النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
وَي: ((من خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه)(١) والقياس: إلا هو، ويجوز ألَّا
إقامة وأنه على أصله؛ لأن قوله: ((ما منكم)) الخطاب فيه لجميع الناس لا لخصوص
الصحابة، فالتقدير: وإياك؛ يعني بهذا الخطاب أيضًا، قال: وإياي فأنا داخل فيه؛ أي:
وإن قلنا أن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه.
(وَلَكِنَّ اللهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَم) بالرفع أنا منه، وأمَّا هو فلا يسلم، قاله ابن
عتيبة وتبعه الخطابي، وبالنصب؛ أي: استسلم وذلَّ لي وآمن بالله ورسوله، وزعم أنه
لأسلم ممنوع؛ إذ غير عزيز على خصوصيات نبينا * التي ما تركت خصوصية لغيره
إلا وحكتها أو فاقتها مع زياداتها بما يبهر هجر الفكر، ويخير اللبَّ إسلام قرينه من
الجن كرامة له، وعلى كل من الروايتين (فَلَا يَأْمُرُفِي إِلَّا بِخَيْرٍ) أي: لا يدلني إلا على الخير،
ولیس ببدع منه مع بقائه على كفره ذلك.
ففي حديث أبي هريرة المشهور: إنه لما أمسك العفريت الذي سرق من زكاة
رمضان الذي جعل أبو هريرة حارسًا عليها، وأراد دفعه إلى رسول الله وسلم قال له:
أطلقني وأعلمك كلمات ينفعك الله بها إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه
لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان؛ فأخبر بذلك النبي وَله فقال: ((صدق
وهو كذوب»(٢) ثم بيَّن له أنه شيطان.
وقد يقال: الحصر المذكور يبعد وجوده من كافر، فتفريعه بالفاء على ما قبله يؤيد
قراءة الفتح.
تنبيه: الظاهر أن استبعاد سفيان لإسلامه إنما هو لكونه عفريتًا لا لكونه من
ذرية إبليس؛ لما في حديث حسن: ((إن هامة ابن ابن إبليس جاء للنبي وَلّ، وذكر أنه
حضر قتل هابيل، وأنه اجتمع بنوح فمن بعده، ثم طلب من النبي ◌َلّ بعد أن بلغه
السلام من عيسى التليف أن يعلمه شيئًا من القرآن، فعلمه الواقعة والمرسلات، و﴿عَمَّ
(١) أخرجه أبو داود (٥٥٨)، والبيهقي (٥١٧٢).
(٢) أخرجه البخاري (٢١٨٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٢٩٦).
٤٠٧
كتاب الإيمان/ باب في الوسوسة
يَتَسَاءَلُونَ﴾ و﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ والمعوذتين، و﴿قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ﴾))(١).
(رَوَاهُ مُسْلِمُ) حتى: ((وقرينه من الملائكة)) الذي ليس في المصابيح، فقد نقله
عن مسلم، الحميدي والصاغاني.
(١) نص الحديث: كما أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (٢٦٠): عن عبد الله بن عمر قال: قال
عمر بن الخطاب : ((بينا نحن مع رسول الله وَله قعود على جبل من جبال تهامة إذ أقبل شيخ
في يده عصا فسلم على النبي ◌َل فرد عليه السلام ثم قال: نغمة الجن وغنتهم من أنت؟ قال: أنا
هامة بن الهيم بن لاقيس بن إبليس، قال النبي وقال: ((ما بينك وبين إبليس إلا أبوان؟)) قال: نعم
قال: ((فكم أتى عليكم من الدهور؟)) قال: قد أفنيت الدهر عمرها إلا قليلا، ليالي قتل قابيل
هابيل كنت غلاما ابن أعوام] أفهم الكلام، وأمر بالآكام، وأمر بإفساد الطعام، وقطيعة الأرحام،
فقال رسول الله ﴾: ((بئس العمر والله، عمل الشيخ المتوسم والشاب المتلوم)) قال: ذرني من
التعداد إني تائب إلى الله إني كنت مع نوح في مسجده مع من آمن به من قومه، فلم أزل أعاتبه
على دعوته على قومه حتى بكى عليهم وأبكاني وقال: لا جرم أني على ذلك من النادمين
وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين قلت: يا نوح إني ممن أشرك في دم السعيد الشهيد هابيل بن
آدم فهل تجد عند ربك لي من توبة فقال: يا هامة هم بالخير وافعله قبل الحسرة والندامة إني
قرأت فيما أنزل الله تعالى علي أنه ليس من عبد تاب إلى الله عز وجل بالغا ذنبه ما بلغ إلا
تاب الله عليه فقم فتوضأ واسجد لله تعالى سجدتين قال: ففعلت من ساعتي ما أمرني به قال:
فناداني: ارفع رأسك فقد نزلت توبتك من السماء فخررت لله ساجدًا حولا وكنت مع هود في
مسجده مع من آمن به من قومه، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى عليهم
وأبكاني وقال: لا جرم أني على ذلك من النادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، وكنت
زوارًا ليعقوب وكنت من يوسف بالمكان الأمين وكنت ألقى إلياس في الأودية وأنا ألقاه الآن وإني
لقيت موسى بن عمران وعلمني من التوراة وقال: إن أنت لقيت عيسى فأقرئه مني السلام وإني
لقيت عيسى ابن مريم فأقرأته منه السلام وإن عيسى قال لي: إن لقيت محمدًا فأقرئه مني
السلام قال: فأرسل رسول الله ﴾ عينيه فبكى وقال: وعلى عيسى: السلام ما دامت الدنيا
وعليك يا هامة بأدائك الأمانة قال هامة: يا رسول الله افعل بي ما فعل موسى بن عمران، إنه
علمني من التوراة فعلمه رسول الله * إذا وقعت الواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا
الشمس كورت وقل هو الله أحد والمعوذتين وقال: ارفع إلينا حاجتك يا هامة ولا تدع زيارتنا،
قال عمر بن الخطاب: فقبض رسول الله ﴿﴾ ولم ينعه إلينا، فلست أدري أحي هو أم ميت)).
٤٠٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
٦٨ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: (( إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ
مَجْرَى الدَّمِ)(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَنْس ◌َهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيُّ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي) ضمنه يمكن،
فعداه بـ((من)) في قوله: (مِن الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ) مصدر ميمي؛ أي: كإجرائه، شبَّه كيده
وجريان وساوسه في الإنسان بجريان دمه في عروقه وجميع أعضائه، فهو كناية عن
تمكنه من إغواء الشيطان وإضلاله تمكنًا تامًّا، وتصرفه فيه تصرفًا كاملاً بواسطة
نفسه الأمَّارة بالسوء الناشئ قواها من الدم، فعلاجه سد مجاريه بالصوم، ومن ثم كان
الإثم مجلبة للإثم منقصة للإيمان، والفكر والجوع مقمعة للهوى مردعة للشهوات
التي هي أقوى أسلحة الشيطان.
أو اسم مكان، فيكون جاريًا في مجاري دمه حقيقة، وهذا هو الموافق للقاعدة
الشهيرة ((إن كل ما ورد في الكتاب أو السنة، ولم يستحل حمله على ظاهره يحمل عليه
ما لم يرد ما يصرفه عنه)) وهذا ممكن هنا للطاقة جسمه لخلقه من نار السموم،
فبواسطة ذلك وكثافة بدن الإنسان مع اشتماله على ذلك العنصر الناري الموافق لعنصر
الشيطان، تمكن من سريانه في مجاري دمه كسريان الدم فيها، بل أولى؛ لأن الدم
أکثف منه، ويؤيد ذلك الخبر الصحيح: «إنه جاثم على قلب ابن آدم فإن ذکر خنس
وإلا وسوس))(٢). (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٦٩ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودُ إِلَّا
يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ، غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا)(٣).
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: مَا) هي غير عاملة هنا حتى عند
(١) أخرجه البخاري (٢٠٣٨)، ومسلم (٥٨٠٧)، وأبو داود (٤٧٢١).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٧٧٤).
(٣) أخرجه البخاري (٣٢٤٨).
٤٠٩
كتاب الإيمان/ باب في الوسوسة
الحجازيين؛ لتقدم الخبر (مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودُ) مبتدأ أو فاعل الظرف؛ لاعتماده على
النفي (إِلّ) استثناء مفرغ، والمستثنى أعم عام الوصف؛ أي: ما وجد من بني آدم
موصوف بشيء من الأوصاف حال ولادته إلا بوصف واحد هو أنه: (يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ
حِينَ يُولَدُ) وفيه الرد على من زعم أن ذلك المسَّ لا يحصل لكل بني آدم ففيه قصر قلب،
ومسُّه له: تعلقه به وإصابته بما يؤذيه ويؤلمه، خلافًا لزعم المعتزلة أنه تخييل بدليل
قوله: (فَيَسْتَهِلُّ [صَارِخًا)(١)) أي: يرفع صوته بالبكاء (مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ) أي: لأجله.
والحاصل له على شدة المس المترتب عليه ذلك الصراخ تخيله أنه بذلك يطمع
فيه حتى يصير ممن يغويه (غَيْرَ) حال من مفعول ((يمس)) (مَرْيَمَ وَابْنِهَا) صلى الله
عليهما وسلم.
وفي رواية للبخاري: ((كل بني آدم يطعن الشيطان في جبينه بإصبعه حين يولد
غير عيسى ابن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب))(٢).
وفي أخرى للحاكم وغيره: ((كل وليد الشيطان نائل منه تلك الطعنة، ولها
يستهل المولود صارخًا إلا ما كان من مريم وابنها، فإن أمها حين وضعتها قالت: ﴿وَإِنَّ
أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] فضرب دونها حجاب
فطعن فيه»(٣).
فإن قلت: الذي في الآية أن أمها إنما قالت ذلك بعد تمام الوضع، والمس يكون
حال الوضع، فكيف امتنع لأجل ذلك الدعاء؟ قلت: يحتمل أن الله تعالى علم عزمها
على هذا الدعاء حال الولادة، فحققه لها عندها بضرب ذلك الحجاب.
وقضية قوله: ((فإن أمها ... إلى آخره)) إن ولد عيسى الذي سيولد له إذا نزل كما
ورد لا يحصل له ذلك المسِّ أيضًا؛ لأنه من جملة ذريتها، واعلم أن ما صرحت به هذه
(١) سقطت في الأصل.
(٢) أخرجه البخاري (٣١١٢)، والطبراني في الشاميين (٣٢٣٢)، والبيهقي (١٢٨٦٣).
(٣) أخرجه الحاكم (٤١٥٨) وقال: صحيح الإسناد.
٤١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
الأحاديث من خصوصية عيسى وأمه بذلك على بقية بني آدم حتى الأنبياء لا يقتضي
أفضلية مريم على الأنبياء، ولا عيسى على نحو موسى فضلاً عن إبراهيم عن نبينا وَلّ؟
لأنه قد يكون في المفضول مزية أو مزايا ليست في الفاضل، لكن فيه ما هو أعلى
منها وأجل كفضائل نبينا وخصوصياته ومعجزاته التي ليست لعيسى ولا لغيره ما
يوازي أكثرها.
ونظير هذا خبر الطبراني: ((ما أحد من بني آدم إلا وقد أخطأ أو همَّ بخطيئة إلا
یحیی بن زکریا)»(١).
ونحوه عدة أحاديث، وكلها مما ذكرناه أنه قد يختص المفضول بمزية. (مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ).
٧٠ - [وَعَنْهُ أَنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((صِيَاحُ الْمَوْلُودِ حِينَ يَقَعُ نَزْغَةُ مِنَ
الشَّيْطَانِ))(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْه أنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: صِيَاحُ الْمَوْلُودِ حِينَ يَقَعُ) على الأرض؛ أي:
يخرج من رحم أمه (نَزْغَةُ) أي: نخسة حقيقية بإصبعه (مِن الشَّيْطَانِ) وهذا فيه رد
أيضًا لزعم المعتزلة السابقة؛ إذ حقيقة النزغة ما ذكر، ولم يحتج هنا للاستثناء السابق؛
لأنه ليس فيه الحكم على كل مولود أنه يصيح، وإنما فيه الحكم أن كل صياح صدر
من مولود نزغة من الشيطان، وعيسى وأمه لم يحصل منهما صياح فلم يحصل لهما
نزغة منه. (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
ولا ينافيه كالذي قبله قوله {وَ له: «كل مولود على الفطرة)»(٣) بناء على أنها الإسلام؛
لأنه لا يلزم من مسِّه عدم إسلامه، وإنما يفعله متصورًا في وهمه الفاسد إن مسَّه
(١) أخرجه أحمد (٢٢٩٤)، وأبو يعلى (٢٥٤٤)، وابن عدي (٢٤٤/٦).
