النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
افتتانًا أو فتنة (قَرِيبًا) ذكر مع تقدير فتنة على حد: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ الله قَرِيبٌ مِّنّ
المُحْسِنِنِ﴾ [الأعراف: ٥٦].
(فِتْنَةِ الدَّجَّالِ) أي: في الشدة والهول دون الارتداد عن الإسلام؛ للأمن منه
بالموت على الإسلام، ووقوعه كثيرًا في زمن الدجال؛ لعظيم فتنته بل لا أعظم منها كما
يُفهم مما يأتي فيها.
١٣٨ - [عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ قَالَ: إِذَا دَخَلَ المَيِّتُ القَبْرَ مُثِّلَتْ لَهُ الشَّمْسُ
عَنْدَ غَرُوبِها فَيَجلِسُ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ وَيَقُولُ: دَعُونِي أَصَلِّ(١). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه].
(وَعَنْ جَابِرِ ﴿ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: إِذَا أُدخِلَ الْمَيِّتُ) أي: المؤمن؛ إذ هو الذي
يطلب الصلاة (الْقَبْرَ مُثِّلَتْ) أي: صُورت وخُيلت (لَهُ الشَّمْسُ) ظاهره أن ذلك عقب
الإدخال، فیکون عند نزول الملکین إلیه.
قيل: ويمكن أن يقال: إن ذلك بعد السؤال والجواب تنبيهًا على رفاهيته.
(عِنْدَ غُرُوبِهَا) حال من الشمس، أو صفة عند من يجوزها في نحو ذلك بتقدير:
الكائنة عنه كذا، ثم حذف ذلك اختصارًا؛ أي: مُثلت له في حال كونها غاربة، أو
الموصوف بذلك لا ظرف لمثلت لاقتضائه أن التمثيل لا يكون إلا ذلك الوقت بل هو
عام في سائر أجزاء الليل، فتعين أن التمثيل لها حالة تفيد كونها غاربة عام في سائر
الأزمنة أيضًا.
قيل: وخصَّ الغروب بذلك؛ لأنه مناسب للغريب، فإن أول منزل ينزله عند
الغروب؛ أي: لأن الغالب أن ابتداء السفر يكون أول النهار، فآخر أول مرحلة
يكون عند الغروب.
ويمكن أن يقال: إن وجه الإشارة إلى تأكيد صلاة العصر وأنها الوسطى، فمثل
له آخر وقتها؛ ليطلب صلاتها إعلامًا بمزيد فضلها وتأكدها، أو إلى الاحتراس عن
(١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٧٢)، وابن حبان (٣١١٦)، وابن أبي عاصم (٨٦٧)، والديلمي (١٢٥٨).

٥٢٧
كتاب الإيمان/ باب إثبات عذاب القبر
أحوال المنافقين، فإنهم يجلسون يراقبون الغروب حتى إذا دنت الشمس إليه
نقروا أربع ركعات ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ﴾ فيها ﴿إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء: ١٤٢] كما في
الحديث، فبادر الميت إذا زال مانعه، ومثل له هذا الوقت إلى الصلاة؛ ليسلم من
وصمتهم.
(فَيَجْلِسُ يَمْسَحُ) أي: حال كونه ماسحًا (عَيْنَيْهِ) إعلامًا بأنه في غاية
الاستراحة والرفاهية؛ إذ هذا هو حال المستيقظ من نومه في الدنيا، وبأنه لشدة تلك
الرحمة ظنَّ أنه بعد في الدنيا (وَيَقُولُ: دَعُونِي أَصَلِّ) تتميم للإعلام بتلك الراحة؛ لأنها
توجب المبادرة لأداء ما عليه من الصلاة إلا أن يمنحه منها بعض الأعزاء عليه، فإنه
العظيم ما عنده من الشوق إليها يقول: دعوني أفعلها، ولا يطيعهم في تركها؛ لأنه لما
أدمن فعلها في الدنيا صارت له خُلقًا وطبعًا، ورسخت محبتها في قلبه فلم يشغله شاغل
عنها. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه).
١٣٩ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((إِنَّ الْمَيِّتَ يَصِيرُ إِلَى الْقَبْرِ
فَيُجْلَسُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فِي قَبْرِهٍ غَيْرَ فَزِعٌ وَلَا مَشْعُوفٍ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: فِيمَ كُنْتَ؟ فَيَقُولُ:
كُنْتُ فِي الإِسْلَامِ. فَيُقَالُ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدُّ رَسُولُ اللهِهِ جَاءَنَا
بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَصَدَّقْنَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ رَأَيْتَ اللهَ؟ فَيَقُولُ: مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ
يَرَى اللّهَ. فَيُفْرَجُ لَهُ قُرْجَةٌ قِبَلَ النَّارِ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يَخْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ
إِلَى مَا وَقَاكَ اللهُ، ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ قِبَلَ الْجَنَّةِ، فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا، فَيُقَالُ لَهُ:
هَذَا مَفْعَدُكَ، عَلَى الْتَقِينِ كُنْتَ وَعَلَيْهِ مُتَّ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَيُجْلَسُ الرَّجُلُ
السُّوءُ فِي قَبْرِهِ فَزِعًا مَشْغُوبًا فَيُقَالُ لَهُ: فِيمَ كُنْتَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي. فَيُقَالُ لَهُ: مَا هَذَا
الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَوْلاً فَقُلْتُهُ. فَيُفْرَجُ لَهُ قِبَلَ الْجَنَّةِ فَيَنْظُرُ إِلَى
زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا صَرَفَ اللهُ عَنْكَ. ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ قِبَلَ الثَّارِ
فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يَخْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ، عَلَى الشَّكِّ كُنْتَ وَعَلَيْهِ مُتَّ،

٥٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى)(١). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه في كتابٍ الاعتصامِ پالکِتابِ
وَالسُّنةِ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: إِنَّ الْمَيِّتَ يَصِيرُ إِلَى الْقَبْرِ فَيُجْلَسُ
الرَّجُلُ) ذُكر لشرفه وإلا فالمرأة مثله، والمراد المؤمن (في قَبْرِهِ) ليسأله الملكان، وهو
جالس حال كونه (مِنْ غَيْرِ فَزع) صفة مشبهة تدل على المبالغة كذا قيل، وفيه نظر؛
لإيهامه هنا إذا سلب ما هو كذلك لا يدل على ما سلب أصل الفعل كما قالوه في:
﴿وَمَا رَبُّكُ بِظَلَامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] فتعين أن المراد: غير ذي فزع، كما أن تقدير
الآية: بذي ظلم.
ويدل على أن المراد نفي الفزع من أصله بسائر أنواعه قوله: (وَلَا مَشْغُوب) أي:
ولا ذي شغب، وهو تهييج الشر والفتنة (ثُمَّ يُقَالُ) له: (فِيمَ كُنْتَ؟) أي: في أي دين
كنت؟ فإن قلت: ما فائدة الدين جعل للدين ظرفًا له؟ قلت: الدلالة على أن المطلوب
ـ نه الإعلام بما كان متلبسًا به، ومتمكنًا منه تمكن الظرف من مظروفه، وأنه لا يقع
منه بالإسلام إلا إن كان فيه كذلك لا المنافق المتلبس به ظاهرًا لا باطنًا، ومن ثم تنبه
المؤمن لذلك، وأجاب بطبق ما ذكر فقال: (كُنْتُ فِي الْإِسْلَامِ) ذاكرًا لفظ «كنت)) مع
استغنائه عنه بتقدمه في السؤال؛ للإعلام بغاية تمكنه منه.
(فَيُقَالُ) له: (مَا) استفهامية مبتدأ (هَذَا الرَّجُلُ؟) أي: ما وصفه؟ أو ما اعتقادك
فيه؟ لأن ((ما)) سأل بها عن الواصف (فَيَقُولُ:) هو (مُحَمَّدُ) أي: مسماه المفخم المشتهر
الذي لا يخفى على أحد الموصوف بأنه (رَسُولُ الله) ويجوز أن ((محمد)) مبتدأ، وما بعده
خبر (جَاءَنَا) جملة استئنافية مبينة للجملة الأولى (بِالْبَيِّنَاتِ) الدلالات الواضحات
(مِنْ عِنْدِ الله) الدالة قطعًا على صدقه في جميع ما جاء به، وأنه رسول الله إلى الكافة
أجمعین (فَصَدَّقْنَاهُ) في جمیع ذلك.
(١) أخرجه ابن ماجه (٤٤٠٩).

٥٢٩
کتاب الإيمان/ باب إثبات عذاب القبر
(فَيُقَالُ لَهُ) امتحانًا واختبارًا لحقيقة إيمانه ورسوخ إيقانه، فلا تروح عليه
شبهة ولا تزحزحه محنة: لمَ قلت: إنه من عند الله (هَلْ رَأَيْتَ اللهَ؟) هل علمت أنه من
عنده (فَيَقُولُ) رادًا لذلك الامتحان بأبلغ لسان وأوضح بيان: (مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ
يَرَى الله) أي: محيًا بكنهه في الدنيا ولا في الآخرة، وغير محيط بشيء من ذلك في
الدنيا؛ أي: وإنما علمت ذلك من تلك البينات القطعية الضرورية تارة والنظرية
أخرى.
(فَيُفْرَجُ لَهُ) جزاء لما أتقنه في الدنيا من العلم النافع، والعمل الصالح النافعين له
في هذا المنزل الذي لا أفظع منه في أول وهلة، وعلى بعثه (فُرْجَةٌ) بضم أوله وفتحه (قِبَلَ
النَّارِ) أي: برفع الحجاب بينه وبينها حتى يراها (فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا) ذكرها باعتبار أنها
عذاب (يَخْطِمُ) أي: يأكل أو يدوس (بَعْضُهَا بَعْضًا) لشدة تلهبها وكثرة وقودها من
حطم الإبل بالخيل؛ أي: حبستها أو داستها في محل ضيق.
(فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا) أي: إلى هذا العذاب العظيم الذي (وَقَاكَ اللهُ) منه (ثُمَّ
يُفْرَجُ لَهُ قِبَلَ الْجَنَّةِ فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا) أي: حسنها وبهجتها (وَمَا فِيهَا) من الرياض
والغياض والقصور، والأنهار والحور والولدان.
(فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ) يصح أن تكون الإشارة به إليها كلها، وتسميتها مقعدًا
له من تسمية الكل باسم البعض أو إلى مقعده بخصوصه منها (عَلَى الْيَقِينِ) أي: الاعتقاد
الجازم الذي لا يزلزله شكٌّ، ولا يعتريه أفول (كُنْتَ) في دار الدنيا، فجوزيت هذا الجزاء
العظيم.
و((على اليقين)) إما متعلق بـ((كنت)) قُدم عليه اهتمامًا بشأنه، والجملة مستأنفة
لبيان سبب استحقاق ذلك المقعد، أو حال حامله ما في حرف التنبيه من معنى الفعل
المتضمن لصاحب الحال، فـ((كنت)) صفة لليقين؛ لأن ((أل)) فيه للجنس؛ أي: أنبهك
على مقعدك حال كونك ثابتًا على يقينك الذي كنت عليه (وَعَلَيْهِ مُثَّ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ
إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى) للتبرك والتحقيق.

٥٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
(وَيُجْلَسُ الرَّجُلُ) لا مفهوم له إذا المرأة كذلك كما مرَّ (السُّوءُ) أي: الكافر
والمنافق (في قَبْرِهِ فَزِعًا مَشْغُوبًا) أي: في غاية الخوف وهيجان الشرور، والفتن المتواردة
عليه، (فَيُقَالُ له: فِيمَ كُنْتَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي) ما الذي كنت فيه كذب منه، وتمويه
عن أن يجيب بالجواب المطابق، وهو أنه كان في الكفر أو النفاق.
(فَيُقَالُ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ؟) أي: ما وصفه؟ أو ما اعتقادك فيه؟ (فَيَقُولُ: سَمِعْتُ
النَّاسَ) أي: المسلمين أو مطلقًا على ما مرَّ (يَقُولُونَ) فيه (قَوْلاً فَقُلْتُهُ) مثلهم، ولا
أدري ما حقيقة ذلك (فَيُفْرَجُ لَهُ فرجة قِبَلَ الْجَنَّةِ فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا فَيُقَالُ) لَهُ
(انْظُرْ إِلَى مَا) أي: إلى هذا النعيم الأكبر الذي (صَرَفَه اللهُ عَنْكَ ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ إِلَى
النَّارِ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يَخْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ عَلَى الشَّكِّ كُنْتَ وَعَلَيْهِ
مُثَّ وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللهُ) في هذا جميعه ما مرَّ في سابقه. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه).
(كِتَاب الاعتِصَامِ) أي: الاستمساك، من عصم: منع (بِالكِتَابِ) أي: القرآن،
وهو هنا اللفظ المنزل على محمد ◌َل﴾، للإعجاز مقدر أقصر سورة منه المنقول إلينا
تواترًا، ويطلق أيضًا على ما بين دفتي المصحف مما نقل إلينا تواترًا أيضًا، وهو بهذين
المعنيين محدث، وعلى الكلام النفسي القائم بذات البارئ تعالى، وهو بهذا المعنى قديم
فهو تعالى متكلم حقيقة بكلام قديم قائم بذاته العلي منزه عن الحرف والصوت.
والصحيح أن موسى القليّة سمعه من سائر جهاته، وكذلك نبينا ◌َّ﴾ ليلة الإسراء،
ولا بدع فيه كما يرى تعالى في الآخرة بحاسة البصر لا في جهة، وإنما اختص موسى
بالكليم؛ لأنه لم يسمعه بشر وهو في الأرض غيره.
(والسُّنَةِ) وهي: قوله ◌َّيه وأحواله وأفعاله وتقريراته، وهذه الترجمة مقتبسة من
قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] أي: استمسكوا ﴿بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا﴾ [آل
عمران: ١٠٣] استعار لفظه لهما استعارة مصرحة، وقرينتها إضافته إلى الله تعالى،
والجامع أنهما سببان موصلان للمقصود، وهو رضا الله وثوابه كالحبل يوصل للسقي
ونحوه.

