النص المفهرس

صفحات 561-570

٥٦٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
(تنبيه): محل هذا الذم البليغ والزجر الأكيد ما إذا كان الخوض فيه يؤدي إلى
زيغ أو ارتكاب في شبهة لا مخلص له منها، أو إلى غير ذلك من المفاسد التي كانت من
أهله في زمن أولئك الأئمة، وأمَّا بعد تلك الأزمنة فقد تميز أهل السنة من أهل
البدع، وحرروا كتبهم فيه، ومخضوا زبد محاسنه ودونوها، وكشفوا ساعد الجد عن
جميع البدع وأهلها، وزيفوها وأيدوا ذلك بالكتاب والسنة وإجماع الأمة الذين يعول
عليهم، فلا مساغ في ذمه بل هو آكد فروض الكفايات وأجلها وأقومها وأنفعها بل هو
فرض عين إذا وقع بالناس شبهة وتوقف حلها عليه.
ومن ثم قال إمام الحرمين: لو بقي الناس على ما كانوا عليه في الصدر الأول
لنهينا عن علم الكلام كما نهى السلف عنه، وأمَّا الآن فقد كثر أهل الأهواء، فلا
سبيل إلى ترك أمواج البدع تتلاطم؛ أي: توجب السعي في إقامة حجج الدين وتسفيه
المارقين، ولا يتم ذلك إلا باتفاق هذا الكلام الذي بأيدي أهل السنة اليوم.
١٥٥ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: «كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَؤُونَ التَّوْرَاةَ
بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ الله: ((لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ
الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: ﴿آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أَنْزِلَ إِلَيْنَا ... ﴾ [البقرة: ١٣٦](١) الآية.
رَوَاهُ الْبُخَارِيّ].
(وَعَنْه قَالَ: [كَانَ) (٤) أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَؤُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسِّرُونَهَا
بِالْعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌َُّ: لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ) اليهود
والنصارى فيما ينقلونه لكم عن ملتهم أو كتابهم التوراة والإنجيل؛ لاحتمال كذبهم
الظاهر من أحوالهم (وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ) لاحتمال صدقهم وإن كان نادرًا، (وَقُولُوا) عند
سماعكم لخبرهم ما هو الأسلم من التكذيب والتصديق لما في كل منهما من الخطر،
(١) أخرجه البخاري (٤٢١٥)، والنسائي في الكبرى (١١٣٨٧)، والبيهقي في الكبرى (٢٠٤٠٢)، وفي
شعب الإيمان (٥٢٠٧).
(٢) سقط من الأصل.

٥٦٧
-
کتاب الإیمان/ باب
وهذا الأخطر فيه وهو: (﴿آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا ... ﴾(١) الآية) التي في البقرة، فإن
كانوا صادقين فقد صدقتموهم وآمنتم به، وإن كانوا كاذبين فقد كذبتموهم.
قال محبي السنة: وهذا أصل عظيم في صادقين وجواب التوقف عمَّا يشكل من
الأمور والعلوم، فلا يفضي فيه بشيء؛ أي: كما كان يكثر من السلف ((لا أدري)) فيما
يسألون عنه من ذلك، ومن ثم قالوا: من أخطأ لا أدري أصيب مقالته. (رَوَاءُ
الْبُخَارِيّ).
١٥٦ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: ((كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا
سَمِعَ))(٤). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: كَفَى بِالْمَرْءِ) مفعوله (كَذِبًا) تمييز (أَنْ يُحَدِّثَ)
فاعل (بِكُلِّ مَا سَمِعَ) أي: لو لم يكن للمرء من الكذب حظ إلا ذكره لكل ما سمعه
من غير قرينة تدل على صدقه لكفاه ذلك، وكان حسبه من الكذب؛ لأن من لازم هذه
الكلية الوقوع في الكذب، وإن لم يشعر؛ لأن بعض ذلك المسموع كذب، فعلم صح
التحديث بما لم يظن صدقه حتى في غير الأحاديث النبوية لكن ظاهر صنيع محي
السنة حيث ذكر ذلك في هذا الباب تخصيص ذلك بتلك الأحاديث.
قيل: ويعضده حديث: ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج))(٣). انتهى.
وفيه نظر، والوجه العموم لكن الأحاديث أحق من غيرها بمزيد التثبت
والاحتياط، والخبر يحمل على ما قامت فيه قرينة على صدق ما حكي عن بني إسرائيل،
فتفطن لذلك. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
١٥٧ - [وَعَن إِبْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَا مِنْ نَبِيِّ بَعَثَهُ اللهُ فِي
أُمَّتِهِ قَبْلِيٍ إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِبُّونَ، وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ
(١) البقرة: ١٣٦.
(٢) أخرجه مسلم (٥).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٦٦٢)، وأحمد (١٠١٣٤)، وابن حبان (٦٢٥٤).

