النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] بناءً على
أنها هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ [النمل: ١٢] وهي:
اليد، والعصا، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والسنون، ونقص
الثمرات.
وقيل: التسع في الأولى الأحكام، فهي في الحديث الأحكام العامة الشاملة للملل
كلها، فما بعدها بيان لها كما يأتي.
ويؤيد الأول ما في خبر الترمذي أنهما سألاه عن هذه الآية، فحذف الراوي
جوابه بذلك للعلم به من القرآن أو غيره، وابتدأ بكلام مستأنف لحكمة هي: إجماع
الملل على تحريم تلك المذكورات، وزاد فيها على التسع عاشرة لما مرَّ أنه وَلّ كالطبيب
الماهر، فیزید ما یری زیادته نافعة للسائل کما وقع له ذلك في وقائع أخرى كثيرة، وغيّر
فيها الأسلوب؛ لأنها لا تعلق لها بسؤالهم مع اختصاصهما بدينهم أو على نبوة محمد وليه
إذا جاءهم عنها بطبْق ما عندهم في تلك التسع المتفق عليها بينهم وبين المسلمين مع
زيادته العاشرة المختصة بهم.
فسؤالهم كان عن تلك المتفق عليها، وأضمروا ما اختصوا به امتحانًا، فأجابهم
* عن الأمرين؛ ليكون أدل على معجزته، ومن ثم قبَّلا يديه، ويحتمل أنهم سألوه عن
الکل - تسع آیات موسی - فأجابهم عنها، وحذفه الراوي لما مرَّ.
وعن التسعة الأحكام التي اجتمعت عليها الملل مع إضمارهم لتلك العاشرة،
وهذا أولى؛ لأنه أبهر في المعجزة وأوفق لرواية الترمذي السابقة، (فَقَالَ [رَسُولُ الله](١)
وَالّ: لا تُشْرِكُوا بِاللّهِ شَيْئًا) ظاهرًا أو خفيًّا، فيشمل النهي عن سائر أنواع الرياء كما مرَّ
(وَلَا تَسْرِقُوا) شيئًا وإن قلَّ؛ لأن السرقة من الداء الخبيث الذي يعسر التنقي عنه،
فتؤدي سرقة القليل إلى سرقة الكثير؛ ولذا قال لهم: ((لعن الله السارق يسرق البيضة
(١) سقطت في الأصل.
٣٨٧
كتاب الإيمان/ باب الكبائر وعلامات النّفاق
فتقطع يده»(١).
(وَلَا تَزْنُوا) أي: لا يقع منكم وطء محرم لذاته، ولو لواًا وإتيان بهيمة، فهما
كبيرتان كالزنا بل قال جماعة: إن اللواط أقبح من الزنا؛ لأن الملوط به لا يمكن أن
يتصور حلّه بخلاف المزني بها غير المحرم، وألحق خلافه لما يترتب على الزنا من
اختلاط [الأنساب](٢) المؤدي إلى مفاسد عامة لا تحصى بخلاف اللواط؛ ولذا لم يقل
أبو حنيفة فیه باحدِّ.
(﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾(٣) وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ) باؤه
للتعدية (إِلَى ذِي سُلْطَان) أي: شوكة (لِيَقْتُلَه) مثلاً؛ أي: لا ترموا أحدًا بذنب هو
بريء منه عند ذي شوكة، فإنه يبالغ في إيذائه، فيكون عليكم مثل ذلك العقاب
للخبر الآتي: «ومن سنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من يعمل بها إلى يوم
القيامة)) (٤).
(وَلَا تَسْحَرُوا) أحدًا بشيء من أنواع السحر وإن قلَّ ضرره، (وَلَا تَأْكُلُوا الرَّبَا،
وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً، وَلا تُولُّوا) أصله: تتولوا (للْفِرَار) أي: لأجله، وخرج به التحيز
والتحرف السابقان (يَوْمَ الزَّحْفِ) أي: الحرب (وَعَلَيْكُمْ) خبر ((ألا تعتدوا)) أو بمعنى
الدبر، أو (ألا تعتدوا)) مفعول به حال كونكم (خَاصَّة) أي: مخصوصين بهذه العاشرة،
أو حال كون عدم الاعتداء مختصًّا بكم دون غيركم من الملل.
(الْيَّهُودَ) أي: أعني: اليهود، أو التقدير: أخص اليهود خصوصًا، وروي (يهود))
(١) أخرجه البخاري (٦٤٠١)، ومسلم (١٦٨٧) وأحمد (٧٤٣٠)، والنسائي (٤٨٧٣)، وابن ماجه
(٢٥٨٣).
(٢) في الأصل: ((الأسباب)).
(٣) الأنعام: ١٥١.
(٤) أخرجه مسلم (١٠١٧) وأحمد (١٩١٧٩) والطيالسي (٦٧٠) والترمذي (٢٦٧٥) والنسائي (٢٥٥٤)
وابن ماجه (٢٠٣) وابن حبان (٣٣٠٨) وابن أبي شيبة (٩٨٠٣) والطبراني (٢٤٣٧)، والبيهقي
(٧٥٣٠).
٣٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
بالضم على أنه منادى (أَلَّا تَعْتَدُوا) أي: تتجاوزوا ما حد لكم (في) يوم (السَّبْتِ) من
عدم الاصطياد (قَالَ) صفوان: (فَقَبَّلَا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ) لما أجابهما عمَّا سألاه وأبطناه،
(وَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيّ) ويلزم من شهادتهما بذلك إقرارهما بعموم رسالته؛ لأنه أخبر
بذلك، والنبي لا يجوز عليه الكذب إجماعًا، وإن لم يصيرا بذلك مسلمين؛ لأنهما لم
يضما إليه التصريح باعتقاد ذلك العموم اللازم القول ليس بقول، ومن ثم لا يسلم
العيسوية بنطقهم بالشهادتين، وهم فرقة من اليهود يعترفون برسالته ويل و لكن إلى
العرب خاصة.