[(الفصل الأول)](١)
١٤٠ - [عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَ: «مَنْ أَحْدَثَ
فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٍّ(٢). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ].
(عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ أَحْدَثَ) أي:
ابتدع واخترع وأدخل (في أَمْرِنَا هَذَا) أي: ديننا؛ إذ الأمر كما يطلق على القول
الطالب للفعل حقيقة يطلق مجازًا على الفعل والشأن والطريق، فأطلق هنا على الدين
من حيث أنه طريقه ◌َّل، وشأنه القائم به المهم بتنزيهه عن شوائب البدع والريب.
(مَا) أي: رأيًا أو قولاً أو فعلاً (لَيْسَ مِنْهُ) وفي المشارق، وفي بعض نسخ
(المصابيح)): (فيه)) بأن لم يشهد له نص ولا قياس، ولا غيرهما من الأدلة المقررة في
الأصول المتفق عليها، وهي الكتاب والسنة، والإجماع والقياس والاستدلال، وذلك
كما إذا علم ثبوت الملزوم شرعًا أو عقلاً علم ثبوت لازمه كذلك، والمختلف فيها
كالاستصحاب بقسميه، وهو الاستدلال بأمر موجود في الماضي على وجوده في الحال
وعكسه، وسمي الاستصحاب المقلوب.
(فَهُوَ) أي: المحدث بالفتح (رَدُّ) أي: مردود عليه، ويصح الكسر، فهو راجع
من؛ أي: فهو ناقص مطرود؛ إذ الإسلام بلغ من الكمال والظهور والاشتهار ما صيره
كالمحسوس الذي لا يخفى كما أفادته الإشارة إليه بهذا، قال تعالى: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ
لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
وحينئذ فمن أراد زيادة «فيه» فقد حاول أمرًا مُرًّا وطريقًا قفرًا، ودلَّ الناس
بذلك على قصور فهمه وعدم علمه، وأنه لا إحاطة له بحكم الشريعة الغراء، فلذا ظنَّ
نقصها وسولت له نفسه الاستدراك عليها، فاستحق أن ينادي عليه على رؤوس
(١) سقط من الأصل.
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (٤٥٨٩)، وأحمد (٢٦٧٨٦)، وأبو داود (٤٦٠٨)، وابن ماجه
(١٤).
- ٥٣١

٥٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
الأشهاد بذلك الخسار، وأن يسجل عليه بعدم الوقار واستحقاق البوار، وخرج بما
ليس فيه ما أحدث من البدع الواجبة والمندوبة كالتصنيف وبناء القناطر والربط،
ونحوهما من كل ما شهدت قواعد الشريعة الغراء بحسنه، فهو حسن مقبول مثاب
مُبتدعة ومُحدثة؛ لأنه أتى به بما شهد الشرع بحسنه ومدحه إن لم تقبله العقول؛ لأنها
لنقصها لا يعول عليها.
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وهو من جوامع كلمه وَّ، ومن ثم قال أبو عبيدة: جمع ◌َّ جميع
أمر الآخرة في هذه الكلمة، وجميع أمر الدنيا في كلمة: ((إنما الأعمال بالنيات)»(١) ووجه
الأول أن كل عامل بمعصية محدث في الدين ما ليس منه فيذم، وكل عامل بطاعة ليس
محدثًا فيُمدح كما أفهمه الحديث، وكل عامل بما ليس طاعة ولا معصية شرعًا، فإن
كان مع اعتقاد أنه طاعة أو معصية ذُم؛ لأن الفعل مع هذا الاعتقاد من الأحداث
المنهي عنها في الدين أو لا مع اعتقاد ذلك لم يُدم.
١٤١ - [وَعَنْ جَابِرٍ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ
كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْي مُحَمَّدٍ وَّهِ وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ (٢).
رَوَاهُ مُسْلِمْ].
(وَعَنْ جَابِرِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ) أي: في أثناء نحو خطبة أو وعظ؛ إذ لا
يُبتدأ بذلك: (أَمَّا بَعْدُ) هي فصل الخطاب الذي كان ◌َله يأتي به في خطبه، وحقيقته
التي اختص بها ويله هي أن يأتي في كل مقام بكلام مطابقة من سائر اعتباراته، وذلك
(١) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧)، ومالك في رواية محمد بن الحسن (٩٨٣)، وأحمد (١٦٨)،
والترمذي (١٦٤٧)، وأبو داود (٢٢٠١)، والنسائي (٣٤٣٧)، وابن ماجه (٤٢٢٧)، وابن المبارك
(١٨٨)، والحميدي (٢٨)، والبيهقي (١٨١)، والطبراني في الأوسط (٤٠)، والخطيب (٢٤٤/٤)، وابن
عساكر (١٦٦/٣٢)، وابن منده في الإيمان (٢٠١)، وابن خزيمة (١٤٢)، والدارقطني (٥٠/١)، وأبو
عوانة (٧٤٣٨)، والبزار (٢٥٧).
(٢) أخرجه مسلم (٢٠٤٢)، وأحمد (١٥٣٧١)، والبيهقي (٥٩٦٣)، وابن حبان (١٨٦).

