النص المفهرس

صفحات 1-20

فَتْحُ الإِلَهُ
في
شَرَجُ المشكارة
تصنيف
الشَّيْخُ الإِمَّامِ القَلّامَة المُحُقّدْ
ابنُ حِجَ الهَيْتِيّ
المتوفى ٩٧٤ هنهـ
تحقيق وَتَخْرُ وَتعليق
الشَّيخْ أحْمَدٌ فَريد المزيدِيّ
الجُزْء العَاشِرْ
الأحاديث من ٥١٢٣-٦٢٩٤
دار الكتب العلمية®
Dar Al-Koton Al-ilmiyah
DK
أسّسَها مُمَّد علي بيضوت سنة 1971 بَيرُوت - لبْنَان
Est. by Mohammad Ali Baydoun 1971 Beirut - Lebanon
Établie par Mohamad Ali Baydoun 1971 Beyrouth - Liban

الكتاب فتح الإله
في شرح المشكاة
Title : FATH AL-ILĀH
FĪ ŠARH AL-MIŠKÄT
التصنيف : شرح حديث
Classification: Prophetic hadith explanation
المؤلف :العلامة المحقق ابن حجر الهيتمي (ت974 هـ)
Author : Ibn Hajar Al-Haytaml (D.974H.)
-
المحقق :الشيخ أحمد فريد المزيدي
Editor : Al-Sheikh Ahmad Farid Al-Mazidi
الناشر : دار الكتب العلمية - بيروت
Publisher: Dar Al-Kotob Al-IImlyah - Beirut
عدد الصفحات (10 محلدات) 5728 (Pages (10 Volumes
Size
17x24 cm
قياس الصفحات
Yeär
2015 A D - 1436H.
سنة الطباعة
Printed in : Lebanon
بلد الطباعة -لبنان
Edition : 1* (2 Colors)
الطبعة : الأولى (لونان)
baydoun@al-ilmiyah.com
sales@al-ilmiyah
info@al-ilmiyah.com
http://www.al-ilmiyah.com
Dar Al-Kotob
Al-ilmiyah
Est. by Mohamad Ali Baydoun
1971 Beirut - Lebanon
Aramoun, al-Quebbah,
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Bidg
Tel
+961 5 804 810/11/12
Fax
+961 5 804813
Po Box 11-9424 Beirut-Lebanon,
Riyad al-Soloh Beirut 1:07 2790
عرمون، القبة، مبنى دار الكتب العلمية
هاتف: ١١/١٢ / ٥٨٠٤٨١٠ ٩٦١+
٥٨٠٤٨١٣ ٩٦١+
فاکس.
بيروت-ليثاں
صب ٩٤٢٤-١١
-١١٠٧٢٢٩
رياض الصلح-بيروت
ISBN-13: 978-2-7451-7813-8
90000
ISBN-10: 2-7451-7813-X
9 782745 178138
Exclusive rights by @ Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah
Beirut-Lebanon No part of this publication may be
translated, reproduced, distributed in any form or by any
means, or stored in a data base or retrieval system,without
the prior written permission of the publisher.
Tous droits exclusivement réservés à @ Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah
Beyrouth-Liban Toute représentation,édition, traduction ou reproduction
même partielle,par tous procédés, en tous pays, faite sans autorisation
préalable signée par l'éditeur est illicite et exposerait le contrevenant à
des poursuites judiciaires.
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية
بيروت-لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب
كاملاً أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر
أو برمجته على أسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً.
I

نسِةِاللهِالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
باب الظلم
الفصل الأول
٥١٢٣ - [عَن ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّنَ قَالَ: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ](١).
(الظُّلْم ◌ُظُلُمَاتٍ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ إِبْنِ عُمَر بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ
مَزِيد، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيقِ مُحَارِبِ بْن دِثَارٍ عَن اِبْن عُمَر وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ ((يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِنَّقُوا الظُّلْمِ)) وَفِي رِوَايَة ((إِيَّاكُمْ وَالظُّلْم)) وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي ((الشُّعَبِ)) مِنْ هَذَا
الْوَجْهِ وَزَادَ فِيهِ: قَالَ مُحَارِب أَظْلَمِ النَّاسِ مَنْ ظَلَمَ لِغَيْرِهِ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثٍ
جَابِرٍ فِي أَوَّل حَدِيث بِلَفْظ ((إِنَّقُوا الظُّلْم فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّخَ))
الْحَدِيث، قَالَ إِبْنُ الْجَوْزِيِّ: الظُّلْمُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْصِيَتَيْنِ: أَخْذ مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقّ
وَمُبَارَزَةِ الرَّبّ بِالْمُخَالَفَةِ، وَالْمَعْصِيَةِ فِيهِ أَشَدّ مِنْ غَيْرِهَا لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ غَالِبًا إِلَّا
بِالضَّعِيفِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الإِنْتِصَارِ، وَإِنَّمَا يَنْشَأُ الظُّلْمُ عَنْ ظُلْمَة الْقَلْب ◌ِأَنَّهُ لَو
إِسْتَنَارَ بِنُورِ الْهُدَى لَاغْتَبَرَ، فَإِذَا سَعَى الْمُتَّقُونَ بِنُورِهِم الَّذِي حَصَلَ لَهُمْ بِسَبَبِ التَّقْوَى
إِكْتَنَفَتْ ظُلُمَاتِ الظُّلْمِ الظَّالِمِ حَيْثُ لَا يُغْنِي عَنْهُ ظُلْمُهُ شَيْئًا. [الفتح ٣٥٦/٧].
٥١٢٤ - [وعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ:((إِنَّ اللّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا
أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ)) ثُمَّ قَرَّأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ
(١) أخرجه البخاري (٢٣١٥) ومسلم (٦٧٤٢) والترمذي (٢٠٣٠) وقال: حسن صحيح غريب،
وأحمد (٦٢١٠) والبيهقي في (السنن الكبرى)) (١١٢٨٠) وفي (شعب الإيمان)) (٧٤٥٦) والطيالسي
(١٨٩٠) والقضاعي (١٠٩).
- ٣ -

٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
ظَالِمَةُ .... ﴾ [هود:١٠٢]. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
٥١٢٥ - [وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ رَ﴿ لَمَّا مَرَّ بِالْحِجْرِ قَالَ: «لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ
الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِيْن، أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ، ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ
وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى اجتازَ الْوَادِي)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
٥١٢٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةُ
لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَلَّا يَكُونَ لَهُ دِينَارُ وَلَا دِرْهَمُ، إِنْ
كَانَ لَهُ عَمَلُ صَالِحُ أَخِذَ مِنْهُ بِقَدْرٍ مَظْلِمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتُ أَخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ
صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ)). رَوَاهُ البُخَارِي](٣).
(مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَلَّا
يَكُونَ لَهُ دِينَارٌ وَلَّا دِرْهَمْ) قال المهلب: إن بين، فهو أطيب وأصح في التحلل؛ لأنه
يعرف مقدار ما يحلله منه معرفة صحيحة، وقد اختلف العلماء فيمن كانت بينه
وبين أحد معاملة وملابسة ثم حلل بعضهم بعضًا من كل ما جرى بينهما من ذلك،
فقال قوم: إن ذلك براءة له في الدنيا والآخرة وإن لم یبین مقداره.
وقال آخرون: إنما تصح البراءة إذا بين له وعرف مال عنده أو قارب ذلك بما لا
مشاحة في مثله.
قال المهلب: وهذا الحديث حجة لهذا القول؛ لأن قوله {َل﴾: (أَخِذَ مِنْهُ بِقَدْرٍ
مَظْلِمَتِهِ) يدل أنه يجب أن يكون معلوم القدر مشارًا إليه. [ابن بطال ٩٣/١٢].
٥١٢٧ - [وعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َ ﴿ قَالَ: (أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟)) قَالُوا: الْمُفْلِسُ
(١) أخرجه البخاري (٤٤٠٩)، ومسلم (٢٥٨٣) والترمذي (٣١١٠) وقال: حسن صحيح غريب،
والنسائي في ((الكبرى)) (١١٢٤٥) وابن ماجه (٤٠١٨) والبيهقي (١١٢٨٧)، والبزار (٣١٨٣) وأبو
یعلی (٧٣٢٢).
(٢) أخرجه البخاري (٤٤٢٥)، ومسلم (٢٩٨٠)، وعبد الرزاق (١٦٢٥).
(٣) أخرجه البخاري (٦١٦٩) والترمذي (٢٤١٩) وقال: حسن صحيح غريب، وأحمد (١٠٥٨٠)، وابن
حبان (٧٣٦٢)، والبغوي في («الجعديات)) (٢٧٧١).

