدِيث ثَوْبَانَ: «مَا
بَيْنِ عَدَن وَعَمَّان الْبَلْقَاء)) وَنَحْوِه لِاِبْنٍ حِبَّن عَنْ أَبِي أُمَامَةَ. وَعَمَّن هَذِهِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة
وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ لِلْأَكْثَرِ وَحُكِيَ تَخْفِيفِهَا، وَتُنْسَبِ إِلَى الْبَلْقَاء لِقُرْبِهَا مِنْهَا. وَالْبَلْقَاء: بِفَتْحِ
الْمُوَحَّدَة وَسُكُونِ اللََّم بَعْدهَا قَاف وَبِالْمَدِّ بَلْدَة مَعْرُوفَة مِنْ فِلَسْطِين، وَعِنْد
عَبْد الرَّزَّاق فِي حَدِيث ثَوْبَانَ: ((مَا بَيْنِ بُصْرَى إِلَى صَنْعَاء أَوْ مَا بَيْنِ أَيْلَةَ إِلَى مَكَّة)»
وَبُصْرَى بِضَمِّ الْمُوَخَّدَةِ وَسُكُون الْمُهْمَلَةِ بَلَد مَعْرُوفٍ بِطَرَفِ الشَّامِ مِنْ جِهَةِ الْحِجَاز
تَقَدَّمَ ضَبْطَهَا فِي بَدْء الْوَحْي، وَفِي حَدِيث عَبْد الله بْن عَمْرو عِنْد أَحْمَد «بُعْد مَا بَيْنِ
مَكَّةٍ وَأَيْلَةٍ)) وَفِي لَفْظِ: (مَا بَيْن مَكَّة وَعَمَّان)) وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة بْنِ أَسِيدٍ: «مَا بَيْن
٢٢٥
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحوض والشفاعة
صَنْعَاء إِلَى بُصْرَى)) وَمِثْله لِاِبْنِ حِبَّانِ فِي حَدِيث عُتْبَةَ بْن عَبْد، وَفِي رِوَايَة الْحَسَنَ عَنْ
أَنَسِ عِنْد أَحْمَد («كَمَا بَيْنِ مَكَّة إِلَى أَيْلَةَ أَوْ بَيْنِ صَنْعَاء وَمَكَّة)) وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد
عِنْد إِبْنِ أَبِي شَيْبَةٍ وَابْنِ مَاجَه: ((مَا بَيْنِ الْكَعْبَةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِس)) وَفِي حَدِيث عُتْبَةَ بْن
عَبْد عِنْدِ الطَّبَرَانِيِّ ((كَمَا بَيْنِ الْبَيْضَاء إِلَى بُصْرَى)) وَالْبَيْضَاءِ بِالْقُرْبِ مِنِ الرَّبَذَةِ الْبَلَد
الْمَعْرُوفِ بَيْنِ مَكَّة وَالْمَدِينَةِ، وَهَذِهِ الْمَسَافَاتِ مُتَقَارِبَة وَكُلّهَا تَرْجِع إِلَى نَحْوِ نِصْف شَهْر
أَوْ تَزِيدِ عَلَى ذَلِكَ قَلِيلًا أَوْ تَنْقُص، وَأَقَلّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فِي
حَدِيث اِبْن عُمَر مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْنِ بِشْرِ عَنْ عُبَيْد الله بْن عُمَر بِسَنَدِهِ، وَزَادَ قَالَ: قَالَ
عُبَيْدِ اللّه فَسَأَلَتْهُ، قَالَ: قَرْيَتَانِ بِالشَّامِ بَيْنِهِمَا مَسِيرَةٍ ثَلَاثَة أَيَّامٍ، وَنَحْوِه لَهُ فِي رِوَايَة
عَبْد الله بْن نُمَيْر عَنْ عُبَيْد الله بْن عُمَر لَكِنْ قَالَ: ((ثَلَاث لَيَالٍ)).
وَقَدْ جَمَعَ الْعُلَمَاءِ بَيْنِ هَذَا الإِخْتِلَافِ فَقَالَ عِيَاض: هَذَا مِن إِخْتِلَافِ التَّقْدِير
لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعِ فِي حَدِيث وَاحِدٍ فَيُعَدّ إِضْطِرَابًا مِن الرُّوَاةِ وَإِنَّمَا جَاءَ فِي أَحَادِيثَ
مُخْتَلِفَةٍ عَنْ غَيْرٍ وَاحِدٍ مِن الصَّحَابَة سَمِعُوهُ فِي مَوَاطِنَ مُخْتَلِفَةٍ، وَكَانَ النَّبِيّ ◌َِّّ يَضْرِب فِي
كُلّ مِنْهُمَا مَثَلًا لِيُعْدِ أَقْطَارَ الْخَوْضَ وَسَعَنْهُ بِمَا يَسْنَحِ لَهُ مِن الْعِبَارَةِ وَبِقُرْبِ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ
بِبُعْدِ بَيْنِ الْبِلَادِ النَّائِيَة بَعْضِهَا مِنْ بَعْض لَا عَلَى إِرَادَة الْمَسَافَةِ الْمُحَقَّقَة، قَالَ فَبِهَذَا
يُجْمَعِ بَيْنِ الْأَلْفَاظِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى اِنْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَفِيهِ: نَظَرُ مِنْ جِهَةٍ أَنَّ ضَرْبِ الْمَثَلِ وَالتَّقْدِيرِ إِنَّمَا يَكُون فِيمَا يَتَقَارَبُ، وَأَمَّا
هَذَا الإِخْتِلَافِ الْمُتَبَاعِدِ الَّذِي يَزِيد تَارَة عَلَى ثَلَائِينَ يَوْمًا وَيَنْقُصِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامِ فَلَا.