٥٣٣
كتاب الإيمان/ باب
متعذر إلا عليه وَ﴿، وداود العَيْه وإن أوتيه قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وَفَصْلَ
الخِطَّابِ﴾ [ص:٢٠] لكنه لم يصل إلى تلك الحقيقة؛ إذ تلك الاعتبارات من
خصوصيات الكلام العربي الذي أوتي نبينا لإر غايته، ومن ثم قيل: إن كلامه معجز
كالقرآن.
و(بعد)) هنا مبني على الضم؛ لحذف المضاف إليه مع نية معناه؛ أي: بعدما تقدم
من نحو الحمد والصلاة عليه وعليه؛ إذ الأغلب في استعمالها أن يكون بعد ذلك أو
قصته.
((أمَّا)) متضمنة معنى اسم شرط وفعله، ومن ثم لزمت الفاء في جوابها؛ أي: مهما
يكن من شيء بعدما ذكر (فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ) أي: الكلام (كِتَابُ الله) أي: القرآن؛
لما تميز به من دقائق علوم الفصاحة والبلاغة، واشتمل عليه من بيان كل شيء صريح
أو إيماء ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] أي: مما يحتاج إليه في أمر الدنيا
والدين كعلوم العقائد والأعمال والأخلاق والأحوال.
(وَخَيْرَ الْهَدْيِ) بالفتح فالسكون؛ أي: السيرة من تهادت المرأة في سيرها إذا
تبخترت، ثم أطلق غالبًا على الطريقة الحسنة والسنة المرضية، ولذلك حسن إضافة
الخير إلى الهدي، والشر إلى الأمور، و(إن)) للاستغراق؛ أي: خير كل دين وطريقة حسنة
وسنة مرضية (هَدْيُ مُحَمَّدٍ ◌َل﴾﴾ أي: دينه وطريقته وسنته.
قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أَمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] وكمال الأمة تابع
لكمال نبيها، وهو لي أكمل الأنبياء والمرسلين، والملائكة المقربين خلفًا وعلمًا
ومعرفة وعملاً، كيف وقد أمره تعالى بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ
اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] أن يجمع بين سائر طرائقهم، وأن يتحلى بجميع معاليهم مع ما لا
غاية له من الزيادات التي اختص بها، والكرامات التي منحها، ويصح ضم الهاء وفتح
الدال، والمعنى واحد.
(وَشَرَّ) بالنصب عطفًا على اسم إن، والرفع عطفًا على محل إن واسمها (الْأَمُورِ)

٥٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
أي: الشؤون الشاملة للأقوال وللأفعال (مُحْدَثَاتُهَا) بفتح الدال؛ أي: ما أُخترع منها،
وأحدث بعد النبي ◌َّله على غير القانون الشرعي كما أفاده مفهوم الخبر السابق.
(وَكُلَّ بِدْعَةٍ) من تلك المحدثات التي لم يشهد الشرع بحسنها، والبدعة لغةً: كل
مخترَع لم يسبق له مثال، وشرعًا: محدث لم يكن في عهده وَّ﴾ (ضَلَالَةُ) لما سبق في
معنی فهو رد.
وأفاد قولي: ((من تلك المحدثات)) أن الجملة الثانية هي عين الأولى في المعنى،
وفائدتها حينئذ مزيد التنفير وتأكيد شناعة تلك المحدثات، وهذا أولى من تقدير
الجملة قبل الأخيرة؛ لتكون معطوفة عليها؛ أي: كل خصلة اخترعت، فهي مخالفة
للسنة وكل مخالفة للسنة ضلالة.
وقولي: ((على غير القانون الشرعي)» المبين أن هذا من العام المخصوص على حد:
﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] أن من المحدثات والبدع ما ليس شرًّا ولا
ضلالة بل حسنًا.
ومن ثم قسم العزّ بن عبد السلام وغيره البدع إلى:
واجبة: كتعلم علم النحو وغيره من علوم العربية لتفهم القرآن والسنة
وكحفظ غيرهما، وتدوين الفروع وأصول الفقه والدين والحديث، والكلام في الجرح
والتعديل، والرد على ذوي العقائد الفاسدة؛ لتوقف حفظ الشريعة الواجب على ذلك،
وما لا يتم الواجب المطلق إلا به واجبة.
ومحرمة: كمذهب المعتزلة والقدرية والمرجئة والمجسمة والجهمية والرافضة
وغيرها من سائر المذاهب الفاسدة.
ومندوبة: كإحداث الربط والمدارس، وكالكلام في دقائق التصوف، وجمع المحافل
لإفادة العلوم، والاستدلال في المسائل العلمية مع الإخلاص في ذلك فإن قُصد به
وجه الله لا غير، وكإظهار التجمع لصلاة التراويح، وغير ذلك من كل إحسان لم يعهد
في الصدر الأول.

٥٣٥
كتاب الإيمان/ باب
ومكروهة: كزخرفة المساجد من غير وقفها وإلا حُرمت، وتزويق المصاحف
بماء لا ذهب أو فضة.
ومباحة: كالمصافحة عقب العصر والصبح، والتوسع في لذيذ المآكل والمشارب
والملابس والمساكن، وتوسيع الأكمام، وتكبير العمائم، وقد اختلف في كراهة بعض
ذلك.
وروى البيهقي عن الشافعي بأن ما أحدث وخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو
إجماعًا مذموم، وما لا غير مذموم، وأنه قال في قول عمر﴾ في التراويح: ((نعمة البدعة
هي)) يعني: أنها محدثة لم يكن، وإذا كانت ليس فيها رد لما مضى، وأشارت إلى أن
عمر إنما سماها بدعة؛ لأنه وَلو لم يسنها لهم، ولا كانت في زمن أبي بكر على هذا
الوجه، ولا أول الليل، ولا كل ليلة، ولا هذا العدد الذي هو عشرون.
ثم رغَّب فيها عمر بقوله: ((نعم)) ليدل على فضلها، ولئلا يمنع هذا اللقب من
فعلها، فإن ((نعم)) كلمة تجمع المحاسن، و((بئس)) تجمع المساوئ، وإلى أن إجماع الصحابة
مع عمر الذي أمر ◌َليه بالاقتداء به كأبي بكر بقوله: ((اقتدوا باللذين من قبلي أبي
بكر)) وعمر أزال عنها معنى البدعة. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
١٤٢ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (أَبْغَضُ
النَّاسِ إِلَى الله ثَلَاثَةُ: مُلْحِدُ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُظَلِبُ دَمِ
امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٌّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ»(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: أَبْغَضُ النَّاسِ)
أي: المسلمين؛ إذ غيرهم مبغوضون إلى الله من غير اعتبار قيد زائد على مجرد الكفر
(إِلَى الله ثَلَاثَةُ: مُلْحِدُ) أي: مائل عن الصواب (فِي الْحَرَمِ) المكي؛ إذ هو المراد حيث
أطلق الحرم، وذلك بأن أتى المعصية فيه؛ لأنها وإن كانت صغيرة في ذاتها إلا أنها بكر،
(١) أخرجه البخاري (٦٤٨٨)، والبيهقي (١٥٦٨٠)، والديلمي (١٤٦٠).