(٢) أخرجه مسلم (٢٣٦٧)، وابن حبان (٦١٨٣)، والطبراني في الأوسط (١٨٧٢)، وفي الصغير (٢٩).
(٣) أخرجه البخاري (١٣٨٥)، وأبو يعلى (٩٤٢)، والطبراني (٨٢٨)، والبيهقي (١١٩٢٣)، وابن عدي
(٤٣٤/٢).
٤١١
كتاب الإيمان/ باب في الوسوسة
بتلك الشدة ربما يكون سببًا لنفث أخلاقه الخبيثة فيه فيطبع عليها؛ ليكون بعد
ذلك أقرب إلى إغوائه وإبعاده عن مواطن الخيرات، فيحسبه الله في أوليائه ويمكنه من
أعدائه، وكان تمكينه من ذلك السخرية به والتهكم به، وإعلامه بأنه لا دخل له في
هداية ولا إضلال، وإنما هو مجرد مظهر لغضب الله وانتقامه.
٧١ . [وَعَنْ جَابِرٍ فَظُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ،
ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ يَفْتِنونَ النَّاسَ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ
فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا. قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا
تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ. قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ)). قَالَ الأَعْمَشُ:
أُرَاهُ قَالَ: ((فَيَلْتَزِمُهُ)) (١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ جَابِرِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ) هو
على ظاهره للقاعدة ((إن ما ورد ولم يستحل ظاهره يجري عليه ما لم يرد ما يصرفه
عنه)) وفي رواية: ((البحر))(٢).
فحينئذٍ فهذا من جملة تمرده، وطغيانه الذي أداه إلى أن يحاكي به مظهر الألوهية
في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ﴾ [هود:٧].
وقيل: هو كناية عن قوة استيلائه على إغواء الخلق وإضلالهم؛ لأنهم يريدون
باستواء فلان على العرش الملك؛ إذ هو سرير الملك، فالاستواء عليه يرادف الملك
فجعل كناية عنه، ومنه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
(ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ) جمع: سرية، وهي طائفة من الجيش أقصاها أربعمائة يبعثها
أمير الجيش؛ لينال من العدو، سميت بذلك؛ لأنها خلاصة العسكر وخيارهم؛ إذ
السري النفيس، وقيل: لأنهم يبعثون سواء، وردَّ بأن لامه راء، ولامها ياء (يَفْتِنُونَ
(١) أخرجه مسلم (٢٨١٣)، وأحمد (١٤٤١٧)، وعبد بن حميد (١٠٣٣)، والبيهقي في شعب الإيمان
(٨٧٢١).
(٢) أخرجه ابن عساكر (٢٠١/٢٣)، وأبو نعيم في الحلية (٢٩/٢).
٤١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
النَّاسَ) أي: يبتلونهم، ويمتحنونهم بتزيين المعاصي وأسبابها، وتحسينها إليهم حتى
يقعوا فيها من فتنة الفضة إذ أدخلتها النار؛ لتعرف جيدها من رديئها (فَأَدْنَاهُمْ) أي:
أقربهم (مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً) لأنه حيل من الجن والبشر على أقصاه، فالأقرب إليه
من أعوانه وذريته أعظمهم إيذاء حالاً للبشر على الناس، وإيقاعهم فيه بخفي الوسوسة
وعظيم الحيلة على أدق وجه وأسرعه.
ثم بيَّن تلك الأعظمية المجملة المترتب عليها تلك الأقربية بقوله: (يَجِيءُ
أَحَدُهُمْ) إلى إبليس (فَيَقُولُ) له: (فَعَلْتُ) بفلان (كَذَا وَكَذَا) أي: أغويته وأضللته
حتى عصى بكذا (فَيَقُولُ) له إبليس: (مَا صَنَعْتَ شَيْئًا) تعتد به في الإغواء؛ لأن ما
ذكرت إغواء سهل، وليس مرادي إلا إيقاع نهاية الإغواء والإضلال بالناس؛ لأني
جبلت على حسدهم، وأشد البغض لهم، فلا يكفيني منهم إلا إهلاكهم الذي لا نجاة
بعده.
(قَالَ) وَّةِ: (ثُمَّ يَجِيءُ) إليه (أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ) له: (مَا تَرَكْتُهُ) أي: فلانًا (حَتَّى
فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ) وَيِّ: (فَيُدْنِيهِ) إبليس (مِنْهُ وَيَقُولُ) له معلنًا بالثناء
عليه، وعظيم المدح له: (نِعْمَ) العون والناصر لي عليهم (أَنْتَ) لأن ما فعلته من
التفريق بين الزوجين فيه أعظم الخداع وأدقه؛ لأن الله تعالى جعل بينهما مودة ورحمة،
فقدرتك على قطع تلك الوصلة المؤكدة تدل على قدرتك على فعل كل ما تريده من
أنواع المكر والإغواء.
وفيه أيضًا أعظم الشر وأقبحه؛ لأنه حل لما عقده الشرع ليصون به الأمة،
ويترتب على حله كره الزنا وقبائحه: كاختلاط الأنساب، وكثرة أولاد الزنا الذين هم
مجبولون على غاية الشر، ومحجوبون عن أبواب الخير؛ لتكوّنهم من تلك النطفة الخبيثة.
ومن ثم ورد في أحاديث: ((إن ولد الزنا لا يدخل الجنة))(١) أي: الغالب فيه
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٠٨/٣)، والديلمي (٧٦٢٥).
٤١٣
كتاب الإيمان/ باب في الوسوسة
الفساد فلا يدخلها مع الناجين، ويلزم من كثرتهم كثرة شرهم وإفسادهم بالقتل
والزنا وغيرهما، فيرتب على ذلك التفريق من الشرور والفساد ما لا نهاية له، فذمه
ليس على مجرده بل على ما يترتب عليه من تلك القبائح التي لا يترتب على غيره من
سائر المعاصي.