قَالَ الْقُرْطُِيّ: ظَنَّ بَعْض الْقَاصِرِينَ أَنَّ الإِخْتِلَاف فِي قَدْر الْحَوْضِ إِضْطِرَاب
وَلَيْسَ كَذَلِكَ، ثُمَّ نَقَلَ كُلَامِ عِيَاضِ وَزَادَ: وَلَيْسَ إِخْتِلَافًا بَلْ كُلّهَا تُفِيد أَنَّهُ كَبِيرٍ مُتَسِع
مُتَبَاعِد الْجَوَانِبِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَعَلَّ ذِكْرِه لِلْجِهَاتِ الْمُخْتَلِفَة بَحَسَبٍ مَنْ حَضَرَهُ مِمَّنْ
يَعْرِفِ تِلْكَ الْجِهَةِ فَيُخَاطِبِ كُلَّ قَوْمٍ بِالْجِهَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا.
وَأَجَابَ النَّوَوِيّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذِكْرِ الْمَسَافَةِ الْقَلِيلَةِ مَا يَدْفَعِ الْمَسَافَةِ الْكَثِيرَةِ
فَالْأَكْثَرِ ثَابِت بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَلَا مُعَارَضَةَ.
٢٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
وَحَاصِله: أَنَّهُ يُشِير إِلَى أَنَّهُ أَخْبَرَ أَوَّلَّا بِالْمَسَافَةِ الْيَسِيرَةِ ثُمَّ أُعْلِمَ بِالْمَسَافَةِ
الطَّوِيلَةِ فَأَخْبِرُهُ بِهَا كَأَنَّ اللّه تَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِإِنِّسَاعِهِ شَيْئًا بَعْدِ شَيْءٍ فَيَكُون الإِعْتِمَاد
عَلَى مَا يَدُلّ عَلَى أَظْوَلِهَا مَسَافَةٍ. وَتَقَدَّمَ قَوْل مَنْ جَمَعَ الإِخْتِلَاف بِتَفَاؤُتِ الُولِ وَالْعَرْض
وَرَدَّهُ بِمَا فِي حَدِيث عَبْدِ الله بْن عَمْرو ((زَوَايَاهُ سَوَاء)) وَوَقَعَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْن
سَمْعَانِ وَجَابِرٍ وَأَبِي بَرْزَة وَأَبِي ذَرّ «طُوله وَعَرَضَهُ سَوَاء ((وَجَمَعَ غَيْرِهِ بَيْنِ الإِخْتِلَافَيْنِ
الْأَوَّلِينَ بِاخْتِلَافِ السَّيْرِ الْبَطِيءِ وَهُوَ سَيْرِ الْأَثْقَالِ وَالسَّيْرِ السَّرِيعِ وَهُوَ سَيْرِ الرَّاكِب
الْمُخِفّ وَيُحْمَلِ رِوَايَة أَقَلّهَا وَهُوَ الثَّلاث عَلَى سَيْرِ الْبَرِيدِ فَقَدْ عُهِدَ مِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ
مَسَافَة الشَّهْرِ فِي ثَلَاثَة أَيَّامِ وَلَوْ كَانَ نَادِرًا جِدًّا، وَفِي هَذَا الْجَوَاب عَنِ الْمَسَافَة الْأَخِيرَة
نَظَرَّ وَهُوَ فِيمَا قَبْلَهُ مُسَلَّم وَهُوَ أَوْلَى مَا يُجْمَع بِهِ، وَأَمَّا مَسَافَة الثَّلاث، فَإِنَّ الْحَافِظ
ضِيَاءِ الدِّينِ الْمَقْدِسِيَّ ذَكَرَ فِي الْجُزْءِ الَّذِي جَمَعَهُ فِي الْحَوْضِ أَنَّ فِي سِيَاق لَفْظَهَا غَلَطًا
وَذَلِكَ الإِخْتِصَارِ وَقَعَ فِي سِيَاقِه مِنْ بَعْض رُوَاتِهِ، ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة
وَأَخْرَجَهُ مِنْ ((فَوَائِد عَبْد الْكَرِيمِ بْنِ الْهَيْثَمِ الذَّيْرِعَاقُوِيّ» بِسَنَدٍ حَسَنٍ إِلَى أَبِي هُرَيْرَة
مَرْفُوعًا فِي ذِكْر الْخَوْض فَقَالَ فِيهِ ((عَرْضِه مِثْل مَا بَيْنكُمْ وَبَيْن جَرْبَاء وَأَذْرَح)) قَالَ
الضّيَاءِ: فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّهُ وَقَعَ فِي حَدِيث اِبْنِ عُمَر حَذْفِ تَقْدِيرِهِ كَمَا بَيْنِ مَقَامِي وَبَيْن
جَرْبَاء وَأَذْرَح، فَسَقَطَ مَقَامِي وَبَيْن.
وَقَالَ الْحَافِظِ صَلَاحِ الدِّينِ الْعَلَائِيُّ: بَعْد أَنْ حَكَّى قَوْل اِبْنِ الْأَثِيرِ فِي («النَّهَايَة)):
هُمَا قَرْيَتَانِ بِالشَّامِ بَيْنِهِمَا مَسِيرَةٍ ثَلَاثَة أَيَّامِ، ثُمَّ غَلَّطَهُ فِي ذَلِكَ وَقَالَ: لَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ
بَيْنِهمَا غَلْوَةِ سَهْم وَهُمَا مَعْرُوفَتَانِ بَيْنِ الْقُدْسِ وَالْكَرْكِ، قَالَ: وَقَدْ ثَبَتَ الْقَدْر
الْمَحْذُوفِ عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْرِهِ بِلَفْظِ: (مَا بَيْن الْمَدِينَة وَجَرْبَاء وَأَذْرَح)).
