النص المفهرس
صفحات 121-140
باب تغیر الناس الفصل الأول ٥٣٦٠ - [وَعَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ الْمِائَة لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). ٥٣٦١ - [وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُم)) قِيْلِ: يَا رَسُولَ الله، الْيَّهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: ((فَمَنْ؟)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢). ٥٣٦٢ - [وَعَنْ مِرْدَاس الأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ: (يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَتَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أو التَّمْرِ، لَا يُبَالِيْهِم اللهُ بَالَهُ). رَوَاهُ البُخَارِي](٣). (حُفَالَةُ كَحُفَالَةٍ) بضم الحاء المهملة وفاء وروي حثالة بثاء مثلثة، وهما الرديء، والفاء والثاء كثيرًا ما يتعاقبان. الفصل الثاني ٥٣٦٣ - [عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِذَا مَشَتْ أَمَّتِي الْمُطَيْطَاءَ، وَخَدَمَتْهُمْ أَبْنَاءُ الْمُلُوكِ أَبْنَاءُ فَارِسَ وَالرُّومِ، سَلَّطَ اللّهُ شِرَارَهَا عَلَى خِيَارِهَا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثُ غَرِيْبٌ](٤). (١) أخرجه البخاري (٦١٣٣)، ومسلم (٢٥٤٧)، والترمذي (٢٨٧٢) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٦٢٣٧)، وابن ماجه (٣٩٩٠)، والطيالسي (١٩١٤). (٢) أخرجه البخاري (٣٢٦٩) ومسلم (٢٦٦٩) وأحمد (١١٨١٧) وابن حبان (٦٧٠٣) والطيالسي (٢١٧٨). (٣) أخرجه البخاري (٤١٥٦). (٤) أخرجه الترمذي (٢٢٦١) وقال: غريب، وابن المبارك (١٨٧). ١٢١٠ ١٢٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر (إِذَا مَشَتْ أُمَّتِي الْمُطَيْطَاءَ) قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: الْمُطَيْطَاءُ بِضَمِّ الْمِيمٍ وَفَتْحِ الظَّاءَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا يَاءُ مُثَنَّةُ تَحْتُ مَمْدُودًا وَيُقْصَرُ التَّبَخْتُرُ وَمَذُّ الْيَدَيْنِ فِي الْمَشْي. وَإِنَّمَا كُرِهَتْ مِشْيَةُ الْمُطَيْطَاءِ لِمَا فِيهَا مِنْ رَوَائِحَ لِلْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَالزَّهْوِ وَالْعُجْبِ؛ فَلِهَذَا نَهَى عَنْهَا النَّبِّ ◌َُّ. ٥٣٦٤ - [وعَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتُلُوا إِمَامَكُمْ وَتَجْتَلِدُوا بِأَسْيَافِكُمْ، وَبَرِثَ دُنْيَاكُمْ شِرَارُكُمْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي](١). ٥٣٦٥ - [وعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعَ)). رَوَاهُ التَّرْمِذِي وَالْبَيْهَقِي فِي: (دَلائِلِ التُّبُوَّةِ)](٢). (لَكَعُ بْنُ لُكَعَ) بِهَمْزَةِ الإِسْتِفْهَامِ بَعْدِهَا مُثَلَّئَةُ مَفْتُوحَة، وَلُكَعُ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْكَاف. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: اللُّكَعُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا الصَّغِيرُ وَالْآخَرِ اللَّثِيمُ، وَالْمُرَاد هُنَا الْأَوَّل. وَقَالَ اِبْنِ التِّين: زَادَ إِبْنِ فَارِسِ أَنَّ الْعَبْدَ أَيْضًا يُقَال لَهُ لُكَعٍ. إِنْتَهَى. وَلَعَلَّ مَنْ أَظْلَقَهُ عَلَى الْعَبْدِ أَرَادَ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَیْنِ. وَقَالَ بِلَالِ بْن جَرِیٍ الثَّمِيمِيُّ: اللُّكَعُ فِي لُغَتنَا الصَّغِيرِ، وَأَصْلُهُ فِي الْمَهْرِ وَنَحْوِهِ. وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ: اللُّكَعُ الَّذِي لَا يَهْتَدِي لِمَنْطِقٍ وَلَا غَيْرِهِ، مَأْخُوذُّ مِن الْمَلَاكِيعِ وَهِيَ الَّتِي تُخْرِجُ مِن السُّلَّا. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَهَذَا الْقَوْلِ أَرْجَحِ الْأَقْوَالِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْحَسَنِ صَغِيرٌ لَا يَهْتَدِي لِمَنْطِقٍ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ لَئِمُ وَلَا عَبْدًّ. [الفتح ٤٥٥/٦]. ٥٣٦٦ - [وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبِ الْقُرَغِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَلِّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: إِنَّا لَجُلُوسُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهُ فِي الْمَسْجِدِ فَاطَّلَعَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيٍْ، مَا (١) أخرجه الترمذي (٢٣٢٥). (٢) أخرجه الترمذي (٢٢٠٩) وقال: حسن غريب، وأحمد (٢٣٣٥١)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢٦٨٢)، ونعيم بن حماد (٥٥٤). ١٢٣ كتاب الرقاق / باب تغير الناس عَلَيْهِ إِلَّا بُرْدَةٌ لَهُ مَرْقُوعَةٌ بِفَرْوٍ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بَكَى لِلَّذِي كَانَ فِيهِ مِنَ التّعْمَةِ وَالَّذِي هُوَ فِيْهِ الْيَوْمَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله ◌ََّ: ((كَيْفَ بِكُمْ إِذَا غَدَا أَحَدُكُمْ فِي حُلَّةٍ وَرَاحَ فِي حُلَّةٍ، وَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ صَحْفَةٌ وَرُفِعَتْ أُخْرَى، وَسَتَرْتُمْ بُيُوتَكُمْ كَمَا تُسْتَرُ الْكَعْبَةُ؟» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، نَحْنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مِنَّا الْيَوْمَ، نَتَفَرَّغُ لِلْعِبَادَةِ وَنُكْفَى الْمُؤْنَّةَ، قَالَ: ((لا أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي](١). ٥٣٦٧ - [وعَنْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ:((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانُّ، الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثٌ غَرِيْبُ إِسْنادًا](٢). ٥٣٦٨ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّ: ((إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ، فَظَهْرُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا، وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ وَأَمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ، فَبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثُ غَرِيْبٌ](٣). ٥٣٦٩ - [وعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: ((يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا) فَقَالَ قَائِلُ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: ((بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءُ كَغْتَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللّهُ مِنْ صُدُورٍ عَدُوّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ)) قَالَ قَائِلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْوَهَنُ؟ قَالَ: ((حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ، وَالبَيْهَقِي في: (دَلائِلِ السُّبُوَّةِ))](٥). (يُوشِك الْأُمَم) أي: يَقْرَب فِرَق الْكُفْر وَأُمَم الضَّلَالَةِ (أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ أَي: تَتَدَاعَى بِأَنْ يَدْعُو بَعْضهمْ بَعْضًا لِمُقَاتَلَتِكُمْ وَكَسْر شَوْكَتَكُمْ وَسَلْب مَا مَلَكْتُمُوهُ مِنِ الدِّيَارِ وَالْأَمْوَال (كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَة) ضُبِطَ فِي (١) أخرجه الترمذي (٢٤٧٦) وقال: هذا حديث حسن، وهناد في ((الزهد)) (٧٥٨). (٢) أخرجه الترمذي (٢٢٦٠) وقال: غريب. (٣) أخرجه الترمذي (٢٢٦٦) وقال: غريب. (٤) أخرجه أبو داود (٤٢٩٩)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢٩٠٩). ١٢٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر بَعْض النُّسَخِ الصَّحِيحَة بِفَتْحَتَيْنِ بِوَزْنٍ طَلَبَةٍ وَهُوَ جَمْع آكِلِ، وَقَالَ فِي ((الْمَجْمَعِ)) نَقْلًا عَنْ ((الْمَفَاتِيحِ شَرْحِ الْمَصَابِيح)) وَيُرْوَى الْأَكَلَة بِفَتْحَتَيْنِ أَيْضًا جَمْع آكِل اِنْتَهَى، وَقَالَ فِيهِ قُبَيْل هَذَا: وَرِوَايَة أَبِي دَاوُدَ لَنَا الْآكِلَةِ بِوَزْنِ فَاعِلة. وَقَالَ الْقَارِي: فِي الْمِرْقَاةِ الْآكِلَةِ بِالْمَدِّ وَهِيَ الرَّوَايَةِ عَلَى نَعْتِ الْفِئَةِ وَالْجَمَاعَةِ أَوْ تَحْوِ ذَلِكَ كَذَا رُوِيَ لَنَا عَنْ كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ، وَهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَفْرَاده ذَكَرَهُ الطَّبِيُّ. وَلَوْ رَوَى الْأَّكَلَة بِفَتْحَتَيْنِ عَلَى أَنَّهُ جَمْع آكِل اِسْم فَاعِل لَكَانَ لَهُ وَجْهِ وَجِيهِ اِنْتَهَى. قُلْت: قَدْ رَوَى بِفَتْحَتَيْنِ أَيْضًا كَمَا عَرَفْت، وَالْمَعْنَى كَمَا يَدْعُو أَكَلَةِ الطَّعَامِ بَعْضهمْ بَعْضًا (إِلَى قَصْعَتْهَا) الضَّمِيرِ لِلْأَكَلَةِ أي: الَّتِي يَتَنَاوَلُونَ مِنْهَا بِلَا مَانِعٍ وَلَا مُنَازِعٍ فَيَأْكُلُّونَهَا عَفْوًا وَصَفْوًا كَذَلِكَ يَأْخُذُونَ مَا فِي أَيْدِيكُمْ بِلَا تَعَب يَنَالُهُمْ أَوْ ضَرَر يَلْحَقْهُمْ أَوْ بَأْس يَمْنَعُهُمْ قَالَهُ الْقَارِي قَالَ فِي الْمَجْمَعِ أي: يَقْرُبِ أَنَّ فِرَق الْكُفْر وَأُمَم الضَّلَالَةِ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ أَي: يَدْعُو بَعْضهمْ بَعْضًا إِلَى الإِجْتِمَاعِ لِقِتَالِكُمْ وَكَسْرِ شَوْكَتَكُمْ لِيَغْلِبُوا عَلَى مَا مَلَكْتُمُوهَا مِن الدِّيَارِ، كَمَا أَنَّ الْفِئَةِ الْآكِلَة يَتَدَاعَى بَعْضهمْ بَعْضًا إِلَى قَصْعَتهم الَّتِي يَتَنَاوَلُونَهَا مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ فَيَأْكُلُونَهَا صَفْوًا مِنْ غَيْرِ تَعَب، ◌ِنْتَهَى. (وَمِنْ قِلَّة) خَبَرٍ مُبْتَدَأْ مَحْذُوف (نَحْنُ يَوْمَئِذٍ) مُبْتَدَأْ وَخَبَر صِفَةٍ لَهَا أي: أَنَّ ذَلِكَ الشَّدَاعِ لِأَجْلِ قِلَّة نَحْنُ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ (كَثِير) أي: عَدَدًا وَقَلِيل مَدَدًا (وَلَكِنَّكُمْ غُثَّاء كَغُتَّاء السَّيْلِ) بِالضَّمِّ وَالْمَدّ وَبِالتَّشْدِيدِ أَيْضًا مَا يَحْمِلُهُ السَّيْلِ مِنْ زَبَد وَوَسَخْ شَبَّهَهُمْ بِهِ لِقِلَّةٍ شَجَاعَتهمْ وَدَنَاءَة قَدْرِهِمْ (وَلَيَنْزِعَنَّ) أي: لَيُخْرِجَنَّ (الْمَهَابَةِ) أي: الْخَوْف وَالرُّعْب (وَلَيَقْذِفَنَّ) بِفَتْحِ الْيَاءِ أَي: وَلَيَرْمِيَنَّ الله (الْوَهْنِ) أي: الضَّعْف، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْوَهْنِ مَا يُوجِبُهُ وَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ بِحُبِّ الدُّنْيَا وَكَرَاهَةِ الْمَوْتِ قَالَهُ الْقَارِي (وَمَا الْوَهْنِ) أي: مَا يُوجِبهُ وَمَا سَبَبه. قَالَ الطَّيبِيُّ رَحِمَهُ الله: سُؤَال عَنْ نَوْعِ الْوَهْنِ أَوْ كَأَنَّهُ أَرَادَ مِنْ أَّ وَجْهُ يَكُون ذَلِكَ الْوَهْنِ (قَالَ حُبّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةِ الْمَوْتِ) وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ فَكَأَنَّهُمَا شَيْء وَاحِدٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى إِعْطَاء الدَّنِيَّةِ فِي الدِّينِ مِن الْعَدُوّ الْمُبِينِ، وَنَسْأَل الله الْعَافِيَةِ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: أَبُو عَبْد السَّلَامِ هَذَا هُوَ صَالِحِ بْنِ رُسْتُم الْهَاشِيّ الدِّمَشْقِيّ سُئِلَ ١٢٥ كتاب الرقاق / باب تغير الناس عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ فَقَالَ: مَجْهُول لَا نَعْرِفُهُ. [عون ٣٣٤/٩]. الفصل الثالث ٥٣٧٠ [عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: «مَا ظَهَرَ الْغُلُولُ فِي قَوْمٍ إِلَّا أَلْقَى الله فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَلَا فَشَا الَّنَا فِي قَوْمٍ إِلَّا كَثُرَ فِيهِمُ الْمَوْتُ، وَلَا نَقَصَ قَوْمُ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّ قُطِعَ عَنْهُمُ الرِّزْقُ، وَلَا حَكَمَ قَوْمٌ بِغَيْرٍ حَقٍّ إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الدَّمُ، وَلَا خَتَرَ قَوْمُ بِالْعَهْدِ إِلَّا سَلَّطَ عَلَيْهِمُ الْعَدُوَّ)). رَوَاهُ مَالِك](١). (١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) (٩٨٧). باب في ذكر الإنذار والتحذير الفصل الأول ٥٣٧١ - [عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارِ الْمُجَاشِعِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: ((أَلَا إِنَّ رَبِي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّ عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا: كُلُّ مَالٍ تَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالُ، وَإِّ خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَإِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْطَانَ، وَإِنَّ اللّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ إِذَا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً، قَالَ: اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اخْرَجُوكَ وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ، وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ، وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ](١). ٥٣٧٢ - [وعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صَعِدَ النَّبِيُّ ◌َّهِ الصَّفَا فَجَعَلَ يُنَادِي: ((يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٌّ)) لِبُطُونِ قُرَيْشِ حَتَّى اجْتَمَعُوا، فَقَالَ: ((أَرَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟)) قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا، قَالَ: ﴿إِنّ هو إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبَّ لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: نَادَى: (يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، إِنَّمَا مَثَلي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ فَانْطَلَقَ يَرْبَأُ أَهْلَهُ، فَخَشِيَ أَنْ يَسْبِقُوهُ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ: يَا صَبَاحَاهْ)](٢). ٥٣٧٣ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزِلَتْ: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ (١) أخرجه مسلم (٢٨٦٥)، وأحمد (١٧٥١٩)، والطبراني (٩٨٧). (٢) أخرجه البخاري (٤٤٩٢)، ومسلم (٢٠٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٤٢٦). ١٢٦٠ - ١٢٧ كتاب الرقاق/ باب في ذكر الإنذار والتحذير [الشعراء: ٢١٤] دَعَا النَّبِيُّ ◌َهِ قُرَيْشًا فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ وَخَصَّ فَقَالَ: ((يَا بَنِي كَعْبٍ بْنِ لُؤَيٌّ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِّبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الثَّارِ، يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللّهِ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمَا سَأَبْلُّهَا بِبَلَالِهَا)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](١). وَفِي المُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشِ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللّه شَيْئًا، وَيَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمََّ رَسُولِ اللهِ، لَا أَغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا)). (يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ) قَالَ صَاحِب ((الْمَطَالِعِ)): لُؤَيّ يُهْمَزِ وَلَا يُهْمَزِ وَالْهَمْزِ أَكْثَر. (يَا فَاطِمَة أَنْقِذِي نَفْسِك) هَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْض الْأُصُولِ فَاطِمَةٍ وَفِي بَعْضِهَا أَوْ أَكْثَرِهَا ((يَا فَاطِم)) بِحَذْفِ الْهَاء عَلَى التَّرْخِيمِ، وَعَلَى هَذَا يَجُوز ضَمّ الْمِيم وَفَتْحِهَا كَمَا عُرِفَ فِي نَظَائِرِهِ. (فَإِّ لَا أَمْلِكَ لَكُمْ مِن اللهِ شَيْئًا) مَعْنَاهُ: لَا تَتَّكِلُوا عَلَى قَرَابَتِي فَإِنِّي لَا أَقْدِر عَلَى دَفْع مَكْرُوهُ يُرِيدُهُ الله تَعَالَى بِكَمْ. (غَيْرِ أَنَّ لَكُمْ رَحِمَا سَأَبُلَّهَا بِلَالِهَا) ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ الْبَاءِ الثَّانِيَةِ وَكَسْرِهَا وَهُمَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَّرَهُمَا جَمَاعَاتِ مِن الْعُلَمَاءِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: رَوَيْنَاهُ بِالْكَسْرِ، قَالَ: وَرَأَيْتِ لِلْخَطَّابِيِّ أَنَّهُ بِالْفَتْحِ، وَقَالَ صَاحِب ((الْمَطَالِعِ)): رَوَيْنَاهُ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا مِنْ بَلَّهُ يَبْلَهُ وَالْبِلَالِ الْمَاءِ، وَمَعْنَى الْحَدِيث: سَأَصِلُهَا، شُبِّهَتْ قَطِيعَة الرَّحِم بِالْحَرَارَةِ وَوَصْلِهَا بِإِطْفَاءِ الْحَرَارَةِ بِبُرُودَةٍ، وَمِنْهُ (بُّوا أَرْحَامَكُمْ)) أي: صِلُوهَا. [النووي ٣٥٠/١]. (١) أخرجه البخاري (٢٦٠٢) ومسلم (٢٠٤ - ٢٠٦) والنسائي (٣٦٤٤ - ٣٦٤٦) وأحمد (١٠٧٣٦) والدارمي (٢٧٣٢) وإسحاق بن راهويه (٢٢٨) وأبو عوانة (٢٦٨). ١٢٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر الفصل الثاني ٥٣٧٤ - [عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: (أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا: الْفِتَنُ وَالزَّلَازِلُ وَالْقَتْلُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١). ٥٣٧٥ - ٥٣٧٦ - [وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ قَالَ: «إِنَّ هَذَا الأَمْرُ بَدَأَ نُبُوَّةً وَرَحْمَةً، ثُمَّ يَكُون خِلافَةً وَرَحْمَةً، ثُمَّ مُلْكًا عَضَوضًا، ثُمَّ كَائِنًا جَبْرِيَّةً وَعُتُوًّا وَفَسَادًا فِي الأَرْضِ، يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيرَ وَالْخُمُورَ وَالْفُرُوجَ، يُرْزَقُونَ عَلَى ذَلِكَ ويُنْصَرُونَ حَتَّى يَلْقُوا اللهَ)). رَوَاهُ البَّيْهَِي فِي: ((شُعَبِ الإِيْمَانِ))](٢). ٥٣٧٧ - [وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِهِ يَقُولُ: ((إِنَّ أَوَّلَ مَا يُكْفَأُ)) - قَالَ زَيْدُ بْن يَحْيِى الرَّاوِي: يَعْنِي: الإِسْلَامَ - «كَمَا يُكْفَأُ الإِنَاءُ)) - يَعْنِي: الْخَمْر - فَقِيل: فَكَيْفَ يَا رَسُولَ الله وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ فِيهَا مَا بَيَّنَ؟ قَالَ: ((يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا فَيَسْتَحِلُّونَهَا)). رَوَاهُ الدَّارِمي](٣). (يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا فَيَسْتَحِلُّونَهَا) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَفِي بَعْض الرِّوَايَات تَسْمِيَتِهَا بِغَيْرِ إِسْمِهَا. وَذَكَرَ إِبْنِ التِّينِ عَنِ الدَّاوُدِيّ قَالَ: كَأَنَّهُ يُرِيد بِالْأُمَّةِ مَنْ يَتَسَمَّى بِهِمْ وَيَسْتَحِلّ مَا لَا يَحِلّ لَهُمْ، فَهُوَ كَافِرِ إِنْ أَظْهَرِ ذَلِكَ، وَمُنَافِقٍ إِنْ أَسَرَّهُ، أَوْ مَنْ يَرْتَكِب الْمَحَارِمِ مُجَاهَرَة وَاسْتِخْفَافًا فَهُوَ يُقَارِبِ الْكُفْرِ وَإِنْ تَسَمَّى بِالْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ اللّه لَا يَخْسِفِ بِمَنْ تَعُودِ عَلَيْهِ رَحْمَتْه فِي الْمَعَاد. كَذَا قَالَ؛ وَفِيهِ نَظَر! قَالَ أَبُو عُبَيْد: جَاءَتْ فِي الْخَمْرِ آثَارِ كَثِيرَة بِأَسْمَاء مُخْتَلِفَة فَذَكَرَ مِنْهَا السَّكّر بِفَتْحَتَيْنِ قَالَ: وَهُوَ نَقِيعِ الثَّمْرِ إِذَا غُلِيَّ بِغَيْرِ طَبْخِ، وَالْجِعَة بِكَسْرِ الْجِيم وَتَخْفِيفِ الْعَيْنِ نَبِيذ الشَّعِير، وَالسُّكْرُكَةِ خَمْرِ الْحَبَشَة مِن الذُّرَة - إِلَى أَنْ قَالَ - وَهَذِهِ الْأَشْرِبَةِ الْمُسَمَّاة (١) أخرجه أبو داود (٤٢٧٨)، والحاكم (٨٣٧٢) وقال: صحيح الإسناد، وعبد بن حميد (٥٣٦)، والبزار (٣٠٩٩)، وأبو يعلى (٧٢٧٧)، والقضاعي (٩٦٩). (٢) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٦١٦)، والطبراني (٣٦٧)، وابن قانع (٢٣٤/٢). (٣) أخرجه الدارمي (٢١٥٣). ١٢٩ كتاب الرقاق/ باب في ذكر الإنذار والتحذير كُلّهَا عِنْدِي كِنَايَة عَنِ الْخَمْرِ، وَهِيَ دَاخِلَةٍ فِي قَوْلِهِ وَلِ: ((يَشْرَبُونَ الْخَمْرِ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ إِسْمِهَا)) وَيُؤَيِّد ذَلِكَ قَوْل عُمَر: ((الْخَمْرِ مَا خَامَرَ الْعَقْل)) [الفتح ٦١/١٦]. الفصل الثالث ٥٣٧٨ - [عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ حُذَيْفَةِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «تَكُونُ التُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا الله تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةُ عَلَى مِنْهَاجِ الثُّبُوَّةِ مَا شَاءَ الله أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا الله تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ مُنْكًا عَاضًّا، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا الله تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا الله تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةِ) ثُمَّ سَكَتَ، قَالَ حَبِيبٌ: فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبْتُ إِلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ أُذَكِّرُهُ إِيَّهُ، وَقُلْتُ: أَرْجُو أَنْ تَكُونَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ الْمُلْكِ الْعَاضِّ وَالْخَبْرِيَّةِ، فَسُرَّ بِهِ وَأَعْجَبَهُ، يَعْنِي: عُمَرَ بْن عَبْدِ الْعَزِيزِ)) رَوَاهُ أَحْمَد، وَالْبَيْهَفِي فِي ((دَلائِلِ النُّبُوَّةِ)] (١). (١) أخرجه أحمد (١٨٤٣٠) والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢٨٤٣) والطيالسي (٤٣٨) والبزار (٢٧٩٦). كتاب الفتن الفصل الأول ٥٣٧٩ - [عَنْ حُذَيْفَةً قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِهِ مَقَامًا مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَ بِهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). (حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَفَسِيَهُ مَنْ فَسِيَهُ قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ) قال الحافظ: أي: عَلِمُوا وُقُوع ذَلِكَ الْمَقَام وَمَا وَقَعَ فِيهِ مِن الْكَلَامِ، وَقَدْ سَمَّيْتِ فِي أَوَّل بَدْءِ الْخُلْقِ مَنْ رَوَى نَحْوَ حَدِيث حُذَيْفَة هَذَا مِنِ الصَّحَابَة كَعُمَرَ وَأَبِي زَيْدِ بْنِ أَخْطَبَ وَأَبِي سَعِيد قَالَ وَغَيْرِهِمْ فَلَعَلَّ حُذَيْفَةٍ أَشَارَ إِلَيْهِمْ أَوْ إِلَى بَعْضهمْ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَبِي إِدْرِيس الْخَوْلَانِيِّ عَنْ حُذَيْفَة «وَاللهِ إِّ لَأَعْلَمُ كُلّ فِتْنَةٍ كَائِنَةٍ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنِ السَّاعَةِ، وَمَا بِي أَنْ يَكُون رَسُولِ اللهِ وَّهِ أَسَرَّ إِلَىَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يُحَدِّثُ بِهِ غَيْرِي)) وَقَالَ فِي آخِره: ((فَذَهَبَ أُولَئِكَ الرَّهْط غَيْرِي)» وَهَذَا لَا يُنَاقِضِ الْأَوَّل بَلْ يُجْمَع بِأَنْ يُحْمَل عَلَى مَجْلِسَيْنِ، أَو الْمُرَاد بِالْأَوَّلِ أَعَمّ مِن الْمُرَاد بِالثَّانِي. (وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ فَسِيتُهُ فَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ) أي: الَّذِي كَانَ غَابَ عَنْهُ فَنَسِيَ صُورَتِهِ ثُمَّ إِذَا رَاهَ عَرَفَهُ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةٍ إِبْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ سُفْيَانِ بِلَفْظِ: ((إِّ لَأَرَى الشَّيْءَ نَسِيته فَأَعْرِفُهُ كَمَا يَعْرِفِ الرَّجُلِ إِلَخْ)». تَنْبِيهُ: أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ الْقَاضِي عِيَاضُ فِي ((الشِّفَاءِ)) مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدِهِ إِلَى قَوْله: (ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ)) ثُمَّ قَالَ حُذَيْفَةِ ((مَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَصْحَابِي أَمْ تَنَاسَوْهُ، وَالله مَا تَرَكَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ مِنْ قَائِدٍ فِتْنَةٍ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الدُّنْيَا يَبْلُغُ مَنْ مَعَهُ ثَلاثِمِائَةٍ إِلَّا قَدْ سَمَّاهُ لَنَا». (١) أخرجه البخاري (٦٦٠٤)، ومسلم (٧٤٤٥). - ١٣٠ ١٣١ كتاب الفتن قُلْت: وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ فِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ آخَر مُسْتَقِلٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُذَيْفَة. [٤٤٨/١٨]. ٥٣٨٠ - [وعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ يَقُولُ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْخَصِيرٍ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَهُ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةُ بَيْضَاءُ، حَتَّى يَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: أَبْيَض مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةُ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا، كَالْكُوزٍ مجخيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ)) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ](١). (حَتَّى يَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: أَبْيَض مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَهُ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا، كَالْكُوزِ مُجَخِّيًّا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللهُ: لَيْسَ تَشْبِيهِه بِالصَّفَا بَيَانًا لِبَيَاضِهِ لَكِنْ صِفَة أُخْرَى لِشِدَّتِهِ عَلَى عَقْد الْإِيمَانِ وَسَلَامَته مِن الْخُلَلِ، وَأَنَّ الْفِتَنِ لَمْ تَلْصَق بِهِ، وَلَمْ تُؤَثِّرِ فِيهِ كَالصَّفَا وَهُوَ الْحُجْرِ الْأَمْلَسِ الَّذِي لَا يَعْلَق بِهِ شَيْء. (مُرْبَادًا) فَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَتِنَا وَأُصُول بِلَادَنَا وَهُوَ مَنْصُوب عَلَى الْحَالِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللهِ خِلافًا فِي ضَبْطِه، وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ ((مُرْبَئِد)) بِهِمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَ الْبَاءِ. قَالَ الْقَاضِي: وَهَذِهِ رِوَايَةٍ أَكْثَرِ شُيُوخنَا. وَأَصْلِه أَنْ لَا يُهْمَزْ وَيَكُون (مُرْبَدٌ) مِثْلِ مُسَوَّدٍ وَمُحْمَرٌ، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدِ وَالْهَرَوِيّ وَصَحَّحَهُ بَعْض شُيُوخِنَا عَنْ أَبِي مَرْوَان بْنِ سَرَّاج ◌ِأَنَّهُ مِن إِرْبَدَّ إِلَّ عَلَى لُغَة مَنْ قَالَ إِحْمَرَّ بِهَمْزَةٍ بَعْد الْمِيم لِالْتِقَاءِ السَّاكِنِينَ فَيُقَال: إِرْبَأَدٌ وَمُرْبَئِدٌ وَالدَّالِ مُشَدَّدَةٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. (مجخيًا) فَهُوَ بِمِيمٍ مَضْمُومَة ثُمَّ حِيم مَفْتُوحَة ثُمَّ خَاء مُعْجَمَة مَكْسُورَة مَعْنَاهُ مَائِلًا كَذَا قَالَهُ الْهَرَوِيُّ وَغَيْرهِ. وَفَسَّرَهُ الرَّاوِي فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ: مَنْكُوسًا وَهُوَ قَرِيب مِنْ مَعْنَى الْمَائِلِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٍ: قَالَ لِي إِبْنِ سَرَّاج: لَيْسَ قَوْله كَالْكُوزِ مجخيًا تَشْبِيهًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ سَوَاده بَلْ هُوَ وَصْف آخَر مِنْ أَوْصَافِه بِأَنَّهُ قُلِبَ وَنُكْسَ حَتَّى لَا يَعْلَق بِهِ خَيْرٍ وَلَا حِكْمَة. وَمِثْلِه بِالْكُوزِ الْمُجَخِّي وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ لَا يَعْرِفِ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرِ مُنْكَرًا. (١) أخرجه مسلم (٣٨٦). ١٣٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر قَالَ الْقَاضِي: شَبَّهَ الْقَلْبِ الَّذِي لَا يَعِي خَيْرًا بِالْكُورِ الْمُنْحَرِفِ الَّذِي لَا يَثْبُتِ الْمَاء فِيهِ. وَقَالَ صَاحِب (التَّحْرِير): مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الرَّجُل إِذَا تَبِعَ هَوَاهُ وَارْتَكَبَ الْمَعَاصِي دَخَلَ قَلْبِه بِكُلِّ مَعْصِيَةٍ يَتَعَاطَاهَا ظُلْمَةٍ، وَإِذَا صَارَ كَذَلِكَ أُقْتُِّنَ وَزَالَ عَنْهُ نُورِ الْإِسْلَامِ. وَالْقَلْبِ مِثْل الْكُوزِ فَإِذَا إِنْكَبَّ إِنْصَبَّ مَا فِيهِ وَلَمْ يَدْخُلُهُ شَيْءِ بَعْدِ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلهِ فِي الْكِتَابِ: ((قُلْت لِسَعْدٍ: مَا أَسْوَدِ مُرْبَادًّا فَقَالَ: شِدَّةِ الْبَيَاض فِي