(فَيَلْتَزِمُهُ) بدل
(قَالَ الْأَعْمَشُ: أُرَاهُ) أي: أظن جابرًا (قَالَ) عن النبي ◌َّ
«فيدنيه» أو مضمومًا إليه؛ أي: يعانقه ويضمه إظهارًا لمزيد محبته له وقربه منه؛ لأنه
بلغ الغاية في العمل بمراده. (رَوَاهُ مُسْلِمْ).
٧٢ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ
فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ طَمِعَ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ)»(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
([وَعَنْه](٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: إِنَّ الشَّيْطَانَ) أي: إبليس (قَدْ أَبِسَ مِنْ أَنْ
يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ) أي: المؤمنون نظير قوله وجَّهُ: (نهيتكم عن قتل المصلين))(٣) كنى
عنهم بذلك؛ لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية، وأظهرها في الدلالة على الإيمان.
وعبادته المراد بها هنا عبادة الصنم، ونظيره ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم:
٤٤] نسبت إليه؛ لأنه الآمر بها والحامل عليها؛ أي: أيس من أن يرتد أحد بعبادة
الصنم (فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) لتمكن الإيمان في قلوبهم الذي رآه وشاهده، وهي عند
مالك: مكة والمدينة والیمن، وعند غيره أوسع من ذلك بكثير.
ومن ثم قال: سميت جزيرة؛ لأنها واقعة بين بحر فارس والروم، ونيل مصر،
ودجلة بغداد، وفرات الشام، وخُصَّت بالذكر؛ لأن الإسلام إذ ذاك لم يبعد عنها، ولا
ينافي ذلك ارتداد بني حنيفة قوم مسلمة ومانعي الزكاة وغيرهم؛ لأنه لم يكن بعبادة
(١) أخرجه مسلم (٢٨١٢)، وأحمد (١٤٤٠٦)، والترمذي (١٩٣٧) وقال: حسن. وابن خزيمة في
التوحيد (ص ٣٦٢)، وابن حبان (٥٩٤١).
(٢) سقطت في الأصل.
(٣) أخرجه بنحوه أبو داود (٤٩٢٨)، والبيهقي (١٦٧٦٤)، والدار قطني (٥٤/٢).
٤١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
صنم التي هي أقبح الكفر وأسمجه، وأوضح دال على أن فاعليها بلغوا في الحمق
الغاية، وذلك هو ود الشيطان الأعظم؛ لقدرته على إيقاعهم حينئذ فيما يريده.
(وَلَكِنْ طَمِعَ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ) أي: إغراء بعضهم بغاية من الخداع على
اتصال المكروه إلى بعضهم قتلاً، وغيره من حرَّش الصياد الضب خدعه، وهذا من
إعلام نبوته ولية الكبرى؛ إذ لم يعرف عن أحد من أهل تلك الجزيرة إلى اليوم أنه ارتدَّ
بعبادة صنم، وإنما المعروف منهم ما وقع بين الصحابة، ومن بعدهم من الفتن التي
أخبر أيضًا عنها ◌َّه بأنها ((فتن كقطع الليل المظلم))(١).
وفي تسمية الميؤوس عن عبادتهم مصلين غاية المدحة لهم والثناء عليهم،
والمطموع في إضلالهم القائمين بشأن الفتن، وإسعار نار حربها بغير حق متحارشين
غاية الذم لهم، والتحقير لآرائهم وأفعالهم لإخراجه تلك الفتن مخرج ما اشتهر من
التحريش، وهو الإغراء بين الكلاب. (رَوَاهُ مُسْلِمْ).
(الفصل الثاني)
٧٣ - [عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ جَاءَهُ رَجُلْ فَقَالَ: إِنِّي
أُحَدِّثُ نَفْسِي بِالشَّيْءٍ لأَنْ أَكُونَ حُمَمَةً أَحَبُّ إِلَّ مِنْ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ
الَّذِي رَدَّ أَمْرَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أَنَّ الشَِّيّ ◌َ جَاءَه رَجَلُ فَقَالَ: إِنَّ أُحَدِّثُ
نَفْسِي بِالشَّيْءٍ) هو نكرة معنى؛ لأن ((أل)) فيه للجنس، ومن ثم وصفه بقوله: (لأَنْ
أَكُونَ حُمَمَةً) خبر ((أكون)) (أَحَبُّ إِلَيَّ) خبر ((أن أكون)) أي: بشيء كوني حممة؛ أي:
فحمة أو رماد أحب إلي (مِنْ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِهِ) لتعلقه بالخوض في ذات الله تعالى، وما لا
يليق به سبحانه من نحو تجسيم أو تشبيه أو تعطيل.
(١) أخرجه الترمذي (٢١٩٧) وقال: غريب. وابن أبي شيبة (٣٧٢١٦)، والحاكم (٨٣٥٥)، وابن
عدي (٣٥٦/٣).
(٢) أخرجه بنحوه أحمد (٣٢١٦)، وأبو داود (٥١١٤)، والطبراني (١٠٦٨٣).
٤١٥
كتاب الإيمان/ باب في الوسوسة
(قَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي رَدَّ أَمْرَهُ) أي: إبليس لدلالة السياق عليه؛ أي: إغراءه
الناس على الكفر وكبائر المعاصي، قال تعالى: ﴿وَلاَ مُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الَأَنْعَامِ
وَلَآ مُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ [النساء: ١١٩].
(إِلَى الْوَسْوَسَةِ) فلم يتمكن من هذه الأمة التمكن التام إلا بها، وهي معفو
عنها كرامة له ﴿ كما مرَّ قريبًا، وقد كان يتمكن من قتلهم بحملهم على الكفر
وعبادة الأوثان، أو أمر هذا الرجل القائل ما ذكر؛ أي: شأنه من الكفر الذي كان
متلبسًا به قيل: إلى الوسوسة التي طرأت له بعد الإسلام فإنها لا تضره. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد).
٧٤ - [وَعَن ابْنِ مَسْعُود ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ
وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيِعَادُ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبُ بِالْحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِعَادُ
بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقُ [بِالْحَقِّ](١) فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللّه فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ
وَجَدَ الأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ
وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨])(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ].
(وَعَن ابْنِ مَسْعُود ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِنَّ لِلشَّيْطَانِ) أي: إبليس أو
بعض جنده (لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ) به (لَمَّةً) من الإلمام، وهي الخطرة والزورة
ونحوهما؛ أي: قرب منه ونزول به، أو ضم له للفرض الآتي (فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادُ
بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبُ بِالْحَقِّ) ويعبر عنها بالوسوسة (وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرٍ وَتَصْدِيقُ
[بالخير](٣)) ويعبر عنها بالإلهام.
والإيعاد والوعيد والوعد سواء في أصل الاشتقاق لكنهم خصوا الوعد بالخير
(١) في الأصل: ((بالخير).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٩٨٨) وقال: حسن غريب. والنسائي في الكبرى (١١٠٥١)، وابن أبي الدنيا في
مكائد الشيطان (٤١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٥٠٦)، وابن حبان (٩٩٧)، وأبو يعلى
(٤٩٩٩)، والطبري في التفسير (٨٨/٣).
(٣) وردت في المشكاة المطبوعة بلفظ: الحق.
٤١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
وأحد الأولين بالشر تمييزًا وإيضاحًا للمراد، فاستعماله في الثاني من باب المشاكلة
كاستعمال الوعد في الشر في الآية الآتية، أو أن ذلك جرى على أصل المعنى اللغوي من
استعمال كل من الثلاثة في كل من الأمرين، وسره أنه ليس هنا لذكر الموعود به على
وجه يعلم السامع بأنه خير أو شر، فلم يحتج لتميزه بمادة وعد وأوعد.
(فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ) أي: أدرك لمة الملك وعرفها (فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِن الله) إذ أمر
الملك بأن يلمه، وينفث فيه هذا السر الأكبر (فَلْيَحْمَد الله) على هذه النعمة الباهرة؛
إذ أهله لهداية الملك، ودلالته على ذلك الخير حصولاً وتصديقًا.
(وَمَنْ وَجَدَ) اللمة (الْأُخْرَى) التي من الشيطان (فَلْيَتَعَوَّذْ) أي: يعتصم (بِاللهِ
مِن الشَّيْطَانِ [الرَّحِيمِ)(١)) فإنه لا يعصم منه غيره تعالى، ولم يقل هنا: فليعلم أنه
من الله وإن كان الواقع ذلك تأدبًا؛ إذ لا يضاف إليه تعالى إلا الأشياء الخطيرة الجليلة
دون الحقيرة، فلا يقال: يا خالق الكلاب، وإن كان خالقها.
(ثُمَّ قَرَأَ) استدلالاً على نسبته للشيطان، والخير لله تعالى عز قائلاً: ((الشَّيْطَانُ
يَعِدُكُمْ﴾) ليمنعكم عن الإنفاق في وجوه الخيرات (﴿الفَقْرَ﴾) وهو الحاجة، وأصله:
كسر فقار الظهر الذي هو قوام اعتدال الإنسان وقوته، فيقول لأحدكم: إن تصدقت
بكذا افتقرت وصرت محتاجًا وكلاً، أو افتقر أولادك، ولا يزال يقوي عنده ذلك
التخيل حتى يمتنع، ومن ثم قال رَّه: ((إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةُ))(٤) أي: محبة الإمساك له
تؤدي إلى البخل والحياة؛ لتربيته تؤدي إلى الخير عن الجهاد والمخاطرة بالنفس في
سبيل الله (﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾(٣)) أي: المعاصي وهذا الوعد والأمر هما المرادان
بالشرِّ في الحدیث.
(١) سقطت في الأصل.
(٢) أخرجه أحمد (١٧٥٩٨)، والبغوي (١٢٦)، وابن ماجه (٣٦٦٦)، وابن أبي شيبة (٣٢١٨٠)،
والطبراني (٢٥٨٧).
(٣) البقرة: ٢٦٨.
٤١٧
كتاب الإيمان/ باب في الوسوسة
وحذف بقية الآية مع أنه استشهاد على ما مرَّ من نسبة الخير إلى الله تعالى
اكتفاء بذكر أولها فقوله: ﴿وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً﴾ [البقرة: ٢٦٨] هما
المرادان من الخير في لمة الملك، وقوبل فيها الفضل بالفقر، والأمر بالفحشاء بالمغفرة
إشارة إلى قلع ما وسوس به الشيطان من أصله، وأنه لا ينبغي أن يغتر به عاقل؛ إذ إبعاد
الفقر يمنعه تصور ما عند الله من الفضل الواسع قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ
مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] وأمره بالفحشاء يمنعه تصور
ما عند الله من أليم العقاب وعظيم الحجاب.
فإن فرض وقوع زلة بمطاوعته، فلا ييأس من رحمة الله ومغفرته لذنوبه، وقبوله
لتوبته، ثم ذيل ذلك بما هو العمدة فيه، وهو قوله: ﴿وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧]
المشتمل على سعة الأفضال والغفران، ووفور العلم بأحوال العباد ومصالحهم في
الدارين، وبمن يصغي للمة الشيطان ويهوي معه في أودية الضلال والطغيان، ومن
يتقرب منه ويصغي للمة الملك ويقرب منه؛ ليرفعه إلى أوج الكمال، ومع كونه تذبيلاً
لما قبله هو تمهيد لما بعده من إيتاء الحكمة، وهي العلم الكامل والعمل الفاضل التي
هي أجل المواهب وأسنى المطالب؛ إذ لا يعرف مكائد الشيطان والنفس، والتمييز بين
تينك اللمتين إلا بها، وفي تعليق إتيانها بمن نشأه الله تنبيه على أن هذه الموهبة الجليلة
لا ينالها إلا من اختصه الله له، ووفقه للقيام بأعباء العلوم والأعمال على وجهها.