قُلْت: وَهَذَا يُوَافِقِ رِوَايَة أَبِي سَعِيد عِنْدِ إِبْن مَاجَه «كَمَا بَيْنِ الْكَعْبَة وَبَيْت
الْمَقْدِس)) وَقَدْ وَقَعَ ذِكْرِ جَرْبَاء وَأَذْرَحِ فِي حَدِيث آخَر عِنْد مُسْلِمٍ وَفِيهِ: ((وَاقَى أَهْلِ
جَرْبَاء وَأَذْرَح بِحَرَسِهِمْ إِلَى رَسُول اللّه ◌َ)) ذَكَرَهُ فِي غَزْوَة تَبُوك، وَهُوَ يُؤَيِّد قَوْل الْعَلَائِيّ
أَنَّهُمَا مُتَقَارِبَتَانِ. وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ رَجَعَ جَمِيعِ الْمُخْتَلِفِ إِلَى أَنَّهُ لِاخْتِلَافِ السَّيْرِ الْبَطِيء
٢٢٧
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحوض والشفاعة
وَالسَّيْرِ السَّرِيعِ، وَسَأَحْكِي كَلَامِ إِبْنِ التِّينِ فِي تَقْدِيرِ الْمَسَافَة بَيْنِ جَرْبَاءِ، وَأَذْرَح فِي شَرْح
الْحَدِيث السَّادِسَ عَشَرَ، والله أَعْلَم.
(مَاؤُهُ أَبْيَض مِنِ اللَّبَنِ) قَالَ الْمَازِرِيُّ: مُقْتَضَى كَلَام النُّحَاةِ أَنْ يُقَالِ أَشَدُّ بَيَاضًا
وَلَا يُقَالَ أَبْيَض مِنْ كَذَا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ فِي الشِّعْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ بِقِلَّةٍ وَيَشْهَدْ لَهُ
هَذَا الْحَدِيث وَغَيْرِهِ.
قُلْت: وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُونِ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ، فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أَبِي ذَرّ عِنْد
مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: أَشَدّ بَيَاضًا مِن اللَّبَنِ، وَكَذَا لِإِبْنِ مَسْعُودٍ عِنْد أَحْمَد، وَكَذَا لِأَبِي أُمَامَةَ عِنْد
إِبْن أَبِي عَاصِم.
(وَرِيحِهِ أَظْيَبِ مِن الْمِسْكِ) فِي حَدِيث اِبْنِ عُمَر عِنْدِ التِّرْمِذِيّ ((أَظْيَب رِيحًا مِن
الْمِسْك)» وَمِثْله فِي حَدِيث أَبِ أُمَامَةَ عِنْد اِبْن حِبَّان رَائحة وَزَادَ اِبْن أَبِي عَاصِم وَابْن أَبِي
الدُّنْيَا فِي حَدِيث بُرَيْدَةَ((وَأَلْيَن مِن الزُّبْدِ) وَزَادَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ وَثَوْبَان ((وَأَحْلَى
مِن الْعَسَل)) وَمِثْلِه ◌ِأَحْمَد عَنْ أُبَيّ بْنِ كَعْب، وَلَهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ((وَأَحْلَى مَذَاقًا مِن
الْعَسَل)) وَزَادَ أَحْمَدٍ فِي حَدِيث اِبْنِ عَمْرو مِنْ حَدِيث اِبْنِ مَسْعُود ((وَأَبْرَدِ مِن الشَّلْجِ)) وَكَذَا
فِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَة، وَعِنْدِ الْبَزَّارِ مِنْ رِوَايَة عَدِيّ بْنِ ثَابِت عَنْ أَنَس، وَلِأَّبِي يَعْلَى مِنْ
وَجْهَ آخَر عَنْ أَنَس وَعِنْدِ التِّرْمِذِيّ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر ((وَمَاؤُهُ أَشَدُّ بَرْدًا مِن الشَّلْجِ)).
(وَكِيزَانِه كَنُجُومِ السَّمَاء) فِي حَدِيث أَنَس: ((وَفِيهِ مِن الْأَبَارِيقِ كَعِدَّةٍ نُجُوم
السَّمَاء)» وَلِأَحْمَدِ مِنْ رِوَايَةِ الْحُسَن عَنْ أَنَس: ((أَكْثَر مِنْ عَدَد نُجُومِ السَّمَاء» وَفِي حَدِيث
الْمُسْتَوْرِد: ((فِيهِ الْآنِيَّةِ مِثْلِ الْكَوَاكِب) وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق مُوسَى بْنِ عُقْبَة عَنْ نَافِعِ
عَنِ إِبْنِ عُمَر ((فِيهِ أَبَارِيقُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ)).
(مَنْ شَرِبَ مِنْهُ) أي: مِن الْكِيزَانِ، وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ ((مَنْ شَرِبَ مِنْهُ)) أي:
مِن الْحَوْض. (فَلَا يَظْمَأْ أَبَدًا) فِي حَدِيث سَهْلِ بْنِ سَعْد (مَنْ مَرَّ عَلِيّ شِرْب وَمَنْ شَرِبَ لَمْ
يَظْمَأْ أَبَدًّا)) وَفِي رِوَايَة مُوسَى إِبْن عُقْبَةِ: ((مَنْ وَرَدَهُ فَشَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدِهَا أَبَدًا)) وَهَذَا
يُفَسِّرِ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ((مَنْ مَرَّ بِهِ شَرِبَ)) أي: مَنْ مَرَّ بِهِ فَمُكِّنَ مِنْ شُرْبِه فَشَرِبَ لَا يَظْمَأ
٢٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
أَوْ مَنْ مُكْنَ مِن الْمُرُورِ بِهِ شَرِبَ، وَفِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ ((وَلَمْ يَسْوَدَّ وَجْهُهُ أَبَدًا)) وَزَادَ
إِبْن أَبِي عَاصِمٍ فِي حَدِيث أُبَيّ بْنِ كَعْب ((مَنْ صُرِفَ عَنْهُ)) لَمْ يُرْوَ أَبَدًا ((وَوَقَعَ فِي حَدِيث
النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَان عِنْدِ إِبْن أَبِي الدُّنْيَا ((أَوَّل مَنْ يَرِدِ عَلَيْهِ مَنْ يَسْقِي كُلّ عَطْشَان))
[الفتح ٤٢٥/١٨].