٥٦٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ
جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنُ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنُ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ
الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ))(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَن ابن مسعود «﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيُّ: مَا مِنْ) مزيدة للنصِّ على
الاستغراق (نَبِيّ بَعَثَهُ اللهَ فِي أُمَّته) بالهاء كما في ((المصابيح))، واختلف النقل عن نُسخ
مسلم، فقيل كذلك، وقيل بلا هاء.
قال شارح: الهاء أصح.
وقال آخر: تركها هو الصواب الأمثل في فصيح الكلام، ووجه بأن نبي نكرة،
فالمناسب أن يؤتى بأمه نكرة؛ إذ المعنى ما من نبي من الأنبياء في أمة من الأمم
لاقتضاء ((ما)) النافية و((من)) الاستغراقية ذلك، ولأن قوله: ((كان له من أمته)) عبارة عن
النكرة، فهو كالتعريف باللام بعد النكرة. انتهى.
وفيه ما فيه، والحاصل صحة معنى كل منهما، والتعبير عن تركها بأنه هو
الصواب ليس في محله لكن تعقبه بالأمثل بين أن مراده الأصوب لا الصواب؛ لأن
مقابله خطأ.
(قَبْلي) حال من المجرور، أو ظرف لـ(بعث)) وعلى حذف الهاء هو صفة لأمة (إِلَّا
كَانَ لَهُ مِن أَمَّته حَوَارِيُّونَ) جمع: حواري، وهو الناصر الصفي الخالص المنقى من كل
عيب من تجويز الثياب؛ أي: تبيضها بغسلها وتنقيتها من كل دنس، ومن ثم سمي
أصحاب عيسى التلئه بذلك؛ لأنهم كانوا قصارين (وَأَصْحَاب) عطفه تفسير للحواربين
أو أعم (يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ) أي: يسلكون طريقته على ما ينبغي (وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ)
وینتهون بنهیه، وحذفه اکتفاء بما قبله.
(ثُمَّ) فيها إشارة إلى بون مرتبة هؤلاء الخلف (إِنَّهَا) أي: القصة وفسرها بقوله:
(١) أخرجه مسلم (٥٠)، وأحمد (٤٣٧٩)، والبيهقي (١٩٩٦٥)، وابن منده (١٨٣).

