النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ)). رَوَاهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِي](١). ٥٣٠٣ - [وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ رِضَاهُ بِمَا قَضَى اللهُ لَهُ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللهِ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ سَخَطُهُ بِمَا قَضَى اللهُ لَهُ)). رَوَاهُ أَحْمَد وَالتِّزْمِذِي، وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثٌ غَرِيْبُ](٤). الفصل الثالث ٥٣٠٤ - [عَنْ جَابِرِ أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ◌َ قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللهَِلَ قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَنْهُمُ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاءِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ تَحْتَ سَمُرَةٍ، فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ وَنِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ وَهِ يَدْعُونَا وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَائِيُّ فَقَالَ: ((إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَّ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمُ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهْوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا)) قَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّ؟ فَقُلْتُ: ((اللهُ)) ثَلَاثًا، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣). ٥٣٠٥ - [وَ فِي رِوَايِةٍ أَبِي بَكْرِ الإِسْمَاعِيْلِي فِي: ((صِحِيْحِهِ)) فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: ((اللّهُ)). فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ فَقَالَ: ((مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟)) قَالَ: كُنْ خَيْرَ آَخِذٍ، فَقَالَ: (أَقَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلََّ اللهُ وَأَنَّ رَسُولُ الله؟)) قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أُعَاهِدُكَ عَلَى أَلَّا أُقَاتِلَكَ وَلَا أَكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ فَأَتَى أَصْحَابَهُ فَقَالَ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ)). هَكَذَا في: ((كِتَابِ الْحُمَيْدِي)) و(الرِّيَاض))](٤). (فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعك مِنِّ؟) فِي رِوَايَة يَحْنَى ((فَقَالَ: تَّخَافُنِي؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعك مِنِّ)»؟ وَكَرَّرَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ أَبِي الْيَمَانِ فِي الْجِهَادِ ثَلَاث مَرَّات، وَهُوَ إِسْتِفْهَام (١) أخرجه الترمذي (٢٥١٦) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٢٦٦٩)، والحاكم (٦٣٠٢)، والضياء (١٥)، وأبو يعلى (٢٥٥٦). (٢) أخرجه الترمذي (٢٣٠٤)، وأحمد (١٤٦٠). (٣) أخرجه البخاري (٢٩١٠)، ومسلم (٦٠٩٠). (٤) أخرجه الإسماعيلي في ((معجمه)) (٨٥) وذكره النووي في ((رياض الصالحين)) (٨٠/١) والمحب الطبري في ((الرياض النضرة)) (٢٥٥/١) ولم أقف عليه عند الحميدي. ٨٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر صَلَ الله علية وَسَام إِنْكَار، أي: لَا يَمْنَعك مِنِّي أَحَد؛ لِأَنَّ الْأَعْرَابِيّ كَانَ قَائِمًا وَالسَّيْف فِي يَدِه وَالنَّبِيّ جَالِس لَا سَيْف مَعَهُ. وَيُؤْخَذْ مِنْ مُرَاجَعَةِ الْأَعْرَابِيّ لَهُ فِي الْكَلَامِ أَنَّ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَنَعَ نَبِيَّهُ لَّهِ مِنْهُ، وَإِلَّا فَمَا أَحْوَجَهُ إِلَى مُرَاجَعَتِهِ مَعَ اِحْتِيَاجِهِ إِلَى الْحَظْوَةِ عِنْدَ قَوْمِهِ بِقَتْلِهِ، وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ نَّهِ فِي جَوَابِهِ ((الله)) أي: يَمْنَعُنِي مِنْك إِشَارَةٍ إِلَى ذَلِكَ؛ وَلِذَلِكَ أَعَادَهَا الْأَعْرَابِيّ فَلَمْ يَزِدْهُ عَلَى الْجَوَابِ، وَفِي ذَلِكَ غَايَةِ التَّهَكُم بِهِ وَعَدَمُ الْمُبَالَاةِ بِهِ أَصْلًا. [٤٦٤/١١]. ٥٣٠٦ - [وعَنْ أَبِي ذَرِّ أنَّ رَسُولَ اللهِوَ ﴿ قَالَ: ((إِنِّ لأَعْلَمْ آيَةً لَوْ أَخَذَ النَّاسُ بِهَا لَكَفَتْهُمْ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَخْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. رَوَاهُ أَحْمَد وابْن مَاجَهُ وَالدَّارِمي](١). ٥٣٠٧ - [وعَن ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللهِوَّهِ ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِي وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنَّ صَحِيحٌ))](٩). ٥٣٠٨ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِلَ فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي الَّبِيَّ ◌َ وَالآخَرُ يَخْتَرِفُ، فَشَكَا الْمُحْتَرِفُ أَخَاهُ النَّبِيَّ ◌َلِ فَقَالَ: (لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيْب](٣). ٥٣٠٩ - [وعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيَ ((إِنَّ مِنْ قَلْبِ ابْنِ آدَمَ بِكُلِّ وَادٍ شُعْبَةً فَمَنِ اتَّبَعَ قَلْبُهُ الشُّعَبَ كُلَّهَا لَمْ يُبَالِ اللهِ بِأَِّّ وَادٍ أَهْلَكَهُ وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللهِ كَفَاهُ التَّشَعُّبَ)). رَوَاهُ ابْنِ مَاجَه](٤). (١) أخرجه أحمد (٢١٥٩١)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٦٠٣)، وابن ماجه (٤٢٢٠)، والدارمي (٢٧٢٥)، والحاكم (٣٨١٩). (٢) أخرجه الترمذي (٣١٩٢)، وأبو داود (٣٩٩٥). (٣) أخرجه الترمذي (٢٣٤٥) وقال: حسن صحيح، والحاكم (٣٢٠) وقال: صحيح على شرط مسلم ورواته عن آخرهم ثقات. (٤) أخرجه ابن ماجه (٤١٦٦). ٨٣ كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر ٥٣١٠ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: ((قَالَ رَبُّكُمْ رَ: لَوْ أَنَّ عِبَادِي أَطَاعُونِي لَأَسْقَيْتُهُمُ الْمَطَرَ بِاللَّيْلِ، وَأَظْلَعْتُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسَ بِالَّهَارِ، وَلَمْ أَسْمِعْهُمْ صَوْتَ الرَّعْدِ). رَوَاهُ أَحْمَد](١). ٥٣١١ - [وعَنْهُ قَالَ: دَخَلَ رَجُلُ عَلَى أَهْلِهِ فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ الْحَاجَةِ خَرَجَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَنْهُ قَامَتْ إِلَى الرَّحَى فَوَضَعَتْهَا وَإِلَى التَّنُّورِ فَسَجَرَتْهُ، ثُمَّ قَالَت: اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا، فَنَظَرَتْ فَإِذَا الْجَفْنَةُ قَدِ امْتَلأَتْ، قَالَ: وَذَهَبَتْ إِلَى التَّنُّورِ فَوَجَدَتْهُ مُمْتَلِئًا، قَالَ: فَرَجَعَ الزَّوْجُ، قَالَ: أَصَبْتُمْ بَعْدِي شَيْئًا؟ قَالَتِ امْرَأَتُهُ: نَعَمْ مِنْ رَبِّنَا، وَقَامَ إِلَى الرَّحَى فَذُكِرَ ذَلِكَ إِلى النَّبِيِّ ◌َهِ فَقَالَ: ((أَمَا إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْفَعْهَا لَمْ تَزَلْ تَدُورُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)). رَوَاهُ أَحْمَد](٤). ٥٣١٢ - [وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاء قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ العَبْدِ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ)) رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي: ((الحِلْيَةِ))](٣). ٥٣١٣ - [وَعَن ابْن مَسْعُود قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهْوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٤). فِيهِ: مَا كَانُوا عَلَيْهِ - صَلَوَاتِ اللّه وَسَلَامِه عَلَيْهِمْ - مِن الْحِلْمِ وَالتَّصَبُِّ، وَالْعَقْو وَالشَّفَقَة عَلَى قَوْمِهِمْ، وَدُعَائِهِمْ لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ وَالْغُفْرَانِ، وَعُذْرِهِمْ فِي جِنَايَتِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، وَهَذَا الشَّبِيّ الْمُشَارِ إِلَيْهِ مِن الْمُتَقَدِّمِينَ، وَقَدْ جَرَى لِنَبِيِّنَا وَّهِ مِثْل هَذَا يَوْم أُحُد. (١) أخرجه أحمد (٨٦٩٣)، والحاكم (٧٦٥٧) وقال: صحيح الإسناد. (٢) أخرجه أحمد (١٠٩٤٠). (٣) أخرجه ابن حبان (٣٢٣٨) والبيهقي في شعب الإيمان (١١٩١) وأبو نعيم في الحلية (٨٦/٦) وابن عساكر (٤٣٠/٨). (٤) أخرجه البخاري (٣٤٧٧)، ومسلم (٤٧٤٧). باب الرياء والسمعة الفصل الأول ٥٣١٤ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((إِنَّ اللّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَا أَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ](١). ٥٣١٥ - [وعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَّكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ)). وَفِي رِوَايَةٍ: (فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءُ، هُوَ لِلَّذِي عَمِلَهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ)(٢). (أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْك، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي تَرَكْته وَشِرْكه) هَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْض الْأُصُولُ: (وَشِرْكِه) وَفِي بَعْضِهَا (وَشَرِيكه) وَفِي بَعْضِهَا: (وَشَرِكَته). وَمَعْنَاهُ أَنَا غَنِيّ عَنِ الْمُشَارَكَة وَغَيْرِهَا، فَمَنْ عَمِلَ شَيْئًا لِي وَلِغَيْرِي لَمْ أَقْبَلهُ، بَلْ أَتْرُكُهُ لِذَلِكَ الْغَيْرِ. وَالْمُرَادِ أَنَّ عَمَلِ الْمُرَائِي بَاطِل لَا تَوَابِ فِيهِ، وَيَأْثَّم بِهِ. ٥٣١٦ - [وَعَنْ جُنْدُب، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: (مَنْ سَمَّعَ، سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ)) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣). (مَنْ سَمَّعَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ الثَّقِيلَة وَالثَّانِيَةِ مِثْلُهَا، وَقَوْله ((وَمَنْ يُرَائِي)) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَالْمَدِّ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالثَّانِيَةِ مِثْلُهَا وَقَدْ ثَبَتَتِ الْيَاءِ فِي آخِرِ كُلُّ مِنْهُمَا أَمَّا الْأُولَى فَلِلْإِشْبَاعِ وَأَمَّ الثَّانِيَة فَكَذَلِكَ، أَوَ التَّقْدِيرِ فَإِنَّهُ يُرَائِي بِهِ الله. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانِ عِنْدِ مُسْلِمِ ((مَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّع الله بِهِ وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي الله بِهِ)) وَلاِبْنِ الْمُبَارَكِ فِي ((الرُّهْد)) مِنْ حَدِيث ◌ِبْن مَسْعُود: ((مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ الله بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى الله بِهِ، وَمَنْ (١) أخرجه مسلم (٢٥٦٤)، وأحمد (٧٨١٤)، وابن ماجه (٤١٤٣)، وابن حبان (٣٩٤)، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (١٠٤٧٧)، وإسحاق بن راهويه (٣٧٩)، والديلمي (٦١٤). (٢) أخرجه مسلم (٢٩٨٥)، وابن ماجه (٤٢٠٢). (٣) أخرجه البخاري (٦٤٩٩)، ومسلم (٧٦٦٨). - ٨٤ - ٨٥ كتاب الرقاق/ باب الرياء والسمعة تَطَاوَلَ تَعَاظُمًا خَفَضَهُ اللهِ، وَمَنْ تَوَاضَعَ تَخَشُّعًا رَفَعَهُ الله)) وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس: ((مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ الله بِهِ وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللّه بِهِ)) وَوَقَعَ عِنْدِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن جُحَادَة عَنْ سَلَمَة بْنِ كُهَيْل عَنْ جَابِرِ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيث: ((وَمَنْ كَانَ ذَا لِسَانَيْنِ فِي الدُّنْيَا جَعَلَ الله لَهُ لِسَانَيْنِ مِنْ نَارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا عَلَى غَيْرِ إِخْلَاصِ وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَرَاهُ النَّاس وَيَسْمَعُوهُ جُوزِيَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يُشَهِّرَهُ الله وَيَفْضَحَهُ وَيُظْهِرَ مَا كَانَ يُبْطِنُهُ وَقِيلَ مَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ الْجَاهَ وَالْمَنْزِلَةَ عِنْدِ النَّاس وَلَمْ يُرِدْ بِهِ وَجْهَ اللهِ، فَإِنَّ الله يَجْعَلهُ حَدِيثًا عِنْد النَّاسِ الَّذِينَ أَرَادَ نَيْلَ الْمَنْزِلَة عِنْدِهِمْ وَلَا ثَوَابِ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَمَعْنَى يُرَائِي يُظْلِعُهُمْ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لَهُمْ لَا لِوَجْهِهِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَّفٌّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود: ١٥] إِلَى قَوْله: ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٦] وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ أَنْ يَسْمَعَهُ النَّاسِ وَيَرَوْهُ لِيُعَظِّمُوهُ وَتَعْلُوَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدهمْ حَصَلَ لَهُ مَا قَصَدَ، وَكَانَ ذَلِكَ جَزَاءَهُ عَلَى عَمَله؛ وَلَا يُقَابِ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ الْمَعْنَى، مَنْ سَمَّعَ بِعُيُوبِ النَّاسِ وَأَذَاعَهَا أَظْهَرَ الله عُيُوبَهُ وَسَمَّعَهُ الْمَكْرُوهِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَنْ نَسَبَ إِلَى نَفْسِه عَمَلًا صَالِحًا لَمْ يَفْعَلْهُ وَادَّعَى خَيْرًا لَمْ يَصْنَعْهُ فَإِنَّ الله يَفْضَحُهُ وَيُظْهِرُ كَذِبَهُ، وَقِيلَ الْمَعْنَى مَنْ يُرَائِي النَّاسِ بِعَمَلِهِ أَرَاهُ اللهِ ثَوَّابِ ذَلِكَ الْعَمَلِ وَحَرَمَهُ إِيَّاهُ قِيلَ: مَعْنَى سَمَّعَ الله بِهِ شَهَّرَهُ أَوْ مَلَأَّ أَسْمَاعَ النَّاسِ بِسُوءِ الثََّاءِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْقِيَامَة بِمَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ خُبْثِ السَّرِيرَةِ. قُلْت: وَرَدَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ النَّصْرِيحُ بِوُقُوعِ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ، فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ: فَعِنْد أَحْمَدَ وَالدَّارِمِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي هِنْدِ الدَّارِيّ رَفَعَهُ «مَنْ قَامَ مَقَامَ رِيَاءٍ وَسُمَّعَةٍ رَاءَى الله بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَسَمَّعَ بِهِ) وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث عَوْف بْنِ مَالِك نَحْوِهِ، وَلَهُ مِنْ حَدِيث مُعَاذ مَرْفُوعًا: ((مَا مِنْ عَبْد يَقُومِ فِي الدُّنْيَا مَقَام سُمْعَة وَرِيَاء إِلَّا سَمَّعَ الله بِهِ عَلَى رُؤوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَفِي الْحَدِيث: اِسْتِحْبَابِ إِخْفَاء الْعَمَلِ الصَّالِحِ، لَكِنْ قَدْ يُسْتَحَبّ إِظْهَارِهِ مِمَّنْ ٨٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر يُقْتَدَى بِهِ عَلَى إِرَادَته الإِقْتِدَاءَ بِهِ، وَيُقَدَّرُ ذَلِكَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ. قَالَ اِبْنِ عَبْد السَّلَامِ: يُسْتَثْنَى مِن إِسْتِحْبَابِ إِخْفَاء الْعَمَلِ مَنْ يُظْهِرُهُ لِيُقْتَدَى بِهِ أُوْ لِيُنْتَفَعَ بِهِ كَكِتَابَةِ الْعِلْمِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ سَهْلِ: (لِتَأْتَمُّوا بِي وَلْتَعْلَمُوا صَلَاتِي)». قَالَ الطَّبَرِيُّ: كَانَ إِبْنِ عُمَر وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَمَاعَةٌ مِن السَّلَفِ يَتَهَجَّدُونَ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَيَتَظَاهَرُونَ بِمَحَاسِنِ أَعْمَالِهِمْ لِيُقْتَدَى بِهِمْ، قَالَ: فَمَنْ كَانَ إِمَامًا يُسْتَنُّ بِعَمَلِهِ عَالِمًا بِمَا لله عَلَيْهِ قَاهِرًا لِشَيْطَانِهِ إِسْتَوَى مَا ظَهَرَ مِنْ عَمَلِهِ وَمَا خَفِيَ لِصِحَّةٍ قَصْدِهِ، وَمَنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَالْإِخْفَاءُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ، وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى عَمَلِ السَّلَف. فَمِنِ الْأَوَّلِ حَدِيثُ حَمَّدِ بْنِ سَلَمَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس قَالَ: ((سَمِعَ النَّبِيّ ◌َهَ رَجُلًا يَقْرَأْ وَيَرْفَعِ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ فَقَالَ: إِنَّهُ أَوَابُ قَالَ: فَإِذَا هُوَ الْمِقْدَادُ بْنِ الْأَسْوَدِ)) أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ. وَمِنِ الثَّانِي: حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ قَالَ: ((قَامَ رَجُلُ يُصَلِّ فَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ ◌ََّ: لَا تُسْمِعْنِي وَأَسْمِعْ رَبَّك)) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنِ أَبِي خَيْئَمَةَ وَسَنَدُهُ حَسَنُّ. [الفتح ٣٣٧/١٨]. (مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ الله بِهِ، وَمَنْ رَايَا رَايَا الله بِهِ) قال النووي: قَالَ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَاهُ مَنْ رَايَا بِعَمَلِهِ، وَسَمَّعَهُ النَّاس لِيُكْرِمُوهُ وَيُعَظِّمُوهُ وَيَعْتَقِدُوا خَيْرِهِ سَمَّعَ الله بِهِ يَوْم الْقِيَامَةِ النَّاسِ، وَفَضَحَهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَنْ سَمَّعَ بِعُيُوبِهِ، وَأَذَاعَهَا، أَظْهَرَ الله عُيُوبه، وَقِيلَ: أَسْمَعَهُ الْمَكْرُوهِ، وَقِيلَ: أَرَاهُ اللهِ ثَوَابِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْطِيهِ إِيَّاهُ لِيَكُونَ حَسْرَة عَلَيْهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَنْ أَرَادَ بِعَمَلِهِ النَّاسِ أَسْمَعَهُ اللهِ النَّاسِ، وَكَانَ ذَلِكَ حَظّهُ مِنْهُ. [٩] ٣٧١]. ٥٣١٧ - [وعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ الله ◌َِّ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ)» - وَفِي رِوَايَةٍ: ((يُحِبِّهُ النَّاسَ عَلَيْهِ)) - قَالَ: ((تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](١). (١) أخرجه مسلم (٦٨٩١). ٨٧ كتاب الرقاق/ باب الرياء والسمعة قال النووي: وَفِي رِوَايَة: (وَيُحِبّهُ النَّاسِ عَلَيْهِ) قَالَ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَاهُ هَذِهِ الْبُشْرَى الْمُعَجَّلَةِ لَهُ بِالْخَيْرِ، وَهِيَ دَلِيل عَلَى رِضَاء الله تَعَالَى عَنْهُ، وَمَحَبَّته لَهُ، فَيُحَبِّبُهُ إِلَى الْخَلْقِ كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيث، ثُمَّ يُوضَع لَهُ الْقَبُول فِي الْأَرْضِ. هَذَا كُلّه إِذَا حَمِدَهُ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّض مِنْهُ لِمْدِهِمْ، وَإِلَّ فَالتَّعَرُّض مَذْمُومٍ. الفصل الثاني ٥٣١٨ - [عَنْ أَبِي سَعْدِ بن أبِي فَضَالَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِذَا جَمَعَ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَوْمِ لَا رَيْبَ فِيهِ، نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ للهِ أَحَدًّا، فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ)). رَوَاهُ أحْمَد](١). ٥٣١٩ - [وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: «مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ سَمَّعَ اللهُ بِهِ أُسَامِعَ خَلْقِهِ وَحَقَّرَهُ وَصَغََّهُ». رَوَاهُ البَيْهَِي فِي: ((شُعَبٍ الإِيْمَانِ))](٩). ٥٣٢٠ - [وَعَنْ أَنَسِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الآخِرَةِ، جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الدُّنْيَا، جَعَلَ اللهُ الْفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَشَتَّتَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَلا يَأْتِيهِ مِنْهَا إِلا مَا كُتِبَ لَهُ). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَأَحْمَد(٣). ٥٣٢١ - [وَالدَّارِمِي عَنْ أَبَان عَنْ زَيْدِ بْن ثَابِت](٤). (وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَة) أي: مَقْهُورَةِ؛ فَالْحَاصِلِ أَنَّ مَا كُتِبَ لِلْعَبْدِ مِن الرِّزْق (١) أخرجه الترمذي (٣١٥٤) وقال: حسن غريب، وأحمد (١٥٨٧٦)، وابن ماجه (٤٢٠٣)، وابن حبان (٤٠٤)، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (٦٨١٧)، والطبراني (٧٧٨). (٢) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)) (٦٥٥٤). (٣) أخرجه الترمذي (٢٤٦٥)، وأحمد (٢٢٢١٢)، وهناد (٣٥٥/٢). (٤) أخرجه الدارمي (٢٣٥). ٨٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر يَأْتِيهِ لَا مَحَالَةٍ إِلَّا أَنَّهُ مَنْ طَلَبَ الْآخِرَة يَأْتِيهِ بِلَا تَعَب وَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا يَأْتِيهِ بِتَعَبِ وَشِدَّةٍ فَطَالِب الْآخِرَة قَدْ جَمَعَ بَيْنِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَإِنَّ الْمَطْلُوبِ مَنْ جَمَعَ الْمَالِ الرَّاحَةِ فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ حَصَلَتْ لِطَالِبٍ الْآخِرَةِ وَطَالِب الدُّنْيَا قَدْ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي الدُّنْيَا فِي التَّعَبِ الشَّدِيد فِي طَلَبَهَا، فَأَيْ فَائِدَة لَهُ فِي الْمَال إِذَا فَاتَتِ الرَّاحَة وَفِي ((الزَّوَائِد)): إِسْنَاده صَحِيحِ رِجَاله ثِقَّات. [السندي ٤٦٥/٧]. قال الشيخ الكلاباذي: في هذا الحدیث معنیان: أحدهما: الترغيب في الزهد في الدنيا والإعراض عنها، والرغبة في الآخرة والإقبال عليها، والتشجيع في ترك الدنيا بمعنى الإنفاق ممن هي في يديه، والإعراض عنها ممن ليست عنده كأنه وسلم يقول: ((من أعرض عن الدنيا، وأقبل على الآخرة، رزق الفراغ والتنعم وجمع الشمل، وأتته الدنيا)) أي: الرفق فيها والمهنأ منها فيكون له المهنأ دون الشغل، والرفق من غير تعب فهو غني وإن عدم القوت، ومن أقبل على الدنيا وأعرض عن الآخرة شغل بما لا يجري، وتعب فيما لا يغني عنه، فتزداد الدنيا عنه بعدًا؛ لأنه لا يصيب منها إلا المقدور، والمقدور لا يغنيه، وإن كثر لغلبة الحرص عليه والتأسف على فوت ما لم يقدر له، تعب الطلب والخيبة في التعب، فهو فقير وإن ملك الدنيا. والمعنى الآخر: تنبيه وإرشاد في الرجوع إلى الله تعالى والإقبال على الله، وأنه أسير القدرة سليب القبضة، وإن أفعاله تبع لفعل الله به، وإنها إنما تكون بالله تعالى، فيكون العبد مأخوذًا عن أوصافه مصروفًا عن نظره إلى أفعاله معترفًا بعجزه، مقرًّا باضطراره، عالمًا بضرورته وافتقاره، كأنه وَل *- يقول: ((إنما تكون الآخرة همه من جعل الله الغناء في قلبه وجمع له شمله)) لأنه لا يقبل على الآخرة إلا من استغنى عن الدنيا، فإن الدنيا حجاب الآخرة، فإذا رفع الحجاب عن بصر القلب رأى الآخرة بعين إيقانه، ومن نظر إلى الآخرة شغل عن الدنيا، صارت مرفوعة منه متروكة عنه، قال حارثة: عزفت نفسي عن الدنيا فكأني أنظر إلى أهل الجنة، إلى آخر الحديث. فمن ٨٩ كتاب الرقاق/ باب الرياء والسمعة أغناه الله تعالى عن الدنيا بالزهد فيها، والرغبة عنها صارت الآخرة همه؛ لأن الإنسان حريص، والنفس راغبة، إما ترغب إلى الدنيا أو إلى الآخرة، فإذا حجبت عن الدنيا بالعزوف عنها، والاستغناء منها افتقرت إلى الآخرة، ورغبت فيها. قيل لعمر بن عبد العزيز لما أفضت الخلافة إليه: قد زهدت في الدنيا أمير المؤمنين؟ فقال: إن أنفسنا تواقة تاقت إلى الدنيا، فلما أصابتها تاقت إلى الآخرة. فمن جعل الله الغناء في قلبه وجعل له، يسره بالاستغناء عن الدنيا وحطامها صارت همته الآخرة وما قدر له من الدنيا، والرفق فيها، يأتيه في راحة من بدنه وفراغ من سره، وهذا معنى قوله: (وَهِيَ رَاغِمَة) أي: تأتيه من غير طلب لها؛ لأنها قل ما يؤتى طلابها إلا بجهد وطلب لها حثيث، فإذا جاءت من غير طلب فكأنها جاءت راغمة صاغرة ذليلة، ومن جعل الله فقره إلى الدنيا وحجبه عن الآخرة بميله إلى الدنيا، صارت الدنيا نصب عينيه، والدنيا فقر كلها؛ لأن حاجة الراغب فيها لا تقتضي، فهي العطاش كلما ازداد شرابًا ازداد عطشًا، فمن كانت الدنيا نصب عينيه صار الفقر بين عينيه، وفقر سره واختلفت طرقه، وتشتت همته، وتعب بدنه، وشرهت نفسه، وازدادت الدنيا عنه بعدا؛ لأنه لا يأتيه منها إلا المقدور، والمقدور منها لا يغنيه، كأنه يقول: من كانت الآخرة همه هو الذي جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله، ومن كانت الدنيا همه هو الذي جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، وكل لا يفوته مقدوره من الدنيا. نَّه ◌َّر على محض العبودية، كأنه يقول: من أهمته الآخرة فليرَ فضل الله عليه في وضع الغناء في قلبه حتى رفض الدنيا، وأقبل على الآخرة، ومن أهمته الدنيا فليفتقر إلى الله بالدعاء وإزالة الفقر من بين عينيه، والحرص من قلبه: والتعب من بدنه، والشغل من قلبه، فكأنه وَله دلَّ على الافتقار إلى الله في الأحوال كلها فيما يرضى بالحمد له، ورؤية الفضل من عنده، والرغبة إليه في الثبات عليه. [بحر الفوائد ص ٤٢٦]. ٥٣٢٢ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَيْنَا أَنَا فِي بَيْتِي فِي مُصَلاي؛ ٩٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر إِذْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ، فَأَعْجَبَنِي الْخَالُ الَّتِي رَآنِي عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((رَحِمَكَ اللّهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، لَكَ أَجْرَانِ: أَجْرُ السِّرِّ، وَأَجْرُ الْعَلانِيَةِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثُ غَرِیْبُ](١). ٥٣٢٣ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌّ يَخْتِلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنَ الِّينِ، أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّتَابِ، يَقُولُ اللهُ: أَبِ يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَّ يَجْتَرِتُونَ؟ فَبِي حَلَفْتُ لأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ مِنْهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَان)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي](٤). ٥٣٢٤ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ بَ ﴿ قَالَ: ((إِنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالى قَالَ: خَلَقْتُ خَلْقًا أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، فَبِي حَلَفْتُ لأُتِيحَنَّهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ فِيهِمْ حَيْرَانَ، فَبِي يَغْتَرُونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ؟)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثُ غَرِيْبٌ](٣). ٥٣٢٥ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: ((إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً، وَلِكُلٌّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَإِنْ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ، وَإِنْ أَشِيرَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ فَلَا تَعُدُّوهُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِي](٤). ٥٣٢٦ - [وَعَنْ أَنَسِ عَنِ النَّبِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ فِي دِينِ أُوْ دُنْيَا، إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللهُ)). رَوَاهُ البَيْهَِي فِي: ((شُعَبِ الإِيْمَانِ))](٥). (١) أخرجه الترمذي (٢٣٨٤) وقال: حسن غريب، وابن ماجه (٤٢٢٦)، وابن حبان (٣٧٥) والبيهقي في ((شعب الإيمان)» (٧٠٠٣) والطبراني في «الأوسط)) (٤٧٠٢)، وابن عدي (٣٦٣/٣) والدارقطني في «العلل» (١٤٩٩). (٢) أخرجه الترمذي (٢٤٠٤)، وابن المبارك (٥٠)، وهناد (٨٦٠). (٣) أخرجه الترمذي (٢٤٠٥) وقال: حسن غريب، والطبراني في ((الأوسط)) (٨٩٣١)، والديلمي (٤٤٧٣). (٤) أخرجه الترمذي (٢٤٥٣) وقال: حسن صحيح غريب. (٥) أخرجه الترمذي (٢٤٥٣)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٦٩٧٧). ٩١ كتاب الرقاق/ باب الرياء والسمعة الفصل الثالث ٥٣٢٧ - [عَنِ أَبِي تَمِيمَةَ قَالَ: شَهِدْتُ صَفْوَانَ وَأَصْحَابَهُ وَجُنْدَب يُوصِيهِمْ، فَقَالُوا: هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ شَيْئًا؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ يَقُولُ: ((مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ شَاقَّ شْقَّ اللّهُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) قَالُوا: أَوْصِنَا، فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنَ الإِنْسَانِ بَظْنُهُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا يَأْكُلَ إِلَّا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ، وَمَنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ بِمِلْءٍ كَفٍّ مِنْ دَمِ أَهْرَاقَهُ فَلْيَفْعَلْ)). رَوَاهُ البُخَارِي)](١). (وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ الله عَلَيْهِ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِلسَّرَخْسِيِّ وَالْمُسْتَمْلِيّ: ((وَمَنْ يُشَاقِقْ يَشْقُقِ الله عَلَيْهِ)) بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَةِ وَبِفَكِّ الْقَاف ◌ِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَحْمَد بْنِ زُهَيْرِ التَّسَتُّرِيّ عَنْ إِسْحَاقِ بْنِ شَاهِينِ شَيْخِ الْبُخَارِيّ فِيهِ ((وَمَنْ يُشَاقِقْ يَشُقُّ الله عَلَيْهِ)). (قَالُوا: أَوْصِنَا، فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنَ الإِنْسَانِ بَطْنُهُ) يَعْنِي بَعْد الْمَوْت، وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة صَفْوَان بْن مُحْرِزِ عَنْ جُنْدُبِ وَلَفْظِه «وَاعْلَمُوا أَنَّ أَوَّل مَا يُنْتِنِ مِنْ أَحَدِكُمْ إِذَا مَاتَ بَطْنه)» (فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا يَأْكُلَ إِلَّا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ) فِي رِوَايَةٍ صَفْوَان ((فَلَا يُدْخِلِ بَطْنِه إِلَّا طَيِّبًا)) هَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ هَذَا الْوَجْه مَوْقُوفًا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنِ الْحْسَن - هُوَ الْبَصْرِيّ - عَنْ جُنْدُب مَوْقُوفًا، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ صَفْوَان بْن مُخْرِزِ وَسِيَاقِه يَحْتَمِل الرَّفْع وَالْوَقْف فَإِنَّهُ صُدِّرَ بِقَوْلِهِ: (سَمِعْتِ رَسُول اللّهِ وَّهُ يَقُول: مَنْ سَمَّعَ)) الْحَدِيث. وَاعْلَمُوا أَنَّ أَوَّل مَا يُنْتِنِ وَيُنْتِن بِنُونٍ وَمُثَنَّاة وَضَمّ أَوَّله مِنِ الرُّبَاعِيّ وَمَاضِيهِ أَنْتَنَ وَنَتَنَ وَالنَّْنِ الرَّائِحَة الْكَرِيهَة. (وَمَنْ إِسْتَطَاعَ أَنْ لَا يُحَالِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةَ بِمِلْءٍ كَفّ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ (يَحُول)) وَبِلَفْظِ: (مِلْء)) بِغَيْرِ مُوَخَّدَةٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ ((كَفّه)) (مِنْ دَم (١) أخرجه البخاري (٧١٥٢). ٩٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر هَرَاقَهُ) أي: صَبَّهُ (فَلْيَفْعَلْ) قَالَ إِبْنِ التِّين: وَقَعَ فِي رِوَايَتنَا (أَهْرَاقَهُ)) وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وگَسْرهَا. قُلْت: هِيَ لِمَنْ عَدَا أَبَا ذَرّ، كَذَا وَقَعَ هَذَا الْمَتْنِ أَيْضًا مَوْقُوفًا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الظَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ صَفْوَان بْن مُحْرِزِ وَمِنْ طَرِيقٍ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ جُنْدُبِ مَوْقُوفًا، وَزَادَ الْحَسَنِ بَعْدَ قَوْله: (يُهْرِيقهُ)) كَأَنَّمَا يَذْبَح دَجَاجَة، كُلَّمَا تَقَدَّمَ لِبَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجِنَّة حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ «وَوَقَعَ مَرْفُوعًا عِنْدَ الطَّبَرَائِيِّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيل بْنِ مُسْلِمٍ عَن الْحَسَن عَنْ جُنْدُب وَلَفْظُه: «تَعْلَمُونَ أَنِي سَمِعْتِ رَسُولِ اللهِ وَهِ يَقُول: لَا يَحُولَنَّ بَيْن أَحَدِكُمْ وَبَيْنِ الْجُنَّة وَهُوَ يَرَاهَا مِلْ كَفّ دَم مِنْ مُسْلِمٍ أَهْرَاقَهُ بِغَيْرِ حِلِّهِ) وَهَذَا لَوْ لَمْ يَرِدِ مُصَرَّحًا بِرَفْعِهِ لَكَانَ فِي حُكْمَ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالِ بِالرَّأَيٍ، وَهُوَ وَعِيدٍ شَدِيدٍ لِقَتْلِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقّ. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: فِي مَعْنَى قَوْله: ((مِلْء كَفّ مِنْ دَمِ)) هُوَ عِبَارَة عَنْ مِقْدَار دَم ◌ِنْسَان وَاحِدٍ، كَذَا قَالَ: وَمِنْ أَيْنَ هَذَا الْحَصْرِ؟ وَالْمُتَبَادِرِ أَنَّ ذِكْرِ مِلْءِ الْكَفّ كَالْمِثَالِ وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ لَكَانَ الْحُكْم كَذَلِكَ. وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي تَمِيمَة: قَالَ رَسُول اللهِ وَلِ: (لَا يَحُولَنَّ بَيْن أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّة)) فَذَكَرَ نَحْوِ رِوَايَة الْجُرَيْرِيِّ وَزَادَ فِي آخِرِهِ «قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمِ، فَقَالَ جُنْدُب: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ قَطْ قَوْمًا أَحَقّ بِالنَّجَاةِ مِنْ هَؤُلَاءِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ)). قُلْت: وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّ فِي تَصْدِيرهِ كَلَامِه بِحَدِيثِ: ((مَنْ سَمَّعَ)) وَكَأَنَّهُ تَفَرَّسَ فِيهِمْ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ((إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ)) وَلَقَدْ صَدَقَتْ فِرَاسَته؛ فَإِنَّهُمْ لَمَّا خَرَجُوا بَذَلُوا السَّيْفِ فِي الْمُسْلِمِينَ وَقَتَلُوا الرَّجَالِ وَالْأَطْفَالِ وَعَظُمَ الْبَلَاءِ بِهِمْ. قَالَ إِبْنِ بَظَّالِ: الْمُشَاقَّةِ فِي اللُّغَة مُشْتَقَّة مِن الشِّقَاق وَهُوَ الْخِلَاف، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: ١١٥] وَالْمُرَاد بِالْحَدِيثِ النَّهْي عَنِ الْقَوْلِ الْقَبِيحِ فِي الْمُؤْمِنِينَ وَكَشْف مُسَاوِيهِمْ وَعُيُوبِهِمْ وَتَرْك مُخَالَفَة سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَلُزُومِ جَمَاعَتِهِمْ وَالنَّهْي عَنْ إِدْخَالِ الْمَشَقَّة عَلَيْهِمْ وَالْإِضْرَارِ بِهِمْ. ٩٣ كتاب الرقاق/ باب الرياء والسمعة قَالَ صَاحِب ((الْعَيْنِ)): شَقَّ الْأَمْرِ عَلَيْك مَشَقَّة أَضَرَّ بِك إِنْتَهَى وَظَاهِرِهِ أَنَّهُ جَعَلَ الْمَشَقَّةِ وَالْمُشَاقَّةِ بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ جَوَّزَ الْخَطَّائِيُّ فِي هَذَا أَنْ تَكُون الْمَشَقَّةِ مِن الْإِضْرَارِ فَيَحْمِلِ النَّاس عَلَى مَا يَشُقَّ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ تَكُون مِن الشِّقَاقِ وَهُوَ الْخِلَافِ وَمُفَارَقَة الْجْمَاعَةِ وَهُوَ أَنْ يَكُون فِي شِقّ أي: نَاحِيَة عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَرَجَّعَ الدَّاؤُدِيُّ الثَّانِي، وَمِنِ الْأَوَّلِ قَوْلِهِ وَهِ فِي حَدِيث عَائِشَةٍ: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيٍّ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٍ، وَوَقَعَ لِغَيْرٍ أَبِي ذَرّ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيث. قُلْت: لِأَبِي عَبْد الله مَنْ يَقُول سَمِعْتِ رَسُول الله ◌َ له جُنْدُبِ؟ قَالَ: نَعَمْ جُنْدُب إِنْتَهَى. وَأَبُو عَبْد الله الْمَذْكُورِ هُوَ البخاري، وَالسَّائِلِ لَهُ الْفَرَبْرِيّ، وَقَدْ خَلَثْ رِوَايَة النَّسَفِيِّ عَنْ ذَلِكَ. وَقَدْ سِيقَ مِن الطُّرُقِ الَّتِي أَوْرَدْتَهَا مَا يُصَرِّحِ بِأَنَّ جُنْدُبًّا هُوَ الْقَائِل، وَلَيْسَ فِيمَنْ سُمِّيَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَحَد مِنِ الصَّحَابَةِ غَيْرهِ. [الفتح ١٧٣/٢٠]. ٥٣٢٨ - [وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا إِلَى مَسْجِدٍ رَسُولِ اللهِ وَه فَوَجَدَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَاعِدًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ◌َّهِ يَبْكِي فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: يُبْكِينِي شَيْءُ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِوَهَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ يَسِيرَ الرِّبَاءِ شِرْكُّ، وَإِنَّ مَنْ عَادَى لله وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَ اللهَ بِالْمُحَارَبَةِ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الأَبْرَارَ الأَنْقِيَاءَ الأَخْفِيَاءَ الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا، وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا وَلَمْ يُقْرَبُوا، قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى، يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ)). رَوَاهُ ابْنِ مَاجَه وَالْبَيْهَفِي فِي: ((شُعَبِ الإِيْمَانِ))](١). ٥٣٢٩ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا صَلَّى فِي الْعَلَانِيَةِ فَأَحْسَنَ، وَصَلَى فِي السِّرِّ فَأَحْسَنَ، قَالَ اللهُ تَعَالى: هَذَا عَبْدي حَقًّا)). رَوَاهُ ابْن مَاجَە](٤). ٥٣٣٠ - [وعَنْ مُعَاذِ بْن جَبَل أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ: «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَقْوَامُ (١) أخرجه ابن ماجه (٤١٢٤)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٦٥٤٤). (٢) أخرجه ابن ماجه (٤٢٠٠)، قال البوصيري (٢٣٦/٤) هذا إسناد ضعيف، وابن أبي حاتم في ((العلل)) (٥٤١). ٩٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر إِخْوَانُ الْعَلَانِيَةِ أَعْدَاءُ السَّرِيرَةِ)) فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ يَكُونَ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((ذَلِكَ بِرَغْبَةِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ، وَرَهْبَةِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ))](١). ٥٣٣١ - [وعَنْ شَدَّادِ بن أَوْسِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ صَلَّى يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ صَامَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَصَدَّقَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ)). رَوَاهُمَا أحْمَد](٢). ٥٣٣٢ - [وعَنْهُ أَنَّهُ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: شَيْءٍ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ يَقُولُ، فَذَكَرْتُهُ فَأَبْكَانِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: (أَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الشِّرْكَ وَالشَّهْوَةَ الْخَفِيَّةَ)) قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُشْرِكُ أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، أَمَّا إِنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًّا وَلَا حَجَرًّا وَلَا وَثَنَّا، وَلَكِنْ يُرَاؤُونَ بِأَعْمَالِهِمْ، وَالشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ أَنْ يُصْبِحَ أَحَدُهُمْ صَائِمًا فَتَعْرِضُ لَهُ شَهْوَةٌ مِنْ شَهَوَاتِهِ فَيَتْرُكُ صَوْمَهُ)). رَوَاهُ البَيْهَقِي فِي: ((شُعَبِ الإِيْمَانِ))](٣). ٥٣٣٣ - [وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟» فَقُلنا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «الشِّرْكُ الْخَفِيُّ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ فَيُصَلّي فَيُزَيِّدُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ)). رَوَاهُ ابْن مَاجَه](٤). ٥٣٣٤ - [وَعَنْ تَحْمُودِ بنِ لَبِيدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ: ((إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ؟ قَالَ: ((الرِّيَاءُ)). رَوَاهُ أَحْمَد وَزَادَ البَيْهَقِي فِي: (شُعَبِ الإِيْمَانِ): (يَقُولُ اللّهُ لَهُمْ يَوْمَ يُجَازِي الْعِبَادَ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى أخرجه أحمد (٢٢٧٠٥). (١) (٢) أخرجه أحمد (١٧٦٠٤). (٣) أخرجه أحمد (١٧١٦١)، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (٦٨٣٠)، والطبراني (٧١٤٤)، والحاكم (٧٩٤٠) وقال: صحيح الإسناد، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦٨/١). (٤) أخرجه ابن ماجه (٤٢٠٤)، قال البوصيري (٢٣٧/٤) هذا إسناد حسن. ٩٥ كتاب الرقاق/ باب الرياء والسمعة الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً وَخَيْرًا))](١). ((إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ؟ قَالَ: ((الرِّيَاءُ))) الرياء ينقسم قسمين: فإن كان الرياء في عقد الإيمان فهو كفر ونفاق، وصاحبه في الدرك الأسفل من النار، فلا يصح أن يخاطب بهذا الحديث. وإن كان الرياء لمن سلم له عقد الإيمان من الشرك، ولحقه شيء من الرياء في بعض أعماله، فليس ذلك بمخرج من الإيمان إلا أنه مذموم فاعله؛ لأنه أشرك في بعض أعماله حَمْدَ المخلوقين مع حَمْدٍ ربه، فَحُرم ثواب عمله ذلك. [ابن بطال ١٠١/١]. وقال الشيخ المصنف: وَأَنْوَاعُ الرِّيَاءِ بِالْأَعْمَالِ لَا تَنْحَصِرُ، وَرُبَّمَا أَنَّ الْمُرَائِيَّ مِنْ شِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى إِحْكَامِ الرِّيَاءِ، وَإِثْقَانِهِ يَتَأَلَّفُ ذَلِكَ بِفِعْلِهِ فِي خَلَوَاتِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ خُلُقًا لَهُ فِي الْمَلَاإِلَا لِلْخَوْفِ مِن الله تَعَالَى وَالْحَيَاءِ مِنْهُ. وَإِمَّا بِالْأَصْحَابِ وَالزَّائِرِينَ وَالْمُخَالِطِينَ كَمَنْ يَطْلُبُ مِنْ عَالِمِ أَوْ أَمِيرٍ أَوْ صَالِحٍ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيْهِ لِزِيَارَتِهِ إِيهَامًا لِرِفْعَتِهِ وَتَبَرُّكِ الْأَكَابِرِ بِهِ، وَكَمَنْ يَذْكُرُ أَنَّهُ لَقِيَ شُيُوخًا كَثِيرِينَ افْتِخَارًا بِهِمْ وَتَرَفُّعًا بِذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ. فَهَذِهِ مَجَامِعُ أَبْوَابِ الرِّيَاءِ الْحَامِلِ إِيثَارُهَا عَلَى طَلَبٍ نَحْوِ الْجَاهِ وَالْمَنْزِلَةِ وَاشْتِهَارِ الصِّيتِ حَتَّى تَنْطَلِقَ الْأَلْسُنُ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَيُجْلَبَ الْخُطَامُ مِنْ سَائِرِ الْآفَاقِ إلَيْهِ. وَمِنْهَا: حَيْثُ أُظْلِقَ الرِّيَاءُ عَلَى لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ؛ فَالْمُرَادُ بِهِ الْمَذْمُومُ الَّذِي مَرَّ حَدُّهُ، ثُمَّ إِنْ لَمْ يَقْصِدْ غَيْرَ الرِّيَاءِ فَعِبَادَتُهُ بَاطِلَةُ، وَلَيْتَهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِن السُّوءِ غَيْرُ ذَلِكَ بَلْ عَلَيْهِ عَظِيمُ الْإِثْمِ وَقَبِيحُ الدَّمِّ، كَمَا عُلِمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ مِن الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ، وَالْمَعْنَى فِي تَخْرِيمِهِ وَكَوْنِهِ كَبِيرَةً وَشِرْكًا - مُقْتَضِيًّا لِلَّعْنِ - أَنَّ فِيهِ اسْتِهْزَاءً بِالْحَقِ تَعَالَى كَمَا مَرَّت الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي الْأَحَادِيثِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ قَتَادَةُ كَمَا مَرَّ: إذَا رَاءَى الْعَبْدُ قَالَ الله تَعَالَى: أُنْظُرُوا إِلَيْهِ كَيْفَ يَسْتَهْزِئُ بِي، وَيُوَضِّحُهُ أَنَّ أَحَدَ خُدَّامِ الْمَلِكِ (١) أخرجه أحمد (٢٣٦٨٠)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٦٥٦٣). ٩٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر الْقَائِينَ فِي خِدْمَتِهِ لَوْ كَانَ قَاصِدًا بِوُقُوفِهِ فِيهَا مُلَاحَظَةَ أَمَةٍ أَوْ أَمْرَدَ لِلْمَلِكِ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ كُلّ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ مِنْ عَقْلِ اسْتِهْزَاءً بِذَلِكَ الْمَلِكِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَقَرُّبًا إِلَيْهِ بِوَجْهٍ مَعَ إِيهَامِهِ أَنَّهُ عَلَى غَايَةٍ مِن التَّقَرُّبِ، وَحِينَئِذٍ فَأَيُّ اسْتِحْقَارٍ وَاسْتِهْزَاءٍ يَزِيدُ عَلَى قَصْدِك - بِعِبَادَةِ رَبِّك - مِثْلَك عَاجِزًا عَنْ نَفْسِهِ مِنْ سَائِرِ الْوُجُوهِ فَضْلًا عَنْكِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَصْدُك إِيَّهُ مُتَبَرِّعًا بِعِبَادَتِكِ يُنْبِىُّ عَنِ اعْتِقَادِكَ فِيهِ أَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى تَحْصِيلٍ أَغْرَاضِك مِن الله فَرَفَعْتَ الْعَبْدَ الضَّعِيفَ الْعَاجِزَ عَلَى مَوْلَاكِ الْقَوِيِّ الْقَادِرِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الرِّيَاءُ مِنْ كَبَائِرِ الْكَبَائِرِ الْمُهْلِكَةِ، وَلِهَذَا سَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ (الشِّرْكَ الْأَصْغَرَ). وَفِيهِ أَيْضًا: تَلْبِيسُ عَلَى الْخُلْقِ لِإِيهَامِهِ لَهُمْ أَنَّهُ مُخْلِصٌ مُطِيعُ لله تَعَالَى وَهُوَ بِخِلَافِ ذَلِكَ بَلِ التَّلْبِيسُ فِي الدُّنْيَا حَرَامٌ أَيْضًا حَتَّى لَوْ قَضَى دَيْنَ إِنْسَانٍ لِيُخَيِّلَ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى غَيْرِهِ أَنَّهُ مُتَبَرِّعُ حَتَّى يَعْتَقِدُوا سَخَاوَتَهُ أَثِمَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِن التَّلْبِيسِ وَتَمَلُّكِ الْقُلُوبِ بِالْخِدَاعِ وَالْمَكْرِ. فَإِنْ قُلْت: قَدْ تَقَرَّرَ وَجْهُ كَوْنِ الرِّيَاءِ الشِّرْكَ الْأَصْغَرَ، فَمَا وَجْهُ افْتِرَاقِهِ مِن الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ؟ قُلْت: يَتَّضِحُ ذَلِكَ بِمِثَالٍ هُوَ أَنَّ الْمُصَلََّ حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ: إِنَّهُ صَالِحُ مَثَلًا يَكُونُ رِيَاؤُهُ سَبَبًا بَاعِثًا لَهُ عَلَى الْعَمَلِ، لَكِنَّهُ فِي خِلَالِ ذَلِكَ الْعَمَلِ تَارَةً يَقْصِدُ بِهِ تَعْظِيمَ الله تَعَالَى، وَثَارَةً لَا يَقْصِدُ بِهِ شَيْئًا، وَفِي كُلُّ مِنْهُمَا لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ مُكَفِّرُ خِلَافِ الشّرْكِ الْأَكْبَرِ، فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ فِي هَذَا إِلَّ إِذَا قَصَدَ بِالسُّجُودِ مَثَلًا تَعْظِيمَ غَيْرِ اللّه تَعَالَى، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَائِيَّ إِنَّمَا نَشَأَ لَهُ ذَلِكَ الشِّرْكُ بِوَاسِطَةٍ أَنَّهُ عَظُمَ قَدْرُ الْمَخْلُوقِ عِنْدَهُ حَتَّى حَمَلَهُ ذَلِكَ التَّعْظِيمُ عَلَى أَنْ يَرْكَعَ وَيَسْجُدَ، فَكَانَ ذَلِكَ الْمَخْلُوُقُ هُوَ الْمُعَظِّمُ بِالسُّجُودِ مِنْ وَجْهٍ وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الشِّرْكِ الْخَفِيِّ لَا الْجِلِيِّ وَذَلِكَ غَايَةُ الْجَهْلِ، وَلَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ إِلَّ مَنْ خَدَعَهُ الشَّيْطَانُ وَأَوْهَمَ عِنْدَهُ أَنَّ الْعَبْدَ الضَّعِيفَ الْعَاجِزَ يَمْلِكُ مِنْ مَعَابِشِهِ وَمَنَافِعِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَمْلِكُهُ اللّه تَعَالَى، فَلِذَلِكَ عَدَلَ بِوَجْهِهِ وَقَصْدِهِ إِلَيْهِمْ عَنِ الله تَعَالَى، فَأَقْبَلَ يَسْتَمِيلُ قَلْبَهُمْ فَيَكِلُهُ تَعَالَى - إلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَمَا مَرَّ فِي الْأَحَادِيثِ: ((اذْهَبُوا إِلَى ٩٧ كتاب الرقاق/ باب الرياء والسمعة الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ فَاطْلُبُوا ذَلِكَ عِنْدَهُمْ)) وَهُمْ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ شَيْئًا سِيَّمَا فِي الْآخِرَةِ: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالَّ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَنَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨- ٨٩] ﴿يَوْمًّا لَا يَجْزِي وَالِدَّ عَنْ وَلَدِهِ وَلَّا مَوْلُودُ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقُّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْخَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣] وَقَدْ يُظْلَقُ الرِّيَاءُ عَلَى أَمْرٍ مُبَاجٍ وَهُوَ طَلَبُ نَحْوِ الْجَاهِ وَالتَّوْقِيرِ بِغَيْرِ عِبَادَةٍ كَأَنْ يَقْصِدَ بِزِينَةِ لِيَاسِهِ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ بِالنَّظَافَةِ وَالْجَمَالَةِ وَنَحْرِ ذَلِكَ، وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ مِنْ كُلِّ تَجَمُّلٍ وَتَزَيُّنٍ وَتَكَرُّمِ لِأَجْلِ النَّاسِ. كَالْإِنْفَاقِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ لَا فِي مَعْرِضِ الْعِبَادَةِ وَالصَّدَقَةِ بَلْ لِيُقَالَ: إنَّهُ سَخِيُّ. وَوَجْهُ عَدَمِ حَرَكَةِ هَذَا النَّوْعِ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا مَرَّ فِي الْمُحَرَّمِ مِن التَّلْبِيسِ بِالدِّينِ وَالإِسْتِهْزَاءِ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَقَدْ كَانَ وَهِ: إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ سَوَّى عِمَامَتَهُ وَشَعْرَهُ وَنَظَرَ وَجْهَهُ فِي الْمِرْآَةِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ الله عَنْهَا -: أَوَتَفْعَلُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ إِنَّ الله يُحِبُّ مِن الْعَبْدِ أَنْ يَتَزَيَّنَ لِإِخْوَانِهِ إِذَا خَرَجَ إِلَيْهِمْ. نَعَمْ، هَذَا مِنْهُ مَّهِ عِبَادَةٌ مُتَأَكِّدَةً لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِدَعْوَةِ الْخُلْقِ وَاسْتِمَالَةِ قُلُوبِهِمْ مَا أَمْكَنَهُ؛ إذْ لَوْ سَقَطَ مِنْ أَعْيُنِهِمْ لَأَعْرَضُوا عَنْهُ فَلَزِمَهُ أَنْ يُظْهِرَ لَهُمْ مَحَاسِنَ أَحْوَاِهِ لِتَلَّا يَزْدَرُوهُ فَيُعْرِضُوا عَنْهُ لِمْتِدَادٍ أَعْيُنِ عَامَّةِ الْخَلْقِ إِلَى الظَّوَاهِرِ دُونَ السَّرَائِرِ، فَهَذَا قَصْدُهُ وَّ وَفِيهِ قُرْبَةُ أَيُّ قُرْبَةٍ، وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي الْعُلَمَاءِ وَنَحْوِهِمْ إِذَا قَصَدُوا بِتَحْسِينِ هَيْئَاتِهِمْ نَحْوَ ذَلِكَ. وَمِنْهَا: اخْتَلَفَ الْغَزَالِيُّ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِيمَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ الرِّيَاءَ وَالْعِبَادَةَ، فَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إنْ غَلَبَ بَاعِثُ الدُّنْيَا فَلاَ ثَوَابَ لَهُ، أَوْ بَاعِثُ الْآخِرَةِ فَلَهُ الثَّوَابُ وَإِنْ تَسَاوَيَا تَسَاقَطَا فَلَا ثَوَابَ أَيْضًا، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَا ثَوَابَ مُظْلَقًا لِلْأَخْبَارِ السَّابِقَةِ كَخَبَرٍ: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءُ هُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ)). وَأَوَّلَ الْغَزَالِيُّ الْحَدِيثَ عَلَى مَا إِذَا اسْتَوَى الْقَصْدَانِ أَوْ كَانَ قَصْدُ الرِّيَاءِ أَرْجَحَ، وَصَرِيحُ كُلَامِ الْغَزَالِيِّ أَنَّ الرِّيَاءَ وَلَوْ مُحَرَّمًا لَا يَمْنَعُ أَصْلَ الثَّوَابِ عِنْدَهُ إِذَا كَانَ بَاعِثُ الْعِبَادَةِ أَغْلَبَ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: لَوْ كَانَ اطَلَاعُ النَّاسِ مُرَجِّحًا وَمُقَوِّيًّا نَشَاطَهُ، وَلَوْ فُقِدَ لَمْ ٩٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر يَتْرُكِ الْعِبَادَةَ، وَلَوَ انْفَرَدَ قَصْدُ الرِّيَاءِ لَمَا أَقْدَمَ، فَالَّذِي نَظُنُهُ وَالْعِلْمُ عِنْدَ الله تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُحْبِطُ أَصْلَ الثَّوَابِ، وَلَكِنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى مِقْدَارٍ قَصْدِ الرِّيَاءِ وَيُثَابُ عَلَى مِقْدَارٍ قَصْدِ القَّوَابِ، انْتَهَى. وَقَدْ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ: إِذَا قَصَدَ الْأَجْرَ وَالْمَحْمَدَةَ جَمِيعًا فِي صَدَقَتِهِ وَصَلَاتِهِ فَهُوَ الشِّرْكُ الَّذِي يُنَاقِضُ الْإِخْلَاصَ، وَمَا نَقَلْنَاهُ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - رَضِيَ الله عَنْهُمَا - يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا ثَوَابَ لَهُ أَصْلًا انْتَهَى، وَبِهَذَا يَتَرَجَّحُ كَلَّامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلامِ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الَّذِي يُتَّجَهُ تَرْجِيحُهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مَتَّى كَانَ الْمُصَاحِبُ لِقَصْدِ الْعِبَادَةِ رِيَاءً مُبَاحًا لَمْ يَقْتَضِ إِسْقَاطَ ثَوَابِهَا مِنْ أَصْلِهِ بَلْ يُتَابُ عَلَى مِقْدَارٍ قَصْدِهِ الْعِبَادَةَ وَإِنْ ضَعُفَ، أَوْ مُحَرَّمَا اقْتَضَى سُقُوطَهُ مِنْ أَصْلِهِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ السَّابِقَةُ، قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] قَدْ لَا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ تَقْصِيرَهُ بِقَصْدِهِ الْمُحَرَّمَ أَوْجَبَ سُقُوطَ الْأَجْرِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ ذَرَّةٌ مِنْ خَيْرٍ فَلَمْ تَشْمَلْهُ الْآيَةُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَقَدَ عِبَادَتَهُ عَلَى الْإِخْلَاصِ ثُمَّ وَرَدَ عَلَيْهِ وَارِدُ الرِّيَاءِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ لِأَنَّهُ تَمَّ عَلَى الْإِخْلَاصِ فَلَا يَنْعَطِفُ عَلَيْهِ أَثَرُ مَا طَرَاً إِنْ لَمْ يَتَكَلَّفْ إِظْهَارَهُ وَالتَّحَدُّثَ بِهِ. فَإِنْ تَكَلَّفَ ذَلِكَ قَصْدًا لِلرِّيَاءِ قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَهَذَا مَخُوفٌ؛ وَفِي الْآثَارِ وَالْأَخْبَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُحْبِطُ الْعَمَلَ، وَسَاقَ ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَبْعَدَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الظَّارِئُ مُبْطِلًا لِقَوَابِ الْعَمَلِ. قَالَ: بَلِ الْأَقْيَسُ أَنَّهُ مُتَابٌ عَلَى عَمَلِهِ الَّذِي انْقَضَى وَيُعَاقَبُ عَلَى مُرَاءَاتِهِ بِطَاعَةِ الله وَلَوْ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا بِلَافٍ مَا لَوْ تَغَيَّرَ عَقْدُهُ إِلَى الرِّيَاءِ فِي أَثْنَائِهَا