٥٥٦٨ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((إِنَّ حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ
عَدَنٍ، لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ، وَلَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ
النُّجُومِ، وَإِّ لَأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ)) قَالُوا: يَا
رَسُولَ اللهِ، أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ، لَكُمْ سِيمَاء لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الأَمَمِ، تَرِدُونَ عَلَّ
غُرَّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوء)) . رَوَاهُ مُسْلِمْ](١).
٥٥٦٩ . [وَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ أَنَس قَالَ: ((تُرَى فِيهِ أَبَارِيقُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَعَدَدٍ
نُجُومِ السَّمَاءِ))](٤).
٥٥٧٠ - [وَفِي أَخْرَى لَهُ عَنْ ثَوْبَانِ قَالَ: ((سُئِلَ عَنْ شَرَابِهِ فَقَالَ: ((أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ
اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، يَغُتُّ فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ،
وَالآخَرُ مِنْ وَرِقٍ))](٣).
٥٥٧١ - [وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى
الْخَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأُ أَبَدًّا، لَيَرِدَنَّ عَلَّ أَقْوَامُ أَعْرِفُهُمْ
وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، فَأَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا
بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًّا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٤).
(١) أخرجه مسلم (٦٠٤).
(٢) أخرجه مسلم (٢٣٠٣)، وأحمد (١٣٣١٨)، وابن ماجه (٤٣٠٤)، وابن حبان (٦٤٤٨)، والطيالسي
(١٩٩٣).
(٣) أخرجه مسلم (٢٣٠١)، وأحمد (٢٢٤٧٩)، وابن حبان (٦٤٥٦).
(٤) أخرجه البخاري (٦٢١٢)، ومسلم (٢٢٩٠)، وأحمد (٢٢٨٧٣).
٢٢٩
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحوض والشفاعة
٥٥٧٢ . [وعَنْ أَنّسِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: «يُحْبَسُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُهِنُّوا
بِذَلِكَ فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحُنَا مِنْ مَكَانِنَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ
آدَمُ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ
أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ
- وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ: أَكْلَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا - وَلَكِنِ اثْتُوا نُوحًا
أَوَّلَ نَبِيِّ بَعَثَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ
خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ: سُؤَالَهُ رَبَّهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ - وَلَكِنِ اثْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ، قَالَ:
فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ: إِي لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ ثَلَاثَ كَلِمَاتٍ كَذَبَهُنَّ - وَلَكِنِ
اثْتُوا مُوسَى عَبْدًا آتَاهُ اللهُ الثَّوْرَاةَ، وَكَلَّمَهُ وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا، قَالَ: فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: إِنِّي
لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ: قَتْلَهُ النَّفْسَ - وَلَكِنِ اثْتُوا عِيسَى
عَبْدَ الله وَرَسُولَهُ، وَرُوحَ الله وَكَلِمَتَهُ)) قَالَ: «فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ،
وَلَكِنِ اثْتُوا مُحَمَّدًا عَبْدًا غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ)) قَالَ: ((فَيَأْتُونِي
فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِي فِي دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا
شّاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي فَيَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَ)) قَالَ:
(فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَتْنِي عَلَى رَبِي بِتَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَع فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأَخْرُجُ،
فأخرِجَهُم مِن النَّارِ وَأَدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الثَّانِيَةِ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِي فِي دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِي
عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ،
وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهُ)) قَالَ: ((فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُتْنِي عَلَى رَبِي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ
يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ
الثَّالِئَةَ، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا
شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ)) قَالَ:
(فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَثْنِي عَلَى رَبِي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ
فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّ مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ؛ أي:
٢٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ، ثُمَّ ثَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مُحْمُودًا﴾
[الإسراء: ٧٩] قَالَ: وَهَذَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وُعِدَهُ نَبِيُّكُمْ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا يُوهِمِ الْمَكَان والله مُنَزَّهُ عَنْ ذَلِكَ،
وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ فِي دَارِهِ الَّذِي إِنَّخَذَهَا لِأَوْلِيَائِهِ وَهِيَ الْجَنَّة وَهِيَ دَارِ السَّلَامِ، وَأُضِيفَتْ إِلَيْهِ
إِضَافَة تَشْرِيف مِثْلِ بَيْتِ الله وَحَرَم الله.
وقال ابن بطال: فداره جنته، ولا تعلق فيه للمجسمة أنه تعالى في مكان؛ لأن
قوله: (في داره) يحتمل أن تكون هذه الإضافة لله إضافة إلى نفسه تعالى من أفعاله،
ويحتمل أن يكون قوله: (في داره) راجعًا إلى النبي تأويله: (فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ)
فالظرف والمكان هاهنا للنبي ول لا لله تعالى لقيام الدليل على استحالة حلوله في
المواضع.
٥٥٧٣ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ
بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ إِلَى رَبِّكَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ
عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ
عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللهِ، فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ
بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ
بِمُحَمَّدٍ، فَيَأْتُوِي فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِي فَيُؤْذَنُ لِي وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا
لَا تَحْضُرُفِ الآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ،
وَقُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهِ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي ◌ُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ
مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ
الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ازْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَه،
وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ
(١) أخرجه البخاري (٤٢٠٦) ومسلم (١٩٣) وأحمد (٢١٧٤) والنسائي في ((الكبرى)) (١١٢٤٣) وابن
ماجه (٤٣١٢) وابن حبان (٦٤٦٤) والطيالسي (٢٠١٠) وعبد بن حميد (١١٨٦).