ثم حثَّ ذلك بقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَا أُوْلُوا الَأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩] تعريضًا بأن
من خلا عن تلك الحكمة ليس من ذوي العقول الكاملة الحاملة لصاحبها على تذكر
الغايات حتى يبذل جهده فيما يوصله إليها، بل ولا من ذوي التمييز بين تينك اللمتين،
فهو من تينك بينهما يضربه أمواج كل منهما فيؤثر فيه لمة الشيطان ولا تنفعه لمة
الملك؛ لأنه إمعة لا قرار له ولا ثبات على شيء؛ إذ لا موجب للقرار والثبات إلا كمال
التمييز بين الضار والنافع، ولا يتم هذا الكمال إلا لمن قوي يقينه وعزز علمه بمعرفة
صفات النفس وأخلاقها، واستفرغ وسعه في التقوى والزهد، وأعرض كمال الإعراض
٤١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
عن متابعة الهوى من محبة الجاه والمال وطلب الرفعة والمنزلة عند الناس، وأمَّا من
اختل فيه ذلك كله، فلا يفرق بين اللمتين أصلاً أو بعضه فرق في بعض الخواطر دون
بعض.
قال العارف الشهاب السهروردي بعد ذكره نحو ذلك: واتفق المشايخ على أن من
كان أكله من الحرام لا يميز بين الإلهام والوسوسة، بل قال الدقاق: من كان قوته
معلومًا؛ أي: بأن لم يتوكل على الله حق توكله لا يفرق بينهما.
فإن قلت: الإلهام ليس بحجة عند الأصوليين؛ لعدم الثقة بخواطر من ليس
بمعصوم، قلت: ذاك في الأحكام الشرعية، وهذا غير ما نحن فيه مما يتعلق بمعرفة
دسائس النفس ووساوسها الحاملة على الشر، وأخلاقها الكاملة الحاملة على الخير المعبر
عنهما باللمتين، فالتمييز بينهما المطلوب عند كل كامل يتوقف على ما مرَّ، فإذا وجد
ظهر له أماراته فعرف أحكام خواطره بوزنها تميزات الشرع وتميز جيدها من رديئها،
وإذا لم يوجد عميت عليه طرق ذلك التميز، وانسدت عليه أبواب الخير، وصار في غاية
من الحيرة والانحطاط عن الكمال. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ).
٧٥ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ
حَتَّى يُقَالَ هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ فَقُولُوا: ﴿اللّهُ
أَحَدَّ * اللّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوَّا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١-٤] ثُمَّ
لْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَسَنَذكُر حَديثَ
عَمْرو بن الأَخوَصِ فِي بَابٍ خُطْبته يَومَ النَّحْرِ إِنْ شاءَ اللهُ تَعالَى].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ عَنْ [رَسُولِ اللّه](٤) ◌ِ﴿ قَالَ: لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى
يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللّهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللّهَ؟) مرَّ الكلام على ذلك، (فَإِذَا قَالُوا ذَلك،
(١) أخرجه أبو داود (٤٧٢٢).
(٢) وردت في المشكاة المطبوعة بلفظ: النبي.
كتاب الإيمان/ باب في الوسوسة
فَقُولُوا) في رد هذا القول أو الوسوسة: ((اللهُ أَحَدٌ﴾(١)) أي: لا ثاني له، ولا مثل في ذاته
ولا في صفاته ولا في أفعاله؛ لأنه لم يزل أبدًا وأزلاً بصفة الكمال المطلق (﴿اللهُ
الصَّمَدُ﴾(٢)) أي: الذي يصمد له، ويقصد في الحوائج، فهو الغني عمَّا سواه، وكل
مخلوقاته مفتقرون إليه (﴿لَمْ يَلِدْ﴾) لأنه المتنزه عن كل سمة من سمات الحدوث، وما
يستلزمها (﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾(٣)) لأنه القديم الذي لا ابتداء لوجوده ولا انتهاء (﴿وَلَمْ يَكُن
لَّهُ كُفُوًا﴾) أي: نظيرًا ولا مماثلاً في شيء من صفات ظاهره وباهر أفعاله (﴿أَحَدٌ﴾(٤))
لتعاليه تعالى عن كل وصف ليس فيه غاية الكمال، واتصاف غيره بكل عجز وافتقار
وزوال.
وبما تقرر يعلم أن كل وصف من هذه الأوصاف يدل دلالة واضحة على أنه
تعالى ليس بمخلوق، وإلا لكان خالقه أولى بأن يكون هو الأحد الصمد، ولم يولد
صريح في ذلك، ولم يلد، ولم يكن له كفوا أحد يتأديان بأنه إذا انتفى الكفء، وهو
مساوٍ والولد، وهو أدون في الألوهية انتفى الأعلى منه بالأولى.
(ثُمَّ لِيَتْقُلْ) أي: ليبصق بفمه (عَنْ يَسَارِهِ ثَلاثًا) إظهارًا لكراهة ذلك الشيء،
ونفرته عنه؛ لبلوغه الغاية في القبح، وإرغامًا للشيطان، وتحقيرًا له ولوساوسه
(ولَيَستَعِذْ باللهِ مِن الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) أي: يعتصم به من كيد ذلك اللعين، ويطلب
منه الإعانة على دفع وساوسه التي يدق إدراكها المبالغة في زخرفتها حتى تلتمس على
كثيرين بالحق، فيقعوا في ورطة باطلها ونقصها. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَستَذكُر حَديثَ
عَمْرو بن الأَخْوَصِ فِي بَابٍ خُطْبته يَومَ النَّحْرِ إِنْ شاءَ اللهُ تَعالَى).
(١) الإخلاص:١.
(٢) الإخلاص:؟.
(٣) الإخلاص: ٣.
(٤) الإخلاص:٤.
٤٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
(الفصل الثالث)
٧٦ - [وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: (لَنْ يَبْرَحَ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى
يَقُولُوا: هَذَا اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، فَمَنْ خَلَقَ اللّهَ؟)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلمسلِمٍ قَالَ: قَالَ اللهُ
وَكَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يَزَالُونَ يَقُولُونَ: مَا كَذَا؟ ومَا كَذَا؟ حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللهُ خَلَقَ الْخَلْقَ،
فَمَنْ خَلَقَ اللّهَ وَّ؟(١)].
(عَنْ أَفَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهُ: لَنْ يَبْرَح) من برح ثبت في البراح، وهو
المكان المتسع الظاهر، وإفادته الإثبات؛ لأنه كـ((زال)) يفيد معنى النفي، فإذا دخل عليه
نفي آخر أثبته؛ لأن نفي النفي إثبات (النَّاس يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يَقُولُوا: [لَا إِلَه إِلََّ الله] (٢)
مبتدأ وخبر (خَلَقَ كُلَّ شَيْء) استئناف أو حال بتقدير قد، وعاملها معنى الإشارة،
و(الله)) بيان، و((خلق)) خبره كما مرَّ (فَمَنْ خَلَقَ اللّهَ وَكَ؟ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ) ومن شرحه.