٥
تتمة كتاب الآداب/ باب الظلم
فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: ((إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ
وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا،
فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا
عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَظُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ)). رَوَاهُ مُسْلِم)](١).
٥١٢٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: (لَتُؤَدُنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ
الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ)(٢).
وَذُكِرَ حَدِيْث جَابِرٍ: ((اتَّقُوا الظُّلْم)) فِي بَابَ الإنْفَاقِ.
هَذَا تَصْرِيحِ بِحَشْرِ الْبَهَائِمِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِعَادَتهَا يَوْمِ الْقِيَامَة كَمَا يُعَاد أَهْلِ التَّكْلِيف
مِنِ الْآدَمِيِّينَ، وَكَمَا يُعَادِ الْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينِ وَمَنْ لَمْ تَبْلُغُهُ دَعْوَةٌ، وَعَلَى هَذَا تَظَاهَرَتْ دَلَائِل
الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوش حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] وَإِذَا وَرَدَ لَفْظ
الشَّرْعِ، وَلَمْ يَمْنَع مِنْ إِجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ عَقْل وَلَا شَرْع وَجَبَ حَمْله عَلَى ظَاهِرِهِ.
قَالَ الْعُلَمَاءِ: وَلَيْسَ مِنْ شَرْط الْحَشْرِ وَالْإِعَادَةِ فِي الْقِيَامَةِ الْمُجَازَاةِ وَالْعِقَاب
وَالقَوَّابِ، وَأَمَّا الْقِصَاصِ مِن الْقَرْنَاء لِلْجَلْحَاءِ فَلَيْسَ هُوَ مِنْ قِصَاصِ التَّكْلِيف؛ إِذْ لَا
تَكْلِيف عَلَيْهَا، بَلْ هُوَ قِصَاص مُقَابَلَةٍ، وَالْجُلْحَاءِ بِالْمَدِّ هِيَ الْجَمَّاءِ الَّتِي لَا قَرْن لَهَا،
والله أَعْلَم. [النووي ٣٨٩/٨].
الفصل الثاني
٥١٢٩ - [عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: ((لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ: إِنْ
أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ
تُخْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاؤُوا فَلَا تَظْلِمُوا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي](٣).
(١) أخرجه مسلم (٢٥٨١)، والترمذي (٢٤١٨) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٨٣٩٥)، والطبراني في
((الأوسط)) (٢٧٧٨)، والديلمي (٢٣٣٨).
(٢) أخرجه مسلم (٢٥٨٢)، والترمذي (٢٤٢٠) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٧٢٠٣).
(٣) أخرجه الترمذي (٢٠٠٧) وقال: حسن غريب.

٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
٥١٣٠ - [وعَنْ مُعَاوِيَة، كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنِ اكْتُبِي إِلَّ كِتَابًا
تُوصِينِي فِيهِ وَلَا تُكْثِرِي عَيٍّ، فَكَتَبَتْ: سَلَامُ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله
وَ﴿ يَقُولُ: ((مَنِ الْتَمَسَ رِضَا الله بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللهُ مُؤونَةَ النَّاسِ، وَمَنِ الْتَمَسَ
رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ الله وَكَلَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ)). وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِي](١).
(بِسَخَطِ) السخط والسخط والسخط والمسخط: الكراهة للشيء وعدم الرضا
به. [الأحوذي ٨٢/٧].
الفصل الثالث
٥١٣١ - [عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم
بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ وَ وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: ((لَيْسَ ذَاكَ إِنَّمَا هُوَ الشِّرْك، ألمْ تَسْمَعُوا قَوْل لُقْمَانَ لِإِبْنِهِ: ﴿يَا بُنَّ
لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمُ عَظِيمٌ﴾» [لقمان: ١٣] وَفِي رِوَايَةٍ: ((لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ إِنَّمَا
هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِإِبْنِهِ). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٤).
٥١٣٢ - [وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ قَالَ: «مِنْ شَرِّ النَّاسِ عِنْدَ الله مَنْزِلَةً
يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَبْدًا أَذْهَبَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِه). رَوَاهُ ابْنِ مَاجَه](٣).
(عَبْدًا أَذْهَبَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ) أي: قَتَلَ غَيْرِهِ لِيَأْخُذْ دُنْيَاهُ فَأَذْهَب بِذَلِكَ
آخِرَتِه أَوْ أَنَّهُ أَعَانَ ظَالِمًا وَجَرّ إِلَيْهِ الدُّنْيَا فَذَهَبَ بِهِ دِينه. وَفِي ((الزَّوَائِد)»: هَذَا إِسْنَاد
حَسَن سُوَيْد بْنِ سَعِيدٍ مُخْتَلَف فِيهِ: قُلْت: وَكَذَا شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ. [السندي ٣٣٦/٧].
٥١٣٣ - [وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: ((الدَّوَاوِينُ ثَلَاثَةُ: دِيوَانُ لَّا
يَغْفِرُهُ اللهُ: الإِشْرَاكُ بِاللهِ، يَقُولُ اللهُ دَتْ: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]
(١) أخرجه الترمذي (٢٤١٤) وابن حبان (٢٧٦)، وابن المبارك (١٩٩) وإسحاق بن راهويه (١١٧٥)،
والقضاعي (٤٩٨).
(٢) أخرجه البخاري (٣١٨١)، ومسلم (١٢٤).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٩٦٦)، قال البوصيري (١٧٥/٤) هذا إسناد حسن.

٧
تتمة كتاب الآداب/ باب الظلم
وَدِيوَانُ لَا يَتْرُكُهُ اللّهُ: ظُلْمُ الْعِبَادِ فِيْمَا بَيْنَهُم حَتَّى يَقْتَصِ بَعْضُهُمْ مِن بَعْضٍ، وَدِيوَانُ لَا
يَعْبَأُ اللهُ بِهِ: ظُلْمُ الْعَبْادِ فِيمَا بَيْنَهُم وَبَيْنَ اللهِ فَذَاك إِلَى اللّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ
تَجَاوَزَ عَنْهُ))](١).
٥١٣٤ - [وَعَنْ عَليّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (إِيَّاكَ وَدَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّمَا
يَسْأَلَ اللهُ حَقَّهُ وَإِنَّ اللهَ لا يَمْنَعِ ذَا حَقٌّ حَقَّهُ))](٤).
٥١٣٥ - [وَعَنْ أَوْسِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ◌ِ لهِ يَقُولُ: ((مَنْ مَشَى مَعَ
ظَالِمٍ لِيُقَوِّيْهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ، فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الإِسْلامِ))](٣).
٥١٣٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة، أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ: إِنَّ الظَّالِمَ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ،
فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: ((بَلَى وَاللهِ، حَتَى الْحَبَارَى لَتَمُوتُ فِي وَكْرِهَا هُزْلاً لِظُلْمِ الظَّالِم)). رَوَى
البَيْهَِي الأَرْبَعَة فِي: ((شُعَبِ الإِيْمَانِ))](٤).
(حَتَّى الحَبَارَى) بضم الحاء طير مشهور، قال في ((القاموس المحيط)) والحُبَارَى:
طائِرُ الذَّكَرِ والْأُنْثَى، والواحِدِ والجمعِ، وألِفُهُ للتأنيثِ. (لَتَمُوتُ فِي وَكْرِهَا) أي: بيتها
وعشها (هُؤْلاً) بضم هاء وسكون زاي نقيض السمن (لِظُلْمِ الظَّالِم) أي لأجل ظلمه،
ولكن الله يعفو عن كثير ويمهل عن بعض ولا يهمل حق المظلوم.
(١) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)) (٧٢١٥).
(٢) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٢٠٧).
(٣) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٤١١).
(٤) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٢٢١).

