النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول الملكين، فلا يحصل لهم منها روع ولا تلجلج بل ببادراتهما بأفصح لسان وأبلغ بيان، وعند الوقوف للحساب وسؤالهم عمَّا قدموه اعتقادًا وعملاً، فلا يبهتهم أحوال المحشر وهول الموقف للحساب الذي يتجلى الله فيه بمظهر من الغضب لم يتجل بمثله قبل ولا بعد، وأعاد ((في))؛ للدلالة على قوة هذا التثبيت، واستقلاله بالتكفل بالنجاة، لو فرض فقد ما سبقه في القبر. (وَفِي رِوَايَة عَنِ الشَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: ﴿يُتَّبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾(١)) إلى قوله: ﴿وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧] (نَزَلَتْ) باعتبار هذا الإضلال (في) إثبات (عَذَاب الْقَبْر) الذي أنكره المعتزلة قبحهم الله؛ لأن من ضلَّ عن الجواب الحق عند سؤال الملكين يكون ذلك سببًا في دوام عذابه في القبر إلى أن يحشر فيدخل النار، فيؤبد عليه عذابها كما دلت عليه الأحاديث والآيات، وهذا الذي فسرت به معنى نزولها في عذاب القبر أوضح من قول شارح: لعل معنى نزولها في عذابه مع أنه ليس فيها ما يدل عليه أنه سمى أحوال العبد في القبر بعذاب القبر تغليبًا لفتنة الكافر على فتنة المؤمن ترهيبًا وتخويفًا، ولأن القبر مقام الهول والوحشة، ولأن ملاقاة الملكين مما يهيب المؤمن. انتهى. (يُقَال لَهُ) أي: للمؤمن: (مَنْ رَبّك؟ فَيَقُول: رَبِي الله وَنَبِي ◌ُحَمَّد ◌َِّ. [مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢)) وأتى بهذا مع أنه لم يذكر هنا للسؤال عنه؛ لأن السؤال عن التوحيد يستلزمه؛ إذ لا يعتد به بدونه، ولم يذكر حال الكافر؛ لأن الضد أقرب خطور بالبال عند ذکر هذه فاکتفی به عنه. ١٢٦ - [وَعَنْ أَنَس ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ فَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانٍ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ لَّهَ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ. (١) إبراهيم: ٢٧. (٢) سقطت في الأصل. ٥٠٧ کتاب الإيمان/ باب إثبات عذاب القبر فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَفْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ. فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ. وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيِهِ، غَيْرَ التَّقَلَيْنِ))(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِي). (وَعَنْ أَنَسِ عَه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا) شرط جزاؤه أتاه، والجملة خبر (وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ) أي: دفنوه، فالتعبير عنهم بـ(الأصحاب)) نظر للغالب (إِنَّهُ) جملة حالية بحذف الواو على حد كلمته عطف على النفي، ويصح كونه الجزاء بحذف الفاء، فأتاه حال من فاعل يسمع، وقد مقدرة، وكونه بدل اشتمال من ((أن)) الأولى، وزعم أنه تأكيد بعيد لتغايرهما، وكونه اعتراضًا؛ لبيان أنه يدرك أولئك الأصحاب، و((إذا)) ظرف محض ([يَسْمَعُ)(٢) قَرْعَ نِعَالِهِمْ) لعود الروح إليه فيلبسه إلى نصفه، ومن ثم لا يسأله الملكان إلا بعد أن يجلساه. كما قال: (أَتَاهُ مَلَكَانٍ) وأخذ من ذلك محبي السنة جواز المشي بالنعل بين القبور (فَيُقْعِدَانِهِ) وفي رواية: ((فيجلسانه))(٣) قيل: وهي الأولى؛ لأن القعود لا يستعمل إلا عن قيام، والجلوس لا يكون إلا عن اضطجاع كما قاله النصر بن شميل، والواقع هنا هي الاضطجاع فتعين الثاني، وأن راوي الأول ظن ترادفهما، ومن ثم منع كثير من السلف الرواية بالمعنى مطلقًا خشية أن يقع لفظ مشترك فيفيد المعنى. انتهى. وردَّ بأنه لا ريب في ترادفهما، واستعمال القعود مع القيام والجلوس مع (١) أخرجه البخاري (١٣٧٤)، ومسلم (٧٣٩٥)، وأحمد (١٢٦٠٥)، والنسائي (٢٠٦٣). (٢) وردت في المشكاة المطبوعة بلفظ: ليسمع. (٣) أخرجه أحمد (١٨٥٥٧) والطيالسي (٧٥٣) وأبو داود (٤٧٥٣)، والروياني (٣٩٢) وهناد (٣٣٩) وابن خزيمة في التوحيد (ص ١١٩) وأبو عوانة كما في إتحاف المهرة (٢٠٦٣) وابن منده (١٠٦٤) وقال: هذا إسناد متصل مشهور أخرجه جماعة عن البراء، وهو ثابت على رسم الجماعة. والحاكم (١٠٧) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والبيهقي في شعب الإيمان (٣٩٥) وقال: صحيح الإسناد. ٥٠٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول الاضطجاع مناسبة لفظية محلها إن ذكر نحو: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] دعاءً بالجلوس؛ أو قاعدًا أو قائمًا إلا أن ذكر أحدهما، ومن ثم مرَّ في خبر جبريل: ((ليعلمهم دينهم))(١) للتعبير بجلوسه إلى النبي ◌ّ مع أنه كان نائمًا لا مضطجعًا، وذكر في هذا القعود مع أنه كان مضطجعًا، فدلَّ الحديثان على الترادف. (فَيَقُولَانِ) له: (مَا كُنْتَ تَقُولُ) أي: تعتقد (في هَذَا الرَّجُلِ) المعهود ذهنًا، ولا يلزم من الإشارة ما قيل من رفع الحجاب بین الميت وبينه وال﴾ حتى يراه ويسأل عنه؛ لأن مثل ذلك لا يثبت بالاحتمال على أنه مقام امتحان، وعدم رؤية شخصه الكريم أقوى في الامتحان، ولأنه يلزم على الحسنة رؤية الكافر لشخصه الكريم في البرزخ، وهو من البعد عن ذلك بمكان (لِمُحَمَّدٍ وَله) هذا من كلام الراوي بيان لذلك الرجل المبهم؛ أي: لأجله ◌َل﴾ دعاه بالرجل، ولم يراع في هذه العبارة ما ينبغي له من التعظيم امتحانًا للسؤال؛ لئلا يتلقن عظيمه ثم ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: ٢٧]. وفي رواية عند أحمد والطبراني: «ما يقول في هذا الرجل؟ قال: من قال: محمد، فيقول .. إلى آخره))(٢). (فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ) في جوابه لهما مع اعترافه بالتوحيد كما مرَّ: (أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ الله) لا كما زعمت النصارى من ألوهية نبيهم (وَرَسُولُهُ) لا كما زعمت الفرق الضالة أنه ليس برسوله (فَيُقَالُ لَهُ) على لسانهما تعجيلاً لمسرته، وتبشيرًا بعظيم نعمته: (انْظُرْ إِلَى مَفْعَدِكَ مِن النَّارِ) لو لم تؤمن (قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَفْعَدًا مِن الْجَنَّةِ) إذا آمنت وصدقت (فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا) فيزداد فرحًا إلى فرحه، وسرورًا إلى سروره؛ إذ نجاه الله من ذلك المقعد الذي لا أقبح منه، وأنعم عليه بهذا المقعد الذي لا أنعم منه. (وَأَمَّا الْمُنَافِقُ) ومرَّ أن المراد به حيث أطلق من يبطن الكفر، ويظهر الإسلام (١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وأخرجه ابن حبان (١٧٣)، والدارقطني (٢٨٢/٢) بلفظ: ((ليعلمكم دینكم)). (٢) أخرجه أحمد (٢٧٠٢١)، والطبراني (٢٨١). ٥٠٩ کتاب الإيمان/ باب إثبات عذاب القبر (وَالْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟) فيه ما مرَّ (فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي) ما أقول فيه يقينًا (كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ) إن أراد بالناس المسلمين، فهو كذب منه حتى في المنافق؛ لأنه ليس المراد مجرد قول اللسان بل اعتقاد القلب وتصميمه أو من هو بصفته، فهو جواب غیر نافع له. ومن ثم أجيب بما تضمن غاية كماله وهلاكه، وهو قوله: (فَيُقَالُ لَه: لَا دَرَيْتَ) دعاء عليه بدوام الجهل المستلزم لزيادة العار والعذاب (لَا تَلَيْتَ) أي: لاتبعت الناجين من الناس دعا عليه بدوام اندراجه في سلك المعذبين جزاءً لكذبه أو تمويهه في جوابه، وهو من قولهم: تلا فلان تلو غير عاقل إذا عمل عمل الجهال؛ أي: لا علمت ولا جهلت؛ أي: هلكت فخرجت عن الفريقين، أو من تلا قرأ قلبت واوه للازدواج؛ أي: لا علمت بالنظر، ولا تعلمت بقراءة الكتب. (وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً) كان وجه إفرادها مع جمع المطارق؛ للإشارة إلى أنها تجتمع عليه في وقت واحد، فصارت كالضربة الواحدة صورة. وأمَّا قول شارح: إن ذلك إيذان بأن كل جزء من أجزاء تلك المطرقة مطرقة برأسها مبالغة ففيه نظر؛ لأن فيه إخراج المطارق عن حقيقتها، وهو الدلالة على الجمع الذي هو أبلغ في النكال والعذاب من غير داع؛ لذلك (فَيَصِيحُ) منها (صَيْحَةً يَسْمَعُهُ) كل (مَنْ) عبَّر به تغليبًا للملائكة؛ لشرفهم (يَلِيهِ) أي: يقرب منه من الدواب والملائكة. وفي رواية تأتي: (يسمعها ما بين المشرق والمغرب)(١). وبها يتبين أن المراد بـ((من يليه)) من هو على وجه الأرض (غَيْرَ) منصوب على الاستثناء (التَّقَلَيْنِ) الإنس والجن، سُميا بذلك؛ لثقلهما على الأرض، وإنما لم يسمعا ليتم ابتلاؤهما وامتحانهما؛ إذ بسماع ذلك يصير الأمر عيانًا، والإيمان ضروريًّا وهو (١) أخرجه أبو داود (٤٧٥٥)، والطبري في تهذيب الآثار (١٧١). ٥١٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول غير نافع، وينقطع الناس عن المكاسب والمعايش ونحوهما مما يتوقف عليه بقاء النوع الإنساني. (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ وَلَفْظُه لِلْبُخَارِيّ) وفيه كآيات القرآن نحو: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] وكأحاديث أخرى لا تحصى كثيرة أبلغ شاهد لأهل السنة من أن عذاب القبر واقع، وأوضح راد وأقصى واصم للمعتزلة المنكرين له. وقد مرَّ أن القواعد المقررة أن كل ما ورد في الكتاب والسنة، ولم يستحل ظاهره يحمل عليه إلا إذا ورد ما يصرفه عنه، وهذا ممكن عقلاً لم يرد ما يخالفه فوجب الإيمان به، وأي مانع أن الله تعالى بعظيم قدرته يعيد الرفع في بعض البدن أو كله على الخلاف فيه، فينعمه أو يعذبه، ويفرق أجزاء الميت، واستهلاكها في جوف حيوان أكله لا يمنع أن الله يعيدها للعذاب أو النعيم كما يعيدها للحشر، ومشاهدة الميت على حاله مع القطع بأنه لم يجلس، ولا يحرك لجعل رمق عينيه مضطجعًا، ثم رؤيته له بعد أيام بحالة لا يوجب صرف النصوص عن ظواهرها؛ لأن أحوال البرزخ من جملة أحوال الآخرة، فلا يقاس عليه أحوال الدنيا على أن لذلك نظائر تقع عادة كثيرًا لا يحس بها إلا من وقعت به دون من بإزائه، كالنائم يتلذذ ويتأذى بما رآه، واليقظان يتلذذ ويتألم بما يتفكر فيه، ولا يدري به من عنده، وكمجيء جبريل له وَلّ بالوحي، فيلقيه عليه من غير أن يحس به الصحابة عنده. ثم ما اقتضاه ظاهر الحديث أن الروح تعاد إلى كل البدن، وأنه المنعم والمعذب محمول على الغالب من اجتماع أجزاء الميت بمحل واحد أمَّا إذا تفرقت شرقًا وغربًا، فيحتمل أن الروح لا تتعلق إلا بجزئه الأصلي الموجود حالة نفخ الروح فيه، ولا بعد في ذلك فإنه تعالى عالم بالجزئيات كلها حسب ما هي عليه، فيميز بين الأصلي منها وغيره فتعلق الروح بالأصلي منها؛ إذ البنية عندنا ليست شرط للحياة. ويحتمل أنها تتعلق بكل جزء على حدته، ولا بعد فيه أيضًا؛ لإمكان تعلق بروح الشخص الواحد في آن واحد، وكل واحد من تلك الأجزاء المتفرقة؛ لأن تعلقها ٥١١ كتاب الإيمان/ باب إثبات عذاب القبر ليس على سبيل الحلول حتى يمنعه الحلول في جزء من الحلول في آخر. ١٢٧ [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َلَهُ: (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَفْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ [فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ)(١) فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) أي: ينعم دائمًا برؤية ذلك المقعد أو عذب به كذلك على حد: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] أي: يحرقون بها دائمًا نظير قولهم: عرض الإمام الأسارى على السيف إذا قتلهم به. ثم (إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَـ) مقعده الذي يعرض عليه؛ ليعذب به دائمًا مقعد قبيح لا نهاية لقبحه (من) مقاعد (أَهْلِ النَّارِ) وإذا