قيل: وجميع أهل الملل بعد وفاته معترفون بذلك؛ إذ لم يسع أحد إنكار أصل
نبوته گچ.
(قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكُمْ) أي: من (أَنْ تَتَّبِعُونِي) فيما جئت به، وقد علمتم أني
نبي الله ورسوله إليكم وإلى كافة الإنس والجن.
(قَالَا: إِنَّ دَاوُدَ) التَّةِ (دَعَا رَبَّهُ أَنْ) أي: بأن (لَا يَزَالَ مِن ذُرِّيَّتِهِ نَبي) أي: أَلَّا
تنقطع النبوة من ذريته إلى يوم القيامة، ودعاء داود مستجاب قطعًا؛ لأن الله تعالى لا
يرد دعوة نبي بذلك، وحينئذ فسيكون من ذريته نبي تتبعه اليهود، وربما يكون لهم
الغلبة والشرك.
(وَإِنَّا تَخَافُ إِنْ) تركنا دينهم (واتَّبِعْنَاكَ(١)) جزاؤه محذوف لدلالة ما قبله وما
بعده عليه (أَنْ تَقْتُلَنَا الْتَّهُودُ) إذا ظهر لهم نبي وقوة، وهذا منهم كذب قبيح وافتراء
شنيع على داود؛ إذ كيف يتصور منه تجويز وقوع ذلك فضلاً عن الدعاء به، وقد قرأ ما
في التوراة وأنزل الله عليه في زبوره من بعث محمد، وأنه خاتم النبيين، وأن دينه ينسخ
جميع الأديان والكتب، وكان وضوح كذبهم والعلم بالضرورة لكل أحد، وظهور عنادهم
بذلك هو الحامل له وير على السكون عنهم وعدم الحجاج معهم؛ إذ المعاند لا ينفع معه
(١) وردت في المشكاة المطبوعة بلفظ: تبعناك.
٣٨٩
كتاب الإيمان/ باب الكبائر وعلامات النّفاق
دليل. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَالنَّسَائِيّ).
٥٩ - [وَعَنْ أَنَسِ عِيهَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: (ثَلَاثَةُ مِنْ أَصْلِ الإِيمَانِ: الْكَفُّ
عَمَّنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَلَا تُكَفِّرْهُ بِذَنْبٍ، وَلَا تُخْرِجْهُ مِنَ الإِسْلَامِ بِعَمَلٍ، وَالْجِهَادُ
مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِيَ اللهُ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلَا عَدْلُ
عَادِلٍ، وَالإِيمَانُ بِالأَقْدَارِ (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ:) خصال (ثَلَاثُ مِنْ أَصْلِ الإِيمَانِ)
أسسه، وقاعدته المبني هو عليهما، ويرتفع بارتفاعهما:
الأولى: (الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) محمد رسول الله، وحذف لما هو معلوم
أن الإيمان لا يتحقق إلا بالشهادتين، ومعنى الكف عنه: إنك أيها المخاطب أو إننا
معشر المسلمين (لَا يُكَفِّرُهُ(٢)) بالياء جزم نهيًا، وبالنون وضمها خبرًا، وكذا ما بعده
(بِذَّئْبٍ) يرتكبه خلافًا للخوارج فإنهم يكفرون ذا الكبيرة ([وَلَا)(٣) يُخْرِجُهُ مِنَ
الإِسْلَامِ بِعَمَلٍ) من الكبائر فضلاً عن غيرها بعلمه، خلافًا للمعتزلة فإنهم يزعمون أن
ذا الكبيرة خارج عن الإسلام غير داخل في الكفر؛ لإثباتهم منزلة بين المنزلتين، وكلا
المذهبين باطل بهذا الحديث وغيره مما مرَّ وغيره أن الإنسان لا ينسلب عنه أصل
الإيمان بشيء من الذنوب التي لا تقتضي ردة، بل هو من المؤمنين الذين يدخلون الجنة
ابتداء إن عفي عنه وإلا فبعد ما يريده الله من عذابه، ولا يخلد في النار كما صرحت
به النصوص المتواترة.
(وَ) الثانية: (الْجِهَادُ) وهو أمر (مَاضٍ) أي: لازم مستمر وجوبه الذي على
الكفاية على الأمة جميعهم (مُذْ) أي: من حين شرع إليَّ بعد هجرتي إلى المدينة الواقعة
(١) أخرجه أبو داود (٢٥٣٢)، والبيهقي (١٨٢٦١)، وسعيد بن منصور (٢٣٦٧)، وأبو يعلى (٤٣١١)،
والديلمى (٢٤٦٥).
(٢) وردت في المشكاة المطبوعة بلفظ: لا تكفره.
(٣) سقطت في الأصل.
٣٩٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
بعدها (بَعَثَنِي اللّهُ) بمكة (إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخَرُ هَذه الأمَّة الدَّجَّالَ) فيجب اعتقاد
استمرار ذلك، وأنه (لَا يُبْطِلُهُ) أي: وجوبه صفة ما هن أو خبر بعد خبر (جَوْرُ جَائِرٍ)
بل يجب على الناس مطاوعة الإمام فيه، ولو كان جائزًا كما يجب ذلك في غيره، وفي
الخبر: ((الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برًّا كان أو فاجرًا))(١).
(وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ) وإن استغنى الناس بعدله عن الغنائم؛ لأن القصد من الجهاد
إعلاء كلمة الله، فاحتيج لهذا نفيًا لهذا التوهم، وإن كان من شأن عدل العادل أنه لا
يتوهم فيه إبطال الجهاد بل تقويته، ولما نظر الشارح لهذا هذا تتميم وإلا فعدل العادل
لا یتوهم فيه إبطال.
وعنا بالدجال؛ لأن بعد قتله يخرج يأجوج ومأجوج وهم لا يطاقون، وبعد
فنائهم لم يبقَ كافر كذا قاله شارح، وقال آخر: وبعد فنائهم لم يبقَ كافر مادام عيسى في
الأرض حيًّا، فإذا مات كفر بعض المسلمين، ولم يقدر أحد على القتال؛ لموت
المسلمین کلهم عن قرب. انتهى.