باب الأمر بالمعروف
الفصل الأول
٥١٣٧ - [عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ قَالَ: ((مَنْ رَأَى مِنْكُمْ
مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَف
الْإِيمَان)). رَوَاهُ مُسْلِمْ)(١).
(فَبِقَلْبِهِ) مَعْنَاهُ فَلْيَكْرَهْهُ بِقَلْبِهِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِإِزَالَةٍ وَتَغْبِيرٍ مِنْهُ لِلْمُنْكَرِ وَلَكِنَّهُ
هُوَ الَّذِي فِي وُسْعِهِ. (وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَانِ) مَعْنَاهُ والله أَعْلَمْ: أَقَلُّهُ ثَمَرَةِ، قَالَ الْقَاضِي
عِيَاض رَحِمَهُ اللهِ: هَذَا الْحَدِيث أَصْلِ فِي صِفَة التَّغْبِيرِ فَحَقُّ الْمُغَيِّرِ أَنْ يُغَيِّهُ بِكُلِّ وَجْه
أَمْكَنَهُ زَوَالِه بِهِ قَوْلًا كَانَ أَوْ فِعْلًا؛ فَيَكْسِرِ آلَات الْبَاطِلِ، وَيُرِيقِ الْمُسْكِرِ بِنَفْسِهِ، أَوْ
يَأْمُر مَنْ يَفْعَلهُ، وَيَنْزِعِ الْغُصُوبَ وَيَرُدَّهَا إِلَى أَصْحَابِهَا بِنَفْسِهِ، أَوْ بِأَمْرِهِ إِذَا أَمْكِّنَهُ
وَيَرْفُقِ فِي التَّغْيِيرِ جَهْدِه بِالْجَاهِلِ وَبِذِي الْعِزَّةِ الظَّالِمِ الْمَخُوفِ شَرّه؛ إِذْ ذَلِكَ أَدْعَى إِلَى
قَبُول قَوْله. كَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُون مُتَوَلِّي ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ لِهَذَا الْمَعْنَى.
وَيُغْلِظُ عَلَى الْمُتَمَادِي فِي غَيّه، وَالْمُسْرِفِ فِي بَطَالَتْه؛ إِذَا أَمِنَ أَنْ يُؤَثِّر إِغْلَاظُه مُنْكَرًا
أَشَدّ مِمَّا غَيََّهُ لِكَوْنِ جَانِبِهِ مَحْمِيًّا عَنْ سَطْوَة الظَّالِمِ. فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنّه أَنَّ تَغْبِيرَهُ بِيَدِهِ
يُسَبِّبُ مُنْكَرًا أَشَدّ مِنْهُ مِنْ قَتْله أَوْ قَتْل غَيْرِهِ بِسَبَبٍ كَفَّ يَدَهُ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْقَوْل
بِاللِّسَانِ وَالْوَعْظِ وَالتَّخْوِيفِ. فَإِنْ خَافَ أَنْ يُسَبِّب قَوْله مِثْلِ ذَلِكَ غَيَّرَ بِقَلْبِهِ، وَكَانَ فِي
سَعَةٍ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَاد بِالْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى، وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى ذَلِكَ
إِسْتَعَانَ مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى إِظْهَارِ سِلَاجٍ وَحَرْبٍ، وَلْيَرْفَع ذَلِكَ إِلَى مَنْ لَهُ الْأَمْرِ إِنْ كَانَ
الْمُنْكَرِ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ يَقْتَصِر عَلَى تَغْيِيره بِقَلْبِهِ. هَذَا هُوَ فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ، وَصَوَابِ الْعَمَل
(١) أخرجه مسلم (٤٩)، وأبو داود (١١٤٠)، والترمذي (٢١٧٢) وقال: حسن صحيح، وأحمد (١١٤٧٨)
وابن ماجه (٤٠١٣) وابن حبان (٣٠٧)، والبيهقي (١٩٩٦٦)، والطيالسي (٢١٩٦)، وعبد بن حميد
(٩٠٦)، والنسائي (٥٠٠٨) وأبو يعلى (١٠٠٩) وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٨/١٠).
- ٨ -

٩
تتمة كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف
فِيهَا عِنْدِ الْعُلَمَاءِ وَالْمُحَقِّقِينَ خِلافًا لِمَنْ رَأَى الْإِنْكَارِ بِالتَّصْرِيحِ بِكُلِّ حَالٍ وَإِنْ قُتِلَ
وَنِيلٍ مِنْهُ كُلّ أَذَى. هَذَا آخِرِ كَلَامِ الْقَاضِي رَحِمَهُ الله.
قَالَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ رَحِمَهُ الله: وَيَسُوع ◌ِإِحَادِ الرَّعِيَّةِ أَنْ يَصُدَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَة
وَإِنْ لَمْ يَنْدَفِع عَنْهَا بِقَوْلِهِ مَا لَمْ يَنْتَهِ الْأَمْرِ إِلَى نَصْبٍ قِتَال وَشَهْرِ سِلَاحِ. فَإِن إِنْتَقَى
الْأَمْرِ إِلَى ذَلِكَ رَبَطَ الْأَمْرِ بِالسُّلْطَانِ قَالَ: وَإِذَا جَارَ وَالِي الْوَقْت، وَظَهَرَ ظُلْمُهُ وَغَشْمُهُ،
وَلَمْ يَنْزَجِرِ حِينِ زُجِرَ عَنْ سُوءٍ صَنِيعه بِالْقَوْلِ، فَلِأَهْلِ الْحُلِّ وَالْعَقْدِ التَّوَاطُؤْ عَلَى خَلْعه
وَلَوْ بِشَهْرِ الْأَسْلِحَةِ وَنَصْبِ الْحُرُوبِ. هَذَا كَلَّامُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ
خَلْعه غَرِيب، وَمَعَ هَذَا فَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا لَمْ يُخَفْ مِنْهُ إِثَارَةٍ مَفْسَدَة أَعْظَم مِنْهُ.
قَالَ: وَلَيْسَ لِلْآَمِرِ بِالْمَعْرُوفِ الْبَحْثِ وَالتَّنْقِيرِ وَالنَّجَسُّس وَاقْتِحَامِ الدُّور بِالظُّنُونِ، بَلْ
إِنْ عَثَرَ عَلَى مُنْكَرٍ غَيَّرَهُ جَهْده. هَذَا كَلَامِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ.
وَقَالَ أَقْضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيُّ: لَيْسَ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَبْحَثِ عَمَّا لَمْ يَظْهَر مِن
الْمُحَرَّمَاتِ. فَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ إِسْتِسْرَارِ قَوْم بِهَا لِأَمَارَةِ وَآثَارِ ظَهَرَتْ، فَذَلِكَ ضَرْبَانِ.
أَحَدهمَا: أَنْ يَكُونِ ذَلِكَ فِي اِنْتَهَاكِ حُرْمَةٍ يَفُوت اِسْتِدْرَاكِهَا، مِثْلِ أَنْ يُخْبِرَهُ مَنْ
يَثْقَ بِصِدْقِهِ أَنَّ رَجُلًا خَلَا بِرَجُلٍ لِيَقْتُلُهُ أَوْ بِامْرَأَةِ لِيَزْبِيَ بِهَا فَيَجُوزِ لَهُ فِي مِثْل هَذَا الْحَال
أَنْ يَتَجَسَّسَ، وَيُقْدِمِ عَلَى الْكَشْفِ وَالْبَحْثِ حَذَرًا مِنْ فَوَات مَا لَا يُسْتَدْرَك. وَكَذَا لَوْ
عَرَفَ ذَلِكَ غَيْرُ الْمُحْتَسِبِ مِن الْمُتَطَوِّعَةِ جَازَ لَهُم الْإِقْدَامِ عَلَى الْكَشْف وَالْإِنْكَارِ.
الضَّرْبِ الثَّانِي: مَا قَصُرَ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَة فَلَا يَجُوزِ النَّجَسُّس عَلَيْهِ، وَلَا كَشْف
الْأَسْتَارِ عَنْهُ. فَإِنْ سَمِعَ أَصْوَاتِ الْمَلَاهِي الْمُنْكَرَةِ مِنْ دَارٍ أَنْكَرَهَا خَارِجِ الدَّارِ لَمْ
يَهْجُمْ عَلَيْهَا بِالدُّخُولِ لِأَنَّ الْمُنْكَرِ ظَاهِرٍ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَكْشِفِ عَنِ الْبَاطِنِ. وَقَدْ
ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي آخَرِ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ بَابًا حَسَنًا فِي الْحِسْبَةِ مُشْتَمِلًا عَلَى جُمَل مِنْ
قَوَاعِد الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ وَقَدْ أَشَرْنَا هُنَا إِلَى مَقَاصِدَهَا، وَبَسَطْت
الْكَلَامِ فِي هَذَا الْبَابِ لِعِظَمٍ فَائِدَته، وَكَثْرَةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَكَوْنه مِنْ أَعْظَمْ قَوَاعِد الْإِسْلَامِ.
والله أَعْلَم. [النووي ١٣١/١].