٥٦٩
کتاب الإیمان/ باب
(تَخْلُف مِنْ بَعْدهمْ) أي: أولئك السلف الصالح (خُلُوف) بضم أوليه جمع: خَلْف
بفتح فسكون وهو السوء، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُ أَضَاعُوا الصَّلاةَ
وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩] وبتحريكها: الصدق، وجمعه: أخلاف.
(يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ) لأمرهم الناس بالخير ووعدهم به، وهم منطوون على
الشر مضمرون الأخلاف، أو لقولهم: فعلنا ما أمرنا به وجوبًا أو ندبًا وهم كاذبون في
ذلك، ومن ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا
عِندَ الله أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣].
(وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ) به من البدع القبيحة والأعمال الفظيعة التي نهوا
عنها، فهم لا خير فيهم، ولا خلاق لهم في أمور الديانات بخلاف السلف الصالح، فإنهم
لما أخذوا بسنة نبيهم، واقتدوا بأوامره كانوا من الذين ﴿لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ
وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] وبهذا يعلم أنه ذكر لهؤلاء الخلف وصفين
قبيحين مقابلين السلف الحسن.
إذا تقرر ذلك (فَمَنْ جَاهَدَ بِيَدِهِ) حتى يكفيهم عن هذه المساوئ الشنيعة
(فَهُوَ مُؤْمِن) كامل (وَمَنْ جَاهَدَ بِلِسَانِهِ) بأن يأمرهم بالحق، وينهاهم عن الباطل؛
لعجزه عن أن يجاهدهم بلسانه (فَهُوَ مُؤْمِن، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِن) ناقص
باعتبار نقص جملة المؤمنين بعجزهم عن الإنكار الواجب عليهم، وبهذا يعلم أن
تنوین مؤمن للتنويع.
(وَلَيْسَ وَرَاء ذَلِكَ) أي: المذكور من المراتب الثلاث؛ إذ المرتبة الأخيرة،
فالعطف باعتبار الأول على الكل، وباعتبار الثاني على الجملة الأخيرة (مِنْ) مراتب
(الْإِيمَان) صفة ((حبة)) قدمت عليها فصارت حالاً (حَبَّة خَرْدَل) اسم ((ليس)» أي:
مرتبة قط لو تجسمت لم توازن حبة خردل كفاية عن العدم الكلي، وإعلام بانحصار
الإيمان الكامل في تلك الثلاث على ترتيبها المذكور، فأدنى مراتب أهله أن تضطرب
قلوبهم لظهور المنكر، ويكون منه في جهدٍ وعنادٍ [لا أن ترضى نفسه بذلك] فخلوها

٥٧٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
عن القوى الإيمانية وبُعدها عن الصفات النورانية لرضاها بالمنكر وأرضى به يؤدي إلى
الكفر. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
١٥٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَنْ دَعَا إِلَى هُدَّى كَانَ لَهُ مِنَ
الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورٍ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ
عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامٍ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا»(١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَنْ دَعَا إِلَى هُدِّى) أي: من أرشد
غيره إلى فعل خير عظيم كثير، أو ضده كإماطة أذى عن طريق، أو أمره به أو أعانه
عليه (كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أَجُورٍ مَنْ تَبِعَهُ) فعمل بدلالته وامتثل أمره (لَا يَنْقُصُ
ذَلِكَ) الفضل العظيم الواصل للدال على خير (مِنْ أُجُورِهِمْ) أي: التابعين له (شَيْئًا).
(وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ) أي: من أرشد غيره إلى فعل إثم وإن قلَّ، أو أمره به، أو
أعانه عليه (كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامٍ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا)
وذلك؛ لأن أفعال العباد وإن كانت غير موجبة، ولا مقتضية لثواب ولا عقاب بذواتها
إلا أن الله تعالى أجرى عادته الإلهية بربطهما ارتباط المسبب بسببه، وليس
للعبد تأثير في صدور الفعل عنه بوجه، فكما يترتب كل منهما على ما يباشره كذلك
يترتب على ما هو السبب فيه بنحو إرشاد أوامر، ولما انفكت جهة جزاء المباشرة عن
جهة خبر الدلالة بنقص جزاء الدال من جزاء المباشر شيئًا، وهذا بالنسبة للدلالة على
الخير العام نفعه الأشخاص والأعصار إلى يوم القيامة، تميزت مرتبة الفقهاء لا سيما
المجتهدين منهم الدالين على ذلك الهدى الباقي إلى يوم القيامة على مرتبة العباد القاصر
نفعهم على أنفسهم.
وعُلِم من الحديث أن له وسل* من مضاعفة الثواب بحسب تضاعف أعمال أمته
ما لا يحيط به عقل ولا يحده حد، وذلك أن له مثل ثواب أصحابه بالنسبة لما عملوا
(١) أخرجه مسلم (٢٦٧٤)، وأحمد (٩١٤٩)، وأبو داود (٤٦٠٩)، والترمذي (٢٦٧٤) وقال: حسن
صحيح. وابن ماجه (٢٠٦)، وأبو يعلى (٦٤٨٩)، وابن حبان (١١٢)، والدارمي (٥١٣).