وفي تحقيق ذلك بسط ذكرته في كتابي الذي في المهدي، والحاصل أنه إنما عني
بذلك إشارة إلى أن ما بعده يخل فيه النظام، ويقل فيه المسلمون بحيث لا يقاومون
غيرهم، وعند ذلك لا وجوب عليهم بنص آية الأنفال، وفيه رد على المنافقين وبعض
الكفرة لزعمهم أن دولة الإسلام تنقرض بعد أيام قلائل، فكأنه قتل إعلام دولة
الإسلام منشورة وأولياء ملته منصورة وأعداؤه مقهورة إلى يوم القيامة.
ولعل البغوي إنما أورد هذا الحديث في هذا الباب لهذا المعنى، وكذا الذي قبله
النفاق اليهود بيَّن بقولهم: ((نشهد أنك نبي)) ثم قولهما: ((إن داود .. إلى آخره)) لدلالته على
أنه لم يقولاه عن اعتقاد.
(وَ) الثالثة: (الإِيمَانُ بِالأَقْدَارِ) كلها؛ أي: بأن ما يجري في العالم هو من
(١) أخرجه أبو داود (٢٥٣٣)، والبيهقي (٥٠٨٣)، والطبراني في الشاميين (١٥١٢)، والديلمي (٢٦٣٨).
٣٩١
كتاب الإيمان/ باب الكبائر وعلامات التّفاق
قضاء الله وقدره ردًّا على المعتزلة في إثباتهم للعبد قدرة مستقلة بإيجاد المعصية،
احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩].
وقوله وَ له: ((والشر ليس إليك))(١) جهلاً منهم بالمعنى المسبوق له هذا الكلام أن
نحو الخصب المكني عنه بالحسنة من محض فضل الله، والجذب المكني عنه بالسيئة
من عملهم الخبيث ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠]
وبأن هذا إنما هو من باب الأدب، وألا ينسب إليه تعالى الأشياء الكاملة دون غيرها
وإن كانت من خلقه، وكما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلُّ مِّنْ عِندِ اللهِ﴾ [النساء: ٧٨].
وقد منع أئمتنا أن يقال: يا خالق القردة والخنازير، وإن كان خلقهما عملاً
بتلك القاعدة على أن الذي جرى عليه الزمخشري منهم كما يأتي في باب القدرة أن
كلًّا من الطاعة والسببية من فعل العبد، وحينئذ فلا حجة لهم في الآية بوجه. (رَوَاهُ أَبُو
دَاوُد).
٦٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ:((إِذَا زَلَى الْعَبْدُ خَرَجَ مِنْهُ الإِيمَانُ
فَكَانَ فَوْقَ رَأْسِهِ كَالظُّلَّةِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ رَجَعَ إِلَيْهِ الإِيمَانُ)) (٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَأَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َيْهِ: إِذَا زَلَى الْعَبْدُ خَرَجَ مِنْهُ الإِيمَانُ)
أي: نوره وأعظم شعبه، وهو الحياء من الله تعالى، ([وَكَانَ] (٣) فَوْقَ رَأْسِهِ كَالظُّلَّةِ) هو:
أول سحابة تظل الأرض، أو فيه إشارة إلى أنه وإن خالف حكم الإيمان، فإنه تحت
(١) أخرجه مسلم (٧٧١)، وأحمد (٧٢٩)، والطيالسي (١٥٢)، وعبد الرزاق (٢٥٦٧)، وابن أبي شيبة
(٢٣٩٩)، وأبو داود (٧٦٠)، والترمذي (٣٤٢١)، والنسائي (٨٩٧)، وابن خزيمة (٤٦٢)، وابن
حبان (١٧٧٤)، والدارقطني (١)، والبيهقي (٢١٧٢).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٦٩٠)، والترمذي (٢٨٣٤)، والحاكم (٥٦) وقال: صحيح على شرط
الشيخين. ووافقه الذهبي. والبيهقي في شعب الإيمان (٥٣٦٤).
(٣) وردت في المشكاة المطبوعة بلفظ: فكان.
٣٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
ظلِّه لا يزول عنه حكمه، ولا يرتفع عنه اسمه (فَإِذَا [فَرَغَ](١) مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ) وتاب
(رَجَعَ إِلَيْهِ الإِيمَانُ) بكماله كما يأتي.
وهذا من باب التمثيل نظير ما مر في تمثيل ذلك بفك الأصابع بعد تشبيكها
إعلامًا بمزيد قبح الزنا ونحوه، ومبالغة في التغليظ والتشديد في الزجر عنه، فهو كما
يقال لمن اشتهر بالرجولية ثم فعل ما ينافي شيمته: ((هذا عدمت منه المروءة والرجولية»
تعيرًا له وتكبرًا لما ينتهي عمَّا صنع، وتنبيهًا على أن الزنا من شيم أهل الكفر
وأعمالهم، فالجمع بينه وبين الإيمان كالجمع بين المتنافقين. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد).
(الفصل الثالث)
٦١ - [عَنْ مُعَاذٍ ﴾ قَالَ: أَوْصَانِي رَسُولُ الله ◌ِه بِعَشْرِ كَلِمَاتٍ، قَالَ: ((لَا تُشْرِكْ
بِاللهِ شَيْئًا وَإِنْ قُتِلْتَ وَحُرَّقْتَ، وَلَا تَعُقَّنَّ وَالِدَيْكَ وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ
وَمَالِكَ، وَلَا تَتْرُكَنَّ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا، فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ
بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللهِ، وَلَا تَشْرَبَنَّ خَمْرًا فَإِنَّهُ رَأْسُ كُلِّ فَاحِشَةٍ، وَإِيَّاكَ وَالْمَعْصِيَةَ؛ فَإِنَّ ◌ِي
الْمَعْصِيَةِ حَلَّ سَخَطُ اللّه ◌َ وَإِيَّاكَ وَالْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ وَإِنْ هَلَكَ النَّاسُ، وَإِذَا أَصَابَ
النَّاسَ موتُّ وَأَنْتَ فِيهِمْ فَاثْبُتْ، وَأَنْفِقْ عَلَى عِيَالِكَ مِنْ طَوْلِكَ، وَلَا تَرْفَعْ عَنْهُمْ عَصَاكَ
أَدَبًّا، وَأَخِفْهُمْ فِي الله))(٤). رَوَاهُ أَحْمَدُ].