٥٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
وتفحش باعتبار محلها لما فيها من هتك حرمة الحرم مع تأكد احترامه ورعاية حرمته.
قال تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمِ﴾ [الحج: ٢٥]
والظلم هنا فسره بعض أئمة السلف بشتم الخادم؛ أي: بما لا يجوز بخلافه بنحو: أحمق
جاهل تأديبًا وزجرًا له عن سوء الأفعال وقبيح الأقوال، ومن ثم جاز له ضربه تعزيرًا
عند ارتكاب موجبه.
(وَمُبْتَغٍ) أي: طالب ومدخل بشدة ومزيد جرأة كما أفاده لفظ ((مُبْتَغِ)" ألا كذا
من طالب (في) أحكام (الإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) من فعل كل ما سولته نفوسهم وزينته
عقولهم؛ كبغض البنات المفضي إلى عدم الإحسان إليهن، بل أداهم بعضهم لهن إلى
وأدهن وقتلهن، ووجه مزيد قبحه أنه ضم إلى ذلك الإحداث الفظيع كون المحدث من
سنة الجاهلية، وهم من قبل بعثته ◌َّيه وأطلق السنة على فعلهم لغةً؛ إذ هي اسم لمطلق
الطريقة أو تهكمًا كـ ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمِ﴾ [الانشقاق: ٢٤].
(وَمُطَّلِبُ) بالتشديد (دَمِ امْرِئٍ مُسْلِم بِغَيْرِ حَقٌّ لِيُهَرِيقَ [دَمَهُ](١)) أصله لباريق
من أراق ثم أبدلت الهمزة هاء، والتزمت حتى صارت كالأصلية ثم أدخلت الهمزة
معها، ووجه زيادة قبحه أنه ضم إلى القتل بغير الحق الذي هو أكبر الكبائر كونه قصده
مسببًا به المقتول لا لغرض بل لكونه قتلاً، وإراقة دم مع مبالغته في ذلك كما أفاده
العدول لمطلب عن طالب. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
١٤٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا
مَنْ أَبَى)) قِيلَ: وَمَنْ أَبَى؟ قَالَ: ((مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى))(٤). رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ هِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: كُلُّ أَمَّتِي) أي: أمة الدعوة
(يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبِى) أي: امتنع واستكبر عن قبول ما جئت به فلم يؤمن به.
(١) سقطت من الأصل.
(٢) أخرجه البخاري (٦٨٥١).

٥٣٧
کتاب الإیمان/ باب
(قِيلَ:) عرفنا الذين يدخلون الجنة (وَمَنْ أَبَى) عن ذلك لا نعرفه (قَالَ:) لم
تعرفوا هؤلاء ولا هؤلاء، فخذوا بيان القسمين، وهو أنه قد أطاعني بعضهم، وعصائي
وامتنع من الإيمان بي بعضهم، وحكمهم أن كل (مَنْ أَطَاعَنِي) بأن آمن بما جئت به
(دَخَلَ الْجَنَّةَ) مع الناجين إن مات غير فاسق أو عُفي عنه، وإلا فبعد تعذيبه كما سبق
بسطه مرارًا (وَمَنْ عَصَائِي) بأن امتنع من الإيمان بي (فَقَدْ أَبِى) فلا يدخل الجنة
مطلقًا، ويصح أن يراد أمة الإجابة وبالاً بالمعصية مع الإسلام.
ويؤيد ذلك إيراد محبي السنة لهذا الحديث في هذا الباب تبعًا للبخاري؛ أي: من
أطاعني وتمسك بالكتاب والسنة دخل الجنة مع الناجين، ومن أبى عن ذلك فاتبع
هواه وزلَّ عن الصواب، وضلَّ عن الصراط المستقيم دخل الجنة إن لم يرد الله العفو
عنه، فوضع أبى موضع هذا وضعًا للسبب موضع المسبب. (رَوَاهُ الْبُخَارِيّ).
١٤٤ - [وَعَنْ جَابِرِضَ﴾ قَالَ: جَاءَتْ مَلَائِكَةُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ وَهْوَ نَائِمٌ فَقَالُوا: إِنَّ
لِصَاحِبِكُمْ هَذَا مَثَلاً، فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلاً. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ
نَائِّمَةُ وَالْقَلْبَ يَقْطَانُ. فَقَالُوا: مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً وَبَعَثَ
دَاعِيًّا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ
الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ. فَقَالُوا: أَوَّلُوهَا لَهُ يَفْقَهْهَا. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ. وَقَالَ
بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةً وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ. فَقَالُوا: فَالدَّارُ الْجَنَّةُ، وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌّ ◌َ فَمَنْ
أَطَاعَ مُحَمَّدًا فٍَّ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًّا وَِّ فَقَدْ عَصَى اللّهَ، وَمُحَمَّدٌّ ◌َهـ
فَرْقُّ بَيْنَ النَّاسِ(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: جَاءَتْ مَلَائِكَةُ إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ وَهْوَ نَائِمٌ) سنده في الإخبار
بذلك أنه لو أعلمه به بلا واسطة وهو الظاهر، أو بواسطة.
قيل: ويحتمل أنه انكشف له هذا الحال فشاهده، ثم أخبر به في مجيئهم،
(١) أخرجه البخاري (٧٢٨١).