(ولمسلم: قَالَ) بَّهِ (قَالَ اللهُ وَقَ) إعلامًا لنبيه وَّ بما سيقع من أمته؛
ليحذرهم عنه: (إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يَزَالُونَ يَقُولُونَ: مَا كَذَا؟ ومَا كَذَا؟) أي: ما شأنه؟ ومن
خلقه؟ (حَتَّى) يتجاوزوا الحد، وينتهوا إلى أن (يَقُولُوا: هَذَا اللهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ
خَلَقَ اللهَ رَك؟) فيه إرشادنا إلى ذكر ما يشعر بالتنزيه عقب ما يحكى مما يشعر بخلافه،
ومنه قوله وليد: ((ينزل ربنا تبارك وتعالى))(٣).
٧٧ - [وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ﴾ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ
حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَّ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَهُ: ((ذَاكَ شَيْطَانَ يُقَالُ
لَهُ: خِنِْبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا)). قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ
فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّ (٤). رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
(١) أخرجه البخاري (٦٨٦٦)، ومسلم (٣٦٠)، وأحمد (١٢٣٢١)، وأبو داود (٤٧٢٣).
(٢) وردت في المشكاة المطبوعة بلفظ: هذا.
(٣) أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (١٨٠٨)، ومالك (٥٠٢)، وأحمد (٧٨٠٤).
(٤) أخرجه مسلم (٢٢٠٣)، وأحمد (١٧٩٢٨)، وعبد الرزاق (٤٢٢٠)، وابن أبي شيبة (٢٣٦٠٠).
٤٢١
كتاب الإيمان/ باب في الوسوسة
(وَعَنْ عُثْمَانَ (بْنِ أَبِي الْعَاصِ)(١) ﴿ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُول الله إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ
حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاِي و) بيني وَبَيْنَ (قِرَاءَتِي) فيها أو مطلقًا؛ أي: جعل بيني وبين
كمالها حاجزًا من وسوسته المانعة من روح العبادة، وسرها؛ وهو الخشوع، كما أفاد
ذلك بيانه له بقوله: (يَلْبِسُهَا) بفتح فسكون فكسر، أو ضم ففتح فتشديد للموحدة من
((لبس)) بفتح الباء؛ أي: خلط، ومنه: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] أي:
يخلطها (عَلَيَّ) وشككني فيها.
(فَقَالَ [رَسُولُ اللهِ وَّه](٢): ذَاكِ) الذي يلبس على الناس صلواتهم وقراءتهم
(شَيْطَانُ يُقَالُ لَهُ: خِنْزِبُ) بمعجمة مكسورة فنون ساكنة؛ أي: مكسورة أو مفتوحة،
ويصح فتح الجامع ضم الزاي وفتحها (فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ) بأن أوقع بك وسوسته الحائلة
بينك وبين عبادتك (فَتَعَوَّذْ بِاللّهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ
فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّي) ببركة ذلك الدواء النافع الصادر عمَّن أطلعه الله على بواطن الأمور
وظواهرها. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
٧٨ - [وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَه فَقَالَ: إِنِّي أَهِمُ فِي صَلَاتِي فَيَكْثُرُ
ذَلِكَ عَّ. فَقَالَ لَّهُ: امْضِ فِي صَلَاتِكَ فَإِنَّهُ لَنْ يَذْهَبَ عَنْكَ حَقَّى تَنْصَرِفَ وَأَنْتَ تَقُولُ:
مَا أَتْمَمْتُ صَلَاتِي (٣). رَوَاهُ مَالِكُ].
(وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بن أبي بكر الصديق ﴾ (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَه فَقَالَ: إِنّي
أَهِمْ) من وهمت بالفتح أهم وهمًّا: إذا أذهب وهمك لشيء وأنت تريد غيره، وأمَّا أوهم
فمن وهم بالكسر؛ أي: غلط (في صَلَاقِي فَيَكْثُرُ ذَلِكَ) الوهم؛ أي: الوسوسة (عَلَّ، فَقَالَ
لَهُ: أَمْضِ فِي صَلَاتِكَ) ولا تلتفت إلى وسوسته (فَإِنَّهُ) أي: الشأن (لَنْ يَذْهَبَ ذَلك عَنْكَ
(١) سقطت في الأصل.
(٢) سقطت في الأصل.
(٣) أخرجه مالك (٣٣٢).
٤٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
حَتَّى تَنْصَرِفَ وَأَنْتَ تَقُولُ: مَا أَثْمَمْتُ [صَلَوَاتِي)(١) . رَوَاهُ مَالِكُ).
والمعنى: إن الشيطان لعظيم كيده ومكره لا يذهب عنك خطراته حتى تصدقه
فيها، وتعمل بقضيتها من أنك ما أتممت صلاتك، وليس قصده بذلك إلا إيقاعك في
الوهم والحيرة، فاحذر أن تطيعه بل اعرض عنه، وقل له: لا أقبل قولك، ولأتمها إرغامًا
لأنفك وردعًا لك عمَّا تريده مني، وهذا أصل عظيم ودواء نافع لدفع وسوسة وقمع
هواجسه في سائر الطاعات.
فإن قلت: يعارض ذلك قول الأئمة متى تردد المصلي برجحان أو مرجوحية، أو
تساوى في أنه أتم صلاته أو لا كأن شكَّ أصلى ثلاثًا أو أربعًا لزمه الأخذ بالأقل، وإن
أخبره كثيرون بالتمام، بل وإن بلغوا عدد التواتر على ما اقتضاه كثير من عباراتهم.
قلت: ليس هذا مما نحن فيه؛ لأن كلامهم في تردد وقع واستقر في النفس، وما
في تلك الأحاديث في الخطرات التي تتوارد على النفس من غير ثبوت لها ولا استقرار،
وهذا من حديث النفس المعفو عنه كما مرَّ، فلا يترتب عليه حكم في الصلاة ولا في
الإيمان ولا في غيرها.
(١) وردت في المشكاة المطبوعة بلفظ: صلاتي.