(عَنْ مُعَاذٍ ﴾ قَالَ: أَوْصَانِي رَسُولُ اللهِ وَهَ بِعَشْرِ كَلِمَاتٍ، قَالَ: لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ
شَيْئًا) من أنواع الشرك الظاهر الذي هو الكفر بالله تعالى (وَإِنْ قُتِلْتَ وَحُرِّقْتَ)
شرط للمبالغة باعتبار الأكمل؛ أي: وإن عرض عليك القتل بل أو التحريق، وهذا
باعتبار الأكمل من صبر المكره على ما هدد به، وبحث أن محل هذا في غير من لم
يحصل للإِسلام وهن بموته، وإلا كعالم وشجاع يحصل بموته ذلك، فالأولى له أن يأتي
بما يكره عليه، ولا يصبر على ما هدد به رعاية لأخف المفسدتين.
(١) وردت في المشكاة المطبوعة بلفظ: خرج.
(٢) أخرجه أحمد (٢٢١٢٨)، والطبراني (١٥٦).
٣٩٣
كتاب الإيمان/ باب الكبائر وعلامات النّفاق
أمَّا باعتبار أصل الجواز، فيجوز له أن يتلفظ وأن يفعل ما يقتضي الكفر إذا
هدد ولو بنحو ضرب شديد، أو أخذ مال له وقع كما أفاد ذلك قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ
بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أَكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّ بِالإِيمَانِ ... ﴾ [النحل: ١٠٦].
(وَلَا تَعُقَّنَّ وَالِدَيْكَ) أو أحدهما، ومن ضابط العقوق: (وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ
أَهْلِكَ وَمَالِكَ) شرط للمبالغة باعتبار الأكمل كالذي قبله؛ أي: لا تخالف واحدًا
منهما، وإن غلا في شيء أمرك به وإن كان زوجة أو هبة.
قال: أما باعتبار أصل الجواز، فلا يلزمه طلاق زوجته أمراه بفراقها، وإن تأذيا
ببقائها إيذاءً شديدًا؛ لأنه يحصل له ضرر به فلا يكلفه لأجلهما، إذ من شأن شفقتهما
أنهما لو تحققا ذلك لم يأمراه به، فإلزامهما له به مع ذلك حمق منهما لا يلتفت إليه،
وكذلك إخراج ماله، بل قال أئمتنا: لو لم يملك الأشياء يكفيه وزوجته فقط، ولا
يقدر على كسب غيره ولو أبوان لزمه تقديم نفقة زوجته عليهما، وإن أدى ذلك إلى
ضياعهما؛ لأن نفقتهما عوض ونفقتها تبرع فقدمت عليهما.
(وَلَا تَتْرُكَنَّ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا) عن وقتها، ولو بأن تأخرها عنه (فَإِنَّ مَنْ
تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً) ولو الجمعة إن لزمته، وإن قال: أصلي بدلها الظهر على الأصح
عندنا (مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِقَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ الله) كناية عن سقوط احترامه؛ لأنه بذلك الترك
عرض نفسه للعقوبة بالحبس عند جماعة من العلماء، ولقتله حدًّا لا كفرًا بشرط
إخراجها عن وقتها الضروري، وأمره بها في الوقت عند أئمتنا، ولقتله كفرًا فلا يصلى
علیه ولا يدفن بمقابرنا عند أحمد وآخرين.
(وَلَا تَشْرَبَنَّ خَمْرًا) أي: مسكرًا للخبر الصحيح: ((وكل مسكر خمر))(١) فلا نظر
إلى وضعها اللغوي: إنها المعتصرة من ماء العنب.
والمراد بالمسكر: ما من شأنه ذلك؛ إذ ما أسكر كثيره حُرم قليله، وحد شاربه
(١) أخرجه مسلم (٢٠٠٣)، وأحمد (٤٨٣١)، والطيالسي (١٩١٦)، وابن حبان (٥٣٦٦)، والترمذي
(١٨٦١) والنسائي في الكبرى (٥٠٩٣)، وأبو داود (٣٦٧٩)، والطبراني (١٣١٥٧).
٣٩٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
عند أكثر العلماء بل بالغوا في الرد على من خالف في ذلك (فَإِنَّهُ) أي: شربها المفهوم
من يشرب، ويصح عود الضمير للخمر وإن كانت مؤنثة؛ لما تقرر أن المراد بها المسكر
(رَأْسُ كُلٌّ فَاحِشَةٍ) لأن المانع عن الفواحش هو العقل؛ ولذا سمي عقلاً يعقل صاحبه
عن القبائح، فبزواله عن الإحسان يقع في كل فاحشة عرضت له؛ لأنه لا مانع له مع
انطباع النفس عن محبة كل رذيلة والمبادرة إليها.
(وَإِيَّاكَ وَالْمَعْصِيَةَ) من حيث هي فاحذرها ولو صغيرة، فهو تحذير؛ أي: تحذير
وتعميم بعد تخصيص إيذانًا بأعظمية مضار المعاصي السابقة وأكثرية مفاسدها، (فَإِنَّ)
أي: الشأن والأمر، وبهذا كما في خبر مسلم تعليلاً للنهي عن الصلاة التي لا سبب لها
وقت الاستواء، فإن حينئذ ((تسجر)) أي: توقد جهنم، فإن الشأن ردوا قول ابن الحاجب
أن حذف ضمير الشأن المنصوب ضعيف، ولك أن تجيب عنه بأنه ضعيف قياسًا؛ لأن
القصد من الكلام المصدرية هو التعظيم والفخامة، فلا يناسبه الحذف لا استعمالًا،
فلا يرد عليه ذلك أن الضعيف قياسًا لا استعمالًا، لا واقع حتى في القرآن في: ﴿قَتْلَ
أَوْلادِهِمْ شُرَّكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] بنصب ((أولاد)) الفاصل بين المضاف والمضاف إليه،
وهذا في غاية الشذوذ القياسي، وهو لا ينافي كثرة الاستعمال، وما وقع للزمخشري في
الكلام على هذه القراءة زلل منه.