٢٣١
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحوض والشفاعة
مِثْقَالُ ذَرَّةٍ أَوْ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ
أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهِ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ،
فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي ◌ُمَّتِي، فَيَقَال: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالٍ
حَبَّةٍ خَرْدَلة مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَحْمَدُهُ
بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ
تُعْطَةْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَّهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ
لَكَ وَلَكِن وَعِزَِّي وَجَلَالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي، لأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلََّ اللهُ)).
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
٥٥٧٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ
مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ)). رَوَاهُ البُخَارِي](٤).
٥٥٧٥ - {وَعَنْهُ قَالَ: أَتِيَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ
مِنْهَا نَهْسَةً ثُمَّ قَالَ: ((أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ﴾
[المطففين: ٦] وَتَدْنُو الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ، فَيَقُولُ
النَّاسُ: أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَأْتُونَ آدَمَ)) وَذَكَرَ حَدِيْثِ الشَّفَاعَةِ
وَقَالَ: ((فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّيَ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَّ مِنْ مَحَامِدِهِ
وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلٍ، ثُمَّ قَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ
تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: يَا نُحَمَّدُ
أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ
النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ)) ثُمَّ قَالَ: ((وَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ
مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَّةَ وَهَجَر)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣).
(١) أخرجه البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (٥٠٠).
(٢) أخرجه البخاري (٩٩)، وأحمد (٨٨٤٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٨٤٢).
(٣) أخرجه البخاري (٤٤٣٥)، ومسلم (١٩٤)، والترمذي (٢٤٣٤)، وأحمد (٩٦٢١)، والنسائي في
=
٢٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
(إِنَّ مَا بَيْنِ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّة كَمَا بَيْنِ مَكَّة وَهَجَر) الْمِصْرَاعَانِ:
بِكَسْرِ الْمِيم جَانِبَا الْبَابِ (وَهَجَر) بِفَتْحِ الْهَاء وَالْحِيمِ وَهِيَ مَدِينَة عَظِيمَة هِيَ قَاعِدَة
بِلَادِ الْبَحْرَيْنِ، قَالَ الْجُوْهَرِيّ فِي ((صِحَاحه): هَجَر: اِسْمِ بَلَد مُذَكَّر مَصْرُوف قَالَ:
وَالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ هَاجِرِيّ، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيّ فِي «الْجُمَل)): (هَجَر) يَذَكَّر وَيُؤَنَّث.
قال النووي: وَهَجَرِ هَذِهِ غَيْرِ هَجَرِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيث ((إِذَا بَلَغَ الْمَاءِ قُلَّتَيْنِ
بِقِلَالِ هَجَر (تِلْكَ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْمَدِينَة كَانَتِ الْقِلَالِ تُصْنَع بِهَا وَهِيَ غَيْرِ مَصْرُوفَة.
٥٥٧٦ - [وعَنْ حُذَيْفَةَ فِي حَدِيْثِ الشَّفَاعَة عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((وَتُرْسَلُ
الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَتَقُومَانِ جَنَبَتَ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالاً)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ](١).
٥٥٧٧ - [وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيّ ◌َ ثَلاَ قَوْلَ الله تَعَالَى
فِي إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّ﴾ [إبراهيم: ٣٦]
وَقَالَ عِيسَى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ أُمَّتِي
أُمَّتِي)) وَبَكَى، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ((يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ فَسَلْهُ مَا
يُبْكِيهِ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَّهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ وَهِ بِمَا قَالَ، فَقَالَ اللهُ لِجِبْرِيل: اذْهَبْ
إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّ سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوؤُكَ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ)(٢).
٥٥٧٨ - [وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ نَاسًا قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ
الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﴾: «نَعَمْ، هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ صَحْوًّا
لَيْسَ مَعَهَا سَحَابُ، وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ صَحْوًّا لَيْسَ فِيهَا
سَحَابُّ؟)) قَالُوا: لَا، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّ كَمَا
تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنُ: لِيَتَبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ
(«الكبرى)) (١١٢٨٦)، وابن أبي شيبة (٣١٦٧٤).
(١) أخرجه مسلم (٥٠٣).
(٢) أخرجه مسلم (٥٢٠).
٢٣٣
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحوض والشفاعة
تَعْبُدُ، فَلَا يَبْقَى أَحَدُّ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ الله مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَنْصَابِ إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي
النَّارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرِّ وَفَاجِرٍ، أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ:
فَمَاذَا تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، قَالُوا: يَا رَبَّنَا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا أَفْقَرَ
مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ)](١).
(مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَة
أَحَدهمَا) مَعْنَاهُ: لَا تُضَارُّونَ أَصْلًا كَمَا لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتھمَا أَصْلًا.
(حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللّهَ مِنْ بَرِّ وَفَاجِرٍ) الْبَرّ فَهُوَ الْمُطِيع.
٥٥٧٩ - [وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي هُرَيْرَة: ((فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ
رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ)](٢).
[ وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي سَعِيْد: ((فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ فَتَعْرِفُونَهُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ،
فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لله مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلَّا أَذِنَ اللهُ لَهُ
بِالسُّجُودِ، فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتَّقَاءً وَرِيَاءً إِلَّا جَعَلَ اللهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً، كُلَّمَا
أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ وَتَجِلُّ الشَّفَاعَةُ،
وَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ سَلَّمْ سَلِّمْ، فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ الْعَيْنِ، وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَالطَّيْرِ،
وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمُ، وَمَخْدُوشٌّ مُرْسَلُ، وَمَكْدُوسُ فِي نَارٍ جَهَنَّمَ،
حَقَى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ بِأَشَدَّ
مُنَاشَدَةً في الحَقِّ - قَدْ تَبَيَّنَ لَكُم - مِنَ الْمُؤْمِنِينَ للهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ فِي
النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ
عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا
أَحَدُّ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ، فَيَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ
_ _
(١) أخرجه البخاري (٤٣٠٥)، ومسلم (١٨٣)، وأحمد (١١١٤٣)، وابن ماجه (١٧٩)، والطيالسي
(٢١٧٩).