١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
٥١٣٨ - [وعن التُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: «مَثَلُ الْمُدْهِنِ فِي
حُدُودِ الله وَالْوَاقِعِ فِيهَا مَثَلُ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا سَفِينَةً، فَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا وَصَارَ
بَعْضُهُمْ فِي أَعْلَاهَا، فَكَانَ الَّذِي فِي أَسْفَلِهَا يَمُرُّونَ بِالْمَاءِ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا، فَتَأَذَّوْا بِهِ
فَأَخَذَ فَأْسًّا فَجَعَلَ يَنْقُرُ أَسْفَلَ السَّفِينَةِ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: مَا لَكَ؟ قَالَ: تَأَذَّيْتُمْ بِي وَلَا بُدَّ لِي
مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَنْجَوْهُ وَنَجَّوْا أَنْفُسَهُمْ، وَإِنْ تَرَكُوهُ أَهْلَكُوهُ وَأَهْلَكُوا
أَنْفُسَهُمْ)). رَوَاهُ البُخَارِي](١).
٥١٣٩ - [وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ، فَيُطْحَنِ فِيْهَا كَطَحْنِ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ،
فَيَجْتَمِعِ أَهْلُ الثَّارِ عليه فَيَقُولُونَ: أَي فُلَانُ مَا شَأْنَكَ، أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ
وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيِهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ
وَآتِيهِ). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
(فَيَطْحَنِ فِيهَا كَطَحْنِ الْحِمَارِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ((كَمَا يَطْحَنِ الْحِمَارِ)» کَذَا
رَأَيْتِ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَة (فَيُطْحَنِ)) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَفِي أُخْرَى بِفَتْحِ أَوَّله
وَهُوَ أَوْجَهُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَة سُفْيَانِ وَأَبِي مُعَاوِيَةِ ((فَتَنْدَلِقِ أَقْتَابِه فَيَدُور كَمَا يَدُور
الْحِمَارِ ((وَفِي رِوَايَة عَاصِمِ ((يَسْتَدِيرِ فِيهَا كَمَا يَسْتَدِيرِ الْحِمَارِ)) وَكَذَا فِي رِوَايَةٍ أَبِي مُعَاوِيَةٍ.
وَالْأَقْتَابِ جَمْع قِتْب بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُون الْمُثَنَّاة بَعْدَهَا مُوَحَّدَة هِيَ الْأَمْعَاءِ،
وَانْدِلَاقَهَا خُرُوجِهَا بِسُرْعَةٍ يُقَال إِنْدَلَقَ السَّيْفِ مِنْ غِمْده إِذَا خَرَجَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسُلَّهُ
أَحَد، وَهَذَا يُشْعِر بِأَنَّ هَذِهِ الزَّيَادَة كَانَتْ أَيْضًا عِنْدَ الْأَعْمَشِ فَلَمْ يَسْمَعَهَا شُعْبَةٍ مِنْهُ
وَسَمِعَ مَعْنَاهَا مِنْ مَنْصُور.
(فَيَجْتَمِعِ أَهْلُ النَّارِ عليه) أي: يَجْتَمِعُونَ حَوْلَهُ (فَيَقُولُونَ أَي: فُلَانِ مَا شَأْنُك)
في أي: قُلْ، أَيْنَ مَا كُنْتِ تَأْمُرُنَا بِهِ؟ (أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ
(١) أخرجه البخاري (٢٦٨٦).
(٢) أخرجه البخاري (٣٠٩٤)، ومسلم (٢٩٨٩)، وأحمد (٢١٨٤٨)، والحميدي (٥٤٧).

١١
تتمة كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف
الْمُنْكَرِ) قَالَ الْمُهَلَّب: أَرَادُوا مِنْ أُسَامَةِ أَنْ يُكَلِّمَ عُثْمَانِ وَكَانَ مِنْ خَاصَّتِه وَمِمَّنْ
يَخِفْ عَلَيْهِ فِي شَأْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ لِأَنَّهُ كَانَ ظَهَرَ عَلَيْهِ رِيح نَبِيذْ وَشُهِرَ أَمْرِه وَكَانَ أَخَا
عُثْمَانِ لِأُمِّهِ وَكَانَ يَسْتَعْمِلُهُ، فَقَالَ أُسَامَةٍ: قَدْ كَلَّمْته سِرًّا دُونَ أَنْ أُفْتَحِ بَابًا، أي: بَاب
الْإِنْكَار عَلَى الْأَئِمَّةِ عَلَانِيَة خَشْيَةِ أَنْ تَفْتَرِقِ الْكَلِمَةِ. ثُمَّ عَرَّفَهُمْ أَنَّهُ لَا يُدَاهِنِ أَحَدًا
وَلَوْ كَانَ أَمِيرًا بَلْ يَنْصَحِ لَهُ فِي السِّ جَهْدَهُ، وَذَكَرَ لَهُمْ قِصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي يُظْرَح فِي النَّار
لِكَوْنِهِ كَانَ يَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَفْعَلهُ لِيَتَبَرَّأُ مِمَّا ظَنُّوا بِهِ مِنْ سُكُوته عَنْ عُثْمَانِ فِي
أَخِيهِ إِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَجَزْمِه بِأَنَّ مُرَادِ مَنْ سَأَلَ أُسَامَةِ الْكَلَامِ مَعَ عُثْمَان أَنْ يُكَلِّمهُ فِي
شَأْنِ الْوَلِيدِ مَا عَرَفْت مُسْتَنَده فِيهِ، وَسِيَاق مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق جَرِير عَنِ الْأَعْمَش
يَدْفَعُهُ، وَلَفْظُه عَنْ أَبِي وَائِل ((كُنَّا عِنْدَ أُسَامَة بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٍ: مَا يَمْنَعك أَنْ
تَدْخُل عَلَى عُثْمَانِ فَتُكُلِّمُهُ فِيمَا يَصْنَع)) قَالَ وَسَاقَ الْحَدِيث بِمِثْلِهِ، وَجَزَمَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ
الْمُرَادِ أَنْ يُكَلِّمَهُ فِيمَا أَنْكَرَهُ النَّاسِ عَلَى عُثْمَانِ مِنْ تَوْلِيَة أَقَارِبِه وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا
أُشْتُهِرَ، وَقَوْلِهِ إِنَّ السَّبَبِ فِي تَحْدِيث أُسَامَة بِذَلِكَ لِيَتَبَرَّأَ مِمَّا ظَنُّوهُ بِهِ لَيْسَ بِوَاضِحٍ، بَل
الَّذِي يَظْهَرِ أَنَّ أُسَامَةٍ كَانَ يَخْشَى عَلَى مَنْ وُلَّيَّ وِلَايَةٍ وَلَوْ صَغُرَتْ أَنَّهُ لَا بُدَّلَهُ مِنْ أَنْ يَأْمُر
الرَّعِيَّة بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ثُمَّلَا يَأْمَن مِنْ أَنْ يَقَعِ مِنْهُ تَقْصِير، فَكَانَ أُسَامَة
يَرَى أَنَّهُ لَا يَتَأَمَّرْ عَلَى أَحَدٍ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ((لَا أَقُول لِلْأَمِيرِ إِنَّهُ خَيْرِ النَّاس)) أي:
بَلْ غَايَتِهِ أَنْ يَنْجُوَ كَفَافًا. وَقَالَ عِيَاضٍ: مُرَاد أُسَامَةِ أَنَّهُ لَا يَفْتَحِ بَابِ الْمُجَاهَرَة بِالتَّكِيرِ
عَلَى الْإِمَامِ لِمَا يَخْشَى مِنْ عَاقِبَةٍ ذَلِكَ، بَلْ يَتَلَظَّف بِهِ وَيَنْصَحُهُ سِرًّا فَذَلِكَ أَجْدَر
بِالْقَبُولِ. وَقَوْله: (لَا أَقُول ◌ِأَحَدِ يَكُون عَلَّ أَمِيرًا إِنَّهُ خَيْرِ النَّاس)) فِيهِ ذَمّ مُدَاهَنَة
الْأُمَرَاءِ فِي الْحَقِّ وَإِظْهَارِ مَا يُبْطِنِ خِلَافِه كَالْمُتَمَلِّقِ بِالْبَاطِلِ، فَأَشَارَ أَسَامَةٍ إِلَى الْمُدَارَاة
الْمَحْمُودَةِ وَالْمُدَاهَنَةِ الْمَذْمُومَةِ، وَضَابِطِ الْمُدَارَاةِ أَنْ لَا يَكُون فِيهَا قَدْح فِي الدِّين،
وَالْمُدَاهَنَةِ الْمَذْمُومَةِ أَنْ يَكُون فِيهَا تَزْبِينَ الْقَبِيحِ وَتَصْوِيبِ الْبَاطِلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَالَ
الطَّبَرِيُّ: اِخْتَلَفَ السَّلَفِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٍ يَجِب مُظْلَقًا وَاحْتَجُوا
بِحَدِيثٍ طَارِقَ بْنِ شِهَابِ رَفَعَهُ: ((أَفْضَلِ الْجِهَاد كَلِمَة حَقٌ عِنْدَ سُلْطَان جَائِرِ) وَبِعُمُومٍ