(فِي الْمَعْصِيَةِ(١)) الصغيرة والكبيرة (حَلَّ سَخَطُ الله) على فاعلها؛ إذ حرمة
المعاصي هي حمى الله، فمن هتك ذا الحمى الأقدس حلَّ عليه ذلك السخط الأعظم؛ إذ
لا أغير من الملوك إذا هتك حماهم «أتعجبون من غيرة سعد أنا أغير منه، والله أغير
مني، ومن غيرته أن حرم الفواحش))(٢).
(وَإِنَّكَ وَالْفِرَارَ مِنَ الرَّحْفِ وَإِنْ هَلَكَ النَّاسُ) شرط للمبالغة باعتبار الأكمل
(١) وردت في المشكاة المطبوعة بلفظ: بالمعصية.
(٢) أخرجه البخاري (٦٩٨٠)، ومسلم (١٤٩٩)، وأحمد (١٨١٩٣)، وابن أبي شيبة (٢٧٨٨٤)،
وعبد بن حميد (٣٩٢)، وأبو عوانة (٤٧٢١).
٣٩٥
كتاب الإيمان/ باب الكبائر وعلامات النّفاق
نظير ما مرَّ، وإلا فقد علم من قوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ
ضَعْفًا ... ﴾ [الأنفال: ٦٦] أن الكفار حيث زادوا على الثلثين جاز الانصراف، وكذا إن لم
يريدوا قصد التحريف أو التخيير، قال تعالى: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾
[الأنفال: ١٦].
(وَإِذَا أَصَابَ النَّاسَ مَوت) أي: طاعون (وَأَنْتَ فِيهِمْ فَاثْبُتْ) وهذا للوجوب،
فيخرج من البلد الذي وقع فيه كما يحرم الدخول إليه؛ لقوله وتلهم: ((إذا وقع الطاعون
ببلد فلا تخرجوا منه وإذا وقع ببلد ولستم فيه فلا تدخلوا إليه)»(١).
وحكمه الأول: إن أهل البلد لو مكنوا من ذلك لذهبوا، وتركوا المرضى فيضيعوا.
والثاني: إن من قدم عليه ربما أصابه، فيسند ذلك إلى قدومه، ومحل الأمرين
حيث لا ضرورة إلى الدخول أو الخروج أولاً فلا إثم كما هو ظاهر.
(وَأَنْفِقْ عَلَى عِيَالِكَ) وهم من يلزمك نفقته شرعًا؛ كالزوجة، والمملوك، والأولاد
الصغار الذين لا مال لهم، والكبار العاجزين عن الكسب، والوالدين الذين لا مال لهم
وإن قدروا على الكسب؛ إذ لا يليق بحرمة الوالد تكليفه الكسب، وولده قادر ولو
بالكسب على إنفاقه (مِنْ طَوْلِكَ) أي: فضل مالك، ويلحق بفضل المال فضل الكسب،
ومن ثم قال أئمتنا: يلزم من لا مال له، وقدر على الكسب حلال أن يكتسب لمؤنة
من يلزمه مؤنتهم.
(وَلَا تَرْفَعْ عَنْهُمْ عَصَاكَ أَدَبًا) أي: لأجل تأديبهم (وَأَخِفْهُمْ فِي الله) هذان
الأمران للندب تارة، وللوجوب أخرى، قيس لكل إنسان أن يؤدب ويخوف نحو أولاده
الذين تحت حجره، ومماليكه عن سيئ الأخلاق وقبيح الأفعال، ويلزمه أمرهم بالصلاة
إن بلغوا سبع سنين وميزوا، فإن لم يفعلوا هددهم وجوبًا، فإن لم يفعلوا وبلغوا عشر
سنين لزمه ضربهم، وكالصلاة نحو الطهارة والسواك وسائر الشرائع الظاهرة، ويلزمه
(١) أخرجه بنحوه أحمد (١٥٤٧٣)، والطبراني (٤١٢٠) وابن قانع (١٨٥/١)، والطحاوي (٣٠٦/٤)، وأبو
نعيم في المعرفة (٥٦١٤).
٣٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
أيضًا أن ينهاهم عن نحو الزنا، فإن لم ينتهوا إلا بنحو الضرب لزمه ضربهم.
قال بعض أئمتنا: ويجب أمر الزوجة بالصلاة، وضربها على تركها، ونوزع في
الوجوب. (رَوَاهُ أَحْمَدُ).
٦٢ - [وَعَنْ حُذَيْفَة ◌َ﴾: إِنَّمَا النَّفَاقِ كَانَ عَلَى عَهْد رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَأَّمَّا الْيَوْمِ
فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرِ أَو الْإِيمَانِ (١)].
(وَعَنْ حُذَيْفَةٍ ﴾: إِنَّمَا التَّفَاق) الوارد علاماته وذمه في الأحاديث السابقة؛ أي:
إنما حكمه من تقرير المتلبسين به مع العلم بأعيانهم ونفاقهم (كَانَ عَلَى عَهْد
رَسُولَ الله وَله) بناء على أحد القولين إنه وَلّ كان يعلم أعيان المنافقين، وما هم عليه
من النفاق الذي هو إظهار الإيمان وإخفاء الكفر، ومع ذلك لم يقتلهم وتلم لاقتضاء
المصلحة ذلك كما أشار إليه وَله بقوله، وقد عرض له بقتلهم: ((لا يتحدث الناس أن
محمدًا يقتل أصحابه))(٢) أي: فيكون سببًا لنفرة الناس عن الإسلام خوفًا من نظير
ذلك القتل، فاقتضت المصلحة إبقاءهم طلبًا لتكثير جماعة المسلمين؛ لتآلف الناس
وإقبالهم على الإسلام لا سيما إذا سمعوا حسن معاملته لهم مع ما يصدر منهم من
المناوأة له ◌َّله والاستهزاء بدينه وأصحابه، فإن فيه غاية الإقبال بالناس إليه، وترغيبهم
في صحبته، والصدق معه سرًّا وعلنًا؛ إذ النفوس جبلت على غاية الانقياد والخضوع
لذوي الأخلاق الحسنة.