عرض عليه أحد هذين المقعدين (فَيُقَالُ) له زيادة في بشارة المؤمن ونعيمه، وفي مساءة غيره وهلاكه (هَذَا مَقْعَدُكَ) الذي أنت مستقر في نعيم عرضه أو جحيمه (حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ [عليه] (٣)) أي: إلى ذلك المقعد بعينه، فيذوق حقيقة ذلك النعيم أو الجحيم. وقولي بعينه أولى من قول شارح: إلى مثله من الجنة أو النار على حد: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾ [البقرة:٢٥] أي: مثله. انتهى. إذ تقدير مثل إنما يلجأ إليه عند توقف المعنى عليه كما في الآية، وأما فيما نحن فيه فلا يتوقف المعنى عليه؛ لأن ظاهر الحديث أنه يكشف له في قبره عن عين مقعده المغلولة في النار أو الجنة، فينعم أو يعذب برؤيته، ووصول أثره إليه أو إلى الله؛ (١) ما بين [] سقط من أصل المشكاة. (٢) أخرجه البخاري (٦١٥٠)، ومسلم (٢٨٦٦)، والترمذي (١٠٧٢) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (٤٢٧٠). (٣) وردت في المشكاة المطبوعة بلفظ: إليه. ٥١٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول أي: لقائه أو حشره. ويرجح هذا رواية: ((حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة)»(١) أي: يستمر هذا الشهود إلى ذلك اليوم، فيدخل ذلك المقعد حقيقة، وترى كرامة أو هو إما ينسينك الشهود. (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ١٢٨ - [عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَذَكَرَتْ عَذَابَ الْقَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ الله ◌ِّ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَقَالَ: ((نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقُّ)) قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله وَّ بَعْدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ (٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ يَهُودِيَّةَ دَخَلَتْ عَلَيْهَا) لا يلزم من ذلك رؤية اليهودية لعائشة المحرم عندنا لمفهوم قوله تعالى: ﴿أُوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] المقتضي لحرمة كشف المسلمة شيئًا من بدنها أو غير ما لا يبدو في المهنة على الخلاف فيه الكافرة؛ لأنها قد تصفها لكافرة فتفتنها (فَذَكَرَتْ) اليهودية (عَذَابَ الْقَبْرِ) أي: وقوعه وشدته. (فَقَالَتْ) اليهودية (لَهَا) أي: لعائشة عقب أن ذكرت لها عذاب القبر: (أَعَاذَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللهِ وَّهَ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) أهو حق واقع؟ فـ (قَالَ نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقُّ) واقع (قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴾ بَعْدُ) أي: بعد هذه الواقعة (صَلَّ صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ) فيها (مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) ومن ثم أوجب ذلك بعض العلماء كان بسبب إعلانه مير التعوذ منه حينئذ استغراب عائشة له حين سمعته من اليهودية وسألته عنه، فحينئذ أعلنه بعدما كان يشربه؛ ليترسخ في عقائد أمته، ويكونوا منه على وجل عظيم، ويردوا بذلك على من أنكر وقوعه (١) أخرجه البخاري (٦١٥٠)، ومسلم (٢٨٦٦)، والترمذي (١٠٧٢) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (٤٢٧٠). (٢) أخرجه البخاري (١٣٧٢)، وأحمد (٢٦١٦١)، والنسائي (١٣٠٧). ٥١٣ کتاب الإیمان/ باب إثبات عذاب القبر كالمعتزلة؛ لأنه لم أعلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. وأمَّا ما نقل عن الطحاوي أنه وَّ لما سمع به عن اليهودية ارتاع؛ أي: خوفًا منه على أمته لعظيم رأفته بهم، ثم أوحى إليه بعد به، فيحتاج إلى نقل بذلك. وجاء عن عائشة أنها قالت: ((لا أدري أكان رسول الله ولم يتعوذ قبل ذلك ولم أشعر به، أو تعوذ لقول اليهودية)) ويفرض أنه إنما تعوذ لقول اليهودية فسره إرشادًا منه إلى أنه ينبغي لمن سمع كلمة حق، ولو من حقير أن يبادر إلى العمل بها ولا يستنكف عن قبولها، ومن ثم ورد: ((كلمة الحكمة ضالة حكيم أو ضالة المؤمن))(١). وقال علي - كرم الله وجهه: انظروا إلى ما قال ولا تنظروا إلى من قال. وقال غيره: اعرف الرجال بالحق، ولا تعرف الحق بالرجال. (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ). ١٢٩ - [وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﴾ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَهُ فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَّهُ وَنَحْنُ مَعَهُ إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ، وَإِذَا أَقْبُرُ سِتَّةُ أَوْ خَمْسَةٌ، فَقَالَ: ((مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الأَقْبُرِ؟)) فَقَالَ رَجُلُ: أَنَا. قَالَ: ((فَمَنَى مَاتُوا؟)) فَقَالَ: فِي الشِرْكِ. فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَلَا تَدَافَنُوا لَتَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: (تَعَوَّذُوا بِاللّهِ مِنْ عَذَابٍ النَّارِ)) قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الثَّارِ. فَقَالَ: (تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. قَالَ: (تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)) قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. قَالَ: ((تَعَوَّذُوا بِاللّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ)) [قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ(٢). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﴾ قَالَ: بَيْنَا رَسُول اللّهِ وَّ) كائن (فِي حَائِطٍ) أي: بستان (لِبَنِي النَّجَّارِ) قبيلة من الأنصار (عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ) حال من ضمير كائن الخبر (وَتَحْنُ مَعَهُ) (١) أخرجه ابن حبان في الضعفاء (١٠٤/١، ترجمة ١٥ إبراهيم بن الفضل المخزومي). والترمذي (٢٦٨٧)، وقال: غريب. وابن ماجه (٤١٦٩). (٢) أخرجه مسلم (٧٣٩٢)، والطبراني (٤٦٥٠). ٥١٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول حال من ضمير له، فهي متداخلة (إِذْ) للمفاجأة (حَادَتْ) أي: مالت ونفرت حال كونها ملتبسة (بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ) عن ظهرها (وَ) للحال (إِذَا) للمفاجأة (أَقْبُرْ سِتَّةُ أَوْ خَمْسَةٌ) ظهرت لنا؛ أي: فاجأ كوننا معه نفرة فعلته، وظهور تلك القبور الداعي لذلك النفور. (فَقَالَ: مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَقْبُرِ؟ قَالَ رَجُلُ: أَنَا. قَالَ: فَمَتَى مَاتُوا؟ قَالَ:) ماتوا (في الشَّركِ) أي: بعد بعثتك بدليل قوله: (إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا) بالعذاب فيها، وإنما حملته على ذلك؛ ليوافق الأصح أن أهل الفترة لا عقاب عليهم، وبه يندفع ما قيل المراد بهذه الأمة: جنس الإنسان، فهذه إشارة لما في الذهن، وخبره بيان له كهذا أخوك، وأصل الأمة: كل جماعة يجمعهم أمر واحد إمَّا دين أو زمان أو مکان. (فَلَوْلَا أَلَّا تَدَافَنُوا) إذا كشف لكم عن ذلك (لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ) مفعول ثانٍ لدعوت لتضمنه سألت (مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي) أي: مثل الذي (أَسْمَعُ مِنْهُ) ووجه هذا التلازم أن الكشف عن ذلك العذاب يؤدي جهلة العامة إلى ترك التدافن خوفًا عليهم منه، ويؤدي الخاصة إلى اختلاط عقولهم وانخلاع قلوبهم من تصور ذلك القول العظيم، فلا يقربون جيفة ميت. وبهذا التفصيل الذي ذكرته يندفع ما قيل: كيف يليق بمؤمن أن يترك الدفن المأمور به حذرًا من عذاب القبر، بل يلزمه أن يعتقد أن الله تعالى إذا أراد تعذيب أحد عذَّبه، ولو في بطون الحيتان وحواصل الطيور. (ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ... ) تعميم بعد تخصيص لمزيد التأكيد، والتقرير لذلك التخصيص مع إفادة ذلك العموم (مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) أي: استتر تعميم لها؛ إذ لا يخلو من هذين. (قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللّهِ مِنْ) فِتْنَةِ (الدَّجَّالِ) خُصَّ؛ لأنه أعظم الفتن كما يعلم مما ٥١٥ كتاب الإيمان/ باب إثبات عذاب القبر يأتي في مبحثه. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). (الفصل الثاني) ١٣٠ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ﴾: ((إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَتَاهُ مَلَكَانٍ أَسْوَدَانِ أَزْ رَقَانِ يُقَالُ لأَحَدِهِمَا: الْمُنْكَرُ، وَالآخَرُ: التَّكِيرُ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا. ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ، ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ. فَيَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ، فَيَقُولَانِ: نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ. حَتَّى يَبْعَثَهُ اللهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَوْلاً فَقُلْتُ مِثْلَهُ لَا أَدْرِي. فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ. فَيُقَالُ لِلأَرْضِ: الْتَشِي عَلَيْهِ. فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ. فَتَخْتَلِفُ أَضْلَاعُهُ، فَلَا يَزَالُ مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِك (١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ) أي: دفن وهذا للغالب، وإلا فمن لم يدفن لغرقه أو أكل سبع له مثلاً يُسأل كذلك (أَتَاهُ مَلَكَانٍ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ) أي: منظرهما أسود وعيونهما زرق؛ لما في ذلك من مزيد الرعب والخوف، مع كون زرقة العيون أبغض الألوان إلى العرب؛ لأن أعداءهم الروم كذلك. وقيل: ذلك كناية عن مزيد قبح المنظر؛ لأن السواد يكنى به عن القبيح، والزرقة عن شدة الغضب؛ لأن الغضبان ينظر للمغضوب إليه شررًا بحيث تنقلب عيناه، ويظهر بياضهما أو عن العمى، ومنه ﴿وَتَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢] أي: عميًّا، ويؤيد ما في حديث آخر نقيض له: ((أعمى وأصم))(٢). (يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: الْمُنْكَرُ) بفتح الكاف من أنكر (وَلِلْآخَرُ: التَّكِيرُ) فعيل (١) أخرجه الترمذي (١٠٧١) وقال: حسن غريب. وابن حبان (٣١١٧)، وابن أبي عاصم (٨٦٤)، والرافعي (٢٤٧/٣). (٢) أخرجه أحمد (١٩١٢١). ٥١٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول بمعنى مفعول من ((نكِر) بالكسر كلاهما ضد المعروف، سُميا بذلك؛ لأن الميت لم يعرفهما، ولم يرَ صورة مثل صورتهما وتصويرهما بهذا القبح الأعظم؛ لزيادة هول الكافر وحيرته، والامتحان للمؤمن ثم ثبته الله بالقول الثابت، ويؤمن خوفه جزاء خوفه منه في الدنيا. (فَيَقُولَانِ) له: (مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: هُوَ عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) أطنب بقوله: ((أشهد ... إلى آخره) مع الاعتناء بما قبله زيادة في البيان، واستلذاذًا بمخاطبة الحق، وطلبًا لمزيد نعمه. (فَيَقُولَانِ) له: (قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ) لما شاهدناه فيك من سيم أهل الإيمان وشعاع ذوي الإيقان (أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا) الجواب الحق من غير تلجلج ولا تلعثم (ثُمَّ) هي بمعنى الفاء؛ لدلالة الحديث الآتي على وقوع ما بعدها، وغيره مما يأتي عقيب ذلك الجواب (يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ) أصله: يفسح له قبره مقدار سبعين، فحوّل الإسناد عن القبر إلى السبعين مبالغة (ذِرَاعًا) يحتمل أنه بذراع الدنيا المعروف، وهو الظاهر؛ لأن المخاطبين بذلك لا يعرفون غيره فلا يذكر لهم ما لا يعرفون، ويحتمل أنه بذراع الملك الأكبر من ذلك بكثير (في) عرض (سَبْعِينَ ذراعًا ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ) أي: القبر سعته المذكورة. (ثُمَّ) فيها وفيما قبلها ما مرَّ في الأولى (يُقَالُ لَهُ نَمْ فَيَقُولُ) لعظيم ما رأى من الفرح والسرور (أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ) بما أنا فيه من النعيمِ الأكبر (فَيَقُولَانِ) له معرضين عن جواب قوله: أرجع إشارة لاستحالته: (نَمْ) نومة في غاية السرور والعزة (نَوْمَةَ الْعَرُوسِ) الذكر أو الأنثى ليلة زفافه (الَّذِي لَا يُوقِظُهُ) من تلك النومة الهنية المرية في غداة تلك الليلة (إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ) لغاية عزته وتعظيمه عندهم، فيتلطفون في إيقاظه، ويرفقون به حتى لا ينغص إيقاظه شيئًا من لذَّته. ثم لا يزال الميت نائمًا في قبره تلك النومة المذكورة (حَتَّى يَبْعَثَهُ اللهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ) يحتمل أن هذا من كلامه لور علقه بالمحذوف الذي ذكر به إعلامًا ٥١٧ كتاب الإيمان/ باب إثبات عذاب القبر لأمته بأن هذا النعيم يدوم له مادام في قبره، وأنه من كلاهما فيتعلق بـ(نَمْ))، ويكون فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة إشارة إلى غيبته عنهما بانصرافهما عنه. (وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا) أُريد به هنا ما يعم سائر الكفار ظاهرًا وباطنًا أو باطنًا فقط (قَالَ) لهما في جواب قولهما له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟: (سَمِعْتُ النَّاسَ) أي: المسلمين أو مطلقًا كما مرَّ بما فيه (يَقُولُونَ قُولاً فَقُلْتُ مِثْلَهُ لَا أَدْرِي) حقيقته ولا ما عداه (فَيَقُولَانِ) له: (قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ) لما شاهدناه من قبح منظرك وسوء منقلبك (فَيُقَالُ لِلْأَرْضِ) أي: للقبر من قبلهما أو من قبل ملك آخر: (الْتَئِي) أي: اجتمعي (عَلَيْهِ فَتَلْتَئِمُ) أي: تجتمع أجزاؤها (عَلَيْهِ) بأن يقرب كل جانب من قبره إلى الجانب الآخر، فيضمه ويعصره (فَتَخْتَلِفُ أَضْلَاعُهُ) أي: تدخل بعضها في بعض (فَلَا يَزَالُ مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ) الظاهر أن هذا من قوله ◌َّ لانقطاع الحكاية عن الملكين. (رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ) وقال: حسن غريب. ١٣١ - [عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﴾ه عَنِ رَسُولِ اللهِ وَهِ قَالَ: يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَّ اللهُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِي الإِسْلَامُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ الله. فَيَقُولَانِ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللّه فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ. فَذَلِكَ قَوْلُ الله وَّ: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.﴾ [إبراهيم:٢٧] قَالَ: ((فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ قَدْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ)) فَيُفْتَحُ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِيهَا مََّ بَصَرِهِ. وَأَمَّا الْكَافِرَ، فَذَكَرَ مَوْتَهُ قَالَ: ((وَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانٍ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَا هَا لَا أَدْرِي. فَيَقُولَانِ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي. فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ كَذَبَ، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَّهُ بَابًا إِلَى ٥١٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول الثَّارِ)) قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا. قَالَ: وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَصَمُّ مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلَّ لَصَارَ تُرَابًا، فَيَضْرِبُهُ بِهَا ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إِلَّ الثَّقَلَيْنِ، فَيَصِيرُ تُرَابًا، ثُمَّ تُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد]. (وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﴾ عَنْ رَسُول الله ﴿ ﴿ قَالَ: يَأْتِيهِ) أي: المسلم، وكان البراء إنما أعاد الضمير؛ لأنه وَال# ذكره وذكر موته ودفنه قيل في كلام سابق، فحذف البراء ذلك؛ لإيضاحه، ثم أتى بما هو المقصود من ذلك السياق، فقال: يأتيه (مَلَكَانٍ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَّ اللهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ) له: (مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟) أي: ما وصفه أرسول هو أو ما اعتقادك فيه؟ (فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا يُدْرِيكَ؟) أي: أي شيء يعلمك برسالته؟ (فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ الله) أي: تأملت ما اشتمل عليه من إعجاز نظمه البشر عن أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه، ومن اشتمال معانيه على الحثّ على مكارم الأخلاق والإخبار بالغيوب، وعن الأمم السالفة مع أن محمدًا لم يقرأ كتابًا، ولا تعلم من أحد، فعلمت أنه من عند الله (فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُه) في جمیع ما جاء به، فاندفع ما قد يقال: هو ما لم يعرف صدق الرسول لا يعرف أن القرآن حق، فكيف يجعل الإيمان بالرسول متأخرًا عن قراءة القرآن. (فَذَلِكَ) الجواب المشتمل على ذكر الحق المطابق للواقع مع غاية البشر والسرعة والمبادرة إليه من غير تلعثم ولا تلجلج، هو التثبت الذي تضمنه (قَوْلُه) عز قائلاً: (١) أخرجه أحمد (١٨٥٥٧)، وأبو داود (٤٧٥٣)، والطيالسي (٧٥٣)، والروياني (٣٩٢)، وهناد (٣٣٩)، وابن خزيمة في التوحيد (ص ١١٩)، وأبو عوانة كما في إتحاف المهرة (٢٠٦٣)، وابن منده (١٠٦٤) وقال: هذا إسناد متصل مشهور أخرجه جماعة عن البراء، وهو ثابت على رسم الجماعة. والحاكم (١٠٧) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والبيهقي في شعب الإيمان (٣٩٥) وقال: صحيح الإسناد. ٥١٩ کتاب الإيمان/ باب إثبات عذاب القبر (﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا .. ﴾(١) قَالَ: فَيُنَادِي مُنَادٍ مِن السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ) بقطع الهمزة من مزيد الثلاثي، وإن قيل: لم يُسمع بهذا المعنى؛ إذ يغني عن سماعه صحة الرواية؛ أي: اجعلوا له فراشًا، ومعناه توصلها الذي هو القياس لكنه لم يرد كما قاله بعضهم: من فرش ابسطوا له (مِنْ) فرش (الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ) حُلل (الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ فَيُفْتَحُ) له باب إليها. (قَالَ) وَّةِ: (فَيَأْتِيهِ مِنْ) زائدة على مذهب الأخفش أنها تزاد في الإثبات، أو بمعنى بعض، أو المراد: فيأتيه شيء عظيم لا يقدر قدره ولا يوصف كنهه (رَوْحِهَا) بفتح أوله؛ أي: طيب هواها ولذيذ نسيمها ورائحة طيبها (وَيُفْسَحُ لَّهُ فِيهَا) أي: في رؤيته (مَدَّ) بفتحه في نسخة معتمدة فـاله)» نائب الفاعل، وبرفعه في نسخ، ويؤيده (سبعون ذراعًا» السابق (بَصَرِهِ) أي: مداه، وهو الغاية التي تنتهي إليه البصر، وعُلِمٍ من قولي في رؤيتها أن هذا الفسح غير فسح السبعين في مثلها السابق؛ لأن ذلك في فسح قبره، وهذا في فسح رؤيته إلى رياض الجنة وقصورها وأنهارها. (وَأَمَّا الْكَافِرَ فَذَكَرَ) وَلِ (مَوْتَهُ) أي: ألفاظً في شأنه، ثم (قَالَ: ويعاد) بعد دفنه (رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ) على ما مرَّ فيه في الفصل الأول (ويَأْتِيهِ مَلَكَانٍ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانٍ) له: (مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ) كلمة ينطق بها المتلجلج المتحير لما اعتراه من الدهشة والخوف (لَا أَدْرِي) ما أجيب به (فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهُ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ) له: (مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنِ السَّمَاءِ: أَنْ) مفسرة لما في ينادي من معنى القول (كَذَبَ) في زعمه أنه لا يدري؛ لأن دين الله ونبوة رسوله كانا ظاهرين في مشارق الأرض ومغاربها، وإنما تركن الإيمان بهما كفرًا وعنادًا (فَأَفْرِشُوهُ) فيه ما مرَّ (مِن النَّارِ، وَأَلْبِسُوهُ مِن النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، قَالَ) وَِّ: (فَيَأْتِيهِ مِنْ) فيه ما مرَّ (حَرِّهَا وَسَمُومِهَا) هو ريح حارة (١) إبراهيم: ٢٧. ٥٢٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول شديدة الحر، ويصل إلى منتهاه. (قَالَ: وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ) على الكيفية السابقة آنفًا (حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ) ملك في صورة (أَعْمَى أَصم) كناية عن مزيد قبح تلك الصورة وغلظتها، وأنه لا يتصور فيها نظر الحالة فيرثى له، ولا سماع لأنينه فيرحمه ويرق له، ومعنى يقيَّض: يقدر ويجعل من هو بهذه الصورة مستوليًا عليه استيلاء تامًا محيطًا به من سائر الجوانب كاستيلاء القبض على البيض، وهو قشره الأعلى (مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ) بفتح الموحدة عند المحدثين، واعترضوا بأن الصواب تخفيفها، وإنما محل تشديدها إذا أبدلت الميم همزة فقيل: أرزبة (مِنْ حَدِيدٍ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلْ لَصَارَ تُرَابًا، فَيَضْرِبُهُ بِهَا ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إِلَّ الثَّقَلَيْنِ) الإنس والجن لما مرَّ (فَتَصِيرُ تُرَابًا، ثُمَّ تُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ) ومعلوم استمرار العذاب عليه في قبره، فيحتمل أنها إذا أعيدت ضُرب أخرى فيصير ترابًا ثم تعاد فيه الروح وهكذا، ويحتمل أن تلك الإعادة لا تتكرر، وأن عذابه يكون بغير ذلك وهو ظاهر الحديث. ومن ثم قيل في تفسير قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنٍ وَأَحْيَيْتَنَا الْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] إن في القبر إماتتين وإحياءَين، وحكمة تكرير إعادة روحه إذاقته العذاب، وإلزامه وتبكيته بما كان ينكره من عدم الإعادة. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد). ١٣٢ - [وَعَنْ عُثْمَانَ ﴾: إِنَّهُ كَانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِخِيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تُذْكَرُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَا تَبْكِي وَتَبْكِي مِنْ هَذَا. فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِوَ لَ قَالَ: «إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزَلٍ مِنْ مَنَازِلِ الآخِرَةِ، فَإِنْ تَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ)). قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًّا قَطُ إِلَّ وَالْقَبْرُ أَفْضَعُ مِنْهُ)) (١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ]. (وَعَنْ عُثْمَان ◌َه أَنَّهُ كَانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرِ بَكَى حَتَّى يَبْلَّ) بكاؤه؛ أي: (١) أخرجه أحمد (٤٦٣)، والترمذي (٢٤٧٨)، وابن ماجه (٤٤٠٨). ٥٢١ كتاب الإيمان/ باب إثبات عذاب القبر دموعه (ِخِيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تُذْكَرُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ وَلَا تَبْكِي وَتَبْكِي مِنْ) للتعليل (هَذَا! فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ) فيه إطلاقها على البرزخ (فَإِنْ تَجَا مِنْهُ) أي: من عذابه (فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ) لتحقق إيمانه المنقولة من أليم العذاب وكشف الحجاب، (وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ) لتحقق كفره الموجب لتوالي الشدائد المتزايدة عليه. (قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا) أي: موضعًا ذا هول وفظاعة (قَطْ) تأكيد للنفي في الماضي (إِلَّا) مفزع (وَالْقَبْرُ) أي: والحال أن القبر (أَفْظَعُ مِنْهُ) من نُظع الأمر بالضم: اشتد وجاوز الحد في الشدة، وعبَّر عن الموضع بالمنظر مبالغة؛ لأن نفي الشيء ينفي لازمه أبلغ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ). ١٣٣ - [وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: ((اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ))(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ ◌ِهَ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ) ((أل)) فيه للجنس (وَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِأُخِيكُمْ) ذكره؛ للعطف واستكثار الدعاء به (ثُمَّ سَلُوا لَهُ) ضمنه ادعوا حيث عداه بالباء في قوله: (بِالتَّثْبِيتِ) أي: اطلبوا له من ربه أن يثبته في جوابه للملكين حتى يأتي له مطابقًا للحق على غاية من السرعة والبلاغة (فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وفيه أن الدعاء ينفع الميت من القريب والأجنبي، وهو إجماع كالصدقة عنه، وفيه إيماء إلى تلقين الميت بعد تمام دفنه وكيفيته مشهورة، وهو سنة على المعتمد من مذهبنا في بالغ عاقل أو مجنون سبق له عقل بعد تكليفه خلافًا لمن زعم أنه بدعة، كيف وفيه حديث صريح يعمل به في الفضائل اتفاقًا؟! بل اعتضد بشواهد یُرتقى بها إلى درجة الحسن. (١) أخرجه أبو داود (٣٢٢٣)، والبيهقي (٧٣١٥). ٥٢٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول قال الشافعي والأصحاب: ويُسن أن يقرأ عنده شيء من القرآن وكله أفضل. ونقل البيهقي عن ابن عمر: إنه أُستحب أن يقرأ على القبر بعد الدفن سورة البقرة وخاتمتها. ١٣٤ [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: (لَيُسَلَّطُ عَلَى الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ تِسْعَةً وَتِسْعُونَ تِنِّيَنَّا تَنْهَشُهُ وَتَلْدَغُهُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَلَوْ أَنَّ تِنِّيًا مِنْهَا نَفَخَ فِي الأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا خَضْرَاء)). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ تَحَوَهِ، وَقَالَ: (سَبْعُونَ)) بدل: ((تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ))(١)]. (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: لَيُسَلَّط عَلَى الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ تِسْعَةُ وَتِسْعُونَ تِنِّينًا) هو نوع من الحيات عظيم السم كبير الجثة (تَنْهَشُهُ) بالمهملة وهو: الأخذ بأطراف الأسنان، وبالمعجمة وهو: الأخذ بكلها (وَتَلْدَغُهُ) تأكيد أو لإفادة تعدد أنواع العذاب عليه، وزعم أنها كناية عما يلحقه من التبعات، وينزل به من المكروهات ليس في محله؛ إذ إخراج النصوص عن ظاهرها الممكن من غير دليل تحريف لها عن مواضعها، وأبدى لهذا العدد حكم منها في حديث: ((إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الإنس والجن والبهائم والهوام فيها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحوش على ولدها، وآخر تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده)(9) والكافر لما کذَّب بها وبما يستلزمها أُعد له مکان کل رحمة منها تنین ینھشه. ومنها: إن أسماءه تعالى تسعة وتسعون بحسب الإيمان بما دلَّ عليه كل منها، فالكافر لما كفر بها حُرِم جميع أنواعها، وجوزي في مقابلة كل منها بتنين عظيم زيادة في نكاله. (حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، لَوْ أَنَّ تِنِّيًا مِنْهَا نَفَخَ فِي الأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ) شيئًا (خَضْرَاء) (١) أخرجه أحمد (١١٣٥٢)، والترمذي (٢٤٦٠)، وأبو يعلى موقوفًا (١٣٢٩) وفيه دراج وفيه كلام وقد وثق. وعبد بن حميد (٩٢٩)، والدارمي (٢٨١٥)، وابن حبان (٣١٢١). (٢) أخرجه أحمد (٩٦٠٧)، وابن ماجه (٤٢٩٣)، ومسلم (٢٧٥٢). ٥٢٣ کتاب الإيمان/ باب إثبات عذاب القبر لأنه إنما ينفخ نارًا من نار جهنم، وهي مهلكة لجميع ما مرت عليه. (رَوَاهُ الدَّارِي، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ تَحَوَهُ، وَقَالَ: سَبْعُون بَدل تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ) وبتقدير ورودهما، فيجمع بأن الأول للمتبوعين من الكفار، والثاني للتابعين، أو بأن السبعين يعبر بها في (لسان العرب)) عن العدد الكثير جدًّا، فحينئذ هي لا تنافي الأولى؛ لأنها مجملة، وتلك مبينة لها. (الفصل الثالث) ١٣٥ - [عَنْ جَابِرٍ﴾ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ حِينَ تُؤُنَّ، فَلَمَّ صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ الله ◌َّهَ وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَسُوِّيَ عَلَيْهِ سَبَّحَ رَسُولُ اللهِ وَهُ فَسَبَّحْنَا طَوِيلاً، ثُمَّ كَبَّرَ فَكَبَّرْنَا، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ سَبَّحْتَ ثُمَّ كَبَّرْتَ؟ قَالَ: «لَقَدْ تَضَايَقَ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ قَبْرُهُ حَتَّى فَرَّجَهُ اللّهُ وَكَ عَنْهُ))(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ]. (عَنْ جَابِر ◌َ﴾ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ◌ِ ﴿ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) سيد الأوس من الأنصار (حِينَ تُؤُنَّ، فَلَمَّ صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ الله ◌ِهِ، وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَسُوِّيَ عَلَيْهِ) تراب قبره (سَبَّحَ رَسُولُ الله ◌ِ﴾ فَسَبَّحْنَا) تسبيحه زمانًا (طَوِيلاً) ومناسبة تطويله لمشاهدة التضييق على هذا العبد الصالح ظاهرة؛ إذ بشهود ذلك يستحضر الإنسان مقام جلاله وعظمته، وأنه يفعل ما يشاء بمن يشاء، وهذا المقام يناسبه التنزيه؛ لأنه مقام العزة الكبرى المقتضية لذلك التنزه، فتأمله. (ثُمَّ كَبَّرَ فَکَبَّرْنَا) بتكبيرة، ولم يقل هنا طويلاً إمَّا للاكتفاء بذكره أولاً أو لأنه هنا لم يطول؛ لأنه إنما كبَّر عند وقوع التفريج عن سعد، وهذا هو الظاهر؛ لأن التكبير يغلب ذكره عند مشاهدة الأمر الباهر. (فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله لِمَ سَبَّحْتَ ثُمَّ كَبَّرْتَ؟ فَقَالَ: لَقَدْ تَضَايَقَ عَلَى هَذَا) أتى به؛ لبيان تميزه ورفعة منزلته (الْعَبْدِ الصَّالِحِ قَبْرُهُ) مازلت واقفًا للتسبيح (حَتَّى فَرَّجَهُ اللهُ (١) أخرجه أحمد (١٥٢٥٤). ٥٢٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول عَنْهُ) أي: فإذا فُعل به ذلك مع عبوديته وصلاحه، فما ظنك بغيره؟! فالجؤوا إلى الله تعالى من هذا المنزل الفظيع، وتهيؤوا له بتقديم العمل الصالح لعل أن يخفف عنكم كما خفف عنه، وفي ذلك أعظم اعتبار وتخويف لغير الصحابة أيضًا؛ لأنه إذا وقع ذلك بهذا الموصوف بما ذكر مع وقوفه ◌َليل على قبره، واستغراقه في مقام التنزيه، وشهود جلال الربوبية وغيرها، فكيف بمن لم يكن كذلك !. (رَوَاهُ أَحْمَدُ). ١٣٦ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًّا مِن الْمَلَائِكَةِ لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ(١). رَوَاهُ النَّسَائِيّ]. (وَعَن ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: هَذَا) أتى به لما مرَّ آنفًا (الَّذِي) أتى به إشارة إلى استقرار ذلك التحرك، ورسوخه في أذهانهم أن هذا هو شأن الصلة (تَخَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ) أي: ((اهتز)(٢) كما في رواية أخرى ارتياحًا واشتياقًا؛ لصعود روحه إليه، واستبشارًا بكرامته على ربه؛ لأن العرش وإن كان جمادًا فغير بعيد أن الله يجعل فيه إدراكًا يميز به بين الأرواح وكمالاتها، فتأويل تحركه يفرح أهله أو بأنه كناية عن عظيم منزلة سعد غير مقبول من قائله؛ لأنه أمر ممكن ذكره الشارع بيانًا لمزيد فضل سعد، وترهيبًا للناس من ضغطة القبر، فتعين الحمل على ظاهره حتى یرد ما یصرفه عنه. (وَفُتِحَتْ لَهُ) أي: لروحه؛ لأن محل أرواح المؤمنين الجنة، وهي فوق السماء السابعة (أَبْوَابُ السَّمَاءِ) إشارة إلى عظيم كماله، وأن خير تلك الأبواب يعرفون بكرامته، فودَّ كل منهم أن يكون الدخول من بابه؛ ليفرح بمرور هذا العبد الصالح عليه، ونظير ذلك مما في كثير من الأحاديث أن أبواب الجنة الثمانية تفتح لبعض المؤمنين؛ ليدخل من أيها شاء مع أنه لا يدخل من أكثر من باب، فهو إعلام بعظيم (١) أخرجه النسائي (٢٠٥٤)، والطبراني (٣١٦). (٢) أخرجه الحاكم (٤٩٢٥)، والبزار (١٠٩٢). ٥٢٥ كتاب الإيمان/ باب إثبات عذاب القبر المرتبة وكمال المنقبة. (شَهِدَهُ) أي: حضر جنازته (سَبْعُونَ أَلْفًا مِن الْمَلَائِكَةِ لَقَدْ) جواب قسم محذوف (ضُمَّ ضَمَّةً) عظيمة طال زمنها كما دلَّ عليه ما مرَّ من طول التسبيح، ولهذا أتى بـ(ثم)) في قوله: (ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ رَوَاهُ النَّسَائِيّ). ١٣٧ - [وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَامَ رَسُولُ الله خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ الَّتِي يَفْتَيِنُ فِيهَا الْمَرْءُ، فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هَكَذَا، وَزَادَ النَّسَائِيّ: حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَفْهَمَ كَلَامَ رَسُولِ الله فَلَمَّا سَكَنَتْ ضَجَّتُهُمْ قُلْتُ لِرَجُلٍ قَرِيبٍ مِنِّ: أَيْ بَارَكَ اللهُ فِيكَ، مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ فِي آخِرِ قَوْلِهِ؟ قَالَ: قَالَ: قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ(١)]. (وَعَنْ أَسْمَاءُ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصديق (رضي الله عنهما - قَالَتْ: قَامَ رَسُولُ الله ﴿َ* خَطِيبًا) مرَّ الكلام عليه في الباب السابق (فَذَكَرَ فِتْنَةَ الْقَبْر) لا على الإجمال بل على التفصيل كما أفاده تبينه لها بقوله: (الَّتِي [يُفْتَنُ بِهَا](٢) الْمَرْءُ) بتفاصيلها وكيفياتها (فَلَمَّا ذَكَرَ) تَلِكَ التفاصيل المزعجة المهولة (ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً) عظيمة من شدة ذلك الهول الأعظم. (رَوَاهُ الْبُخَارِيّ هَكَذَا، وَزَادَ النَّسَائِيّ) بعد ضجة (حَالَتْ) تلك الضجة (بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَفْهَمَ كَلاَمَ رَسُولِ الله وَله) لعلو تلك الضجة حتى خفي من أجلها كلامه وَليه. (فَلَمَّا سَكَنَتْ ضَجَّتُهُمْ قُلْتُ لِرَجُلٍ قَرِیپٍ مِنِّي) نسبًا ومكانًا (أيْ) حرف نداء بمعنی یا فلان (بَارَكَ اللهُ فِيكَ) فيه أنه ينبغي لمن يطلب من غيره حاجة لا سيما إفادة علم أن يقدم بين يدي حاجته الدعاء للمطلوب منه، حتى يتم إقباله عليه، وينصح في تعليمه (مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللهِلَّه فِي آخِرِ قَوْلِهِ؟ قَالَ: قَدْ أُوحِيَ إِلَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ) (١) أخرجه البخاري (١٣٧٣)، والنسائي (٢٠٦١). (٢) سقطت من الأصل.