النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ كتاب الفتن الْمَذْكُورَةِ، وَجَاءَ تَفْسِير أَيَّامِ الْهَرْجِ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالطَّبَرَائِيُّ بِسَنَدٍ حَسَن مِنْ حَدِيث خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ («أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: يَا أَبَا سُلَيْمَانِ إِنَّقِ اللهِ، فَإِنَّ الْفِتَنْ ظَهَرَتْ، فَقَالَ: أَمَا وَابْنِ الْخُطَّابِ حَيّ فَلَا، إِنَّمَا تَكُون بَعْدَهُ، فَيَنْظُرِ الرَّجُلِ فَيُفَكِّرِ هَلْ يَجِد مَكَانًا لَمْ يَنْزِل بِهِ مِثْلِ مَا نَزَلَ بِمَكَانِهِ الَّذِي هُوَ بِهِ مِن الْفِتْنَةِ وَالشَّرّ فَلَا يَجِد، فَتِلْكَ الْأَيَّامِ الَّتِي ذَكَرَ رَسُول اللّهِ وَِّ بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ أَيَّامِ الْهَرْج)) [الفتح ٦٦/٢٠]. ٥٣٩٠ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَقَى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمُ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ؟ وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ؟) فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((الْهَرْجُ، الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ)(١). ٥٣٩١ [وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: ((الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَّ». رَوَاهُ مُسْلِمْ)(٢). (الْعِبَادَةِ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ) الْمُرَاد بِالْهَرْجِ هُنَا الْفِتْنَة وَاخْتِلَاطِ أُمُورِ النَّاس، وَسَبَب كَثْرَةٍ فَضْلِ الْعِبَادَة فِيهِ أَنَّ النَّاسِ يَغْفُلُونَ عَنْهَا، وَيَشْتَغِلُونَ عَنْهَا، وَلَا يَتَفَرَّغْ لَهَا إِلَّا أَفْرَاد. ٥٣٩٢ - [وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٌّ، قَالَ: «أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: اصْبِرُوا، فَإِنَّهُ لا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانَ، إِلا الَّذِي بَعْدَهُ أَشَرُّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِّكُمْ نَ)). رَوَاهُ البُخَارِي] (٣). (الزُّبَيْرِ بْن عَدِيّ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ بَعْدَهَا دَال وَهُوَ كُوفِيّ هَمْدَانِيّ بِسُكُونِ الْمِيم وَلِيَ قَضَاء الرَّيّ وَيُكَتَّى أَبًا عَدِيّ، وَهُوَ مِنْ صِغَارِ الثَّابِعِينَ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى هَذَا (١) أخرجه مسلم (٧٤٨٨). (٢) أخرجه مسلم (٢٩٤٨)، والترمذي (٢٢٠١) وقال: صحيح غريب، وأحمد (٢٠٣١٣)، وابن ماجه (٣٩٨٥)، وابن حبان (٥٩٥٧)، والطبراني (٤٨٨)، والطيالسي (٩٣٢)، وعبد بن حميد (٤٠٢)، والروياني (١٢٩٦)، وأبو عمرو الداني في ((السنن الواردة في الفتن)) (١٦٥)، وابن قانع (٧٨/٣). (٣) أخرجه البخاري (٦٦٥٧). ١٤٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر الْحَدِيث، وَقَدْ يَلْتَبِس بِهِ رَارٍ قَرِيب مِنْ طَبَقَته وَهُوَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيّ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاء بَعْدَهَا مُوَخَّدَة مَكْسُورَةٍ وَهُوَ إِسْم بِلَفْظِ: النَّسَبِ بَصْرِيّ يُكَنَّى أَبَا سَلَمَة: وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى حَدِيث وَاحِدٍ تَقَدَّمَ فِي مِنْ رِوَايَتْه عَن إِبْنِ عُمَر وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَة إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هُنَاكَ مِنْ كَلام التِّرْمِذِيّ. (أَتَيْنَا أَنَسِ بْنِ مَالِكَ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا يَلْقَوْنَ) فِيهِ إِلْتِفَاتِ وَوَفَعَ فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ ((فَشَكَوْا «وَهُوَ عَلَى الْجَادَّة وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِبْنِ أَبِي مَرْيَم عَنِ الْفِرْبَابِيِّ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ عِنْدَ أَبِيِ نُعَيْمِ ((نَشْكُو» بِنُونٍ بَدَلَ الْفَاءِ، وَفِي رِوَايَة عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيّ عَنْ سُفْيَان عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ((شَكَوْنَا إِلَى أَنَس مَا نَلْقَى مِن الْحَجَّاجِ)). (مِن الْحَجَّاجِ) أي: إِبْن يُوسُف الثَّقَفِيّ الْأَمِير الْمَشْهُور، وَالْمُرَادِ شَكْوَاهُمْ مَا يَلْقَوْنَ مِنْ ظُلْمِه لَهُمْ وَتَعَدِّيهِ، وَقَدْ ذَكَرَ الزُّبَيْرِ فِي ((الْمُوَفَّقِيَّاتِ)) مِنْ طَرِيق ◌ُجَالِدِ عَن الشَّعْبِيّ، قَالَ: ((كَانَ عُمَر فَمَنْ بَعْدَهُ إِذَا أَخَذُوا الْعَاصِي أَقَامُوهُ لِلنَّاسِ وَنَزَعُوا عِمَامَتَهُ، فَلَمَّا كَانَ زِيَادِ ضَرَبَ فِي الْجِنَايَاتِ بِالسِّيَاطِ، ثُمَّ زَادَ مُصْعَب بْنِ الزُّبَيْرِ حَلْقِ اللِّحْيَةِ، فَلَمَّا كَانَ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانِ سَمَّرَ كَفّ الْجَانِي بِمِسْمَارٍ، فَلَمَّا قَدِمَ الْحَجَّاجِ قَالَ: هَذَا كُلّه لَعِب، فَقَتَلَ بِالسَّيْفِ». (فَقَالَ إِصْبِرُوا) زَادَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيّ فِي رِوَايَتِهِ ((إِصْبِرُوا عَلَيْهِ)). (فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَان) فِي رِوَايَةٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيّ (لَا يَأْتِيكُمْ عَام)) وَبِهَذَا اللَّفْظِ أَخْرَجَ الطَبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّد عَنِ اِبْنِ مَسْعُود نَحْوِ هَذَا الْحَدِيث مَوْقُوفًا عَلَيْهِ قَالَ (لَيْسَ عَامٍ إِلَّ وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرّ مِنْهُ)) وَلَهُ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَ: ((أَمْس خَيْرِ مِن الْيَوْمِ، وَالْيَوْمِ خَيْرِ مِنْ غَد، وَكَذَلِكَ حَتَّى تَقُومِ السَّاعَة». (إِلَّ وَالَّذِي بَعْدَهُ) كَذَا لِأَّبِي ذَرّ، وَسَقَطَتِ الْوَاوِ لِلْبَاقِينَ وَثَبَتَتْ لِاِبْنِ مَهْدِيٍّ. (أَشَرّ مِنْهُ) كَذَا لِأَبِ ذَرّ وَالنَّسَفِيّ، وَلِلْبَاقِينَ بِحَذْفِ الْأَلِفِ، وَعَلَى الْأَوَّل شَرْح إِبْنِ الّين فَقَالَ: كَذَا وَقَعَ ((أَشَرّ)) بِوَزْنِ أَفْعَل، وَقَدْ قَالَ فِي «الصِّحَاحِ)): فُلَان شَرّ مِنْ فُلَان وَلَا يُقَالِ: أَشَرّ إِلَّا فِي لُغَة رَدِيئَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ مُحَمَّد بْنِ الْقَاسِمِ الْأَسَدِيِّ عَن الثَّوْرِيّ ١٤٣ كتاب الفتن وَمَالِكِ بْنِ مِغْوَل وَمِسْعَر وَأَبِي سِنَانِ الشَّيْبَانِيّ أَرْبَعَتهمْ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيّ بِلَفْظِ: ((لَا يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَان إِلَّ شَرّ مِنِ الزَّمَانِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ» سَمِعْت ذَلِكَ مِنْ رَسُول الله وَّ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ إِبْنِ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيق مَالِكِ بْنِ مِغْوَل بِلَفْظِ: ((إِلَّ وَهُوَ شَرّ مِن الَّذِي قَبْلَهُ)) وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَائِيُّ فِي ((الْمُعْجَمِ الصَّغِير): مِنْ رِوَايَة مُسْلِمِ بْن إِبْرَاهِيم عَنْ شُعْبَةٍ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيّ وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ مُسْلِمٍ عَنْ شُعْبَة. (حَقَّى تَلْقَوْا رَبّكُمْ) أي: حَتَّى تَمُوتُوا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِمٍ فِي حَدِيث آخَرِ ((وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا». (سَمِعْته مِنْ نَبِيْكُمْ وَ﴿) فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم ((سَمِعْتِ ذَلِكَ)) قَالَ اِبْنِ بَظَّال: هَذَا الْخْبَرِ مِنْ أَعْلَامِ الثُّبُوَّة لِإِخْبَارِهِ وَّهِ بِفَسَادِ الْأَحْوَالِ، وَذَلِكَ مِن الْغَيْبِ الَّذِي لَا يُعْلَم بِالرَّأَيٍ وَإِنَّمَا يُعْلَم بِالْوَحْيِ إِنْتَهَى. وَقَد اِسْتَشْكَلَ هَذَا الْإِظْلَاقِ مَعَ أَنَّ بَعْض الْأَزْمِنَة تَكُون فِي الشَّرّ دُونَ الَّتِي قَبْلَهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إِلَّا زَمَن عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَهُوَ بَعْدَ زَمَن الْحَجَّاجِ بِيَسِيرٍ، وَقَد اِشْتَهَرَ الْخَبَرِ الَّذِي كَانَ فِي زَمَن عُمَر بْن عَبْدِ الْعَزِيزِ، بَلْ لَوْ قِيلَ أَنَّ الشَّرّ إِضْمَحَلَّ فِي زَمَانِه لَمَّا كَانَ بَعِيدًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُون شَرًّا مِنِ الزَّمَنِ الَّذِي قَبْلَهُ وَقَدْ حَمَلَهُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ عَلَى الْأَكْثَرِ الْأَغْلَبِ، فَسُئِلَ عَنْ وُجُودِ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ بَعْدَ الْحَجَّاجِ فَقَالَ: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ تَنْفِيس. وَأَجَابَ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمُرَاد بِالتَّفْضِيلِ تَفْضِيلِ مَجْمُوعِ الْعَصْرِ عَلَى تَجْمُوعِ الْعَصْرِ فَإِنَّ عَصْرِ الْحَجَّاجِ كَانَ فِيهِ كَثِيرٍ مِن الصَّحَابَةِ فِي الْأَحْيَاءِ وَفِي عَصْرِ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ إِنْقَرَضُوا، وَالزَّمَانِ الَّذِي فِيهِ الصَّحَابَةِ خَيْرِ مِنِ الزَّمَانِ الَّذِي بَعْدَهُ لِقَوْلِهِ قَلّ: ((خَيْرِ الْقُرُون قَرْنِ) وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَقَوْله «أَصْحَابِي أَمَنَة لِأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَنَّى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٍ. ثُمَّ وَجَدْت عَنْ عَبْد الله بْن مَسْعُود التَّصْرِيحِ بِالْمُرَادِ وَهُوَ أَوْلَى بِالإِتْبَاعِ، فَأَخْرَجَ يَعْقُوبِ بْنِ شَيْبَة مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْن حَصِيرَة عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْب قَالَ: ((سَمِعْت عَبْد الله بْنِ مَسْعُودٍ يَقُول: لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ يَوْمٍ إِلَّا وَهُوَ شَرّ مِن الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ حَتَّى تَقُوم السَّاعَةِ، لَسْت أَعْنِي رَخَاء مِن ١٤٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر الْعَيْشِ يُصِيبهُ وَلَا مَالَا يُفِيدُهُ وَلَكِنْ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ يَوْمٍ وَإِلَّا وَهُوَ أَقَلْ عِلْمًا مِن الْيَوْمِ الَّذِي مَضَى قَبْلَهُ، فَإِذَا ذَهَبَ الْعُلَمَاءِ اِسْتَوَى النَّاسِ فَلَا يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَهْلَكُونَ» وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي الْأَحْوَص عَن إِبْن مَسْعُودٍ إِلَى قَوْله (شَّ مِنْهُ)) قَالَ: ((فَأَصَابَتْنَا سَنَة خِصْب)) فَقَالَ لَيْسَ ذَلِكَ أَعْنِي إِنَّمَا أَعْنِي ذَهَابِ الْعُلَمَاءِ ((وَمِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيّ عَنْ مَسْرُوقِ عَنْهُ قَالَ (لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَان إِلَّا وَهُوَ أَشَرّ مِمَّا كَانَ قَبْلَهُ أَمَا إِّي لَا أَعْنِي أَمِيرًا خَيْرًا مِنْ أَمِير وَلَا عَامًا خَيْرًا مِنْ عَام وَلَكِنْ عُلَمَاؤُكُمْ وَفُقَهَا ؤُكُمْ يَذْهَبُونَ ثُمَّ لَا تَجِدُونَ مِنْهُمْ خَلَفًا، وَيَجِيءٍ قَوْمٍ يُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ ((وَفِي لَفْظ عَنْهُ مِنْ هَذَا الْوَجْه «وَمَا ذَاكَ بِكَثْرَةِ الْأَمْطَارِ وَقِلَّتَهَا وَلَكِنْ بِذَهَابٍ الْعُلَمَاءِ، ثُمَّ يَحْدُث قَوْمٍ يُفْتُونَ فِي الْأُمُور بِرَأْيِهِمْ فَيَثْلِمُونَ الْإِسْلَامِ وَيَهْدِمُونَهُ)) وَأَخْرَجَ الدَّارِيُّ الْأَوَّل مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيّ بِلَفْظِ: ((لَسْت أَعْنِي عَامًا أَخْصَبِ مِنْ عَام)) وَالْبَاقِي مِثْلِه وَزَادَ ((وَخِيَارَكُمْ)) قَبْلَ قَوْله: ((وَفُقَهَا ؤُكُمْ)) وَاسْتَشْكُلُوا أَيْضًا زَمَان عِيسَى بْن مَرْيَم بَعْدَ زَمَان الدَّجَّال، وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادِ الرَّمَانِ الَّذِي يَكُون بَعْدَ عِيسَى؟ أَو الْمُرَادِ جِئْس الزَّمَانِ الَّذِي فِيهِ الْأُمَرَاءِ، وَإِلَّا فَمَعْلُومٍ مِن الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ زَمَان النَّبِيّ الْمَعْصُومِ لَا شَرّ فِیهِ. قُلْت: وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُونِ الْمُرَاد بِالْأَزْمِنَةِ مَا قَبْلَ وُجُودِ الْعَلَامَاتِ الْعِظَامِ كَالدَّجَّالِ وَمَا بَعْدَهُ وَيَكُونِ الْمُرَادِ بِالْأَزْمِنَةِ الْمُتَفَاضِلَةِ فِي الشَّرّ مِنْ زَمَنِ الْحَجَّاجِ فَمَا بَعْدَهُ إِلَى زَمَن الدَّجَّال، وَأَمَّا زَمَن عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَام - فَلَهُ حُكْم مُسْتَأَنَف والله أَعْلَمْ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْأَزْمِنَةِ الْمَذْكُورَةِ أَزْمِنَة الصَّحَابَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ هُم الْمُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ فَيَخْتَصّ بِهِمْ، فَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فَلَمْ يُقْصَد فِي الْخْبَرِ الْمَذْكُورِ، لَكِنَّ الصَّحَابِيّ فَهِمَ التَّعْمِيمِ؛ فَلِذَلِكَ أَجَابَ مَنْ شَكَا إِلَيْهِ الْحَجَّاجِ بِذَلِكَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ، وَهُمْ أَوْ جُلّهِمْ مِن التَّابِعِينَ. وَاسْتَدَلَّ اِبْنِ حِبَّانِ فِي ((صَحِيحه)) بِأَنَّ حَدِيث أَنَس لَيْسَ عَلَى عُمُومِه بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَة فِي الْمَهْدِيّ، وَأَنَّهُ يَمْلَأُ الْأَرْضِ عَدْلًا بَعْدَ أَنْ مُلِئَتْ جَوْرًا، ثُمَّ وَجَدْت عَن إِبْن ١٤٥ كتاب الفتن مَسْعُود مَا يَصْلُحِ أَنْ يُفَسَّر بِهِ الْحَدِيثِ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الدَّارِيُّ بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ عَبْد الله قَالَ: ((لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ عَامٍ إِلَّ وَهُوَ شَرّ مِنِ الَّذِي قَبْلَهُ، أَمَا إِّ لَسْت أَعْنِي عَامًا)) [الفتح ٧١/٢٠]. الفصل الثاني ٥٣٩٣ - [عَنْ حُذَيْفَة قَالَ: «وَالله مَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَصْحَابِي أَمْ تَنَاسَوْا؟ وَالله مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﴿ مِنْ قَائِدِ فِتْنَةٍ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الدُّنْيَا يَبْلُغُ مَنْ مَعَهُ ثَلَاثَمِائَةٍ فَصَاعِدًا، إِلَّا قَدْ سَمَّاهُ لَنَا بِاسْمِهِ وَاسْمٍ أَبِيهِ وَاسْمٍ قَبِيلَتِهِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١). (قَالَ حُذَيْفَةِ بْنِ الْيَمَانِ) قَالَ فِي (شَرْحِ مُسْلِم): الْمَشْهُورِ فِي الإِسْتِعْمَال حُذَيْفَة بْنُ الْيَمَانِ مِنْ غَيْرِ يَاءِ فِي آخِرِ الْيَمَانِ، وَهُوَ لُغَة قَلِيلَة، وَالصَّحِيحِ الْيَمَانِي بِالْيَاءِ، وَكَذَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَشِبْهِهِمَا. قَالَّهُ فِي ((الْأَزْهَارِ)) (أَصْحَابِي) أي: مِنَ الصَّحَابَةِ (أَمْ تَنَاسَوْا) أي: أَظْهَرُوا النِّسْيَان لِمَصْلَحَةٍ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانِ، كَذَا فِي ((الْأَزْهَارِ)) (مِنْ قَائِد فِتْنَةٍ) أي: دَاعِي ضَلَالَةٍ وَبَاعِث بِدْعَةٍ وَيَأْمُرِ النَّاسِ بِالْبِدْعَةِ وَيَدْعُوهُمُ النَّاسِ إِلَيْهَا وَيُحَارِبِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَهُ الْقَارِي. وَفِي ((الْأَزْهَارِ)): وَالْمُرَاد بِقَائِدِ الْفِتْنَةِ بَاعِثُهَا وَالْبَادِي بِهَا وَهُوَ الْمَتْبُوعِ وَالْمُطَاعِ فِيهَا اِنْتَهَى. وَمِنْ زَائِدَة لِتَأْكِيدِ الإِسْتِغْرَاقِ فِي النَّفْي (إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الدُّنْيَا) أي: إِلَى اِنْقِضَائِهَا وَانْتِهَائِهَا (يَبْلُغ) صِفَة لِلْقَائِدِ أي: يَصِل (مَنْ مَعَهُ) أي: مِقْدَارِ أَتْبَاعِه. قَالَ فِي ((اللُّمَعَاتِ)): وَمَنْ مَعَهُ فَاعِل يَبْلُغْ وَثَلَائِمِائَةٍ مَفْعُوله، إِنْتَهَى. (فَصَاعِدًا) أي: فَزَائِدًا عَلَيْهِ (إِلََّ قَدْ سَمَّاهُ) أي: ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَائِد (لَنَا بِاسْمِهِ) أي: الْقَائِد (وَاسْمِ أَبِيهِ وَاسْم قَبِيلَته) وَالْمَعْنَى مَا جَعَلَهُ مُنَّصِفًا بِوَصْفٍ إِلَّا بِوَصْفٍ تَسْمِيَته إِلَخْ، يَعْنِي وَصْفًا وَاضِحًا مُفَصَّلًا لَا مُبْهَمًا مُجْمَلًا فَالإِسْتِثْنَاءِ مُتَّصِل. (١) أخرجه أبو داود (٤٢٤٥). ١٤٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر وَقَالَ الطَّيْبِيُّ: قَوْله إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أي: مَا تَرَكَ رَسُول الله ذِكْر قَائِدٍ فِتْنَةٍ إِلَى أَنْ يَنْقَضِي الدُّنْيَا مُهْمَلًا، لَكِنْ قَدْ سَمَّاهُ فَالإِسْتِثْنَاءِ مُنْقَطِعٍ. اِنْتَهَى كُلَام الْقَارِي. وَقَالَ الْعَلَّامَةِ الْأَرْدَبِيلُِ فِي ((الْأَزْهَارِ)): وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّه ◌َ ذَكَرَ لَنَا الْفَائِدَيْنِ لِلْفِتْنَةِ الَّذِينَ يَبْلُغِ أَتْبَاعِ كُلّ مِنْهُمْ ثَلَائِمِائَةٍ فَصَاعِدًا بِاسْمِهِ وَنَسَبِه وَقَبِيلَته، وَلَمْ يَذْكُر الَّذِينَ لَا يَبْلُغْ أَتْبَاعهمْ ثَلَائِمِائَةٍ. وَفِيهِ: كَمَال عِلْمُ النَّبِيّ وَكَمَال شَفَقَته عَلَى أُمَّته. وَفِيهِ: عَلَمُ لِلنُّبُوَّةِ وَإِعْجَازِ، إِنْتَهَى. [عون ٢٧٨/٩]. ٥٣٩٤ - [وعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ، وَإِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهُم إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِي](١). ٥٣٩٥ - [وعَنْ سَفِينَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الثَّبِيَّ وَ يَقُولُ: ((الْخِلَافَةُ ثَلاثُونَ سَنَةٍ ثُمَّ تَكُونُ مُلْكَّ) ثُمَّ يَقُولُ سَفِينَةُ: أَمْسِكْ: خِلَافَةُ أَبِي بَكْرٍ سَنَتَيْنِ، وَخِلَافَةُ عُمَرَ عَشْرَة، وَعُثْمَانَ اثْنَتِي عَشْرَةِ، وَعَلَيِّ سِتّة)) . رَوَاهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِي وَأَبُو دَاوُدِ](٢). ٥٣٩٦ - [وعَنْ حُذَيْفَةِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، هَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرَّ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ شَرَّ؟ قَالَ: (نَعَمْ)) قُلْتُ: فَمَا الْعِصْمَةُ؟ قَالَ: ((السَّيْفُ)) قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ السَّيْفِ بَقِيَّة؟ قَالَ: (نَعَمْ، تَكُونُ إِمَارَة عَلَى أَقْذَاءٍ وَهُدْنَهُ عَلَى دَخَنٍ)) قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((ثُمَّ يَنْشَأْ دُعَاةُ الصَّلَالَةِ، فَإِنْ كَانَ لله فِي الأَرْضِ خَلِيفَةٌ جَلَّدَ ظَهْرَكَ، وَأَخَذَ مَالَكَ، فَأَطِعْهُ، وَإِلا فَمُتْ وَأَنْتَ عَاضٍّ عَلَى جَذْلِ شَجَرَةٍ) قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ:((ثُمَّ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَهُ نَهْرٌ وَنَارٌ، فَمَنْ وَقَعَ فِي نَارِهِ، وَجَبَ أَجْرُهُ، وَحُظّ وِزْرُهُ، وَمَنْ وَقَعَ فِي (١) أخرجه مسلم (٢٨٨٩) وأبو داود (٤٢٥٢) والترمذي (٢١٧٦) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٢٢٤٤٨) وابن ماجه (٣٩٥٢) وابن حبان (٧٢٣٨) وأبو عوانة (٧٥٠٩) وابن أبي شيبة (٣١٦٩٤). (٢) أخرجه الترمذي (٢٣٩٠)، وأبو داود (٤٦٤٨)، وأحمد (٢٢٥٥٩). ١٤٧ کتاب الفتن نَهْرِهِ وَجَبُ وِزْرُهُ، وَحُظَّ أَجْرُهُ)) قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((ثُمَّ يُنْتَجُ الْمُهْرُ، فَلا يُرْكَبُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ)). وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: ((هُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ، وَجَمَاعَةٌ عَلَى أَقْذَاءٍ) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، الْهُدْنَةُ عَلَى الدَّخَنِ مَا هِيَ؟ قَالَ: (لَا تَرْجِعُ قُلُوبُ أَقْوَامٍ عَلَى الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ)) قُلْتُ: بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرَّ؟ قَالَ: ((فِتْنَةُ عَمْيَاءُ صَمَّاءُ عَلَيْهَا دُعَةٌ عَلَى أَبْوَابِ النَّارِ، فَإِنْ مُتْ يَا حُذَيْفَةُ، وَأَنْتَ عَاضُّ عَلَى جِذْلٍ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَّبِعَ أَحَدًا مِنْهُمْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١). ٥٣٩٧ - [وعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: كُنْتُ رَدِيفًا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ وَِّ يَوْمًا عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا جَاوَزْنَا بُيُوتَ الْمَدِينَةِ، قَالَ: ((كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرِّ إِذَا كَانَ فِي الْمَدِينَةِ جُوعٌ تَقُومُ عَنْ فِرَاشِكَ وَلا تَبْلُغُ مَسْجِدَكَ حَتَّى يُجْهِدَكَ الْجُوعُ؟)) قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((تَعَقَّفْ يَا أَبَا ذَرِّ) قَالَ: «كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ، إِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ مَوْتُ يَبْلُغُ الْبَيْتُ الْعَبْدَ حَتَّى إِنَّهُ يُبَاعُ الْقَبْرُ بِالْعَبْدِ) قَالَ: قُلْتُ: اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (تَصَبَّرْ يَا أَبَا ذَرِّ)) قَالَ: ((كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرِّ إِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَتْلْ تَغْمُرُ الدِّمَاءُ أَحْجَارَ الزَّيْتِ؟)) قَالَ: قُلْتُ: اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (تَأْتِي مَنْ أَنْتَ مِنْهُ)) قَالَ: قُلْتُ: وَأَلْبَسُ السِّلاحَ؟ قَالَ: (شَارَكْتَ الْقَوْمَ إِذَّا)) قُلْتُ: فَكَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ، فَأَلْقِ نَاحِيَةَ ثَوْبِكَ عَلَى وَجْهِكَ لِيَبُوءَ بِثْمِكَ وَإِثْمِهِ)). رَوَاهُ أَبُو داود](٤). ٥٣٩٨ - [وعَنِ عَبْد الله بْنِ عَمْرِو بْن العَاص أنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ قَالَ: «كَيْفَ بِكَ إِذَا أُبْقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ وَاخْتَلَفوا فَكَانُوا هَكَذَا؟)) وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، قَالَ: فَبِمَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: ((عَلَيْكَ بِمَا تَعْرِفُ وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِخَاصَّة نَفْسِك وَإِيَّاكَ وَعَوَامَّهُمْ)) وَفِي رِوَايَةٍ: ((الْزَمْ بَيْتَكَ وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ مَا تَعْرِفُ (١) أخرجه أبو داود (٤٢٤٤)، وأحمد (٢٣٤٧٣)، والطيالسي موقوفًا (٤٣٧)، والحاكم (٨٣٣٢) وقال: صحيح الإسناد، والبزار (٢٩٦٠). (٢) أخرجه أبو داود (٤٢٦٣). ١٤٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرٍ خَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ أَمْرَ الْعَامَّةِ)). رَوَاهُ وَالتِّرْمِذِي وَصَحَّحَهُ﴾(١). ٥٣٩٩ - [وعَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنَّا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، فَكَسِّرُوا قِيَّكُمْ، وَقَطّعُوا فِيْهَا أَوْتَارَكُمْ، وَاضْرِبُوا سُيُوفَكُمْ بِالْحِجَارَةِ، فَإِنْ دَخَلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد(٢). وَفِي رِوَايَةٍ لَّهُ: ذُكِرَ إِلَى قَوْلِهِ: «خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي)) ثُمَّ قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: ((كُونُوا أَحْلَاسَ بُيُوتِكُمْ)). وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِي: إنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ قَالَ في الفِتْنَة: ((كسِّرُوا فِيْهَا قِسِيَّكم، وَقَطَّعُوا فِيْهَا أَوْتَارَكُمْ، وَالْزَمُوا فِيْهَا أَجْوَافَ بُيُوتِكُم، وَكُونُوا كَابْنِ آدَم)) وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثُ صَحِيْعٌ غَرِيْبُ](٣). ٥٤٠٠ - [وعَنْ أُمِّ مَالِكِ الْبَهْزِيَّةِ، قَالَتْ: ذَكَرَ رَسُولُ الله ◌َِّ فِتْنَةً فَقَرَّبَهَا، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ خَيْرُ النَّاسِ فِيهَا؟ قَالَ: «رَجُلُ فِي مَاشِيَتِهِ يُؤَدِّي حَقَّهَا وَيَعْبُدُ رَبَّهُ، وَرَجُلْ آخِذُّ بِرَأْسِ فَرَسِهِ يُخِيفُ الْعَدُوَّ وَيُحِيفُونَهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي](٤). ٥٤٠١ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلَهُ: (سَتَكُونُ فِتْنَةٌ تَسْتَنْظِفُ الْعَرَبَ قَتْلَاهَا فِي النَّارِ، اللِّسَانُ فِيهَا أَشَدُّ مِنْ وَقْعِ السَّيْفِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَابْن مَاجَه](٥). (١) أخرجه أبو داود (٤٣٤٢)، وأحمد (٧٠٦٣)، والحاكم (٨٣٤٠) وقال: صحيح الإسناد، وابن عساكر (٣١٨/٤٣)، ولم أقف عليه عند الترمذي. (٢) أخرجه أبو داود (٤٢٥٩)، وأحمد (١٩٧٤٥)، وابن ماجه (٣٩٦١)، والبيهقي (١٦٥٧٧)، والطبراني في «الأوسط)) (٨٥٦٣)، والحاكم (٨٣٦٠) وقال: صحيح الإسناد. (٣) أخرجه الترمذي (٢٢٠٤) وقال: حسن غريب صحيح، وأحمد (١٩٦٧٨)، والبيهقي (١٦٥٧٧) وفي («شعب الإيمان)» (٥٣٢٢)، وابن أبي شيبة (٣٧١٢٢). (٤) أخرجه الترمذي (٢١٧٧) وقال: حسن غريب. (٥) أخرجه أبو داود (٤٢٦٥)، والترمذي (٢١٧٨) وقال: غريب، وأحمد (٦٩٨٠)، وابن ماجه (٣٩٦٧). ١٤٩ كتاب الفتن ٥٤٠٢ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ: ((سَتَكُونُ فِتْنَةُ صَمَّاءُ بَكْمَاءُ عَمْيَاءُ، مَنْ أَشْرَفَ لَهَا اسْتَشْرَفَتْ لَهُ، وَإِشْرَافُ اللِّسَانِ فِيهَا كَوُقُوعِ السَّيْفِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١). ٥٤٠٣ . [وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا عِنْدَ النَّبيَّ ◌َ فَذَكَرَ الْفِتَنَ فَأَكْثَرَ فِي ذِكْرِهَا، حَتَّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الأَحْلَاسِ، فَقَالَ قَائِلُ: وَمَا فِتْنَةُ الأَحْلَاسِ؟ قَالَ: (هِيَ هَرَبُّ وَحَرْبُ ثُمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ دَخَنُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَتَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي وَلَيْسَ مِنِّي، وَإِنَّمَا أَوْلِيَائِيِ الْمُتَّقُونَ، ثُمَّ يَصْطَلِحُ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ كَوَرِكٍ عَلَى ضِلَعٍ، ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ لَا تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلَّا لَطَمَتْهُ لَظْمَةً، فَإِذَا قِيلَ: انْقَضَتْ تَمَادَتْ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ: فُسْطَاطٍ إِيمَانٍ لَا نِفَاقَ فِيهِ، وَفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لَا إِيمَانَ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ ذَلكَ فَانْتَظِرُوا الدَّجَّالَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ غَدِهِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ(٢). (فُسْطَاطِ إِيمَان) بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ بَدَل وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٍ مُبْتَدٍَ مَحْذُوف أي: إِیمَان خالص. قَالَ الطَّيْبِيُّ: الْفُسْطَاطِ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ الْمَدِينَةِ الَّتِي فِيهَا يَجْتَمِعِ النَّاسِ، وَكُلّ مَدِينَةٍ فُسْطَاط، وَإِضَافَة الْفُسْطَاطِ إِلَى الْإِيمَانِ إِمَّا بِجَعْلِ الْمُؤْمِنِينَ نَفْسِ الْإِيمَان مُبَالَغَة وَإِمَّا بِجَعْلِ الْفُسْطَاطِ مُسْتَعَارًا لِلْكَنَفِ وَالْوِقَايَة عَلَى الْمُصَرِّحَة أي: هُمْ فِي كَنَف الْإِيمَان وَوِقَايَته. قَالَهُ الْقَارِي (لَا نِفَاق فِيهِ) أي: لَا فِي أَصْلِه وَلَا فِي فَصْله مِن إِعْتِقَاده وَعَمَله (لَا إِيمَانَ فِيهِ) أي: أَصْلَا أَوْ كَمَالًا لِمَا فِيهِ مِنْ أَعْمَالِ الْمُنَافِقِينَ مِن الْكَذِب وَالْخِيَانَةِ وَنَقْضِ الْعَهْدِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ (فَانْتَظِرُوا الدَّجَّال) أي: ظُهُوره. قَالَ الْمِزَّيّ: حَدِيث عُمَيْرِ بْنِ هَانِي الْعَنْسِيّ أَبِي الْوَلِيدِ الدَّارَانِيّ عَنِ إِبْنِ عُمَر (١) أخرجه أبو داود (٤٢٦٤)، والطبراني في ((الأوسط)) (٨٧١٧). (٢) أخرجه أبو داود (٤٢٤٢)، وأحمد (٦١٦٨)، ونعيم بن حماد في ((الفتن)) (٩٢)، والحاكم (٨٤٤١) وقال: صحيح الإسناد. ١٥٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْفِتَنِ عَنْ يَحْيَى بْن عُثْمَانِ بْنِ سَعِيد الْحِمْصِيّ عَنْ أَبِيِ الْمُغِيرَة عَبْد الْقُدُّوسِ بْنِ الْحَجَّاجِ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ عَبْد الله بْنِ سَالِم عَن الْعَلَاءِ بْن عُثْبَة عَنْ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئْ بِهِ إِنْتَهَى. وَالْحَدِيث سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ. وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَصَحَّحَهُ وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيّ، والله أَعْلَم. ٥٤٠٤. [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ: «وَبْلُّ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرِّ قَدِ اقْتَرَبَ، أَفْلَحَ مَنْ كَفَّ يَدَهُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١). (وَيْلِ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرّ قَد ◌ِفْتَرَبَ) خُصَّ الْعَرَبِ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا حِينَئِذٍ مُعْظّم مَنْ أَسْلَمَ، وَالْمُرَاد بِالشَّرِّ مَا وَقَعَ بَعْدَهُ مِنْ قَتْلِ عُثْمَانِ، ثُمَّ تَوَالَت الْفِتَنِ حَتَّى صَارَت الْعَرَبِ بَيْنِ الْأُمَم كَالْقَصْعَةِ بَيْنَ الْأَكَلَةِ كَمَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «يُوشِك أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ الْأُمَم كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَة عَلَى قَصْعَتِهَا)) وَأَنَّ الْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ الْعَرَب. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُونِ الْمُرَادِ بِالشَّرِّ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي حَدِيث أُمّ سَلَمَةٍ: ((مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةِ مِن الْفِئَن وَمَاذَا أُنْزِلَ مِن الْخُزَائِنِ)) فَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الْفُتُوحِ الَّتِي فُتِحَتْ بَعْدَهُ فَكَثُرَتِ الْأَمْوَالِ فِي أَيْدِيهِمْ فَوَقَعَ التَّنَافُسِ الَّذِي جَرَّ الْفِتَنِ، وَكَذَلِكَ التَّنَافُس عَلَى الْإِمْرَةِ، فَإِنَّ مُعْظَم مَا أَنْكَرُوهُ عَلَى عُثْمَانِ تَوْلِيَةٍ أَقَارِبِهِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةِ وَغَيْرِهِمْ حَقَى أَفْضَى ذَلِكَ أَنْ قَتْله، وَتَرَتَّبَ عَلَى قَتْله مِن الْقِتَالِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَا أُشْتُهِرَ وَاسْتَمَرَّ. (فُتِحَ الْيَوْمِ مِنْ رَدْمٍ يَأْجُوجِ وَمَأْجُوج) الْمُرَادِ بِالرَّدْمِ السَّدّ الَّذِي بَنَاهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ. (مِثْلِ هَذِهِ وَحَلَّقَ بِأَصْبُعَيْهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا) أي: جَعَلَهُمَا مِثْلِ الْحُلَقَةِ، وَفِي رِوَايَة سُفْيَانِ بْن عُيَيْنَةَ ((وَعَقَدَ سُفْيَان تِسْعِينَ أَوْ مِائَة)) وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْنِ كَثِير عَن الزُّهْرِيّ عِنْد أَبِي عَوَانَة وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِثْل هَذِهِ ((وَعَقَدَ تِسْعِينَ)) وَلَمْ يُعَيِّن الَّذِي عَقَدَ (١) أخرجه أبو داود (٤٢٤٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٣٣٠)، وابن أبي شيبة (٣٧٢٥٢)، ونعيم بن حماد (٣٤٤)، والحاكم (٣٦٧) وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأبو نعيم في («الحلية)) (٢٦٥/٨)، والديلمي (٧١٤٢). ١٥١ كتاب الفتن أَيْضًا، وَفِي رِوَايَةٍ مُسْلِمٍ عَنْ عَمْرو النَّاقِدِ عَن إِبْنِ عُيَيْنَةَ ((وَعَقَدَ سُفْيَان عَشَرَة)) وَلاِبْنِ حِبَّان مِنْ طَرِيق شُرَيْحِ بْنِ يُونُس عَنْ سُفْيَان ((وَحَلَّقَ بِيَدِهِ عَشَرَة)) وَلَمْ يُعَيِّن أَنَّ الَّذِي حَلَّقَ هُوَ سُفْيَانِ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقٍ يُونُس عَنِ الزُّهْرِيّ بِدُونِ ذِكْرِ الْعَقْد، وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي عَلَامَات التُّبُوَّةِ مِنْ رِوَايَة شُعَيْبٍ وَفِي تَرْجَمَةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ مِنْ طَرِيق عُقَيْل، وَعَقَدَ وُهَيْب تِسْعِينَ، وَهُوَ عِنْدِ مُسْلِمٍ أَيْضًا، قَالَ عِيَاض وَغَيْرِهِ: هَذِهِ الرِّوَايَاتِ مُتَّفِقَةٍ إِلَّ قَوْله عَشَرَة. قُلْت: وَكَذَا الشَّكّ فِي الْمِائَة لِأَنَّ صِفَاتِهَا عِنْد أَهْلِ الْمَعْرِفَة بِعَقْدِ الْحِسَاب مُخْتَلِفَة وَإِن إِنَّفَقَتْ فِي أَنَّهَا تُشْبِهِ الْحُلْقَة، فَعَقْدِ الْعَشَرَةِ أَنْ يُجْعَلِ طَرَفِ السَّبَّابَةِ الْيُمْنَى فِي بَاطِن طَيّ عُقْدَة الْإِبْهَامِ الْعُلْيَا وَعَقْد التّسْعِينَ أَنْ يُجْعَل ◌َطَرَفِ السَّبَّابَةِ الْيُمْنَى فِي أَصْلِهَا وَيَضُمّهَا ضَمَّا ◌ُحْكَمًا بِحَيْثُ تَنْطَوِي عُقْدَتَاهَا حَتَّى تَصِير مِثْل الْحَيَّة الْمُطَوِّقَةِ. وَنَقَلَ إِبْنِ التِّينِ عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ صُورَتِه أَنْ يَجْعَلِ السََّّابَة فِي وَسَط الْإِبْهَامِ، وَرَدَّهُ إِبْن التّين بِمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ الْمَعْرُوفِ وَعَقْد الْمِائَةِ مِثْل عَقْد التِّسْعِينَ لَكِنْ بِالْخِنْصَرِ الْيُسْرَى، فَعَلَى هَذَا فَالتَّسْعُونَ وَالْمِائَة مُتَقَارِبَانٍ، وَلِذَلِكَ وَقَعَ فِيهِمَا الشَّكّ. وَأَمَّا الْعَشَرَة فَمُغَايِرَة لَهُمَا. قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: لَعَلَّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةٍ مُتَقَدِّم فَزَادَ الْفَتْحِ بَعْدَهُ الْقَدْرِ الْمَذْكُورِفِي حَدِيث زَيْنَب. قُلْت: وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ مِنْ أَصْلِ الرِّوَايَة لَاتُّجِةَ، وَلَكِنَّ الإِخْتِلَاف فِيهِ مِن الرُّوَاةِ عَنْ سُفْيَانِ بْن عُيَيْنَةَ وَرِوَايَة مَنْ رَوَى عَنْهُ تِسْعِينَ أَوْ مِائَة أَثْقَن وَأَكْثَر مِنْ رِوَايَة مَنْ رَوَى عَشَرَةِ، وَإِذَا اِنَّحَدَ تَخْرَجُ الْحَدِيث وَلَا سِيَّمَا فِي أَوَاخِر الْإِسْنَادِ بَعْد الْحَمْل عَلَى التَّعَدُّد جِدًّا. قَالَ إِبْنِ الْعَرَبِيّ: فِي الْإِشَارَةِ الْمَذْكُورَةِ دَلَالَةٍ عَلَى أَنَّهُ وَ كَانَ يَعْلَمْ عَقْدِ الْحِسَاب حَتَّى أَشَارَ بِذَلِكَ لِمَنْ يَعْرِفِهُ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يُعَارِضِ قَوْله فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ ((إِنَّا أُمَّة لَا نَحْسُب وَلَا نَكْتُب)) فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا جَاءَ لِبَيَانِ صُورَةٍ مُعَيَّنَة خَاصَّة. ١٥٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر قُلْت: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالِ الْمُرَاد بِنَفْي الْحِسَابِ مَا يَتَعَانَاهُ أَهْلِ صِنَاعَته مِن الْجُمْعِ وَالْفَذْلَكَة وَالضَّرْبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ((وَلَّا نَكْتُب)). وَأَمَّا عَقْد الْحِسَابِ فَإِنَّهُ إِصْطِلَاحِ لِلْعَرَبِ تَوَاضَعُوهُ بَيْنِهِمْ لِيَسْتَغْنَوْا بِهِ عَن التَّلَفّظ، وَكَانَ أَكْثَرِ إِسْتِعْمَالهِمْ لَهُ عِنْدِ الْمُسَاوَمَةِ فِي الْبَيْعِ فَيَضَعِ أَحَدهمَا يَده فِي يَد الْآخَرِ فَيَفْهَمَانِ الْمُرَادِ مِنْ غَيْرِ تَلَقُّظ لِقَصْدِ سَتْرِ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهمَا مِمَّنْ يَحْضُرُهُمَا، فَشَبَّهَ وَ﴿ قَدْر مَا فُتِحَ مِن السَّ بِصِفَةٍ مَعْرُوفَة عِنْدِهِمْ، وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاءِ التَّشْبِيه بِهَذِهِ الْعُقُود. وَمِنْ ظَرِيف مَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِن النَّظْمِ فِي ذَلِكَ قَوْل بَعْض الْأُدَبَاءِ : - رُبَّ بُرْغُوث لَيْلَة بِتّ مِنْهُ وَفُؤَادِي فِي قَبْضَةِ التِّسْعِينَ أَسَرَتْهُ يَدِ الثَّلَاثِينَ حَتَّى ذَاقَ طَعْم الْحَمَام في السَّبْعِينَ وَعَقْدِ الثَّلَائِينَ أَنْ يُضَمّ طَرَف الْإِبْهَامِ إِلَى طَرَفِ السَّبَّابَة مِثْل مَنْ يُمْسِك شَيْئًا لَطِيفًا كَالْإِبْرَةِ وَكَذَلِكَ الْبُرْغُوث. وَعَقْدِ السَّبْعِينَ أَنْ يَجْعَل طَرَف ◌ُظُفْرِ الْإِبْهَامِ بَيْنَ عُقْدَتَّ السَّبَّابَةِ مِنْ بَاطِنْهَا وَيَلْوِي طَرَفِ السَّبَّابَة عَلَيْهَا مِثْلِ نَاقِد الدِّينَارِ عِنْدِ النَّقْد، وَقَدْ جَاءَ فِي خَبَر مَرْفُوع ((إِنَّ يَأْجُوجِ وَمَأْجُوجِ يَخْفِرُونَ السَّدّ كُلّ يَوْمٍ)) وَهُوَ فِيمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ وَابْنِ حِبَّان وَالْحَاكِم وَصَحَّحَاهُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةً عَنْ أَبِي رَافِع عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ فِي السَّدّ: ((يَخْفِرُونَهُ كُلَ يَوْمٍ حَتَّى إِذَا كَادُوا يَخْرِقُونَهُ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِم ◌ِرْجِعُوا فَسَتَخْرِقُونَهُ غَدًا فَيُعِيدِهُ اللهِ كَأَشَدّ مَا كَانَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ مُدَّتِهِمْ وَأَرَادَ الله أَنْ يَبْعَثُهُمْ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِم إِرْجِعُوا فَسَتَخْرِقُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ الله وَاسْتَثْنَى، قَالَ فَيَرْجِعُونَ فَيَجِدُونَهُ كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ فَيَخْرِقُونَهُ فَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاس)) الحديث. قُلْت: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم مِنْ رِوَايَة أَبِي عَوَانَة وَعَبْد بْن ◌ُمَيْدٍ مِنْ رِوَايَة حَمّاد بْنِ سَلَمَةٍ وَابْنِ حِبَّانِ مِنْ رِوَايَةٍ سُلَيْمَانِ التَّيْمِيِّ كُلَّهِمْ عَنْ قَتَادَةَ وَرِجَاله رِجَال الصَّحِيحِ إِلَّا أَنَّ قَتَادَةَ مُدَلِّس، وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضهمْ عَنْهُ فَأَدْخَلَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٍ أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ، لَكِنْ وَقَعَ النَّصْرِيحِ فِي رِوَايَة سُلَيْمَانِ التَّيْمِيِّ عَنْ قَتَادَةَ بِأَنَّ أَبَا رَافِعٍ حَدَّثَهُ وَهُوَ ١٥٣ کتاب الفتن فِي صَحِيحِ إِبْنِ حِبَّان، وَأَخْرَجَهُ اِبْنِ مَاجَه مِنْ طَرِيقِ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ((حَدَّثَ أَبُو رَافِع (وَلَهُ طَرِيقٍ آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ عَبْدِ بْن ◌ُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَاصِم عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ لَكِنَّهُ مَوْقُوفٍ)) قَالَ إِبْنِ الْعَرَبِيّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثَلَاث آيَات: الْأُولَى: أَنَّ اللّه مَنَعَهُمْ أَنْ يُوَالُوا الْحَفْرِ لَيْلًا وَنَهَارًا. الثَّانِيَةِ: مَنَعَهُمْ أَنْ يُحَاوِلُوا الرُّقِيّ عَلَى السَّدّ بِسُلَّمٍ أَوْ آلَةِ فَلَمْ يُلْهِمُهُمْ ذَلِكَ وَلَا عَلَّمَهُمْ إِيَّهُ وَيَحْتَمِلِ أَنْ تَكُون أَرْضِهِمْ لَا خَشَب فِيهَا وَلَا آلَات تَصْلُح لِذَلِكَ. قُلْت: وَهُوَ مَرْدُودٍ، فَإِنَّ فِي خَبَرِهِمْ عِنْدَ وَهْبٍ فِي الْمُبْتَدَأ أَنَّ لَهُمْ أَشْجَارًا وَزْرُوعًا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنِ الْآَلَاتِ فَالْأَوَّلِ أَوْلَى. وَأَخْرَجَ اِبْنِ أَبِي حَاتِمِ وَابْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق اِبْن عَمْرو بْن أَوْس عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ ((أَنَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج لَهُمْ نِسَاء يُجَامِعُونَ مَا شَاءُوا وَشَجَر يُلَقِّحُونَ مَا شَاءُوا)) الْحَدِيث. الثَّالِثَةِ: أَنَّهُ صَدَّهُمْ عَنْ أَنْ يَقُولُوا إِنْ شَاءَ اللهِ حَتَّى يَجِيءِ الْوَقْتِ الْمَحْدُود. قُلْت: وَفِيهِ: أَنَّ فِيهِمْ أَهْلِ صِنَاعَةٍ وَأَهْل وِلَايَة وَسَلَاطَة وَرَعِيَّة تُطِيع مَنْ فَوْقَهَا، وَأَنَّ فِيهِمْ مَنْ يَعْرِفِ الله وَيُقِرّ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون تِلْكَ الْكَلِمَة تَجْرِي عَلَى لِسَان ذَلِكَ الْوَالِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفِ مَعْنَاهَا فَيَحْصُلِ الْمَقْصُودِ بِبَرَكَتِهَا. وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْد بْن مُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ كَعْب الْأَحْبَارِ نَحْوِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَقَالَ فِيهِ: ((فَإِذَا بَلَغَ الْأَمْرِ أَلْقَى عَلَى بَعْض أَلْسِنَتهمْ نَأْتِي إِنْ شَاءَ الله غَدًا فَنَفْرُغْ مِنْهُ)) وَأَخْرَجَ إِبْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة نَحْوِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةٍ وَفِيهِ: ((فَيُصْبِحُونَ وَهُوَ أَقْوَى مِنْهُ بِالْأَمْسِ حَتَّى يُسَلِّم رَجُل مِنْهُمْ حِينَ يُرِيد الله أَنْ يَبْلُغْ أَمْره فَيَقُول الْمُؤْمِن غَدًا نَفْتَحهُ إِنْ شَاءَ الله، فَيُصْبِحُونَ ثُمَّ يَغْدُونَ عَلَيْهِ فَيُفْتَحِ)) الْحَدِيث وَسَنَده ضَعِيف جِدًّا [عون ٠؟ /١٤٨]. ٥٤٠٥ - [وعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، وَلَمَنِ ١٥٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر ابْتُلِيَ فَصَبَرَ فَوَاهًا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١). ٥٤٠٦ - [وَعَنْ ثَوْبَانِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ، وحَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الأَوْثَانَ، وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيُّ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِّينَ لَا نَبِيِّ بَعْدِي، وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أَمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ الله)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](٢). ٥٤٠٧ - [وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: «تَدُورُ رَحَى الإِسْلَامِ لِخَمْسِ وَثَلَاثِينَ أَوْ سِتّ وَثَلَائِينَ أَوْ سَبْعٍ وَثَلَائِينَ، فَإِنْ يَهْلِكُوا فَسَبِيلُ مَنْ هَلَكَ، وَإِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ يَقُمْ لَهُمْ سَبْعِينَ عَامًّا)) قُلْتُ: أَمِمَّا بَقِيَ أَوْ مِمَّا مَضَى؟ قَالَ: ((مِمَّا مَضى)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](٣). الفصل الثالث ٥٤٠٨ - [عَنْ أَبِي وَاقِدِ اللَّيْنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَمَّا خَرَجَ إِلَى غَزْوَة حُنَيْنِ مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ كَانُوا يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أُسْلِحَتَهُم يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطِ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: («سُبْحَانَ الله، هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنََّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي](٤). (١) أخرجه أبو داود (٤٢٦٣)، والطبراني (٥٩٨)، وأبو نعيم في «الحلية)) (١٧٥/١)، والبزار (٢١١٢). (٢) أخرجه مسلم (٢٨٨٩)، وأبو داود (٤٢٥٢)، والترمذي (٢١٧٦) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٢٢٤٤٨)، وابن ماجه (٣٩٥٢)، وابن حبان (٧٢٣٨)، وأبو عوانة (٧٥٠٩)، وابن أبي شيبة (٣١٦٩٤). (٣) أخرجه أبو داود (٤٢٥٤)، وأحمد (٣٧٠٧)، وابن حبان (٦٦٦٤)، والحاكم (٤٥٩٣) وقال: صحيح الإسناد، والطيالسي (٣٨٣)، والبزار (١٩٩٦). (٤) أخرجه الترمذي (٢٣٣٥). ١٥٥ کتاب الفتن ٥٤٠٩ - [وعن ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: ((وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الأُولَى - يَعْنِي: مَقْتَلَ عُثْمَانَ - فَلَمْ يُبْقِ مِنْ أَصْحَابٍ بَدْرٍ أَحَدًّا، ثُمَّ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الثَّانِيَةُ - يَعْنِي: الْحَرَّةَ - فَلَمْ يُبْقِ مِنْ أَصْحَابِ الْحُدَيْبِيَةِ أَحَدًّا، ثُمَّ وَقَعَتِ الثَّالِئَةُ فَلَمْ تَرْتَفِعْ وَبِالنَّاسِ طَبَاخٌ)). رَوَاهُ البُخَارِي](١). (١) أخرجه البخاري (٤٠٢٤). باب الملاحم الفصل الأول ٥٤١٠ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةُ عَظِيمَةٌ، دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةً، وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، قَرِيبٌ مِنْ ثَلَائِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْتُرَ الْهَرْجُ وَهْوَ الْقَتْلُ، وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبُّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ لِي بِهِ، وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ، وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ، وَحَتَّى تَظْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فَذَلِكَ حِينَ: ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا، فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَّا يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهْوَ يُلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١). ٥٤١١ - [وعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعْرُ، وَحَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ صِغَارَ الأَعْيُنِ، حُمْرَ الْوُجُوهِ، ذُلْفَ الأُنُوفِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٥). (نِعَالهم الشَّعْر) بِفَتْحَتَيْنِ وَسُكُون الْعَيْنِ. قَالَ الْقُرْطُبيّ فِي «التَّذْكِرَة)): يَصْنَعُونَ مِنْ شَعْرِ حِبَالًا وَيَصْنَعُونَ مِن الْحِبَالِ نِعَالًا كَمَا يَصْنَعُونَ مِنْهَا ثِيَابًا. هَذَا ظَاهِرَةٍ أَوْ أَنَّ (١) أخرجه البخاري (٦٧٠٤)، ومسلم (١٥٧)، وأبو داود (٤٣٣٣)، والترمذي (٢٢١٨) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٨١٢١)، وابن حبان (٦٧٣٤). (٢) أخرجه البخاري (٣٥٨٧)، ومسلم (٧٤٩٦). ١٥٦ ١٥٧ كتاب الفتن/ باب الملاحم شُعُورهمْ كَثِيفَةٍ طَوِيلَةٍ فَهِيَ إِذَا أَسْدَلُوهَا صَارَتْ كَاللَّبَاسِ لِوُصُولِهَا إِلَى أَرْجُلهمْ كَالنَّعَالِ، وَالْأَوَّل أَظهَر. قَالَ السُّيُوطِيّ: بَلْ هُوَ الْمُتَعَيَّن، فَإِنَّهُمْ بِالْبِلَادِ الْبَارِدَةِ الثَّلْجِيَّة لَا يَنْفَعُهُمْ إِلَّا ذَلِكَ. وقَالَ الْقَارِي: أي: مِنْ جُلُودِ مُشْعَرَةٍ غَيْرِ مَدْبُوغَة. (ذُلْف الْأُنُوف) بِضَمِّ الدَّال وَإِسْكَان اللَّام جَمْعٍ أَذْلَف كَأَحْمَر وَحُمْرٍ وَمَعْنَاهُ فُطْس الْأُنُوفِ قِصَارِهَا مَعَ إِنْبِطَاحِ، وَقِيلَ هُوَ غِلَظ فِي أَرْنَبَةِ الْأَنْفِ، وَقِيلَ تَطَامُنِ فِيهَا وَكُلّه مُتَقَارِب قَالَهُ النَّوَوِيّ. وَفِي (حَجْمَعِ الْبِحَارِ): الذَّلَف بِالْحَرَّكَةِ قِصَرِ الْأَنْف وَانْبِطَاحِه، وَقِيلَ: إِرْتِفَاعِ طَرَفه مَعَ صِغَرَ أَرْنَبَتِه، وَرُوِيَ بِالْمُهْمَلَةِ أَيْضًا إِنْتَهَى. قَالَ النَّوَوِيّ ((فِي شَرْحِ مُسْلِم)): وَهَذِهِ كُلُّهَا مُعْجِزَاتٍ لِرَسُولِ اللهِ وَ فَقَدْ وُجِدَ قِتَالِ هَؤُلَاءِ التُرْك بَجَمِيعِ صِفَاتهم الَّتِي ذَكَرَهَا وَّهِ فَوُجِدُوا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ كُلّهَا فِي زَمَاننَا وَقَاتَلَّهُمْ الْمُسْلِمُونَ مَرَّات، وَقِتَالهم الْآن وَنَسْأَل الله الْكَرِيمِ إِحْسَانِ الْعَاقِبَة لِلْمُسْلِمِينَ إِنْتَهَى مُخْتَصَرًا، [عون ٣٤٢/٩]. ٥٤١٢ - [وعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا خُوزًا وَكَرْمَانَ مِنَ الأَعَاجِمِ، حُمْرَ الْوُجُوهِ، فُطْسَ الأُنُوفِ، صِغَارَ الأَعْيُنِ، وُجُوهُهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، نِعَالُهُمُ الشَّعْرُ)). رَوَاهُ البُخَارِي](١). ٥٤١٣ - [وَ فِي رِوَايَةٍ لَّهُ عَنْ عَمْرو بْنِ تَغْلِب: ((عِرَاضَ الْوُجُوهِ)](٢). (ُمْرِ الْوُجُوهِ فُطَسَ الْأُنُوف) الْفَطَسِ الإِنْفِرَاشِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلِهَا («دُلْف الْأُنُوف)» جَمْع أَدْلُفَة بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَة وَهُوَ الْأَشْهَرِ، قِيلَ: مَعْنَاهُ الصِّغَرِ، وَقِيلَ: الدَّلْف الإِسْتِوَاء فِي طَرَف الْأَنْف لَيْسَ بِحَدٍّ غَلِيظ، وَقِيلَ: تَشْمِيرِ الْأَنْفِ عَنِ الشَّفَةِ الْعُلْيَا، وَدُلْف بِسُكُونِ اللَّامِ جَمْعِ فُرْطهمْ مِثْل حُمْرٍ وَأَحْمَرِ، وَقِيل: الدَّلْف غِلَظ فِي الْأَرْنَبَة وَقِيلَ: تَطَامُن فِيهَا، وَقِيلَ: إِرْتِفَاعِ طَرَفه مَعَ صِغَرَ أَرْنَبَتِهِ، وَقِيلَ: قِصَره مَعَ انْبِطَاحِهِ. (١) أخرجه البخاري (٣٥٩٠). (٢) أخرجه البخاري (٢٩٢٧). ١٥٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر (وُجُوهِهِم الْمَجَانّ الْمُطْرَقَةِ) فِي رِوَايَةٍ: ((كَأَنَّ وُجُوههم الْمَجَانّ الْمُظْرَقَة)) قِيلَ: إِنَّ بِلَادهمْ مَا بَيْن مَشَارِقٍ خُرَاسَان إِلَى مَغَارِبِ الصِّين وَشِمَالِ الْهِنْدِ إِلَى أَقْصَى الْمَعْمُور، قَالَ الْبَيْضَاوِيّ: شَبَّهَ وُجُوهِهِمْ بِالتَّرْسَةِ لِبَسْطِهَا وَتَدْوِيرِهَا وَبِالْمُظْرَقَة لِغِلَظِهَا وَكَثْرَة لَخمها. (نِعَالهم الشَّعْر) قِيلَ الْمُرَاد بِهِ طُول شُعُورهمْ حَتَّى تَصِيرِ أَظْرَافِهَا فِي أَرْجُلهِمْ مَوْضِعِ النِّعَالِ، وَقِيلَ الْمُرَادِ أَنَّ نِعَالهُمْ مِن الشَّعْرِ بِأَنْ يَجْعَلُوا نِعَالهُمْ مِنْ شَعْرِ مَضْفُور. وَزَعَمَ إِبْنِ دِحْيَةٍ أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْقُنْدُسِ الَّذِي يَلْبَسُونَهُ فِي الشَّرَابِيشِ، قَالَ: وَهُوَ جِلْدِ كَلْب الْمَاء. ٥٤١٤ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ:((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْتَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِىَ الْتُهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَيَقُولُ الْحَجَرُ وَالشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللهِ، هَذَا يَهُودِيُّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](١). ٥٤١٥ . [وعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلُ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢). ٥٤١٦ - [وعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَا تَذْهَبُ الأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلُّ يُقَالُ لَهُ: الْجَهْجَاهُ)). وَفِي رِوَايَةٍ: ((حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلُ مِن المَوَالِي يُقَالُ لَهُ: الْجَهْجَاهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ) (٣). ٥٤١٧ [وعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهُ يَقُولُ: ((لَتَفْتَحَنَّ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَنْزَ آلِ كِسْرَى الَّذِي فِي الأَبْيَضِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٤). (١) أخرجه مسلم (٢٩٢٢)، وأحمد (٩٣٨٧). (٢) أخرجه البخاري (٣٣٢٩)، ومسلم (٢٩١٠)، وأحمد (٩٣٩٥)، ونعيم بن حماد (١١٤٠). (٣) أخرجه مسلم (٢٩١١). (٤) أخرجه مسلم (٢٩١٩)، وابن حبان (٦٦٨٧)، والطيالسي (٧٨٢)، والحاكم (٨٥٧٣) وقال: صحيح على شرط مسلم. ١٥٩ کتاب الفتن/ باب الملاحم ٥٤١٨ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((هَلَكَ كِسْرَى فَلَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ، وَقَيْصَرْ لَيَهْلِكَنَّ ثُمَّ لَا يَكُونُ قَيْصَرَّ بَعْدَهُ، وَلَتُقْسَمَنَّ كُنُوزُهَما فِي سَبِيلِ الله)). وَسُمَّيَ الْحَرْب: ((خَدْعَة) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١). ٥٤١٩ - [وعَنْ نَافِعِ بْنِ عُثْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّ: «تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فَيَفْتَحُهَا اللهُ، ثُمَّ فَارِسَ فَيَفْتَحُهَا اللهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ اللهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](٢). ٥٤٢٠ - [وَعَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَِّيَّ ◌َّهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهْوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَقَالَ: ((اعْدُدْ سِتَّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْنِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ مُوتَانُ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطَا، ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتُ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الأَصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ، فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًّا)). رَوَاهُ البُخَارِي](٣). ٥٤٢١ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقَ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ حَيْشُ مِنَ الْمَدِينَةِ، مِنْ خِيَارٍ أَهْلِ الأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، فَإِذَا تَصَافُوا قَالَتِ الرُّومُ: خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سبوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ، فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لَا وَاللّهِ، لَا تُخَلِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا، فَيُقَاتِلُونَهُمْ فَيَنْهَزِمُ ثُلُثُّ لَا يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًّا، وَيُقْتَلُ ثُلْتُهُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللهِ، وَيَفْتَتِحُ القُلُثُ لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطُنْطِينِيَّةَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ؛ إِذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ، فَيَخْرُجُونَ (١) أخرجه البخاري (٢٩٥٢)، ومسلم (٢٩١٨)، والترمذي (٢٢١٦) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٧١٨٤)، وابن حبان (٦٦٨٩). (٢) أخرجه مسلم (٢٩٠٠)، وأحمد (١٨٩٩٤)، وابن قانع (١٣٩/٣). (٣) أخرجه البخاري (٣٠٠٥). ١٦٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر - وَذَلِكَ بَاطِلَّ - فَإِذَا جَاؤُوا الشَّأْمَ خَرَجَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ يُسَؤُّونَ الصُّفُوفَ؛ إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَأَمَّهُمْ، فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللّهَ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، فَلَوْ تَرَّكَهُ لَانْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ، وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللهُ بِيَدِهِ فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبَتِهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](١). (لَا تَقُومِ السَّاعَةِ حَتَّى تَنْزِلِ الرُّومِ بِالْأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقَ) الْأَعْمَاقِ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَدَابِقِ بِكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِهَا، وَالْكَسْرِ هُوَ الصَّحِيحِ الْمَشْهُور، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمْهُورِ غَيْرِهِ، وَحَكَّى الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ الْفَتْحِ، وَلَمْ يَذْكُر غَيْرِه، وَهُوَ إِسْم مَوْضِع مَعْرُوف. قَالَ الْجَوْهَرِيّ: الْأَغْلَبِ عَلَيْهِ التَّذْكِيرِ وَالصَّرْفِ لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ اِسْم نَهْر. قَالَ: وَقَدْ يُؤَنَّث، وَلَا يُصْرَف. وَ(الْأَعْمَاقِ وَدَابِقٍ) مَوْضِعَانِ بِالشَّامِ بِقُرْبٍ حَلَب. (قَالَتِ الرُّومِ خَلُّوا بَيْنِنَا وَبَيْنِ الَّذِينَ سبوا مِنَّا) رُوِيَ (سُبُوا) عَلَى وَجْهَيْنِ: فَتْح السّينِ وَالْبَاءِ، وَضَمّهمَا. قَالَ الْقَاضِي فِي ((الْمَشَارِقِ): الضَّمّ رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ. قَالَ: وَهُوَ الصَّوَاب. قُلْت: كِلَاهُمَا صَوَابٍ، لِأَنَّهُمْ سُبُوا أَوَّلَا، ثُمَّ سَبَوْا الْكُفَّار، وَهَذَا مَوْجُودٍ فِي زَمَاننَا، بَلْ مُعْظَم عَسَاكِرِ الْإِسْلَامِ فِي بِلَاد الشَّام وَمِصْرِ سُبُوا، ثُمَّ هُم الْيَوْم بِحَمْدِ الله يَسْبُونَ الْكُفَّارِ، وَقَدْ سَبَوْهُمْ فِي زَمَاننَا مِرَارًا كَثِيرَة، يَسْبُونَ فِي الْمَرَّةِ الْوَاحِدَة مِن الْكُفَّارِ أُلُوفًا، وَلِلهِ الْحَمْد عَلَى إِظْهَارِ الْإِسْلَامِ وَإِعْزَازه. (فَيَنْهَزِمِ ثُلُثْ لَا يَتُوبِ الله عَلَيْهِمْ) أي: لَا يُلْهِمُهُم الثَّوْبَة، (فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّة) هِيَ بِضَمِّ الْقَافِ وَإِسْكَان السِّينِ وَضَمّ الظَّاءِ الْأَوْلَى وَكَسْرِ الثَّانِيَة وَبَعْدهَا يَاء سَاكِنَةٍ ثُمَّ نُون، هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ، وَهُوَ الْمَشْهُورِ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي فِي ((الْمَشَارِقِ)) عَن الْمُتْقِنِينَ وَالْأَكْثَرِينَ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ زِيَادَة يَاء مُشَدَّدَة بَعْد النُّون، وَهِيَ مَدِينَة مَشْهُورَة مِنْ أَعْظَمْ مَدَائِن الرُّوم. (١) أخرجه مسلم (٢٨٩٧)، والحاكم (٨٤٨٦) وقال: صحيح على شرط مسلم.