(فَأَمَّا الْيَوْمِ) أي: بعد وفاته ◌ََّ (فَإِنَّمَا هُوَ) أي: الشأن (الْكُفْرِ أَو الْإِيمَان) أي:
إمَّا إجراء أحكام الكفر على من أظهره أو أحكام الإيمان على من أظهره، ولا ثالث
لهما؛ فمن علمنا كفره ظاهرًا وباطنًا، أو ظاهرًا ولم نعلم حاله باطنًا عاملناه بقضية
الإسلام وجوبًا، ولا يتصور إلا أن يقال لنا منافق نعلم منه أنه كافر باطنًا فقط، وتجرى
(١) أخرجه البخاري (٧١١٤)، وابن أبي حاتم (١٣٧٢٣).
(٢) أخرجه البخاري (٤٦٢٢)، ومسلم (٢٥٨٤)، وأحمد (١٥٢٦٠)، والحميدي (١٢٣٩)، والترمذي
(٣٣١٥) وقال: حسن صحيح.
٣٩٧
کتاب الإيمان/ باب الكبائر وعلامات النّفاق
عليه أحكام الإسلام؛ لأنه لا مصلحة في ذلك الآن، وإنما كانت المصلحة فيه في زمنه
وَ ل﴾، وقد انقضت بوفاته وقد﴾ مع عز الإسلام وظهوره، وعنايته عن التآلف بقوة شوكة
المسلمين وضعف أعدائهم. ([رَوَاهُ الْبُخَارِيّ](١)).
-
(١) سقطت في الأصل.
(باب في الوسوسة)
(الفصل الأول)
٦٣ [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا
وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ﴾(١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ].
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: إِنَّ اللّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أَمَّتِي) وفي رواية:
((تجاوز لي عن أمتي)(٢) أي: لم يؤاخذهم بذلك لأجلي، فله وَّ علينا المنَّة التي لا
منتهى لها (مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا) أي: قلوبها، فهو من مجاز المجاورة، وفي رواية: ((ما
حدثت به أنفسها)(٣) بالرفع والنصب، وهو الأولى لموافقته لحديث آخر يصرح به،
ولدلالته على العفو ولو مع الاختيار كما يأتي.
وأصل الوسوسة: الصوت الخفي، ويطلق على حديث النفس، ومن ثم قيل لمن
تحدث بما في ضميره: موسوس، والوسواس بمعناها كالزلزال بمعنى الزلزلة، وسمي به
الشيطان في سورة الناس مبالغة كأنه نفسه وسوسة؛ لشدة تمكنه من الأذى، ويقابلها
الإلهام؛ لأن ما يخطر بالقلب إن دعا الرذيلة فالوسوسة أو لطاعة، فالإلهام فهو ما يقع
من ذلك في القلب، ونكح له الصدر، والأصح أنه ليس بحجة من غير المعصوم؛ لأنه
لا ثقة بخواطرها.
ثم هي إمَّا ضرورية: وهو الخاطر الذي يقع في القلب من غير اختيار مع العجز
عن دفعه، وهذه معفو عنها في جميع الأمم بنص: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
[البقرة: ٢٨٦].
(١) أخرجه البخاري (٢٥٢٨)، وأحمد (٧٤٦٤)، وابن ماجه (٢١٢٢).
(٢) أخرجه البخاري (٢٣٩١)، وأحمد (٧٤٦٤)، والنسائي (٣٤٣٤)، والحميدي (١١٧٣)، وأبو عوانة
(٢٢٤)، وابن منده في الإيمان (٤٧٦/١)، وأبو نعيم في الحلية (٢٥٩/٢).
(٣) أخرجه الطبراني (١٤٩٤٢)، والنسائي (٥٦٢٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٣٧).
٣٩٨
٣٩٩
كتاب الإيمان/ باب في الوسوسة
وإمَّا اختيارية: وهو ضد ذلك بأن يكرر ذلك الخاطر في ضميره من غير ترجيح
لجانب الفعل أو الترك مع قدرته على دفعه، وهذه معفو عنها اتفاقًا لهذه الأمة خاصة
كما يرشدنا إليه أيضًا: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾
[البقرة: ٢٨٦].
وأولى منها بالعفو ما يسبقها من الهاجس والواجس، هذا كله لم يقع عليه عزم
مصمم على العمل، فيصيب ذلك الخاطر، وإلا ففيه خلاف، فكثير من الفقهاء
والمحدثين أنهم عفوا أيضًا أخذًا بظاهر هذا الحديث، وحديث الهَمِّ الآتي:
وقال الباقلاني: يؤاخذ به فيأثم على تصميمه، ويحمل نحو قوله {َّهُ: ((إذا هَمَّ
عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة)»(١) على أن هذا فيمن همَّ
ولم يصمم.
قال عياض: عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين على هذه
الأحاديث؛ أي: والآيات الدالة على المؤاخذة بأعمال القلوب.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ .. ﴾ [النور: ١٩] ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ
إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢].
وقد تظاهرت نصوص الشرع وإجماع العلماء على تحريم الحسد، واحتقار
المسلم وإرادة المكروه به، وغير ذلك من أعمال القلوب وعزمها المستقر، ويؤيد ذلك
قول أئمتنا: تحريم الغيبة بالقلب كما تحرم باللسان.