(٢) أخرجه البخاري (٧٧٣)، ومسلم (٢٩٦٨)، وأحمد (١٠٩١٩).
٢٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفٍ
دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًّا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي
قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ
فِيهَا خَيْرًا، فَيَقُولُ اللهُ: شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا
أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قٌَّ قَدْ
عَادُوا حُمَمًّا فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهْرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ: نَهْرُ الْخَيَاةِ، فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ
الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤْ فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِمُ، يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، هَؤُلَاءِ
عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَمُوهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُم مَا
رَأَيْتُمْ وَمِثْلَهُ مَعَهُ)). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ].
٥٥٨٠ - [وعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ
النَّارَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ،
فَيُخْرَجُونَ قَدِ امْتُحِشُوا وَعَادُوا حُمَمًّا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ
فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَوْا أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ﴾(١).
(فَيُخْرَجُونَ قَدِ امْتُحِشُوا وَعَادُوا حُمَمًّا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا
تَنْبُتُّ الْحِيَّةُ) أَمَّا الْحُمَم بِضَمِّ الْحَاء وَفَتْحِ الْمِيمِ الْمُخَفَّفَةِ هُوَ الْفَحْم، (إِمْتَحَشُوا) بِفَتْحِ
التَّاء عَلَى الْمُخْتَارِ، وَقِيلَ: بِضَمِّهَا وَمَعْنَاهُ: إِحْتَرَقُوا (الْحَيَاةِ) بِالَّاءِ، لِذَلِكَ هَذَا الْمَاءِ يَحْيَا
بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُحْتَرِقُونَ وَتَحْدُث فِيهِم النَّضَارَةِ كَمَا يُحْدِث ذَلِكَ الْمَطَرِ فِي الْأَرْض، والله
أَعْلَم.
٥٥٨١ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ
الْقِيَامَةِ؟ فَذَكَر مَعْنَى حَدِيْث أبِي سَعِيْدِ غَيْرِ كَشْفِ السَّاقِ، وَقَالَ: «يُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ
ظَهْرَانَيَّ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّ الرَّسُلُ،
(١) أخرجه البخاري (٦٥٦٠)، ومسلم (٤٧٥).
٢٣٥
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحوض والشفاعة
وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَفِي جَهَنَّمَ كَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، لَا يَعْلَمُ
قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّ اللهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ
يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو حَتَّى إِذَا فَرِغَ الله مِن القَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِه، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِن النَّارِ مَنْ
أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُ مِمَنْ كَانَ يَشْهَدِ أَنَّ لا إِلَّهَ إلا الله، أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ
يَعْبُدُ اللهَ، فَيُخْرِجُونَهُمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللهُ تَعَالَى عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ
أَثَرَ السُّجُودِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ
امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِيَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، وَيَبْقَى
رَجُلُّ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَهْوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولاً الْجَنَّةَ، مُقْبِلُ بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ،
فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، قَدْ فَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَيَقُولُ: هَلْ
عَسَيْتَ إِنْ أفعل ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، فَيُعْطِي اللّهَ مَا
شَاءَ الله مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيَصْرِفُ اللّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ وَرَأَى
بَهْجَتَهَا، سَكَتَ مَا شَاءَ اللّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ، قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ،
فَيَقُولُ اللهُ تَبَارَك وَتَعَالَى: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمَيْثَاقَ أَلَّا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي
كُنْتَ سَأَلْتَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: فَمَا عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ
ذَلِكَ أَلَّا تَسْأَلَ غَيْرَهُ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ
عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا فَرَأَى زَهْرَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ
وَالسُّرُورِ، فَسْكَتَ مَا شَاءَ اللّهُ أَنْ يَسْكُتَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللهُ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ، أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ أَلَّا
تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ، فَلا يَزَالَ يَدْعُو حَتَّى
يَضْحَكَ اللهُ مِنْهُ، فَإِذَا ضَحَكَ أَذِنَ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَّنَّى حَتَّى إِذَا
انْقَطَعت أُمْنِيَّتُهُ قَالَ اللهُ تَعَالَى: تَمَنَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا، أَقْبَلَ يُذَكَّرُهُ رَبُّهُ، حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ
بِهِ الأَمَانِيَّ قَالَ اللهُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ)).].
٢٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
[وَ فِي رِوَايَةٍ أَبِي سَعِيْدٍ: (قَالَ اللهُ: لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
(تَمَنَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا) قال المُظهر: ((تَمَنَّ)) فيه للبيان يعني تمن من كل جنس ما
تشتهي منه.
٥٥٨٢ - [وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَل﴾ قَالَ: ((آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلُّ
يَمْشِي مَرَّةً وَيَكْبُو مَرَّةً وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا فَقَالَ: تَبَارَكَ
الَّذِي نَجَانِي مِنْكِ، لَقَدْ أَعْطَانِيَ اللهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، فَتُرْفَعُ
لَهُ شَجَرَةٌ فَيَقُولُ: أَي: رَبِّ، أَدْنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا،
فَيَقُولُ اللهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، لَعَلّي إِنْ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، وَيُعَاهِدُهُ
أَلَّا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَيَسْتَظِلُّ
بِظِلِّهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولَى فَيَقُولُ: أي: رَبِّ
أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ،
أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَلَّا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَعَلّ إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا تَسْأَلُنِي غَيْرَهَا، فَيُعَاهِدُهُ
أَلَّا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَيَسْتَظِلُّ
بِظِلِّهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولَيَيْنِ،
فَيَقُولُ: أي: رَبِّ أَدْنِي مِنْ هَذِهِ لِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا،
فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَلَّا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ قَالَ: بَلَ يَا رَبِّ، هَذِهِ لَا أَسْأَلُكَ
غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا سَمِعَ
أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أي: رَبِّ، أَدْخِلْنِيهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِيِنِي مِنْكَ؟
أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ قَالَ: أَي رَبِّ، أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ
الْعَالَمِينَ؟» فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَلَّا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟
فَقَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ وَه فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: ((مِنْ ضِحْكِ
(١) أخرجه البخاري (٧٧٣ - ٣٠٥)، ومسلم (٢٩٦٨ - ١٨٣)، وأحمد (١٠٩١٩ - ١١١٤٣).