٥٧١
کتاب الإیمان/ باب
وما دلوا عليه من بعدهم المضاعف لهم ثوابه إلى يوم القيامة، فيحصل له وَل* مثل
ذلك جميعه هذا بالنسبة؛ لأن الآخذين عنه، وكذلك بالنسبة للآخذين عنهم، فيحصل
له مثل ثواب أعمالهم ودلالتهم لمن بعده المتضاعف لهم ثوابه إلى يوم القيامة، وهكذا
في كل مرتبة من مراتب المبلغين عنه إلى انقضاء الأمة، وبهذا يعلم عظيم ما لكل أهل
مرتبة من الهداية من التضاعف المتعددة بتعدد من بعدهم من المراتب، فتأمله لتعلم
فضل السلف على الخلف، والمتقدمين على المتأخرين، والفقيه الدال على الهدى على
مرتبة العابد القاصر نفعه على نفسه.
(تنبيه): لو تاب الداعي للإثم وبقي العمل به، فهل ينقطع إثم دلالته بتوبته؛ لأن
التوبة تجب ما قبلها، أو لا؛ لأن شرطها رد الظلامة والإقلاع، ومادام العمل بدلالته
موجودًا فالفعل منسوب إليه، فكأنه لم يرد ولم يقلع كل محتمل، ولم أرَ في ذلك نقلاً
والمنقدح الآن الآتي. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
١٥٩ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ََّ: «بَدَأَ الإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ،
فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّ: بَدَأَ) بالهمز (الإِسْلامُ غَرِيبًا) أي: كان أول بدئه
في غاية الغرابة؛ لأن القلوب لم تحس به قط، والأنصار لم ترَ أهله رؤية اعتبار
وتعظيم مع قلتهم وعدم ناصرهم، وتمالي أهل الشرك عليهم حتى جلوهم عن ديارهم
وشردوهم عن أهلهم، فكانوا غرباء أذلاء، ثم بعد ذلك تفضل الله عليهم بنصره الباهر
وعزه القاهر، فصاروا أولئك الأعزاء لكثيرين طعمة لأسنتهم ومذلة لبأسهم وعزتهم،
فزاد عزّ الإسلام وانقشعت أشعة الظلام فلم يزل نور الإسلام يتزايد إلى أن عمَّ
المشارق والمغارب.
(وَسَيَعُودُ) في آخر الزمان في غاية القلة (كَمَا بَدَأ) فلا يوجد من أهله إلا القليل
(١) أخرجه مسلم (١٤٥)، وابن ماجه (٣٩٨٦)، وأبو يعلى (٦١٩٠).

٥٧٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
(فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ) وهم أهله المتمسكون به حال قلته أولاً وآخرًا، ثم المماثلة المذكورة
بين البدء والعود إمَّا باعتبار القائمين به بأن يراد به المسلمون، فيرجع معنى الغربة
وهو الوحدة فالوحشة إليهم، أو باعتبار ذاته، ففيه تشبيه بمتوحد مستوحش باعتبار
ضعفه وقلته.
فـ((غريب)) حال؛ أي: ظهر مشابهًا للغرباء، أو مفعول مطلق؛ أي: ظهر ظهور
الغرباء في الوحدة والتوحش حتى تبوأ دار الإيمان وهي طيبة فطوبى له وطاب عيشًا،
ثم يعود آخر الزمان فريدًا إليها فطوبى له ولهفي عليه، ومن ثم عقب المؤلف هذا
الحديث بما بعده المصرح بذلك. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
١٦٠ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ
الْخَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا))(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وَسَنَذْكُر حَديثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((ذَرُوِنِي مَا تَرَكْتُكُمْ فِي
كِتَابِ الله المنَاسِك، وَحَدِينَيْ مُعَاوِيَةٍ وَجَابِرِ: (لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتي)) [وَالآخَرِ: ((لَا يَزَالُ
طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي)](٢) فِي بَابٍ ثَوابٍ هَذِهِ الأُمَّةِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى].
(وَعَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ) بفتح التحتية وسكون الهمزة
وكسر الراء أو فتحها فزاي أخيرة؛ أي: ينضم وينقبض وتلجأ إليها (إِلَى الْمَدِينَةِ)
النبوية - على مشرفها أفضل الصلاة والسلام - قيل: يحتمل أن ذلك إخبار منه وَله
عمَّا كان في ابتداء الهجرة، ويحتمل أنه إخبار عمَّا يكون في آخر الزمان من قلة
الإسلام فتنضم فینفي عنها. انتهى.
والاحتمال الثاني أظهر؛ لأن راوي الحديث أبو هريرة، وإسلامه سنة سبع قبل
وفاته وَله بنحو ثلاث سنين، فذكره له في هذه المدة، وقد انقضت الهجرة وتمَّ الإسلام
مرجح لإرادة الاحتمال الثاني.
(١) أخرجه البخاري (١٧٧٧)، ومسلم (١٤٧)، وأحمد (٧٨٣٣)، وابن ماجه (٣١١١)، وابن أبي شيبة
(٣٢٤٢٩)، وابن حبان (٣٧٢٨)، وأبو عوانة (٩٢٥).
(٢) سقط من الأصل.