ومن ثم قال بعضهم: ليس مما وسوست به الصدور العقائد الفاسدة، ومساوئ
الأخلاق ونحوهما، فإن أصر عليه أو حد به، وإذا قلنا بالمؤاخذة بالعزم المصمم،
فالمرادات نفس العزم منبئة فيؤاخذ بها مطلقًا.
وأمَّا السيئة المعزوم عليها، فينظر إن عملها كتب عليه، وإن تركها لله أو
(١) أخرجه مسلم (٣٤٩)، وأبو عوانة (١٨٢).
٤٠٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
إجلالاً أو خشية كتب له حسنة كما في الحديث؛ لأن في تركها كذلك غاية المجاهدة
لنفسه الأمارة بالسوء، وزعم كتابتها حسنة وإن تركت لنحو خوف الناس مردود بأنه
لا وجه له، والحاصل أن ما يقع في النفس على خمس مراتب هاجس، فواجس،
فحدیث، نفس فعزم، فتصمیم.
فالأول: هو ما يهجس فيها ثم يذهب فارًّا.
والثاني: يتحرك فيها قليلاً ثم يذهب، ولا مؤاخذة بهما إجماعًا.
والثالث: أن يتحرك فيها مع ضده، فيصير راكبه لهذا تارة، ولهذا أخرى من غیر
أن يعزم على واحد منهما، ولا مؤاخذة بذلك أيضًا على الأصح بل حكى الاتفاق عليه.
وهذه المراتب الثلاث لا أجر فيها في الحسنات أيضًا.
والرابع: هو أن يتحرك فيها ويثبت، ويكون أرجح من ضده، ويعزم عليه،
واختلفوا في المؤاخذة.
قال المحققون: نعم كما نقله عنهم السبكي للخبر في التقاء المسلمين بسبقيها
المعلل، ثم المقبول بأنه كان حريصًا على قتل صاحبه، وخالف بعضهم فقال: لا يؤاخذ
به.
ونسب للشافعي وابن عباس ﴾ لتصريح اللغويين بأن الهم هو العزم، وفيه نظر؛
إذ اللغويون لا يراعون هذه الدقائق.
وقيل: يؤاخذ بالهم بالمعصية في حرم مكة دون غيرها، وهو رواية عن أحمد، وبه
قال ابن مسعود لقوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلَحَادٍ بِظُلْمٍ.﴾ [الحج: ٢٥].
ويرد بأن الإرادة القصد، وهو العزم الذي هو أخص من الهم، وبه يتأيد ما مرَّ
عن المحققین.
والخامس: هو أن يصمم عليه بحيث يتقدم ضده، وبه المؤاخذة بالأولى مما قبله.
(مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ) أي: بذلك الخاطر (أَوْ تَتَكَلَّمْ بِه) فحينئذ يؤاخذ به بما فعله أو
قاله.
٤٠١
كتاب الإيمان/ باب في الوسوسة
وقضية الحديث: إنه حينئذ يؤاخذ بالهم وما قبله لكن مرَّ أنه لا مؤاخذة في
الأولين إجماعًا، فقوله: ((ما ... إلى آخره)) لا مفهوم له فيهما، وما بعدهما مثلهما كما
اقتضاه حديث الشيخين أيضًا، وإن همَّ بها - أي: السيئة - فعملها كتبت سيئة واحدة،
وجرى عليه السبكي في موضع لكن أفتى ابن رزين من أئمتنا بأنه متى لم يتب أُوخذ
بغرمه؛ لأنه إصرار.
وجرى عليه السبكي في موضع آخر، ورجحه ولده، وانتصر بعضهم للأول بأنه
يلزم على الثاني بأنه يعاقب على المعصية مرتين، ويرد بأنه لا يلزم عليه ذلك؛ لأن الهم
معصية مستقلة، والفعل معصية أخرى مستقلة، وفيه دليل لما عليه الأكثرون إن من
حدَّث نفسه بطلاق وصمم عليه ولم يتلفظ به لا يقع عليه طلاق.
وقال الزهري: يقع الثلاث وإن لم يتلفظ، ومما يرد عليه إجماعه هو وغيره على
أن من عزم على طهارة لا كفارة عليه أو كلام في صلاته لا تبطل. (مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ).
٦٤ - [وَعَنْه قَالَ: جَاءَ نَاسَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ ◌ََّ فَسَأَلُوهُ: إِنَّا تَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا
يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: ((أَوَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟)). قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: ((ذَاكَ صَرِيحُ
الإِيمَانِ»(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وعنه قَالَ: جَاءَ نَاسُ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ لهَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ فَسَأَلُوهُ) قائلين
له: (إِنَّا تَجِدُ) فهو بيان للمسؤول، ويجوز فتح ((إن)) بتقدير مخبرين (في أَنْفُسِنَا مَا) أي:
شيئًا قبيحًا نحو: هل الله مخلوق؟ ومن أي شيء هو؟ ونحو ذلك مما (يَتَعَاظَمُ) هو تفاعل
من المعاظمة للمبالغة؛ لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى، ولأن الفعل الواحد
الجاري بين اثنين من أولته أشق من مزاولته وحده (أَحَدُنَا) بالرفع، وجُوِّز نصبه على
حذف الجار والفاعل (أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ) أي: ما يجد أحدنا التكلم به عظيمًا أو ما يعظم،
ويشقُّ على أحدنا التكلم به؛ لعلمنا بأن شيئًا من تلك الخواطر القبيحة لا يليق به
(١) أخرجه مسلم (٣٥٧).