٢٣٧
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحوض والشفاعة
رَبِّ الْعَالَمِينَ حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: (إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ
مِنْكَ وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ)(١).
٥٥٨٣ - [وَ فِي رِوَايَةٍ لَّهُ عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ تَحْوَهُ، إِلا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: ((فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ
مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؟)) إِلَى آخِرِ الْحَدِيْثِ وَزَادَ فِيْهِ: ((وَيُذَكِّرُهُ اللهُ: سَلْ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا
انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: هُوَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ)) قَالَ: ((ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ
فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ زَوْجَتَاهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ فَتَقُولَانِ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْيَاكَ لَنَا وَأَحْيَانًا
لَكَ)) قَالَ: ((فَيَقُولُ مَا أُعْطِيَ أَحَدَّ مِثْلَ مَا أُعْطِيت))](٩).
٥٥٨٤ - [وعنْ أَنَسِ أَنَّ النَّبِيَّ نَِّ قَالَ: «لَيُصِيبَنَّ أَقْوَامُ سَفْعُ مِنَ النَّارِ بِذُنُوبٍ
أَصَابُوهَا عُقُوبَةً، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ اللهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ فَيُقَالُ لَهُمُ: الْجَهَنَّمِيُّونَ)). رَوَاهُ
البُخَارِي](٣).
٥٥٨٥ - [وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَسِهِ: ((يَخْرُجُ أَقَوْامُ مِنَ
النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، يُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ)). رَوَاهُ البُخَارِي(٤)، وَفِي رِوَايَةٍ:
(يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَتِي، يُسَمَّوْنَ الْجَهَنَِّيِّينَ)))(٥).
٥٥٨٦ - [وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: ((إِنّ لأَعْلَمُ آخِرَ
أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً، رَجُلُ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا فَيَقُولُ اللهُ:
اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلَأَى، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَجَدْتُهَا مَلأَى،
فَيَقُولُ اللهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا، فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ
مِنِّ - أَوْ تَضْحَكُ مِنِّي - وَأَنْتَ الْمَلِكُ؟ فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ
(١) أخرجه مسلم (١٨٧)، وأحمد (٣٧١٤)، والبيهقي في ((البعث)) (٩٦)، والطبراني (٩٧٧٥)، وابن أبي
عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٢٤٨).
(٢) أخرجه مسلم (١٨٨)، وأحمد (١١٢٣٢).
(٣) أخرجه البخاري (٧٠١٢)، وأحمد (١٢٣٨٤).
(٤) أخرجه البخاري (٦١٩٨)، وأبو داود (٤٧٤٠)، وأحمد (١٩٩١١).
(٥) أخرجه الترمذي (٢٦٠٠) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٤٣١٥).
٢٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
نَوَاجِذُهُ، وَكَانَ يُقَالُ: ذَلِكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
٥٥٨٧ - [وعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ﴾: ((إِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ
دُخُولاً الْجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلُ يُؤْنَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: اعْرِضُوا
عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ
يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، لَا يَسْتَطِيعُ
أَنْ يُنْكِرَ وَهُوَ مُشْفِقٌّ مِنْ كِبَارٍ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلٌّ
سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، فَيَقُولُ: رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَاهُنَا)) وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله وَهُ
ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ». رَوَاهُ مُسْلِمْ)(٤).
(رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ﴾ِ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) هُوَ بِالْجِيمِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ ثَعْلَب وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَة وَغَرِيب الْحَدِيث
وَغَيْرِهِمْ: الْمُرَاد بِالتَّوَاجِذِ هُنَا الْأَنْيَابِ، وَقِيلَ: الْمُرَادِ هُنَا الضَّوَاحِكِ، وَقِيلَ: الْمُرَاد بِهَا
الْأَضْرَاسِ، وَهَذَا هُوَ الْأَشْهَرِ فِي إِظْلَاق النَّوَاجِدِ فِي اللُّغَةِ، وَلَكِنَّ الصَّوَابِ عِنْد
الْجَمَاهِيرِ، وَفِي هَذَا: جَوَاز الضَّحِك، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ فِي بَعْض الْمَوَاطِنِ، وَلَا بِمُسْقِطٍ
لِلْمُرُوءَةِ إِذَا لَمْ يُجَاوِزِ بِهِ الْحَدّ الْمُعْتَادِ مِنْ أَمْثَالِهِ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْحال. والله أَعْلَم.
٥٥٨٨ - [وَعَنْ أَنَسِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ قَالَ: ((يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ أَرْبَعَةُ فَيُعْرَضُونَ
عَلَى اللهِ، ثُمَّ يُؤْمَر بِهِمْ إِلى النَّارِ، فَيَلْتَفِتُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: أَي: رَبِّ، لَقَدْ كُنْت أَرْجُو إِذَا
أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا أَلَّا تُعِيْدِي فِيهَا)) قَالَ: ((فَيُنْجِيهِ اللهُ مِنْهَا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ)(٣).
٥٥٨٩ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيد ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ
(١) أخرجه البخاري (٦٢٠٢)، ومسلم (١٨٦)، والترمذي (٢٥٩٥)، وأحمد (٣٥٩٥)، وابن ماجه
(٤٣٣٩)، وهناد في ((الزهد)» (٢٠٧).
(٢) أخرجه مسلم (١٩٠)، والترمذي (٢٥٩٦) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٢١٤٣٠)، وابن حبان
(٧٣٧٥).