سَوَاد)). فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٍ: كَانَ بَعْض شُيُوخنَا يَقُول: إِنَّهُ تَصْحِيف، وَهُوَ قَوْل الْقَاضِي أَبِ الْوَلِيدِ الْكِنَائِيّ قَالَ: أَرَى أَنَّ صَوَابِه شَبَّهَ الْبَيَاضِ فِي سَوَاد؛ وَذَلِكَ أَنَّ شِدَّةِ الْبَيّاض فِي سَوَادٍ لَا يُسَتَّى رُبْدَة، وَإِنَّمَا يُقَال لَهَا ((بُلْقِ)) إِذَا كَانَ فِي الْجِسْمِ، وَحَوَرًا إِذَا كَانَ فِي الْعَيْنِ. وَالرُّبْدَةِ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٍ مِنْ بَيَاض يَسِير يُخَالِطِ السَّوَادِ كَلَوْنٍ أَكْثَرِ النَّعَامِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلنَّعَامَةِ: رَبْدَاء فَصَوَابِه: شَبَّهَ الْبَيَاضِ لَا شِدَّة الْبَيَاض. قَالَ أَبُو عُبَيْد عَنْ أَبِي عَمْرو وَغَيْرِهِ: الرُّبْدَة لَوْنِ بَيْنِ السَّوَادِ وَالْغَبَرَةِ. وَقَالَ إِبْنِ دُرَيْدٍ: الرُّبْدَة لَوْن أَكْدَرِ. وَقَالَ غَيْره: هِيَ أَنْ يَخْتَلِطِ السَّوَادِ بِكَدِرَةٍ. وَقَالَ الْخَرْبِيّ: لَوْن النَّعَامِ بَعْضِه أَسْوَدِ وَبَعْضِه أَبْيَض، وَمِنْهُ إِرْبَدَّ لَوْنِه إِذَا تَغَيَّرَ وَدَخَلَهُ سَوَادٍ. وَقَالَ نَفْطَوَيْهِ: الْمِرْبَدِ الْمُلَمَّعِ بِسَوَادٍ وَبَيَاض، وَمِنْهُ تَرَبَّدَ لَوْنِه أَي: تَلَوَّنَ. والله أَعْلَم [النووي ٢٦٨/١]. ٥٣٨١ [وَعَنْهُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِلَّهِ حَدِيثَيْنِ، رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا: ((إِنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرٍ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ)) وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا قَالَ: «يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ، فَيَبْقَى أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْمَجْلِ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ وَلَا يَكَادُ أَحَدُّ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلاً أَمِينًا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ، وَمَا أَظْرَفَهُ، وَمَا أَجْلَدَهُ، وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). (١) أخرجه البخاري (٦١٣٢) ومسلم (١٤٣) والترمذي (٢١٧٩) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٢٣٣٠٣) وابن ماجه (٤٠٥٣)، وابن حبان (٦٧٦٢) والطيالسي (٤٢٤)، وأبو عوانة (١٤١). ١٣٣ كتاب الفتن ٥٣٨٢ - [وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ وَهِ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرِّ؟ قَالَ: (نَعَمْ)) قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنَّ)) قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: ((قَوْمُ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْبِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ)) قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرِّ؟ قَالَ: (نَعَمْ، دُعَاءً عَلَى أَبْوَابٍ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: ((هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا) قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: (َلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ)) قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: (فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ(١) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ وَلَا يَسْتَنُونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالُّ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسِ)) قَالَ حُذَيْفَة: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ الأَمِيرَ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ)](٩). (مَخَافَةٍ أَنْ يُدْرِكَنِي) فِي رِوَايَة نَصْرِ بْن عَاصِمٍ عَنْ حُذَيْفَة عِنْدَ إِبْنٍ أَبِي شَيْبَة (وَعَرَفْت أَنَّ الْخَيْرِ لَنْ يَسْبِقِنِ)) (فِي جَاهِلِيَّة وَشَرّ) يُشِير إِلَى مَا كَانَ مِنْ قَبْل الْإِسْلَامِ مِن الْكُفْر وَقَتْل بَعْضهمْ بَعْضًا وَنَهْب بَعْضهمْ بَعْضًا وَإِثْيَانِ الْفَوَاحِش (فَجَاءَنَا الله بِهَذَا الْخَيْرِ) يَعْنِي الْإِيمَانِ وَالْأَّمْنِ وَصَلَاحِ الْحَالِ وَاجْتِنَابِ الْفَوَاحِش، زَادَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَة أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ حُذَيْفَةِ ((فَنَحْنُ فِيهِ)) (فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرّ؟ قَالَ: نَعَمْ) فِي رِوَايَة نَصْرِ بْن عَاصِم ((فِتْنَة وَفِي رِوَايَة سُبَيْعِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ حُذَيْفَة عِنْدَ إِبْنِ أَبِي شَيْبَةِ (فَمَا الْعِصْمَة مِنْهُ؟ قَالَ: السَّيْف، قَالَ: فَهَلْ بَعْدَ السَّيْف مِنْ تَقِيَّة؟ قَالَ: نَعَمْ هُدْنَة)) وَالْمُرَاد (١) أخرجه البخاري (٣٤١١)، ومسلم (١٨٤٧)، وابن ماجه (٣٩٧٩)، وأبو عوانة (٧١٦٦)، والحاكم (٣٨٦). (٢) أخرجه مسلم (٤٨٩١). ١٣٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر بِالشَرِّ مَا يَقَع مِن الْفِتَن مِنْ بَعْدِ قَتْل عُثْمَان وَهَلُمَّ جَرًّا أَوْ مَا يَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ مِنْ عُقُوبَاتِ الْآخِرَة (قَالَ: نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَن) بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَتَيْنِ بَعْدَهَا نُون وَهُوَ الْحِقْدِ، وَقِيلَ: الدَّغَل، وَقِيلَ فَسَادٍ فِي الْقَلْبِ، وَمَعْنَى الثَّلَاثَة مُتَقَارِب. يُشِير إِلَى أَنَّ الْخَيْرِ الَّذِي يَجِيءَ بَعْدَ الشَّلَا يَكُون خَيْرًا خَالِصًا بَلْ فِيهِ كَدَر. وَقِيلَ الْمُرَاد بِالدَّخَنِ الدُّخَانِ وَيُشِيرِ بِذَلِكَ إِلَى كَدَر الْحَالِ، وَقِيلَ: الدَّخَنِ كُلّ أَمْرِ مَكْرُوه. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يُفَسِّرِ الْمُرَادِ بِهَذَا الْحَدِيث، الْحَدِيثِ الْآخَرِ: ((لَا تَرْجِع قُلُوب قَوْم عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ) وَأَصْلِه أَنْ يَكُونِ فِي لَوْنِ الذَّابَّةِ كُدُورَةٍ، فَكَأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ قُلُوبِهِمْ لَا يَصْفُو بَعْضِهَا لِبَعْضِ (قَوْمٍ يَهْدُونَ) بِفَتْحِ أَوَّله (بِغَيْرِ هَدْبِي) بِيَاءِ الْإِضَافَة بَعْدَ الْيَاءِ لِلْأَكْثَرِ وَبِيَاءٍ وَاحِدَةٍ مَعَ التَّنْوِين لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَفِي رِوَايَة أَبِي الْأَسْوَدِ: ((يَكُون بَعْدِي أَئِمَّة يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي)» (تَعْرِف مِنْهُمْ وَتُنْكِر) يَعْنِي مِنْ أَعْمَالهِمْ، وَفِي حَدِيث أُمّ سَلَمَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: (فَمَنْ أَنْكَرَ بَرِئَ وَمَنْ كَرِهَ سَلِمَ)) (دُعَاة) بِضَمِّ الدَّال الْمُهْمَلَة جَمْعِ دَاعٍ أي: إِلَى غَيْرِ الْحَقِ (عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّم) أَظْلَقَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا يَقُولُ إِلَيْهِ حَالُهُمْ، كَمَا