١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
قَوْله: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرُهُ بِیَدِهِ)) الحديث.
وَقَالَ بَعْضِهِمْ: يَجِب إِنْكَار الْمُنْكّر، لَكِنَّ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَلْحَقِ الْمُنْكِرِ بَلَاءِ لَا
قِبَلَ لَهُ بِهِ مِنْ قَتْلٍ وَنَحْوِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: يُنْكِرِ بِقَلْبِهِ لِحَدِيثِ أُمّ سَلَمَة مَرْفُوعًا (يُسْتَعْمَل
عَلَيْكُمْ أُمَرَاء بَعْدِي، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ
وَتَابَعَ)) الحديث.
قَالَ: وَالصَّوَابِ إِعْتِبَارِ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ وَيَدُلّ عَلَيْهِ حَدِيث ((لَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ
يُذِلَّ نَفْسه)) ثُمَّ فَسَّرَهُ بِأَنْ يَتَعَرَّض مِن الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقِ إِنْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَقَالَ غَيْرهِ: يَجِب الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِه مِنْهُ ضَرَرًا
وَلَوْ كَانَ الْآَمِر مُتَلَبِّسًا بِالْمَعْصِيَةِ، لِأَنَّهُ فِي الْجُمْلَةِ يُؤْجَر عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا سِيَّمَا
إِنْ كَانَ مُطَاعًا، وَأَمَّا إِثْمِه الْخَاصّ بِهِ فَقَدْ يَغْفِرُهُ اللهِ لَهُ وَقَدْ يُؤَاخِذهُ بِهِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: لَا يَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ إِلَّا مَنْ لَيْسَتْ فِيهِ وَصْمَةٍ، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ الْأَوْلَى
فَجَيِّدٍ وَإِلَّا فَيَسْتَلْزِمِ سَدّ بَابِ الْأَمْرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْرِه.
ثُمَّ قَالَ الطَّبَرِيُّ: فَإِنْ قِيلَ كَيْف صَارَ الْمَأْمُورُونَ بِالْمَعْرُوفِ فِي حَدِيث أُسَامَة
الْمَذْكُورِ فِي النَّارِ؟
وَالْجَوَابِ أَنَّهُمْ لَمْ يَمْتَثِلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ فَعُذِّبُوا بِمَعْصِيَتِهِمْ وَعُذِّبَ أَمِيرِهِمْ بِكَوْنِهِ
كَانَ يَفْعَلِ مَا يَنْهَاهُمْ عَنْهُ، وَفِي الْحَدِيثِ تَعْظِيمِ الْأُمَرَاء وَالْأَدَبِ مَعَهُمْ وَتَبْلِيغهِمْ مَا
يَقُولِ النَّاس فِيهِمْ لِيَكُفُوا وَيَأْخُذُوا حِذْرهمْ بِلُظْفٍ وَحُسْنِ تَأْدِيَة بِحَيْثُ يَبْلُغِ الْمَقْصُود
مِنْ غَيْرِ أَذِيَّة لِلْغَيْرِ. [الفتح ١٠٦/٢٠] بتصرف.
الفصل الثاني
٥١٤٠ - [عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ قَالَ: ((وَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ
وَلْتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ
وَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي](١).
(١) أخرجه الترمذي (٢١٦٩) وقال: حسن، وأحمد (٢٣٣٤٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٥٥٨)،
والديلمي (٧٠٥٩).

١٣
تتمة كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف
٥١٤١ - [وعَنِ الْعُرْسِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنِ النَّبِّ وَلِهَ قَالَ: «إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ في
الأَرْضِ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ
شَهِدَهَا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](١).
٥١٤٢ - [وعَنْ أَّبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ﴾ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ
الآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾
[المائدة: ١٠٥] فَإِنِّ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌َ يَقُولُ: ((إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا مُنْكَرًّا، فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ،
يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابِهِ». رَوَاهُ ابْن مَاجَه والتِّرْمِذِي وَصَحَّحَهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاود
(إِذَا رَأَوًا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابِ)(٢). وَفِي أَخْرَى لَهُ:
((مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ بَيْنَهُمْ بِالْمَعَاصِي، هُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَعْمَلُهُ)(٣).
٥١٤٣ - [وعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهُ يَقُولُ: «مَا مِنْ
رَجُلٍ يَكُونُ فِي قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا عَلَيْهِ وَلا يُغَيِّرُونَ،
إِلا أَصَابَهُمُ اللهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا)). رَوَاهُ ابْنِ مَاجَه](٤).
٥١٤٤ - [وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن
ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] فَقَالَ: أَمَا وَالله لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا رَسُولَ اللهِوَ فَقَالَ:
(بَلِ اثْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُخًّا مُطَاعًا وَهَوَّى مُتَّبَعًا،
(١) أخرجه أبو داود (٤٣٤٥)، والطبراني (٣٤٥)، وابن قانع (٨٥٠).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٣٣٨)، والترمذي (٢١٦٨)، وأحمد (١٦)، والنسائي في (السنن الكبرى))
(١١١٥٧)، وابن ماجه (٤٠٠٥)، وابن حبان (٣٠٥)، والبيهقي (١٩٩٧٦)، وأبو يعلى (١٣١)، وابن أبي
شيبة (٣٧٥٨٣)، وعبد بن حميد (١)، والحميدي (٣)، وابن جرير (٩٨/٧)، وابن أبي حاتم في
((العلل)) (١٧٨٨)، والدارقطني في ((العلل)) (٤٧)، والضياء (٥٨)، وابن أبي عاصم في ((الآحاد
والمثاني)) (٦٢).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٣٣٩)، وأحمد (١٩٢٥٠)، وابن ماجه (٤٠٠٩)، وابن حبان (٣٠٠)، والطبراني
(٢٣٨٢)، والبيهقي (١٩٩٧٩)، والطيالسي (٦٦٣)، وسعيد بن منصور (٨٤١).
(٤) أخرجه ابن ماجه (٤١٤٥).