٥٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
وتمثيلهم بما يأتي إجمالاً ثم تفصيله وتأويله إرشاد السامعين وإيقاظهم من سنة الغفلة
والجهالة، وحثهم على المبادرة التامة إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، والإعراض ما
أمكن عن البدعة والضلالة، وسيأتي أول الفصل الثاني حديث يشابه هذا لكن
يؤخذ من سياقهما أنهما قضيتان فتأمله.
(فَقَالُوا: إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ) ليس في تسميتهم له صاحبًا ما ينافي إرساله للملائكة
الذي قال به جمع محققون، ولا كونه أفضل من الملائكة الذي عليه أهل السنة
والجماعة إلا من شدَّ بل قبل الخلاف في غيره وَ له وأمَّا هو فهو أفضل منهم إجماعًا
لكن فيه نظر واضح.
وكلام الزمخشري من رؤوس المعتزلة مصرح بأنهم أفضل منه، وذلك؛ لأن
الصحبة تستدعي إمّا طول المعاشرة، وإمَّا الاتحاد في الانتساب لشيء واحد، وكل من
هذين لا يستدعي أفضلية أحد المتصاحبين على الآخر، ولا عدمهما.
(هذا مَثَلاً) بفتح أوليه؛ أي: صفة كمال تبهر العقول إذا لمثل الصفة العظيمة
الشأن (فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلاً) قد يقال: إذا كررت النكرة بعينها كانت غير الأولى، وحينئذ
فما المراد بالأول والثاني؟ ويجاب بأن الأصل: ((فاضربوه له)) أي: بينوا له شأنه العجيب
بمثال خارجي يطابقه؛ ليزداد يقينه، ويحتمل أنهم فهموا أن له مثلاً في الخارج، ولم
يعرفوا عينه فأمر كل منهم أصحابه بضربه لعله ينكشف لهم ذلك المثل الخارجي، ثم
اتفق رأيهم على مثل واحد، وأنه المطابق له في الخارج فضربوه كلهم.
(فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ) فلا يدري ما أنتم فيه (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةُ
وَالْقَلْبَ يَقْطَانُ) وهؤلاء هم الأكملون؛ لأن الله أطلعهم على ما اختصه ◌َيه به من أن
النوم إنما يتسلط على عينه دون قلبه؛ لامتلائه بمعرفته، واستغراقه في شهوده،
واستجلابه أنوار مراتبه العلية التي هي دائم الترقي عنها، فلم يضعف إدراكه بضعف
الحواس واستراحة البدن.
فإن قلت: إذا نامت عينه كيف سمع كلام الملائكة؟

٥٣٩
کتاب الإیمان/ باب
قلت: لا بعد في ذلك، فإن المدرك هو القلب، والأذن إنما هي طريق لا ينسد
بالنوم، فوصل الصوت منها للقلب فأدركه، ولا كذلك العين فإنها بعد امتلائها بالنوم
واستغراقها فيه لا تدرك، فلا يوصل للقلب شيئًا من المبصرات.
(فَقَالُوا مَثَلُهُ) في كونه رحمة أهداها الله إلى الخلق؛ ليدعوهم إلى ما أعده تعالى
لهم من تلك الجنة ونعيمها بإرشادهم لطريقها (كَمَثَلٍ) أي: صفته العجيبة الشأن
كصفة (رَجُلٍ) كريم (بَنَ دَارًا) عظيمة (وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً) بضم الدال كـ«مشرُبة)»
اسم لما يصنع للضيف فليست مصدرًا ولا ظرفًا، وبفتحها مصدر بمعنى الأدب وهو
الدعاء للطعام كـ(المعتبة)) بمعنى العتب، وتلك المأدبة مشتملة على ما لا يوصف ولا
يحصى من ألوان الأطعمة المستلذة والأشربة المستعذبة.
(وَبَعَثَ دَاعِيًّا) يدعو الناس إليها إكرامًا لهم (فَمَنْ أَجَابَ) ذلك (الدَّاعِيَ دَخَلَ)
تلك (الدَّارَ وَأَكَلَ [مَعه](١) مِنَ) تلك (الْمَأْدُبَةِ) ونال تلك الكرامة (وَمَنْ لَمْ يُجِبٍ) ذلك
(الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلٍ) تلك (الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ) تلك (الْمَأْدُبَةِ) وحرم تلك الكرامة،
وآثروا هذا على سخط عليهم وعاقبهم؛ لأن فاتحة الكلام سبقت لبيان سبق الرحمة على
الغضب، فلم يناسب حتمه بالتصريح بالعذاب بل بما يدل على أنه المراد على سبيل
الحكاية على أنها أبلغ.
(فَقَالُوا) أي: الملائكة: (أَوَّلُوهَا لَهُ) أي: فسروا هذه الحكاية لمحمد وَّل من أول
فسر بما يؤول إليه الشيء، والتأويل عند الأصوليين: حمل اللفظ على محتمله الخفي
(يَفْقَهْهَا. قَالَ بَعْضُهُمْ) باعتبار ما في ظنه: (إِنَّهُ نَائِمٌ) فلا يدري ذلك (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ
الْعَيْنَ نَائِمَةُ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ) وهم الأفضلون الموافقون للحق في الخارج، وكرروا هذا؛
لتنبيه السامعون إلى هذه المنقبة العظيمة، وهي نوم العين دون القلب، (فَقَالُوا: الدَّارُ
الْجَنَّةُ) أي: هي دار المتقين كما في القرآن، (وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌّ ◌َّه).
(١) سقطت من الأصل.

٥٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًّا إِلَى الله
بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] وإذا كان داعيًا إلى الله بإذنه، وسفيرًا بينه
وبين خلقه (فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّدًا فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا) أظهروا الضمير
مبالغة في تعظيمه وَل﴿ وحمده (فَقَدْ عَصَى اللهَ) فيه غاية الأدب منهم حيث لم يقولوا:
والرجل الله الذي هو قياس السياق، وإنما لمحوا له بقولهم: فقد أطاع الله .. إلى آخره.
قال تعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ [النساء: ٨٠] ثم ذيلوا هذا
التأويل بما هو مشتمل على معناه، ومؤكد له مبالغة في تعظيمه وَّة، فقالوا: (وَمُحَمَّدُ
فَرْقُ) بتشديد الراء وهو واضح، وتخفيفها وصف به مبالغة كالعدول؛ أي: فارق (بَيْنَ
النَّاسِ) المؤمن والكافر والعدل والفاسق؛ إذ به تميزت الأعمال ومراتب النقص من
مراتب الكمال، وضربهم لهذا المثل من باب الاستعارة التمثيلية، وهي أن يكون وجه
التشبيه في كل من طرفيها منتزعًا من عدة أمور باعتبار انضمام بعضها لبعض كما
بینته في تقریرهما.
ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ
نَبَاتُ الأَرْضِ .. ﴾ [يونس:٢٤] شبهوا حاله تعالى في سبق رحمته لخلقه بإعداده الجنة لهم،
وإرساله الرحمة المهدي إليهم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]
ليرشدهم لسلوك طريق تلك الجنة، ويحضهم على الاعتصام والاتباع لما جاء به من
الكتاب والسنة اللذين هما حبل الله المتين الذي أدلاه إليهم؛ ليخلصهم من ورطات
نفوسهم وأهويتهم وشياطينهم، ويبين لهم أن الله تعالى إنما أراد بذلك إكرامهم
ورفعتهم لطفًا منه بهم ورأفة عليهم، فمن تمسك بذلك الحبل الكريم نجا وحلَّ
الفردوس الأعلى، ومن لا جلادة إلى أرض نفسه وشهواته هلك، وأضاع حظه من واسع
تلك الرحمة بحال كريم أراد ضيافة عامة، فبنى دارًا وأعدَّ فيها من أنواع الكرامات ما
لا يعبر عنه، ثم أرسل داعيًا يدعو الناس ويحضهم على الإتيان إلى ما تكرم به، فمن
أجاب ذلك الداعي وتبعه نال ذلك، ومن لا حرمه.