٥٧٣
کتاب الإيمان/ باب
(كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا) شبه عوده فريدًا شريدًا إليها أو فرار الناس إليها،
والتجاؤهم بها من آفات المخالفين بانضمام الحية وانقباضها إلى جحرها خوفًا على
نفسها، وخُصَّت؛ لكونها أسرع فرارًا وانقباضًا من غيرها؛ فالتمثيل بها في مجرد
الإسراع الذي امتازت به على غيرها، ومثل ذلك كافٍ في وجه التشبه فلا نظر لما فيها
من الضراوة والقبح والخسية.
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وَسَتَذْكُرِ حَديثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((ذَرُوِنِي مَا تَرَكْتُكُمْ فِي كِتَابِ الله
المنَاسِك، وَحَدِينَيْ مُعَاوِيَة وَجَابِرٍ: (لَا يَزَالُ مِنْ أَمَّتِي)) [وَالآخَرِ: ((لَا يَزَالُ طَائِفَةُ مِنْ
أُمَّتِي)] (١) فِي بَابٍ ثَوابٍ هَذِهِ الأُمَّةِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى).
(١) سقط من الأصل.

فهرس محتويات الجزء الأول
مقدمة التحقيق.
٣
التمهيد والمدخل
٥
المحور الأول: مكانة السنة من التشريع.
٧
المحور الثاني: جهود العلماء في خدمة السنة النبوية المطهرة
١٢
المحور الثالث: مشكاة المصابيح.
١٦
مصابيح السنة
الإمام البغوي
١٨
١٦
مشكاة المصابيح في الحديث
٢٥
ترجمة الشارح المحقق ابن حجر الهيتمي
٣١
الخطيب التبريزي.
٤٣
نماذج من صور المخطوط.
٤٥
فتح الإله في شرح المشكاة
مقدمة المصنف .
٤٩
بداية الشرح.
٥٢
كِتَابُ الإِيمَانِ
١٦٨
الفصل الأول
١٨١
الفصل الثاني.
٣٣١
الفصل الثالث
٣٤٣
٥٧٥

٥٧٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
بَابُ الكَبَائِرِ وَعَلامَاتِ النِّفَاقِ
٣٦٣
الفصل الأول
٣٦٨
الفصل الثاني.
٣٨٤
الفصل الثالث
٣٩٢
باب في الوسوسة.
٣٩٨
الفصل الأول
٣٩٨
الفصل الثاني.
٤١٤
الفصل الثالث
٤٢٠
باب الإيمان بالقدر.
٤٢٣
الفصل الأول
٤٢٣
الفصل الثاني ..
٤٥٧
الفصل الثالث
٤٨٥
باب إثبات عذاب القبر.
٥٠٥
الفصل الأول
٥٠٥
الفصل الثاني.
٥١٥
الفصل الثالث
٥٢٣
باب ...
٥٣١
الفصل الأول
٥٣١
فهرس محتويات الجزء الأول
٥٧٥