(باب الإيمان بالقدر)
سيأتي في تاسع الأحاديث بسط الكلام عليه، ومرَّ في حديث جبريل أنه غير
القضاء؛ لأن القضاء إرادة الله تعالى إيجاد العالم على نظامه العجيب، والقدر تعلق
تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها، ومن ثم لما أشكل على بعض الأئمة قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ
هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] مع خبر: ((جف القلم بما أنت لاقٍ)(١) أجاب بأنها شؤون
يبديها؛ أي: بقدره لا شؤون يبتديها؛ أي: لفراغ القضاء بها.
(الفصل الأول)
٧٩ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: («كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ
الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى
الْمَاءِ))(٢). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ:
كَتَبَ اللهُ مَقَادِير الْخَلَائِقِ) جمع: مقدار، وهو ما يصرف به كمية الشيء کالمیزان، وقد
يراد به نفس القدر وهو الكمية؛ أي: أمر تعالى القلم أن يثبت في اللوح المحفوظ ما
سيوجد من الخلائق ذواتًا وصفاتًا، خيرها وشرها على وفق ما تعلقت به إرادته تعالى في
الأزل، شبَّه ذلك بإثبات الكاتب ما في ذهنه بقلمه على لوحه، وحكمة ذلك: اطلاع
الملائكة على ما سيقع؛ ليزدادوا بوقوعه إيمانًا وتصديقًا، ولتعلموا لمن يستحق المدح
والذم، فيعرفوا لكل مرتبة.
ويصح أن يُراد بكتب قدر، وعين تلك المقادير تعيينًا بتًّا لا يمكن وقوع
خلافه بالنسبة لما في علمه القديم المعبر عنه بـ((أم الكتاب)) أو معلقًا كأن يكتب في
(١) أخرجه البخاري (٤٧٨٨)، والنسائي (٣٢١٥).
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٥٣)، والخطيب (٧٢١).
٤٢٣
٤٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
اللوح المحفوظ: فلان يعيش عشرين إن زار وخمسة عشر إن لم يزر، وهذا هو الذي
يقبل المحو والإثبات المذكورين في قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُ
الكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] أي: التي لا محو فيها ولا إثبات، فلا يقع منهما إلا ما يوافق ما
أبرم.
(قَبْل أَنْ يَخْلُقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْض ◌ِخَمْسِينَ أَلْف سَنَة) إمَّا كناية عن تطاول المدد
بين التقدير والخلق؛ إذ المراد به ظاهره، وإن لم يخلق إذ ذاك زمان، وما تجدد به من
الأيام والشهور والسنين؛ لأن المراد مقدار ذلك من الزمان الذي سيخلق، ونظيره
﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُونَ﴾ [الحج:٤٧].
(قَالَ: وَاكَانَ](١) عَرْشه عَلَى الْمَاء) اختلفت الروايات في أول المخلوقات،
وحاصلها كما بينته في شرح ((شمائل الترمذي)) أن أولها النور الذي خلق منه وَلا، ثم
الماء، ثم العرش.
(رَوَاهُ مُسْلِمْ) وفيه إشارة إلى ما صرحوا به من وجوب الإيمان بالقدر، وهو
اعتقاد أن الله تعالى خالق لأعمال العباد خيرها وشرها، إيمانها وكفرها، طاعتها
ومعصيتها، كتبها عليهم قبل خلقهم، قال تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾
[الصافات: ٩٦] أي: وعلمكم.
﴿كَذَلِكَ زَيَّنَا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾ [الأنعام:١١٠].
﴿ صَرَّفَ اللهُ قُلُوبَهُم﴾ [التوبة: ١٢٧].
﴿ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم:٢٧].
﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ
ضَيِّقًا حَرَجًّا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ... ﴾ [الأنعام: ١٢٥] فالكل بقضائه تعالى وإرادته
(١) سقطت في الأصل.
٤٢٥
كتاب الإيمان/ باب الإيمان بالقدر
ومشيئته غير أنه يرضى بالطاعة فيثيب عليها، لا المعصية فيعاقب عليها، ولا يرضى
لعباده الكفر، أهّل أهل اليمين فخلقهم للنعيم الأبدي فضلاً، وأبعد أهل الشمال
فخلقهم للجحيم عدلاً، فالقدر سر من أسراره تعالى لم يطلع عليه ملگا مقربًا ولا نبيًّا
مرسلاً.
ومن ثم قال رجل لعلي كرم الله وجهه: ((أخبرني عن القدر. قال: طريق مظلم لا
تسلكه، فأعاد، قال: بحر عميق لا تُلجه، فأعاد، قال: سر الله خفي عليك فلا تفشه)
ومن ثم لم يجز الخوض فيه، ولا البحث عنه بطريق العقل لما تقدر من قصوره عن
دركه، فلا يزيده البحث فيه إلا ضلالاً وحيرة.
٨٠ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: كُلُّ شَيْءٍ
بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَن إِبْن عُمَر - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: كُلّ شَيْء) ممكن
موجودًا أو معدومًا، حالاً أو مالاً، صادر أوملتبس (بِقَدَرٍ) بفتح الدال؛ أي: تقدير
وخلق من الله تعالى، ويصح زيادة الباء، فالمقدر بمعنى القدر؛ أي: كل شيء مقدر لله
تعالى؛ أي: ناشئ عن خلقه وإرادته، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلُّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:
٤٩] على ما فيها من الأعاريب التي لا يخفى وجهها.
(حَتَّى الْعَجْز) أي: الضعف في البدن أو الرأي أو التميز (والگیْس) بفتح الكاف،
وهو: جودة القريحة وكمال العقل، ومعرفة حقائق الأمور ضارها من نافعها، ووجه هذه
المقابلة مع أن المقابل الحقيقي للكيس البلادة، وللعجز القوة إفضاء الكيس بصاحبه
إلى القوة والجلادة والحزم في الأمور، وذلك يقتضي العجز أو تقييد كل منهما بمضاد
الآخر؛ أي: حتى العجز والبلادة والكيس والقوة من قدر الله، ففيه أوضح رد على من
أثبت قدره لغير الله مطلقًا زاعمًا أن فعل العبد خيره وشره مستند إلى قدرته
واختياره.
(١) أخرجه مسلم (٢٦٥٥)، وأحمد (٥٨٩٣).