فَإِنَّهُ يُحْبِطُهَا بَلْ يُفْسِدُهَا إِنْ تَمَخَّضَ قَصْدُ الرِّيَاءِ فَإِنْ لَمْ يَتَمَخَّضْ لَكِنَّهُ غَلَبَ حَتَّى انْغَمَرَ قَصْدُ الْقُرْبَةِ فِيهِ فَهَذَا يَتَرَدَّدُ فِي إِفْسَادِهِ لِلْعِبَادَةِ، وَمَيْلُ الْخَارِثِ الْمُحَاسِبِيِّ إِلَى إِفْسَادِهِ. ٩٩ كتاب الرقاق/ باب الرياء والسمعة وَالْأَحْسَنُ عِنْدَنَا أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ فِي الْعَمَلِ بَلْ بَقِيَ الْعَمَلُ صَادِرًا عَنْ بَاعِثِ الدِّينِ، وَإِنَّمَا انْضَافَ إِلَيْهِ سُرُورٌ بِطَلَاعٍ فَلَا يَفْسُدُ عَمَلُهُ لِبَقَاءِ أَصْلِ التِّيَّةِ الْبَاعِثَةِ عَلَيْهِ وَالْحَامِلَةِ عَلَى إِثْمَامِهِ، بِخِلافٍ مَا لَوْ عَرَضَ لَّهُ مَا لَوْلَا النَّاسُ لَقَطَعَ صَلَاتَهُ مَثَلًا فَإِنَّهُ يُفْسِدُهَا فَيُعِيدُهَا، وَإِنْ كَانَتْ فَرْضًا. وَالْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي الرِّيَاءِ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يُرِدْ بِالْعَمَلِ إِلَّ الْخُلْقَ. وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي الشَّرِكَةِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ قَصْدُ الرِّيَاءِ مُسَاوِيًّا لِقَصْدِ القَوَابِ أَوْ أَغْلَبَ مِنْهُ، أَمَّا إِذَا كَانَ ضَعِيفًا بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ فَلَا يُحْبِطْ بِالْكُلِيَّةِ ثَوَابَ الْعَمَلِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْسُدَ الصَّلَاةُ، وَلَوْ قَارَنَ الرِّيَاءُ ابْتِدَاءَ عَقْدِ الصَّلَاةِ مَثَلًا وَاسْتَمَرَّ إِلَى أَنْ سَلَّمَ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَقْضِي وَلَا يَعْتَدُّ بِصَلَاتِهِ فَإِنْ نَدِمَ عَلَيْهِ أَثْنَاءَهَا وَاسْتَغْفَرَ، فَقَالَتْ فِرْقَةُ: هِيَ لَمْ تَنْعَقِدْ، فَيَسْتَأْنِفُهَا، وَقَالَتْ فِرْقَةُ: يَلْغُو جَمِيعُ مَا فَعَلَهُ إِلَّ التَّحْرِيمَ فَيُتِمُّ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ فِرْقَةُ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بَلْ يُتِمُّهَا لِأَنَّ النَّظَرَ إِلَى الْخَوَاتِيمِ، كَمَا لَو ابْتَدَأَ بِالْإِخْلَاصِ وَخَتَمَ بِالرِّيَاءِ فَإِنَّ عَمَلَهُ يَفْسُدُ، وَالْقَوْلَانِ الْأَخِيرَانِ خَارِجَانٍ عَنْ قِيَاسِ الْفِقْهِ جِدًّا خُصُوصًا أَوَّلَهُمَا، وَكَذَا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ إِذَا خَتَمَ بِالْإِخْلَاصِ صَحَّ ◌ِأَنَّ الرِّيَاءَ يَقْدَحُ فِي التَّيَّةِ، وَالَّذِي يَسْتَقِيمُ عَلَى قِيَاسِ الْفِقْهِ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ بَاعِتُهُ هُوَ مُجَرَّدُ الرِّيَاءِ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ دُونَ طَلَبِ الثَّوَابِ وَامْتِثَالِ الْأَمْرِ لَمْ يَنْعَقِدِ افْتِتَاحُهُ، وَلَمْ يَصِحَّ مَا بَعْدَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِالنََّّةِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا تَحْرُمُ لِأَجْلِ النَّاسِ، وَإِنْ كَانَ ثَوْبُهُ نَجِسًا وَلَوْ كَانَ وَحْدَهُ لَمْ يُصَلِّ أَصْلًا، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ إِنَّهُمْ لَوْ فُقِدُوا صَلَّى أَيْضًا صَلَاةً صَحِيحَةً إِلَّا أَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ الرَّغْبَةُ فِي الْمَحْمَدَةِ أَيْضًا فَاجْتَمَعَ الْبَاعِثَانِ، فَإِنْ كَانَ فِي نَحْوِ صَدَقَةٍ فَقَدْ عَصَى بِإِجَابَةِ بَاعِثِ الرِّيَاءِ وَأَطَاعَ بِإِجَابَةِ بَاعِثِ الثَّوَابِ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧-٨] فَلَهُ ثَوَابُ بِقَدْرِ قَصْدِهِ الصَّحِيحِ، وَعِقَابُ بِقَدْرٍ قَصْدِهِ الْفَاسِدٍ وَلَا يُحْبِظُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَصَلَاةُ النَّافِلَةِ كَالصَّدَقَةِ فِيمَا ذُكِرَ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: صَلَاتُهُ فَاسِدَةً وَلَا الإِقْتِدَاءُ بِهِ بَاطِلُ، وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّ قَصْدَهُ الرِّيَاءُ وَإِظْهَارُ حُسْنِ قِرَاءَتِهِ تَّحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ أَنَّهُ يَقْصِدُ القَوَابَ أَيْضًا بِتَطُوُّعِهِ فَتَصِحُ ١٠٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْقَصْدِ صَلَاتُهُ وَالإِقْتِدَاءُ بِهِ. وَإِن اقْتَرَنَ بِهِ قَصْدُ آخَرُ هُوَ عَاصٍ بِهِ، فَإِن اجْتَمَعَ الْبَاعِثَانِ فِي فَرْضٍ، وَكُلُّ لَا يَسْتَقِلُّ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الإِنْبِعَاثُ بِمَجْمُوعِهِمَا فَهَذَا لَا يُسْقِطُ الْوَاجِبَ عَنْهُ، فَإِنِ اسْتَقَلَّ كُلُّ مِنْهُمَا بِحَيْثُ لَوْ عُدِمَ بَاعِثُ الرِّيَاءِ أَدَّى الْفَرْضَ وَلَوْ عُدِمَ بَاعِثُ الْفَرْضِ أَنْشَأَ صَلَاةً لِلرِّيَاءِ فَهَذَا مَحَلُّ النَّظَرِ وَهُوَ مُخْتَمَلُ جِدًّا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: الْوَاجِبُ صَلَاءُ خَالِصَةُ لِوَجْهِ الله تَعَالَى وَلَمْ تُوجَدْ، وَأَنْ يُقَالَ: الْوَاجِبُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ بِبَاعِثٍ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَقَدْ وُجِدَ فَاقْتِرَانُ غَيْرِهِ بِهِ لَا يُسِيغُ سُقُوطَ الْفَرْضِ عَنْهُ كَمَا لَوْ صَلَّى فِي دَارٍ مَغْصُوبَةٍ، وَلَوْ كَانَ الرِّيَاءُ فِي نَحْوِ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الصَّلَاةِ دُونَ ذَاتِهَا قُطِعَ بِصِحَّتِهَا لِأَنَّ بَاعِثَ أَصْلِ الصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا صَلَاةٌ لَمْ يُعَارِضْهُ غَيْرُهُ. هَذَا فِي رِيَاءٍ بَاعِثٍ عَلَى الْعَمَلِ. فَأَمَّا مُجَرَّدُ السُّرُورِ بِإِطْلَاعِ النَّاسِ إِذَا لَمْ يَبْلُغْ أَثَرُهُ بِحَيْثُ يُؤَثِّرُ فِي الْعَمَلِ فَبَعِيدُ أَنْ يُفْسِدَ الصَّلَاةَ فَهَذَا مَا تَرَاهُ لَائِقًا بِقَانُونِ الْفِقْهِ، وَالْمَسْأَلَةُ غَامِضَةٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْفُقَهَاءَ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهَا فِي الْفِقْهِ، وَالَّذِينَ خَاضُوا فِيهَا لَمْ يُلَاحِظُوا قَوَانِينَ الْفُقَهَاءِ بَلْ حَمَلَهُم الْحِرْصُ عَلَى تَصْفِيَةِ الْقُلُوبِ وَطَلَبِ الْإِخْلَاصِ عَلَى إِفْسَادِ الْعِبَادَاتِ بِأَدْنَى الْخَوَاطِرِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ هُوَ الْقَصْدُ فِيمَا نَرَاهُ وَالْعِلْمُ عِنْدَ الله تَعَالَى فِيهِ انْتَهَى. وَمِنْهَا: الرِّيَاءُ يَنْقَسِمُ إِلَى دَرَجَاتٍ مُتَفَاوِتَةٍ فِي الْقُبْحِ، فَأَقْبَحُهَا الرِّيَاءُ فِي الْإِيمَانِ وَهُوَ شَأْنُ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ أَكْثَرَ الله مِنْ ذَمِّهِمْ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ وَتَوَعَّدَهُمْ بِقَوْلِهِ عَزَّ قَائِلًا: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِن النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] وَهَؤُلَاءِ قَلُّوا مِنْ بَعْدٍ زَمَنِ الصَّحَابَةِ، نَعَمْ كَثُرَ مَنْ هُوَ مِثْلُهُمْ فِي الْقُبْحِ كَالْمُعْتَقِدِينَ لِلْبِدَعِ الْمُكَفِّرَةِ كَإِنْكَارٍ الْحَشْرِ أَوْ عِلْمِ الله تَعَالَى بِالْجُزْئِيَّاتِ، وَاعْتِقَادِ الْإِبَاحَةِ الْمُظْلَقَةِ مَعَ إِظْهَارِهِمْ خِلَافَ ذَلِكَ فَلَيْسَ وَرَاءَ قَبِيحِ أَحْوَالِ هَؤُلَاءِ شَيْءُ. وَيَلِيهِمْ: الْمُرَاؤُونَ بِأُصُولِ الْعِبَادَاتِ الْوَاجِبَةِ كَأَنْ يَعْتَادَ تَرْكَهَا فِي الْخُلْوَةِ وَيَفْعَلَهَا فِي الْمَلَأْ خَوْفَ الْمَذَمَّةِ، وَهَذَا أَيْضًا عَظِيمٌ عِنْدَ الله تَعَالَى لإِنْبَائِهِ عَلَى غَايَةِ الْجَهْلِ وَأَدَائِهِ إِلَى أَعْلَى أَنْوَاعِ الْمَقْتِ.