١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلّ ذِي رَأْي بِرَأْيِهِ، وَرَأَيْتَ أَمْرًا لا بُدَّ لَكَ مِنْهُ فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ،
وَدَعْ أَمَرَ الْعَوَامِّ، فَإِنَّ وَرَاءَكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، فَمَنْ صَبَرَ فِيهِنَّ قَبَضَ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ
فِيهِنَّ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟
قَالَ: (أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وابْن مَاجَه(١).
٥١٤٥ - [وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَامَ فِيْنَا رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ خَطِيبًا بَعْدَ
الْعَصْرِ، فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا ذَكَرَهُ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ
مَنْ نَسِيَهُ، وَكَانَ فِيمَا قَالَ: ((إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ
كَيْفَ تَعْمَلُونَ، أَلَا فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ)) وَذَكَرَ: ((إِنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ
بِقَدْرٍ غَدْرَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَلَا غَدْرَ أَكْبَرَ مِنْ غَدْرِ أمِيْرِ العَامَةِ يُغرِزُ لِوَاؤُهُ عِنْدَ اسْتِهِ)»
قَالَ: ((وَلَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقّ إِذَا عَلِمَهُ)) وَفِي رِوَايَةِ: ((إِنْ
رَأَى مُنْكَرًا أنْ يُغَيِّرَهُ)) فَبَكَى أَبُو سَعِيدٍ وَقَالَ: قَدْ رَأَيْنَا فَمنَعَتْنَا هَيْبَة النَّاسِ أَنْ نَتَكَلَّم
فِيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَلَا إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى: فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَا
مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَّدُ كَافِرًا وَيَحْيَا كَافِرًا وَيَمُوتُ كَافِرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَّدُ
مُؤْمِنًا وَيَخْيَا مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ كَافِرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَهُ كَافِرًا وَيَحْيَا كَافِرًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا)).
قَالَ: وَذَكَرَ الْغَضَبَ: ((فَمِنْهُمُ مَنْ يَكُونُ سَرِيعَ الْغَضَبِ سَرِيعَ الْفَيْءٍ فَإِحْدَاهُمَا
بِالأخْرَى، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ بَطِي ءَ الْغَضَبِ بَطِي ءَ الْفَيْءٍ فَإِحْدَاهُمَا بِالأُخْرَى، وَخَيْارُكُمْ
مَنْ يَكُونُ بَطِيءَ الْغَضَبِ سَرِيعَ الْفَيْءٍ، وَشَرَرَاكُمْ مَنْ يَكُونُ سَرِيعَ الْغَضَبِ بَطِي ءَ
الْفَيْءِ، (اتَّقُوا الْغَضَبَ فَإِنَّهُ جَمْرَةٌ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، أَلَا تَرَوْنَ إِلَى انْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ، وُمْرَةِ
عَيْنَيْهِ؟ فَمَنْ أَحَسَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَضَّجِعِ وَلْيَلْتبدِ بِالأَرْضِ)) قَالَ: وَذَكَرَ الدَّيْنَ فَقَالَ:
((مِنْكُم مَنْ يَكُونُ حَسَنَ الْقَضَاءِ وَإِذَا كَانَ لَهُ أَفْحَشَ فِي الطَّلَبِ فَإِحْدَاهُمَا بِالأخْرَى،
وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ سَيِّئَ الْقَضَاءِ وَإِنْ كَانَ لَهُ أُجْمَلِ فِي الطَّلَبِ فَإِحْدَاهُمَا بِالأخْرَى،
وَخَيَارُكُمُ مَنْ إذَا كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنِ أَحْسَنَ الْقَضَاءَ وَإِنْ كَانَ لَهُ أَجْمَلِ فِي الطَّلَبِ،
(١) أخرجه الترمذي (٣٣٣٥)، وابن ماجه (٤٠١٤).

١٥
تتمة كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف
وَشَرَرَاكُمْ مَنْ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنِ أُسَاءَ الْقَضَاءَ وَإِنْ كَانَ لَهُ أَفْحَشَ فِي الطَّلَبِ)) حَتَّى إِذَا
كَانَتِ الشَّمْسُ عَلَى رُؤُوْسِ النَّخْلِ وَأَظْرَافِ الحِيْطَانِ فَقَالَ: ((أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا فِيمَا
مَضَى مِنْهَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيمَا مَضَى مِنْهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي](١).
٥١٤٦ - [وعَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُول اللّهِ وَلِهِ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَهِ:(لَنْ يَهْلِكَ النَّاسُ حَتَّى يَعْذِرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](٩).
(لَنْ يَهْلِك النَّاسِ حَتَّى يَعْذِرُوا) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّة وَكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَة (أَوْ يُعْذِرُوا
مِنْ أَنْفُسهِمْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ وَأَوْ لِلشَّكِّ، أي: قَالَ وَلَ: حَتَّى يَعْذِرُوا مِنْ
أَنْفُسهِمْ أَوْ قَالَ حَتَّى يُعْذِرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِه وَحُكِيَ عَنْ أَبِ عُبَيْدَة أَنَّهُ قَالَ مَعْنَى يَعْذِرُوا
أي: تَكْثُرُ ذُنُوبِهِمْ وَعُيُوبِهِمْ. قَالَ: وَفِيهِ لُغَتَانٍ يُقَالَ أَعْذَرَ الرَّجُلِ إِعْذَارًا إِذَا صَارَذَا عَيْب
وَفَسَادٍ قَالَ وَكَانَ بَعْضِهِمْ يَقُول عَذَرَ يَعْذِر بِمَعْنَاهُ وَلَمْ يَعْرِفِهُ الْأَصْمَعِيّ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةٍ: وَقَدْ
يَكُون يَعْذِرِ بِفَتْحِ الْيَاءِ بِمَعْنَى يَكُون لِمَنْ يَعْذِرُهُمُ الْعُذْرِ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ فِي (النَّهَايَةِ)): يُقَالِ أَعْذَرَ فُلَانِ مِنْ نَفْسِهِ إِذَا أَمْكَنَ مِنْهَا يَعْنِي أَنَّهُمْ لَا
يَهْلِكُونَ حَتَّى تَكْثُر ذُنُوبِهمْ وَعُيُوبِهِمْ فَيَسْتَوْجِبُونَ الْعُقُوبَة، وَيَكُون لِمَنْ يُعَذِّبُهُمْ
عُذْرِ كَأَنَّهُمْ قَامُوا بِعُذْرِهِمْ فِي ذَلِكَ. وَيُرْوَى بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ عَذَرْتِه وَهُوَ بِمَعْنَاهُ، وَحَقِيقَة
عَذَرْت مَحَوْت الْإِسَاءَة وَطَمَسْتَهَا اِنْتَهَى.
وَقَالَ فِي ((فَتْحِ الْوَدُود): الْمَشْهُورِ أَنَّهُ بِضَمِّ الْيَاءِ مِنْ أَعْذَرَ، فَقِيلَ: مَعْنَاهُ حَتَّى
تَكْثُر ذُنُوبِهِمْ مِنْ أَعْذَرَ إِذَا صَارَذَا عَيْب، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُمْ عُذْرِ يِإِظْهَارٍ
الْحَقّ لَهُمْ وَتَرْكهم الْعَمَل بِهِ بِلَا عُذْر وَمَانِعٍ مِنْ أَعْذَرَ إِذَا زَالَ عُذْرِهِ، فَكَأَنَّهُمْ أَزَالُوا
عُذْرِهِمْ وَأَقَامُوا الْحُجَّة لِمَنْ يَعْذِرِهُمْ حَيْثُ تَرَكُوا الْعَمَلِ بِالْحَقِّ بَعْد ◌ُهُوره، وَقِيلَ: عَذَرَهُ
إِذَا جَعَلَهُ مَعْذُورًا فِي الْعِقَابِ، وَإِلَيْهِ يُشِير تَفْسِيرِ الصَّحَابِيِّ، فَإِنَّهُ جَاءَ هَذَا الْحَدِيث عَن
(١) أخرجه الترمذي (٢٣٥٠).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٣٤٧)، وأحمد (٢٢٥٥٩).

١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
إِبْن مَسْعُودٍ فَقِيلَ لَّهُ كَيْفَ يَكُونِ ذَلِكَ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ
بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٥] إِنْتَهَى. [عون ٣٨٠/٩].
٥١٤٧ - [وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيِّ الْكِنْدِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَوْلَّى لنَا أنَّهُ سَمِعَ جَدِّي
ه يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ اللّهَ تَعَالَى لا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ،
حَتَّى يَرَوُا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ
عَذَّبَ اللهُ الْعَامَّةَ وَالْخَاصَّةَ)). رَوَاهُ فِي: ((شَرْحِ السُّنَّةِ))](١).
٥١٤٨ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: (لَمَّا وَقَعَتْ بَنُو
إِسْرَائِيلَ فِي الْمَعَاصِي نَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ وَآكَلُوهُمْ
وَشَارَبُوهُمْ، فَضَرَبَ اللهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَّ وَعِيسَى ابْنِ
مَرْيَمَ)) ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١] قَالَ: فَجَلَسَ رَسُولُ الله ◌ٍَّ وَكَانَ
مُتَّكِئًا فَقَالَ: (لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَقَّى تَأْطِرُوهُمْ أَظْرًّا)). رَوَاهُ النِّزْمِذِي وَأَبُو دَاوُدِ، وَفِي
رِوَايَتِهِ قَالَ: ((كَلّ والله، لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَؤُنَّ عَنِ المُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِ
الظَّالِمِ، ولَتَأْطِرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَظْرًا، وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا، أَوْ لِيَضْرِبَنَّ اللّهُ بِقُلُوبٍ
بَعْضِكُم عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ لَيَلْعِنَنَّكُم كَمَا لَعَنَهُمْ))](٢).
٥١٤٩ - [وَعَنْ أَنَسِ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َّهِ قَالَ: ((رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالاً تُقْرَضُ
شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ، قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ
يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ)) رَوَاهُ فِي: ((شَرْحِ السُّنَّةِ)) وَالبَيْهَقِي فِي: «شُعَبِ
الإِيْمَانِ) وَفِي رِوَايَتِهِ: ((الخُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ: الَّذِيْنَ يَقُوْلُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ وَيَقْرَؤُونَ
كِتَابَ الله وَلَا يَعْمَلُونَ))](٣).
٥١٥٠ - [وعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: (أُنْزِلَتِ الْمَائِدَةُ مِنَ
(١) أخرجه البغوي في ((شرح السنة» (٢٧٧/٧).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٣٣٦)، والترمذي (٣٠٤٧) وقال: حسن غريب، وأحمد (٣٧١٣).
(٣) أخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (٢٨١/٧)، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (١٧٢٧).