٥٤١
كتاب الإيمان/ باب
(رَوَاهُ الْبُخَارِيّ) وفيه فوائد جليلة علمت من تقريره، فعليك بتدبرهما والعمل
بقضيتها لا سيما اتباع كل سنة وبدعة حسنة، والإعراض عن كل ضلالة وبدعة
قبيحة.
١٤٥ - [وَعَنْ أَنَّسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ
: يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِّ ◌َ﴿ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ
الَّبِيِّ ◌َّهِ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ اللَّيْلَ
أَبَدًّا. وَقَالَ الآخَرُ: أَنَا أَصُومُ النَّهارَ أَبَدًا وَلَا أُفْطِرُ. وَقَالَ الآخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا
أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَقَالَ: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللهِ إِنِّي
لأَخْشَاكُمْ لِلهِ وَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّ وَأَزْقُدُ، وَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ
رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّ))(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَنَس ﴾ قَالَ: جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ) الرهط: الجماعة الذكور دون العشرة أو
دون الأربعين قولان، ومن ثم ميزت به الثلاثة؛ أي: ثلاثة أنفس، وفسروا بأنهم علي
وعثمان بن مظعون وعبد الله بن رواحة (إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَّهِ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ
( د) أي: الباطنة التي لا يطلع عليها غالبًا غير نسائه، وقد كن - رضي الله عنهن -
ينقلن ما يطلعن عليه من أحواله ول﴾. إلى الأمة؛ ليتأسوا بها، وهذا من حكم
إباحة الله له النساء بغير حصر، وآية: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢]
منسوخة، وذلك؛ لأن مآثره الباطنة لا يمكن إحصاؤها، فكثرت له لينقلن كل منهن
ما يمكنه نقله، وليتسع طرق التبليغ والإحاطة بها بحسب الإمكان، وإلا فاستيفاؤها
متعذر.
(فَلَمَّا أُخْبِرُوا بِهَا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا) تفاعل من القلة؛ أي: استقلوها؛ أي: وجدوها
قليلة لما قام في نفوسهم أنها أكثر مما أُخبروا به بكثير، (فَقَالُوا) إظهارًا للأدب التام
(١) أخرجه البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١)، والنسائي (٣٢١٧)، وابن حبان (١٤).

٥٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
معه أن ينسبوه لتقصير بل لاموا أنفسهم في قياسهم أنفسهم عليه وَله: (أَيْنَ نَحْنُ مِنَ
السَّبِيِّ ◌َّ) فإن بيننا وبينه بونًا بائنًا، فإنَّا على مدرجة الزلل والتفريط، وفيه تعليم
للمريد ألَّ ينظر لأستاذه بعيني احتقار، وإن قَلَّت عبادته بل يعظمه مع ذلك ويظهر
عذره، ويلوم نفسه ويقول لها: وما يدريك أن له معاملة باطنة مع الله تعالى ذرة منها
أفضل من عبادة غيره سنين كما في الحديث: ((ساعة فكر تعدل عبادة سنة أو سبعين
سنة)»(١) لا سيما في العلوم والمعارف.
ومن ثم قيل: كان أحمد بن حنبل يكثر ذكر فضائل الشافعي - رضي الله
عنهما - عند أهله، وكانت له بنت بلغت الغاية في العبادة والزهد، فأحبت أن ينام
الشافعي عند أبيها لعلها تعلم من أحواله كمالاً ليسوا عليه، فأضافه أبوها وبات
عنده، ولم يصلِ غير الوتر ولا زال مضطجعًا حتى الصباح، فلما أصبح فقالت ما فعله
وسألت أباها عن سبب ذلك، فسأله فقال: استظهرت القرآن في تلك الضجعة أربعين
مرة، واستنبطت منه في كل مرة مسائل كثيرة، فقال أحمد لبنته وقد حكى لها: ذلك هذا
هو الفخر والعبادة لا ما عليه أنت وأبوك، وقد اتفقوا على أن من قال الشيخه: لِمَ على
جهة التعنت لا يفلح أبدًا.
(وَ) هو لعصمته الكبرى وخصوصيته العظمى (قَدْ) نزه عن ذلك، و(غَفَرَ اللهُ لَهُ
مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟!) أي: ستر ما بينه وبينه بعصمته منه، فلم يكن صدوره
منه ولو صغيرة قبل النبوة على الصواب هذا معنى المغفرة في حق الأنبياء، ومعناها في
غيرهم: ستره بينهم وبين عقوبة ذنوبهم، ويصح أن يراد بالذنب هنا مخالفته للأولى
والأخرى بالنسبة لمقامه الأكبر فيما عند ربه، وإن كان لم يخالف ذلك إلا لظنه أن
الأخرى والأولى مما فعله.
ومع ذلك عوتب بهله على ذلك تأكيدًا للعصمة، وإظهارًا لعظيم المنزلة
(١) ذكره بنحوه العجلوني في كشف الخفاء (٣١٠/١).

٥٤٣
کتاب الإيمان/ باب
﴿عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، ﴿لَوْلَا كِتَابُ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨]،
﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس: ١] الآيات
وإطلاق الذنب على مثل ذلك مما فيه تبعة ولو أخروية كالعتاب هنا سائغ كما يشعر به
اشتقاقه.
قال بعض المحققين وإجماع الصحابة على التأسي به ێ في أقواله وأفعاله، وسائر
أحواله حتى في حلاوته من غير بحث، ولا تزويل بمجرد علمهم أو ظنهم بصدور ذلك
عنه دليل قاطع على إجماعهم على عصمته، وتنزهه عن أن يجري على ظاهره أو باطنه
شيء لا يتأسى به فيه مما لم يقم دليل على اختصاصه بذلك.
(فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا) رسول الله وَِّ فقد خصه الله بالمغفرة العامة، فلا عليه ألا
يكثر العبادة، وإنما (أَنَا) ظننت كهيئته ◌َّهِ (فَأُقوم اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ الآخَرُ: أَنَا أَصُومُ
التَّهَارَ أبدًا ولا أُقْطِرُ) تأكيد (وَقَالَ الآخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ) هو كالفعلين قبله بمعنى العزم
على فعل ذلك (النِّسَاءَ وَلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا).
(فَجَاءَ النَّبِيّ ◌َّهِ إِليهم) وقد أُخبِرِ بما قالوه من نسائه أو بالوحي (فَقَالَ: أَنْتُمُ
الَّذِينَ قُلْتُمْ: كَذَا وَكَذَا) إنكار بحذف همزته، قيل: ((أنتم)) الذي هو الفاعل المعنوي
المزال عن مقره على حد: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ التَّخِذُوِي وَأُمَّ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ الله﴾
[المائدة: ١١٦] مبالغة في الإنكار عليهم؛ لافتتانهم في العزم على فعل ما لم يأمرهم به،
ولم تشهد القواعد بحسنه على الإطلاق بل قيام كل الليل دائمًا مكروه عندنا إلا لمن
يتلذذ بمناجاة الله وشهوده تلذذ غيره بالنوم ولم يخشَ ضررًا بوجه؛ فهذا لا كراهة في
حقه كما هو ظاهر، وعليه يحمل ما جاء عن السلف في ذلك، وكذا صوم الدهر مكروه
عندنا أيضًا لمن خشي منه ضررًا وإن قلَّ أو فوَّت حق لله أو الآدمي بخلاف من يقدر
عليه ولا يخشى شيئًا من ذلك وكذا اعتزال النساء ترهبًا مع القدرة والتوقان مكروه
أو خلاف الأولى عندنا أيضًا.
(أ) للاستفهام الإنكاري (مَا) حرف تنبيه (وَالله إِنَّي) أحتاج إلى توالي هذه