يُقَال لِمَنْ أَمَرَ بِفِعْلٍ مُحَرَّم: وَقَفَ عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ (هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا) أي: مِنْ قَوْمِنَا وَمِنْ أَهْلِ لِسَاننَا وَمِلَّتْنَا، وَفِيهِ: إِشَارَةٍ إِلَى أَنَّهُمْ مِن الْعَرَبِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: أي: مِنْ بَنِي آدَم. وَقَالَ الْقَابِسِيّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ فِي الظَّاهِرِ عَلَى مِلَّتنَا وَفِي الْبَاطِنِ مُحَالِفُونَ، وَجِلْدَة الشَّيْء ظَاهِرِهِ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ غِشَاء الْبَدَن، قِيلَ وَيُؤَيِّد إِرَادَةِ الْعَرَب أَنَّ السُّمْرَةِ غَالِبَةٍ عَلَيْهِمْ وَاللَّوْن إِنَّمَا يَظْهَرِ فِي الْجِلْدِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أَبِي الْأَسْوَدِ ((فِيهِمْ رِجَال قُلُوبِهمْ قُلُوب الشَّيَاطِين فِي جُثْمَانِ إِنْس)) وَقَوْله: (جُثْمَان)) بِضَمِّ الْجِيم وَسُكُون الْمُثَلَّئَةِ هُوَ الْجَسَد وَيُظْلَق عَلَى الشَّخْصِ، قَالَ عِيَاضِ: الْمُرَاد بِالشَّرِّ الْأَوَّلِ الْفِتَنِ الَّتِي وَقَعَتْ بَعْدَ عُثْمَانِ، وَالْمُرَاد بِالْخَيْرِ الَّذِي بَعْدَهُ مَا وَقَعَ فِي خِلَافَةِ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ، وَالْمُرَاد بِالَّذِينَ تَعْرِف مِنْهُمْ وَتُنْكِرِ الْأُمَرَاءِ بَعْدَهُ، فَكَانَ فِيهِمْ مَنْ يَتَمَسَّكِ بِالسُّنَّةِ وَالْعَدْلِ وَفِيهِمْ مَنْ يَدْعُو إِلَى الْبِدْعَة وَيَعْمَل بِالْجُوْرِ. قُلْت: وَالَّذِي يَظْهَرِ أَنَّ الْمُرَادِ بِالشَّرِّ الْأَوَّلِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِن الْفِتَنِ الْأُولَى، وَبِالْخَيْرِ ١٣٥ كتاب الفتن مَا وَقَعَ مِن الإِجْتِمَاعِ مَعَ عَلِيّ وَمُعَاوِيَة وَبِالدَّخَنِ مَا كَانَ فِي زَمَنهمَا مِنْ بَعْض الْأُمَرَاءِ كَزِيَادٍ بِالْعِرَاقِ وَخِلَاف مَنْ خَالَفَ عَلَيْهِ مِن الْخَوَارِجِ وَبِالدُّعَاةِ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ قَامَ فِي طَلَب الْمُلْك مِن الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ: «الْزَمْ جَمَاعَة الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامِهِمْ)) يَعْنِي وَلَوْ جَارَ وَيُوَضِّح ذَلِكَ رِوَايَةٍ أَبِي الْأَسْوَدِ: ((وَلَوْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَك)) وَكَانَ مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرًا فِي إِمَارَةِ الْحْجَّاجِ وَنَحْوِهِ (تَلْزَم جَمَاعَة الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامِهِمْ) بِكْسْرِ الْهَمْزَة أي: أَمِيرِهِمْ زَادَ فِي رِوَايَةٍ أَبِي الْأَسْوَدِ «تَسْمَعِ وَتُطِيعِ وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَاَلَك)) وَكَذَا فِي رِوَايَة خَالِدِ بْنِ سُبَيْعِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ((فَإِنْ رَأَيْت خَلِيفَة فَالْزَمْهُ وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرك، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةٍ فَالْهَرَبِ)) (وَلَوْ أَنْ تَعَضّ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الضَّاد الْمُعْجَمَة أي: وَلَوْ كَانَ الإِعْتِزَالِ بِالْعَضِّ فَلَا تَعْدِل عَنْهُ. وَتَعَضّ بِالنَّصْبِ لِلْجَمِيعِ، وَضَبَطَهُ الْأَشِيرِيّ بِالرَّفْعِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ جَوَازِهِ مُتَوَقِّف عَلَى أَنْ يَكُون (أَنْ)) الَّتِي تَقَدَّمَتْهُ مُخَفَّفَةٍ مِنِ الثَّقِيلَةِ وَهُنَا لَا يَجُوزِ ذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا تَلِي (لَوْ)) نَبَّهَ عَلَيْهِ صَاحِب (الْمُغْنِي)) وَفِي رِوَايَةٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْط عَنْ حُذَيْفَةٍ عِنْدَ إِبْنِ مَاجَهِ فَلَأَنْ تَمُوت وَأَنْتَ عَاضَ عَلَى جِدْلِ خَيْرِ لَك مِنْ أَنْ تَتَّبِعِ أَحَدًا مِنْهُمْ)) وَالْجِدْلِ بِكَسْرِ الْجِيم وَسُكُون الْمُعْجَمَة بَعْدَهَا لَام عُودٍ يُنْصَب لِتَحْتَكَّ بِهِ الْإِبِلِ، وَقَوْله: (وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ)) أي: الْعَضّ، وَهُوَ كِنَايَةٍ عَنْ لُزُومٍ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَطَاعَة سَلَاطِينِهِمْ وَلَوْ عَصَوْا. قَالَ الْبَيْضَاوِيّ: الْمَعْنَى إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٍ فَعَلَيْك بِالْعُزْلَةِ وَالصَّبْرِ عَلَى تَحَمُّل شِدَّةِ الزَّمَانِ، وَعَضّ أَصْلِ الشَّجَرَةِ كِنَايَة عَنْ مُكَابَدَة الْمَشَقَّة كَقَوْلِهِمْ فُلَان يَعَضّ الْحِجَارَة مِنْ شِدَّةِ الْأَلَم، أَو الْمُرَاد اللُّزُومِ كَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «عَضُّوا عَلَيْهَا بِالتَّوَاجِذِ)) وَيُؤَيِّد الْأَوَّلِ قَوْله فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: ((فَإِنْ مُتَ وَأَنْتَ عَاضّ عَلَى جِدْل خَيْرِ لَك مِنْ أَنْ تَتَّبِعِ أَحَدًا مِنْهُمْ)) وَقَالَ إِبْنِ بَطَّال: فِيهِ حُجَّة ◌ِجِمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوب لُزُوم جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَتَرْكِ الْخُرُوجِ عَلَى أَئِمَّةِ الْجُوْرِ، لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّائِفَةِ الْأَخِيرَة بِأَنَّهُمْ (دُعَاة عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّم)) وَلَمْ يَقُلْ فِيهِمْ (تَعْرِفِ وَتُنْكِر)) كَمَا قَالَ فِي الْأَوَّلِينَ، وَهُمْ لَا يَكُونُونَ كَذَلِكَ إِلَّا وَهُمْ عَلَى غَيْرِ حَقّ، وَأَمَرَ مَعَ ذَلِكَ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ. ١٣٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر قَالَ الظَّبَرِيُّ: أُخْتُلِفَ فِي هَذَا الْأَمْرِ وَفِي الْجَمَاعَةِ، فَقَالَ قَوْمٍ: هُوَ لِلْوُجُوبِ وَالْجْمَاعَةِ السَّوَاد الْأَعْظَمِ، ثُمَّ سَاقَ عَنْ مُحَمَّد بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي مَسْعُود أَنَّهُ وَصَّى مَنْ سَأَلَهُ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَان «عَلَيْك بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّ الله لَمْ يَكُنْ لِيَجْمَعَ أُمَّة مُحَمَّد عَلَى ضَلَالَةٍ)). وَقَالَ قَوْمٍ: الْمُرَادِ بِالْجْمَاعَةِ الصَّحَابَةِ دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ، وَقَالَ قَوْمٍ: الْمُرَاد بِهِمْ أَهْل الْعِلْم ◌ِأَنَّ اللّه جَعَلَهُمْ حُجَّةٍ عَلَى الْخُلْقِ وَالنَّاسِ تَبَع لَهُمْ فِي أَمْر الدِّين. قَالَ الطََّرِيُّ: وَالصَّوَابِ أَنَّ الْمُرَادِ مِن الْخْبَرِ لُومِ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ فِي طَاعَة مَن اِجْتَمَعُوا عَلَى تَأْمِيره، فَمَنْ نَكَثَ بَيْعَتَهُ خَرَجَ عَنِ الْجَمَاعَةِ، قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَتَى لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ إِمَامٍ فَافْتَرَقَ النَّاسِ أَحْزَابًا فَلَا يَتَّبِعِ أَحَدًا فِي الْفُرْقَة