١٧
تتمة كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف
السَّمَاءِ خُبْزًّا وَلَخْمًا وَأُمِرُوا أَلَّا يَخُونُوا وَلَا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، فَخَانُوا وَادَّخَرُوا وَرَفَعُوا لِغَدٍ
فَمُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي](١).
الفصل الثالث
٥١٥١ - [عَنْ عُمَر بْنِ الخَطَّابِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّهُ تُصِيْبُ مِنْ أُمَّتِي
فِي آخِرِ الزَّمَانِ مِنْ سُلْطَانِهِمِ شَدَائِد، لَا يَنْجُو مِنْهُ إِلَّا رَجُلُ عَرَفَ دِيْنَ اللهِ فَجَاهَدَ
عَلَيْهِ بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ وَقَلْبِهِ؛ فَذَلِكَ الَّذِي سَبَقَتْ لَهُ السَّوَابِقَ، وَرَجُلُّ عَرَفَ دِيْنَ الله،
فَصَدَّقَ بِهِ، وَرَجُلُ عَرَفَ دِيْنَ اللّه فَسَكَتَ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَأَى مَنْ يَعْمَلِ الخَيْرَ أَحَبَّهُ عَلَيْهِ،
وَإِنْ رَأَى مَنْ يَعْمَلُ بِبَاطَلٍ أَبْغَضَهُ عَلَيْهِ، فَذَلِكَ يَنْجُو عَلَى إِبْطَائِهِ كُلَّهُ))](٢).
٥١٥٢ - [وَعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (أَوْحَى اللهُ رَكَ إِلَى جِبْرِيْلَ العَيْه أن
اقْلِب مَدِيْنَةٍ كَذَا وَكَذَا بِأَهْلِهَا)) قَالَ: يَا رَبِّ، إنَّ فِيْهِم عَبْدَكَ فُلانًّا لَمْ يَعْصِكَ طَرْفَة
عَيْن، قال: فقال: ((اقْلِبْهَا عَلَيْهِم، فَإِنَّ وَجْهَهُ لَمْ يَتَمَعَّرِ فِي سَاعَةٍ قَطْ))](٣).
٥١٥٣ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ:((إِنَّ اللّهَ رَكَ يَسْأَلُ العَبْدَ يَوْمَ
القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَا لَكَ إِذَا رَأَيْتَ المُنْكَرِ فَلَمْ تُنْكِرْهُ؟» قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: ((فَيُلْقِي
حُجَّتَهُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، خِفْتُ النَّاسَ وَرَجَوْتُكَ)). رَوَى البَيْهَقِي الأَحَادِيْثَ الثَّلاثَة فِي:
(شُعَبِ الإِيْمَانِ))](٤).
٥١٥٤ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ
بِيَدِهِ إِنَّ الْمَعْرُوفَ وَالْمُنْكَرَ خَلِيقَتَانِ تُنْصَبَانٍ لِلنَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَمَّا الْمَعْرُوفُ
فَيُبَشِّرُ أَصْحَابَهُ وَيُوعِدُهُمُ الْخَيْرَ، وَأَمَّا الْمُنْكَرُ فَيَقُولُ: إِلَيْكُمْ إِلَيْكُمْ، وَمَا يَسْتَطِيعُونَ
لَهُ إِلَّا لُزُومًا)). رَوَاهُ أَحْمَد وَالْبَيْهَِي فِي: (شُعَبِ الإِيْمَانِ))] (٥).
(١) أخرجه الترمذي (٣٠٦١).
(٢) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٣٢٥).
(٣) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)) (٧٣٣٣).
(٤) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٣١٢).
(٥) أخرجه أحمد (١٩٥٠٥)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٧٣١) والطيالسي (٥٣٥)، والديلمي
(٧٠٩١).

كتاب الرقاق
الفصل الأول
٥١٥٥ - [عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ هِ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونُ فِيهِمَا كَثِيرُ
مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ)) . رَوَاهُ البُخَارِي](١).
(نِعْمَتَانِ مَغْبُون فِيهِمَا كَثِيرٍ مِن النَّاس: الصِّحَّة وَالْفَرَاغِ) كَذَا لِسَائِرِ الرُّوَاةِ،
لَكِنْ عِنْد أَحْمَد ((الْفَرَاغْ وَالصِّحَّة)»، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي ((الْمُسْتَخْرَج)) مِنْ طَرِيق
إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَوَكِيعِ كُلّهِمْ عَنْ عَبْد الله إِبْنِ سَعِيد بِسَنَدِهِ: ((الصِّحَّة
وَالْفَرَاغْ نِعْمَتَانٍ مَغْبُون فِيهِمَا كَثِيرٍ مِن النَّاس)) وَلَمْ يُبَيِّن لِمَنِ اللَّفْظِ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارِمُّ
عَنْ مَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ كَذَلِكَ بِزِيَادَةٍ وَلَفْظه ((إِنَّ الصِّحَّة وَالْفَرَاغْ
نِعْمَتَانِ مِنْ نِعَم الله)) وَالْبَاقِي سَوَاء، وَهَذِهِ الزِّيَادَة وَهِيَ قَوْله: ((مِنْ نِعَم الله)) وَقَعَتْ فِي
رِوَايَة ◌ِبْن عَدِيّ الْمُشَارِ إِلَيْهَا، وَقَوْله ((نِعْمَتَانِ (تَثْنِيَة نِعْمَة وَهِيَ الْحَالَةِ الْحَسَنَةِ، وَقِيلَ هِيَ
الْمَنْفَعَةِ الْمَفْعُولَةِ عَلَى جِهَة الْإِحْسَانِ لِلْغَيْرِ، وَالْغَبَنِ بِالسُّكُونِ وَبِالتَّحْرِيكِ، وَقَالَ
الْجُوْهَرِيّ: هُوَ فِي الْبَيْعِ بِالسُّكُونِ وَفِي الرَّأَي بِالتَّحْرِيكِ، وَعَلَى هَذَا فَيَصِحَ كُلّ مِنْهُمَا فِي
هَذَا الْخْبَرِ فَإِنَّ مَنْ لَا يَسْتَعْمِلُهُمَا فِيمَا يَنْبَغِي فَقَدْ غَبَنَ لِكَوْنِهِ بَاعَهُمَا بِبَخْسٍ وَلَمْ يُحْمَد
رَأْيِهِ فِي ذَلِكَ قَالَ إِبْنِ بَظَّالٍ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَرْءِ لَا يَكُون فَارِغًا حَتَّى يَكُون
مَكْفِيًّا صَحِيحِ الْبَدَن فَمَنْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ فَلْيَحْرِضْ عَلَى أَنْ لَا يَغْبِن بِأَنْ يَتْرُكِ شُكْر الله
عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ، وَمِنْ شُكْرِهِ اِمْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ، فَمَنْ فَرَّطَ فِي ذَلِكَ
(١) أخرجه البخاري (٦٠٤٩)، والترمذي (٢٣٠٤) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٣٢٠٧)، وابن ماجه
(٤١٧٠) والبيهقي في (السنن الكبرى)) (٦٣١٥) وفي (شعب الإيمان)) (٤٥٤٣) والطبراني (١٠٧٨٦)،
وهناد (٦٧٣) وابن أبي شيبة (٣٤٣٥٧)، وعبد بن حميد (٦٨٤)، والحاكم (٧٨٤٥) وقال:
صحيح على شرط الشيخين، والقضاعي (٢٩٥).
- ١٨ -