(٣) أخرجه مسلم (١٩٢)، وابن أبي عاصم (٨٥٣).
٢٣٩
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحوض والشفاعة
النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضِ مَظَالِمُ كَانَتْ
بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ
بِيَدِهِ، لِأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ، بِمَنْزِ كَانَ فِي الدُّنْيَا)). رَوَاهُ البُخَارِي)(١).
٥٥٩٠ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (لَا يَدْخُلُ أَحَدُّ الْجَنَّةَ إِلَّا أُرِيَ
مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ لَوْ أَسَاءَ؛ لِيَزْدَادَ شُكْرًا، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدَّ إِلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ
لَوْ أَحْسَنَ؛ لِيَكُونَ عَلَيْهِ حَسْرَةً». رَوَاهُ الْبُخَارِي](9).
٥٥٩١ - [وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي الله عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ:((إِذَا صَارَ
أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ، جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ
يُذْبَحُ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، لَا مَوْتَ، فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ
فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣).
الفصل الثاني
٥٥٩٢ - [وَعَنْ ثَوْبَانِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((حَوْضِي مِنْ عَدَنَ إِلَى عَمَّانَ البَّلْقَاء،
مَاؤُهَا أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَكْوَابُهُ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ مَنْ شَرِبَ
مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا، أَوَّلُ النَّاسِ وُرُودًا فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ الشَّعِثُ رُؤُوسًا
الشَّحِبَةُ الدُّنْسُ ثِيَابًا، الَّذِينَ لَا يَنْكِحُونَ الْمُتْنَعَّمَاتِ، وَلَا يُفْتَحُ لَهُمُ السُّدَدُ)). رَوَاهُ أَحْمَد
وَالتِّرْمِذِي وَابْنِ مَاجَه وَقَالَ التِّرْمِذِي: هَذَا حَدِيْثٌ غَرِيْبُ](٤).
٥٥٩٣ - [وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنَّ مَعَ رَسُولِ الله ◌ََّ فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً، فَقَالَ: «مَا
(١) أخرجه البخاري (٦٥٣٥).
(٢) أخرجه البخاري (٦٢٠٠)، وابن حبان (٧٤٥١)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٧٦).
(٣) أخرجه البخاري (٦١٨٢)، ومسلم (٢٨٥٠)، وأحمد (٥٩٩٣)، وابن حبان (٧٤٧٤)، وأبو يعلى
(٥٥٨٥)، والروياني (١٤٤٢).
(٤) أخرجه أحمد (٢٢٤٢١)، وابن ماجه (٤٣٠٣)، والطبراني (١٤٣٧)، والطيالسي (٩٩٥)، وابن أبي
عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٤٥٩)، والحاكم (٧٣٧٤) وقال: صحيح الإسناد، وأبو نعيم في
((المعرفة)) (١٤١٤).
٢٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
أَنْتُمْ جُزْءُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ جُزْءٍ مِمَّنْ يَرِدُ عَيَّ الْخَوْضَ)) قِيْلَ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ:
سَبْعَمِائَةٍ أَوْ ثَمَانَمِائَةٍ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١).
٥٥٩٤ - [وَعَنْ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ لِكُلِّ نَبِيِّ حَوْضًا، وَإِنَّهُمْ
لِيَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ وَارِدَةً، وَإِّي لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ وَارِدَةً)) . رَوَاهُ التَّْمِذِي، وَقَالَ:
هَذَا حَدِيْثٌ غَرِيْبُ](٢).
٥٥٩٥ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ وَ أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ: ((أَنَا
فَاعِلٌ)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ؟ قَالَ: ((اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَظْلُبُنِي عَلَى الصِّرَاطِ))
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ؟ قَالَ: ((فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْمِيزَانِ)) قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ
الْمِيزَانِ؟ قَالَ: ((فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْخَوْضِ، فَإِنِّي لَا أَخْطِئُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَوَاطِنَ)). رَوَاهُ
التِّرْمِذِي، وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثٌ غَرِيْبٌ](٣).
٥٥٩٦ - [وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: قِيلَ لَهُ: مَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ؟ قَالَ:
(ذَاكَ يَوْمُ يَنْزِلُ اللهُ تَعَالَى عَلَى كُرْسِيِّهِ فَيَئِظُ كَمَا يَئِظُ الرَّحْلُ الْجَدِيدُ مِنْ تَضَايُقِهِ بِهِ،
وَهُوَ كَسَعَةٍ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَيُجَاءُ بِكُمْ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً، فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ
يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: اكْسُوا خَلِيلٍ، فَيُؤْنَى بِرَيْطَتَيْنِ بَيْضَاوَيْنِ مِنْ رِيَاطِ
الْجَنَّةِ، ثُمَّ أُكْسَى عَلَى إِثْرِهِ، ثُمَّ أَقُومُ عَنْ يَمِينِ الله مَقَامًا يَغْبِطُنِي الأَوَّلُونَ وَالآخِرُونَ)).
رَوَاهُ الدَّارِمي](٤).
٥٥٩٧ - [وعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((شِعَارُ الْمُؤْمِنِيْن يَوم
(١) أخرجه أبو داود (٤٧٤٦)، وأحمد (١٩٣٢٨)، والطبراني (٤٩٩٧)، والطيالسي (٦٧٧)، وعبد بن
حميد (٢٦٦)، والحاكم (٢٥٧) وقال: صحيح على شرط الشيخين.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٤٤٣) وقال: غريب، والطبراني (٦٨٨١).
(٣) أخرجه الترمذي (٢٤٣٣) وقال: حسن غريب، وأحمد (١٢٨٤٨)، والضياء (٢٦٩١).
(٤) أخرجه أحمد (٣٧٨٧)، والطبراني (١٠٠١٧)، والدارمي (٢٨٠٠)، والبزار (١٥٣٤)، والحاكم
(٣٣٨٥) وقال: صحيح الإسناد.