وَيَعْتَزِل الْجَمِيعِ إِن إِسْتَطَاعَ ذَلِكَ خَشْيَةَ مِن الْوُقُوعِ فِي الشَّرّ، وَعَلَى ذَلِكَ يَتَنَزَّل مَا جَاءَ فِي سَائِرِ الْأَحَادِيث، وَبِهِ يُجْمَعِ بَيْنَ مَا ظَاهِرِهِ الإِخْتِلَافِ مِنْهَا، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْط. قَالَ اِبْنِ أَبِي جَمْرَةِ: فِي الْحَدِيثِ حِكْمَة الله فِي عِبَاده كَيْفَ أَقَامَ كُلَّا مِنْهُمْ فِيمَا شَاءَ؛ فَحُبِّبَ إِلَى أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ السُّؤَالِ عَنْ وُجُوهِ الْخَيْرِ لِيَعْلَمُوا بِهَا وَيُبَلِّغُوهَا غَيْرِهمْ، وَحُبِّبَ لِحُذَيْفَةَ السُّؤَالِ عَنِ الشَّ لِيَجْتَنِبَهُ وَيَكُونِ سَبَبًا فِي دَفْعه عَمَّنْ أَرَادَ الله لَّهُ النَّجَاة، وَفِيهِ سِعَة صَدْرِ النَّبِيّ ◌َّهِ وَمَعْرِفَتِه بِوُجُوهِ الْحِكَم كُلّهَا حَتَّى كَانَ يُجِيب كُلّ مَنْ سَأَلَهُ بِمَا يُنَاسِبُهُ، وَيُؤْخَذْ مِنْهُ أَنَّ كُلّ مَنْ حُبِّبَ إِلَيْهِ شَيْءٍ فَإِنَّهُ يَقُوق فِيهِ غَيْرِه، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ حُذَيْفَة صَاحِب السِّ الَّذِي لَا يَعْلَمَهُ غَيْرِهِ حَتَّى خُصَّ بِمَعْرِفَةٍ أَسْمَاءِ الْمُنَافِقِينَ وَبِكَثِيرٍ مِن الْأُمُورِ الْآتِيَةِ، وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ مِنْ أَدَبِ التَّعْلِيمِ أَنْ يَعْلَمِ التَّلْمِيذ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ مَا يَرَاهُ مَائِلًا إِلَيْهِ مِن الْعُلُومِ الْمُبَاحَةِ، فَإِنَّهُ أَجْدَر أَنْ يُسْرِعِ إِلَى تَفَهُّمه وَالْقِيَامِ بِهِ وَأَنَّ كُلّ شَيْءٍ يَهْدِي إِلَى طَرِيق الخَيْرِ بُسَمَّى خَيْرًا وَكَذَا بِالْعَكْسِ. وَيُؤْخَذْ مِنْهُ ذَمّ مَنْ جَعَلَ لِلدِّينِ أَصْلَا خِلَافِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَجَعْلهمَا فَرْعًا لِذَلِكَ الْأَصْلِ الَّذِي اِبْتَدَعُوهُ. وَفِيهِ: وُجُوبِ رَدّ الْبَاطِلِ وَكُلّ مَا خَالَفَ الْهَدْيِ النَّبَوِيّ وَلَوْ قَالَهُ مَنْ قَالَهُ مِنْ رَفِيع أَوْ وَضِيع. [الفتح ٨٩/٢٠]. ٥٣٨٣ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنَّا كَقِطَعٍ ١٣٧ كتاب الفتن اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِیعُ دِينَهُ بِعَرَضِ مِنَ الدُّنْيَا)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](١). قال النووي: مَعْنَى الْحَدِيث الحثّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَة قَبْل تَعَذُّرهَا وَالإِشْتِغَالِ عَنْهَا بِمَا يَحْدُث مِن الْفِتَنِ الشَّاغِلَةِ الْمُتَكَائِرَةِ الْمُتَرَاكِمَة كَتَرَاكُمِ ظَلَام اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ لَا الْمُقْمِرِ. وَوَصَفَ رَِّ نَوْعًا مِنْ شَدَائِد تِلْكِ الْفِتَنِ، وَهُوَ أَنَّهُ يُمْسِي مُؤْمِنًا ثُمَّ يُصْبِحِ كَافِرًا أَوْ عَكْسِه، شَكَّ الرَّاوِي وَهَذَا لِعِظَمِ الْفِتَنِ يَنْقَلِبِ الْإِنْسَانِ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ هَذَا الإِنْقِلَاب. والله أَعْلَم. ٥٣٨٤ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّةِ: ((سَتَكُونُ فِتَنَّ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، وَمَنْ تُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأْ أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ(٢) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «تَكُونُ فِتْنَةٌ، النَّائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْيَقْطَانِ، وَالْيَقْطَانُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأَ أَوْ مَعَاذًا فَلْيَسْتَعِذْ بِهِ)](٣). ٥٣٨٥ - [وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنْ أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةُ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي فِيهَا، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي إِلَيْهَا، أَا فَإِذَا وَقَعَتْ فَمَنْ كَانَ لَهُ إِلَّ فَلْيَلْحَقْ بِبِلِهِ، وَمَنْ كَانَ لَهُ غَنَمُ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضَّ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ)) فَقَالَ رَجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلْ وَلَا غَنَمْ وَلَا أَرْضُ؟ قَالَ: ((يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ ثُمَّ لْيَنْجُ إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ) ثَلاثًا، فَقَالَ رَجُلُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ أُكْرِهْتُ حَتَّى يُنْطَلَقَ بِي إِلَى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ، فَضَرَبَنِي رَجُلُّ بِسَيْفِهِ أَوْ يَجِيءُ سَهْمُ فَيَقْتُلُنِي؟ قَالَ: ((يَبُوءُ (١) أخرجه أحمد (٨٠١٧) ومسلم (١١٨) والترمذي (٢١٩٥) وقال: حسن صحيح. وأخرجه أيضًا: أبو يعلى (٦٥١٥) وابن حبان (٦٧٠٤) والطبراني في الأوسط (٢٧٧٤) والديلمي (٢٠٧٤). (٢) أخرجه البخاري (٣٤٠٦)، ومسلم (٢٨٨٦)، وأحمد (٧٧٨٣). (٣) أخرجه مسلم (٧٤٣١). ١٣٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر بِثْمِهِ وَإِثْمِكَ، وَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ](١). ٥٣٨٦ [وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالٍ الْمُسْلِمِ غَنَمَّ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَافِعَ الْقَظْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ)). رَوَاهُ البُخَارِي](٢). (يَفِرّ بِدِينِهِ مِن الْفِتَنِ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: هَذِهِ الْجُمْلَةِ حَالِيَّة وَذُو الْحَالِ الضَّمِیر الْمُسْتَقِرِ فِي يَتَّبِعِ أَو الْمُسْلِمِ إِذَا جَوَّرْنَا الْحَالِ مِن الْمُضَافِ إِلَيْهِ فَقَدْ وُجِدَ شَرْطه وَهُوَ شِدَّة الْمُلَابَسَة وَكَأَنَّهُ جُزْءٍ مِنْهُ، وَاتِحَاد الْخَيْرِ بِالْمَالِ وَاضِحِ، وَيَجُوزِ أَنْ تَكُون اِسْتِئْنَافِيَّة وَهُوَ وَاضِح اِنْتَهَى. وَالْخْبَرِ دَالٌ عَلَى فَضِيلَةِ الْعُزْلَةِ لِمَنْ خَافَ عَلَى دِينه. وَقَدِ إِخْتَلَفَ السَّلَفِ فِي أَصْلِ الْعُزْلَةِ فَقَالَ الْجُمْهُورِ: الإِخْتِلَاط أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِن إِكْتِسَاب الْفَوَائِد الدِّينِيَّة لِلْقِيَامِ بِشَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَتَكْثِير سَوَاد الْمُسْلِمِينَ وَإِيصَال أَنْوَاعِ الْخَيْرِ إِلَيْهِمْ مِنْ إِعَانَة وَإِغَاثَة وَعِيَادَة وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَالَ قَوْمٍ: الْعُزْلَةِ أَوْلَى لِتَحَقُّقِ السَّلَامَةِ بِشَرْطِ مَعْرِفَة مَا يَتَعَيَّن. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْمُخْتَارِ تَفْضِيلِ الْمُخَالَطَةِ لِمَنْ لَا يَغْلِب عَلَى ظَنّه أَنَّهُ يَقَع في مَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرِ فَالْعُزْلَةِ أَوْلَى. وَقَالَ غَيْرِهِ: يَخْتَلِف ◌ِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَحَتَّمَ عَلَيْهِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَرَجَّحِ لَيْسَ الْكَلَامِ فِيهِ بَلْ إِذَا تَسَاوَيَا فَيَخْتَلِفِ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ فَإِنْ تَعَارَضَا اِخْتَلَفَ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَات، فَمَنْ يَتَحَتَّمَ عَلَيْهِ الْمُخَالَطَة مَنْ كَانَتْ لَهُ قُدْرَة عَلَى إِزَالَة الْمُنْكَرِ فَيَجِب عَلَيْهِ إِمَّا عَيْنًا وَإِمَّا كِفَايَة بِحَسَبِ الْحَالِ وَالْإِمْكَانِ، وَمِمَّنْ يَتَرَجَّحْ مَنْ يَغْلِب عَلَى ظَنّه أَنَّهُ يَسْلَم فِي نَفْسِه إِذَا قَامَ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن (١) أخرجه مسلم (٧٤٣٢). (٢) أخرجه مالك (١٧٤٤) والبخاري (١٩) وأبو داود (٤٢٦٧) وأحمد (١١٢٧٢) والنسائي (٥٠٣٦) وابن ماجه (٣٩٨٠) وابن حبان (٥٩٥٨) وابن أبي شيبة (٣٧١١٦) وعبد بن حميد (٩٩٣). ١٣٩ كتاب الفتن الْمُنْكَرِ، وَمِمَّنْ يَسْتَوِي مَنْ يَأْمَن عَلَى نَفْسِه وَلَكِنَّهُ يَتَحَقَّقِ أَنَّهُ لَا يُطَاعِ، وَهَذَا حَيْثُ لَا يَكُون هُنَاكَ فِتْنَة عَامَّةٍ فَإِنْ وَقَعَتِ الْفِتْنَةِ تَرَجَّحَتِ الْعُزْلَةِ لِمَا يَنْشَأْ فِيهَا غَالِيًا مِن الْوُقُوعِ فِي الْمَحْذُورِ، وَقَدْ تَقَعِ الْعُقُوبَة بِأَصْحَابِ الْفِتْنَةِ فَتَعُمّ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةٍ لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وَيُؤَيِّد التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ حَدِيث أَبِي سَعِيدٍ أَيْضًا: ((خَيْرِ النَّاسِ رَجُل جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَرَجُل فِي شِعْب مِن الشِّعَابِ يَعْبُد رَبّه وَيَدَعِ النَّاسِ مِنْ شَرّه)) وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الَّذِي أَوَّله عِنْدَ مُسْلِم (خَيْرِ مُعَاشِرِ النَّاسِ رَجُل مُمْسِك بِعِنَانِ فَرَسه في سَبِيل الله)) الحديث. وَفِيهِ: ((وَرَجُل فِي غَنِيمَة)) الْحَدِيث وَكَأَنَّهُ وَرَدَ فِي أَيّ الْكَسْبِ أَظْيَب، فَإِنْ أُخِذَ عَلَى عُمُومِه دَلَّ عَلَى فَضِيلَةِ الْعُزْلَةِ لِمَنْ لَا يَتَأَى لَهُ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ إِلَّ أَنْ يَكُون قُيِّدَ بِزَمَانٍ وُقُوعِ الْفِتَن والله أَعْلَم. [الفتح٩٦/٢٠]. ٥٣٨٧ - [وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ ◌َ عَلَى أُطُمِ مِنْ آَطَامِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ قَالُوا: لا، قَالَ: إِّ لأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ تَقَعَ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَوَفْعِ الْقَطْرِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١). (الْأُطْم) بِضَمِّ الْهَمْزَة وَالظَّاء هُوَ الْقَصْرِ وَالْحِصْنِ، وَجَمْعِه آظَامٍ. وَمَعْنَى (أَشْرَفَ) عَلَا وَارْتَفَعَ وَالتَّشْبِيهِ بِمَوَاقِعِ الْقَظْرِ فِي الْكَثْرَةِ وَالْعُمُومِ، أي: إِنَّهَا كَثِيرَةٍ، وَتَعُمّ النَّاس لَا تَّخْتَصّ بِهَا طَائِفَة، وَهَذَا إِشَارَة إِلَى الْحُرُوبِ الْجَارِيَة بَيْنِهِمْ، كَوَفْعَةِ الْجُمَلِ، وَصِفِّين، وَالْخَرَّةِ، وَمَقْتَل عُثْمَانِ، وَمَقْتَلِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ الله عَنْهُمَا - وَغَيْرِ ذَلِكَ وَفِيهِ مُعْجِزَة ظَاهِرَة لَهُ وَِّ. ٥٣٨٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ:((هَلَكَةُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشِ)). رَوَاهُ البُخَارِي)(٢). (١) أخرجه البخاري (١٧٧٩)، ومسلم (٢٨٨٥)، وأحمد (٢١٧٩٦)، وابن أبي شيبة (٣٧١٢٧)، والحميدي (٥٤٢)، والحاكم (٨٥٤٩)، ونعيم بن حماد في ((الفتن)) (١٦). (٢) أخرجه البخاري (٣٤١٠)، وأحمد (٨٢٨٧). ١٤٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر ٥٣٨٩ - [وعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيُقْبَضُ الْعِلْمُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ وَيُلْقَى الشُُّ وَيَكْتُرُ الْهَرْجُ)) قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: ((الْقَتْلُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١). (يَتَقَّارَبِ الزَّمَانِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَة السَّرَخْسِيّ ((الزَّمَنُ)» وَهِيَ لُغَةٌ فِیهِ. (وَيَنْقُصِ الْعِلْمِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيِّ وَالسَّرَخْسِيّ ((الْعَمَل)) وَمِثْله فِي رِوَايَة شُعَيْب عَنِ الزُّهْرِيّ عَنْ حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ مُسْلِم، وَعِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةٍ يُونُس عَنِ الزُّهْرِيّ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ ((وَيُقْبَضِ الْعِلْم)) وَوَقَعَ مِثْله فِي رِوَايَة الْأَعْرَجَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة، وَهِيَ تُؤَيِّد رِوَايَة مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ: ((وَيَنْقُصِ الْعَمَل)) وَيُؤَيِّدهُ أَيْضًا حَدِيث: ((يَنْزِلِ الْجَهْلِ وَيُرْفَع الْعِلْم)». (وَيَكْثُر الْهَرْجِ، قَالُوا يَا رَسُول الله أَيَّمَا هُوَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَتَشْدِيد الْيَّاءِ الْأَخِيرَة بَعْدَهَا مِيمٍ خَفِيفَة وَأَصْلِه أَيّ شَيْءٍ هُوَ، وَوَقَعَتْ لِلْأَكْثَرِ بِغَيْرٍ أَلِفِ بَعْدَ الْمِيمِ، وَضَبَطَهُ بَعْضِهِمْ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ كَمَا قَالُوا إِيش؟ فِي مَوْضِعِ أَيّ شَيْءٍ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ((وَمَا هُوَ؟)) وَفِي رِوَايَة أَبِي بَكْرِ بْن أَبِي شَيْبَة قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا الْهَرْجِ؟ وَهَذِهِ رِوَايَة أَكْثَر أَصْحَابِ الزُّهْرِيّ، وَفِي رِوَايَة عَنْبَسَة بْنِ خَالِدٍ عَنْ يُونُس عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ((قِيلَ يَا رَسُول الله إِيش هُوَ؟ قَالَ: الْقَتْلِ الْقَتْلِ))، وَفِي رِوَايَة لِلطَّبَرَانِيِّ عَن إِبْنِ مَسْعُود: «الْقَتْل وَالْكَذِب)». (قَالَ الْقَتْلِ الْقَتْلِ) صَرِيحٍ فِي أَنَّ تَفْسِيرِ الْهَرْجِ مَرْفُوعٍ، وَلَا يُعَارِضِ ذَلِكَ تَجِيتُهُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَة مَوْقُوفًا وَلَا كَوْنِه بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْد الله بْن عُمَر ((سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة: فَذَكَرَ نَحْوِ حَدِيث الْبَابِ)) دُونَ قَوْله ((يَتَقَارَب الزَّمَان)) وَدُونَ قَوْله: ((وَيُلْقَى الشُّحَ)) وَزَادَ فِيهِ ((وَيَظْهَر الْجُهْلِ)) وَقَالَ فِي آخِرِهِ: ((قِيلَ يَا رَسُول الله وَمَا الْهَرْجِ))؟ فَقَالَ: هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا كَأَنَّهُ يُرِيد الْقَتْلِ، فَيُجْمَع بِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْإِشَارَةِ وَالنُّطْقِ فَحَفِظَ بَعْض الرُّوَاةِ مَا لَمْ يَحْفَظ بَعْض كَمَا وَقَعَ لَهُمْ فِي الْأُمُور (١) أخرجه البخاري (٦٦٥٢)، ومسلم (١٥٧)، وأبو داود (٤٢٥٥)، وأحمد (١٨٦)، وابن ماجه (٤٠٥٢)، وابن حبان (٦٧١١)، وابن أبي شيبة (٣٧٢٧٨).