١٩
كتاب الرقاق
فَهُوَ الْمَغْبُونِ. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: ((كَثِيرٍ مِنِ النَّاس)) إِلَى أَنَّ الَّذِي يُوَفَّقِ لِذَلِكَ قَلِيل.
وَقَالَ اِبْنِ الْجُوْزِيّ: قَدْ يَكُونِ الْإِنْسَانِ صَحِيحًا وَلَا يَكُون مُتَفَرِّغًا لِشُغْلِهِ
بِالْمَعَاشِ، وَقَدْ يَكُون مُسْتَغْنِيًا وَلَا يَكُون صَحِيحًا، فَإِذَا اِجْتَمَعَا فَغَلَبَ عَلَيْهِ الْكَسَل
عَنِ الطَّاعَةِ فَهُوَ الْمَغْبُونِ، وَتَمَامِ ذَلِكَ أَنَّ الدُّنْيَا مَزْرَعَةِ الْآخِرَةِ، وَفِيهَا التَّجَارَةِ
الَّتِي يَظْهَر رِبْهَا فِي الْآخِرَةِ، فَمَن اِسْتَعْمَلَ فَرَاغه وَصِحَّته فِي طَاعَةِ اللهِ فَهُوَ الْمَغْبُوط،
وَمَن إِسْتَعْمَلَهُمَا فِي مَعْصِيَةِ اللّه فَهُوَ الْمَغْبُونِ، لِأَنَّ الْفَرَاغْ يَعْقُبُهُ الشُّغْلِ وَالصِّحَّة
يَعْقُبِهَا السَّقَم، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا الْهَرَمِ كَمَا قِيلَ: يَسُرّ الْفَتَى طُولِ السَّلَامَةِ وَالْبَقَا
فَكَيْف تَرَى طُول السَّلَامَةِ يَفْعَل يَرُدّ الْفَتَى بَعْد اِعْتِدَال وَصِحَّة يَنُوء إِذَا رَامَ الْقِيَامِ
وَيُحْمَل.
وَقَالَ الطَّيِيُّ: ضَرَبَ النَِّيّ ◌َ لِلْمُكَلَّفِ مَثَلًا بِالتَّاجِرِ الَّذِي لَهُ رَأْس مَال، فَهُوَ يَبْتَغِي
الرِّبْحِ مَعَ سَلَامَةِ رَأْس الْمَالِ، فَطَرِيقه فِي ذَلِكَ أَنْ يَتَحَرَّى فِيمَنْ يُعَامِلُهُ وَيَلْزَمِ الصِّدْق
وَالْحِذْقِ لِئَلَّا يُغْبَن، فَالصِّحَّة وَالْفَرَاغِ رَأْس الْمَالِ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَامِلِ الله بِالْإِيمَانِ،
وَمُجَاهَدَة النَّفْس وَعَدُوّ الدِّينِ، لِيَرْبَح خَيْرَي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَقَرِيب مِنْهُ قَوْل الله تَعَالَى:
﴿هَلْ أَدُلْكُمْ عَلَى تِجَارَة تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٌ﴾ [الصف: ١٠] الْآيَات.
وَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِب مُطَاوَعَة النَّفْس وَمُعَامَلَة الشَّيْطَان لِئَلَّا يُضَيِّع رَأْس
مَاله مَعَ الرِّبْحِ. وَقَوْلُه فِي الْحَدِيثِ: ((مَغْبُون فِيهِمَا كَثِير مِن النَّاس)) كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَقَلِيلِ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورِ﴾ [سبأ: ١٣] فَالْكَثِيرِ فِي الْحَدِيثِ فِي مُقَابَلَة الْقَلِيل فِي
الْآيَة.
وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو بَكْرِ ابْنِ الْعَرَبِيّ: أُخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ نِعْمَةِ اللّه عَلَى الْعَبْدِ فَقِيلَ
الْإِيمَانِ، وَقِيلَ الْحَيَاةِ، وَقِيلَ الصِّحَّة، وَالْأَوَّل أَوْلَى فَإِنَّهُ نِعْمَة مُظْلَقَةٍ، وَأَمَّا الْحَيَاةِ وَالصِّحَّة
فَإِنَّهُمَا نِعْمَة دُنْيَوِيَّة، وَلَا تَكُون نِعْمَة حَقِيقَة إِلَّا إِذَا صَاحَبَت الْإِيمَانِ وَحِينَئِذٍ يُغْبَن
فِيهَا كَثِيرٍ مِن النَّاس أي: يَذْهَب رِبْجِهِمْ أَوْ يَنْقُص، فَمَن إِسْتَرْسَلَ مَعَ نَفْسِه الْأَمَّارَةِ
بِالسُّوءِ الْخَالِدَة إِلَى الرَّاحَةِ فَتَرَكَ الْمُحَافَظَة عَلَى الْحُدُودِ وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَى الطَّاعَة فَقَدْ غُبِنَ،

٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء العاشر
وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ فَارِغًا فَإِنَّ الْمَشْغُولِ قَدْ يَكُون لَهُ مَعْذِرَة بِخِلَافِ الْفَارِغْ فَإِنَّهُ يَرْتَفِع
عَنْهُ الْمَعْذِرَة وَتَقُوم عَلَيْهِ الْحُجَّة. [الفتح ٢١٩/١٨].
٥١٥٦ - [وَعَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بنِ شَدَّادِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((والله مَا
الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّ مَثَلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ؟)). رَوَاهُ
(١)
مُسْلِم] (١).
٥١٥٧ - [وعَنْ جَابٍِ، أَنَّ رَسُولَ الله ◌َ مَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ، قَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ
أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمِ؟) فَقَالُوا: مَا تُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، قَالَ: ((فَوَالله لَلُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى الله مِنْ
هَذَا عَلَيْكُمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](٢).
٥١٥٨ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنٍ وَجَنَّةُ
الْكَافِرِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ)(٣).
(الدُّنْيَا سِجْنِ الْمُؤْمِن وَجَنَّةِ الْكَافِرِ) مَعْنَاهُ أَنَّ كُلّ مُؤْمِن مَسْجُون مَمْنُوع في
الدُّنْيَا مِن الشَّهَوَات الْمُحَرَّمَةِ وَالْمَكْرُوهَةِ، مُكَلَّف بِفِعْلِ الطَّاعَاتِ الشَّاقَّة، فَإِذَا مَاتَ
اِسْتَرَاحَ مِنْ هَذَا، وَانْقَلَبَ إِلَى مَا أَعَدَّ اللّه تَعَالَى لَهُ مِنِ النَّعِيمِ الدَّائِمِ، وَالرَّاحَة الْخَالِصَة
مِن النُّقْصَان.
وَأَمَّا الْكَافِرِ فَإِنَّمَا لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا حَصَّلَ فِي الدُّنْيَا مَعَ قِلَّتْه وَتَكْدِيرِهِ بِالْمُنَغِّصَاتِ،
(١) أخرجه مسلم (٢٨٥٨)، وأحمد (١٨٠٤٣) وابن ماجه (٤١٠٨) وابن حبان (٦١٥٩)، والبيهقي في
(شعب الإيمان)) (١٠٤٥٩)، والطبراني (٧١٣)، والقضاعي (١٣٨٧)، وابن المبارك (٤٩٦)،
وهناد (٥١٧)، والحميدي (٨٥٥)، وابن أبي شيبة (٣٤٣٠٦) وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني))
(٨٣٥).
(٢) أخرجه البخاري في (الأدب المفرد)) (٩٦٢)، ومسلم (٢٩٥٧)، وأبو داود (١٨٦)، وأحمد (١٤٩٧٢)،
والبيهقي (٦٤٥) وفي (شعب الإيمان)) (١٠٤٦٧)، وابن المبارك (٩٨٣).
(٣) أخرجه مسلم (٢٩٥٦)، والترمذي (٢٣٢٤) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٨٢٧٢)، وابن ماجه
(٤١١٣)، وابن حبان (٦٨٧)، والبيهقي في («شعب الإيمان)» (٩٧٩٧)، والطبراني في «الأوسط)»
(٢٧٨٢)، وأبو يعلى (٦٥٢٦)، وأبو نعيم (٣٥٠/٦)، والديلمي (٣١٠٣).