٥٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
المؤكدات، وإن لم يكن عندهم إنكار توجه تنزيلاً لما برز عنهم من ذلك الاستفهام
منزلة الإنكار، وأتى بخصوص القسم لتحقيق ما بعده وإثباته عند السامع
(لأَخْشَاكُمْ لِلهِ) عمل فيه أفعل مع كونه ظاهرًا؛ لأنه ظرف (وَأَتْقَاكُمْ لَهُ) مع كوني
أعلم الخلق به، وبما هو الأحب إليه والأفضل عنده من الأعمال والأحوال، فأنا أولى
منكم بالزيادة في العمل، ولو كان ما ظننتموه من الإفراط في العبادة والرياضة والخلوة
أفضل مما أنا عليه من الاعتدال المطلق في سائر الأعمال والأحوال لما أعرضت عنه،
وكنت أول سابق إليه وآمر به.
وكوني الأخشى الأتقى يقتضي أن أقوم في العبادة والرياضة بما لا يصل أحد إلى
مبادئه (لَكِنِّي) إنما أمرت بالقصد في الأمة في ذلك رحمة من الله بهم، فأنا (أَصُومُ
وَأَفْطِرُ) ومن ثم جاء كان ◌َّه يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم
(وَأَصَلِّ وَأَرْقُدُ) ومن ثم جاء أنه في أكثر أحواله ینام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام
سدسه، وحكمة هذا وما قبله كما علم مما تقرر أنه * لو واظب على حال واحد من
نحو صوم أو صلاة لظن الناس وجوبه، فاقتضى التخفيف على الأمة أن يتركه في بعض
الأزمنة حتى يعلم أنه تطوع لا حرج في تركه.
(وَأَتَزَوَّجُ النَّسَاءُ) وإنما فعلت ذلك لأسن للناس الطريقة المثلى (فَمَنْ رَغِبَ عَنْ
سُنَّتِي) أي: مال عن طريقتي المشتملة على ذلك وغيره من كل ما جئت به، ومن ثم آثره
على ذلك، وتركهما استهانة وتحقيرًا لها (فَلَيْسَ مِنّي) أي: من عداد أتباعي بل هو كافر
مراق الدم.
ومن ثم قال أئمتنا: لو قيل لإنسان قص أظفارك. فقال: لا أفعله رغبة عن السنة
كفرًا وكسلاً أو استهتارًا وإعراضًا عن الكمالات، فليس من أهل طريقتي الكاملة
بل هو ناقص الدين والعقل؛ لظنه أنه على هدى، وهو في الحقيقة عين الضلال والهلاك
والنقص إلا في قبيح الابتداع.
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وفيه أن الصحابة ﴾ كانوا في الغاية العليا من الرغبة في

٥٤٥
کتاب الإيمان/ باب
طاعة الله تعالى والازدياد من الخير، وإن أقلت وظائفه وهيله وعباداته؛ أي: باعتبار
الصور الظاهرة، وإلا فلا يمكن أحد أن يصل إلى أدنى مراتب عباداته كما يعلم ذلك
من نظر إلى أحواله ◌َله بعين السر والحقيقة، كانت غاية الرحمة والشفقة على الأمة؛ لئلا
يتضرروا وينقطعوا عمَّا عليهم من حقوق الله تعالى وحقوق عباده؛ لأن الله تعالى
خلق الإنسان مضطرًا إلى طعام يقيم به صلبه ويقوى به على امتثال ما كلف به، وإلى
ما يخص به دينه، ويستفرغ فيه شهوته أو يستخرج به نسله، فتكثر به الأمة.
ويجوز فضيلة الإنفاق على العيال ومشقة التكسب لهم، وقد جاء في أحاديث
كثيرة: «تناكحوا تكثروا فإني أُباهي بكم الأمم يوم القيامة))(١).
(شرار أمتي عزابهم وأراذل موتى أمتي عزابهم))(٤).
(«ما أنفقت من نفقة تحسبها عند الله إلا أجرت عليها حتى اللقمة تضعها في
فم امرأتك))(٣).
((أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر قال: أرأيتم لو وضعها في حرام ... ))(٤).
وفيه أبلغ حث للأمة على النكاح؛ لجوز ما فيه من الفضائل، وقد جمعت فيه
كتابًا مستوعبًا لأحاديثه وبيان أسانيدها وما يتعلق بها، وفي ذكره هنا كونه أتقاهم،
وفي الذي بعده كونه أعلمهم إعلامهم بكمال قوته العملية وقوته العلمية.
والتقوى: إمَّا عامة: وهي وقاية النفس عن الكفر.
أو خاصة: وهي وقايتها عن المعصية.
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٠٣٩١).
(٢) أخرجه أحمد (٢١٤٨٨)، قال الهيثمي (٢٥٠/٤) فيه راو لم يسم وبقية رجاله ثقات. وأبو يعلى
(٦٨٥٦)، والطبراني (٨٥/١٨، رقم ١٥٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٤٨٠)، قال الهيثمي
(٢٥١/٤): فيه خالد بن اسماعيل المخزومي وهو متروك.
(٣) أخرجه بنحوه البخاري (٥١٩٥)، وأحمد (١٥٠٥)، والنسائي (٩٢٠٧).
(٤) أخرجه مسلم (٢٣٧٦)، وأحمد (٢٢٠٩٠)، وابن حبان (٤٧٥).