٤٠٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
تعالى، وأنه منزّه عن الحدوث والافتقار إلى غيره، وأنه الخالق الغير المخلوق؛ أي: فما
حكم جريان هذه الخواطر في نفوسنا؟
(قَالَ) حصل ذلك (وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟) والاستفهام فيه للتقرير والتأكيد؛ أي:
أحصل هذا الخاطر القبيح، وقد علمتم قبحه وذمه، أو هذا التعاظم الذي يمنعكم
عن التكلم؟ (قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: ذَاكَ) أي: وجد أن قبحه، وتعاظم التكلم به (صَرِيحُ
الْإِيمَانِ) أي: أمارته الدالة صريحًا على رسوخه في قلوبكم، وخلوصها من التشبيه
والتعطيل، وأن الشيطان لا سبيل عليها؛ لأنه الملقي لتلك الخواطر في القلوب حتى
يخبرها بها، فمن تعلق فيها ووقف معها أزال بها إيمانه؛ لأن الكافر يصير على ما فيه
قلبه من تشبيه الله تعالى بخلقه ويعتقده حسًّا، ومن استقبحها وتعاظمها لعلمه
بقبحها، وأنها لا تليق به تعالى كان مؤمنًا حقًّا وموقنًا صدقًا، فلا تزعزعه شبهة وإن
قويت، ولا تحل عقد قلبه قربه وإن توهت. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
٦٥ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَسِ: ((يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ
كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَقَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ، وَلْيَنْتَهِ)(١).
مُتَّفَقُ عَلَيْهِ].
(وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: يَأْتِي الشَّيْطَانُ) إبليس أو أحد أعوانه
(أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ) له في سره وضميره: (مَنْ خَلَقَ كَذَا؟) أي: السماء مثلاً (مَنْ خَلَقَ
كَذَا؟) أي: الأرض مثلاً، وهكذا يدرجه في المخلوقات واحدًا بعد واحد (حَتَّى يَقُولَ)
له ما يريد أن يوقعه به في الكفر بالله تعالى، وهو: (مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ) أي:
الإنسان هذا الخاطر القبيح؛ وهو: من خلق ربك؟ فضمير الفاعل يعود إلى ((أحدكم)،
وضمير المفعول يعود إلى القول المفهوم من يقول.
(فَلْيَسْتَعِذْ) أي: يعتصم (بِاللهِ) من شر الشيطان الرجيم الذي أوقعه في هذا
(١) أخرجه البخاري (٣١٠٢)، ومسلم (١٣٤).
٤٠٣
كتاب الإيمان/ باب في الوسوسة
الخاطر الذي لا أقبح منه ولا أخطر، فيقول بلسانه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم،
ملتجئًا إلى الله بسره أنه يدفع عنه شرّه وكيده، فإنه مع اللحظ الإلهي لا أضعف منه
﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦].
(وَلْيَنْتَهِ) عن الوقوف مع هذا الخاطر والتفكر فيه، فإن الشيطان إنما أوقعه فيه
رجاء أن يقف معه ويتمكن في نفسه، فيحصل له شكٌّ أو ريب في تنزه الله عن كل
بهيمة من سمات الحدوث وإن دقت وخفيت، فمن تنبّه وكفّ عن الاسترسال مع ذلك
الخاطر، وأشغل نفسه حتى انصرفت عنه فقد خلص، ومن لا فقد ارتكب فيخشى
عليه من زلة الإقدام والهوى إلى قعر جهنم. (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
وإنما أمر بذينك دون الاحتجاج والتأمل لأمرين:
أحدهما: إن العلم باستغناء الله عن المدبر والموحد بل عن أدنى ذرة من افتقار
لغير أمر ضروري لا يقبل احتجاجًا ولا مناظرة له ولا عليه، وإنما ذلك شيء يلقيه
الشيطان، إمَّا ليحججك إن جادلته؛ لأنه مسلط على القلوب بإلقاء الوسواس عليها؛
ليختبر إيمانها ووساوسه غير متناهية، فمتى عارضته بمسلك وجد مسلكًا آخر إلى ما
يريده من المغالطة والتشكيك، وإمَّا لتضييع وقتك وتكدر عيشك إن استرسلت
نفعه، وإن حججته فلا أخلص لك من الإعراض عنه جملة، والالتجاء إلى الله تعالى
بالاستعاذة منه كما قال عز قائلاً: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغُ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾
[الأعراف: ٢٠٠].
ثانيهما: إن الغالب في موارد هذا الخاطر ونحوه إنه إنما ينشأ من ركود النفس
وعدم اشتغالها بالمهمات المطلوبة منها، فهذا لا يزيده فكره في ذلك إلا الزيغ عن الحق،
فلا علاج له إلا الالتجاء بحول الله وقوته والاعتصام من عدوه بمجاهدة نفسه
ورياضتها، واشتغالها بما لا يبقى فيها مساغًا لمحظور، فلا بد من استعاذته لتزول
بلادتها، ويتصفى عن قبائح كدوراتها.
قال الخطابي: لو أذن وَله في محاججته لكان الجواب سهلاً على كل موحد؛ أي:
٤٠٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
بإثبات البراهين القاطعة على ألَّ خالق له تعالى، فإبطال التسلسل ونحوه كاستحضار أن
جميع المخلوقات داخلة تحت اسم الخلق، فلو جاز أن يقال: من خلق الخالق؟ لأدّى إلى
ما لا يتناهى وهو باطل.
٦٦ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَبِهِ:((لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ هَذَا
خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ»(١).
مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ].
(وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َ﴿ لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ) أي: يسأل بعضهم
بعضًا عن العلوم والموجودات.
قيل: وهو يحتمل وقوع التساوي بين الإنسان والشيطان أو النفس، وظاهر
اللفظ يأبى ذلك (حَتَّى) ينتهوا في أسئلتهم إلى الأمر الذي لا أقبح منه، وهو أن (يُقَالَ:
هَذَا) الذي قلناه كله معروف مقرر، حاصله: (خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ) وإنما الذي يحتاج
للسؤال عنه أنه تعالى إذا كان هو الذي خلق الخلق (فَمَنْ خَلَقَ الله؟) الذي هو شيء،
وكل شيء مخلوق.
فـ((هذا)) مبتدأ حذف خبره كما دلت عليه رواية لمسلم، و((خلق)) معموله بيان
لهما، و((فمن)) وما بعده مرتب على ما قبله كما علم ذلك كله مما قدرته، ويصح أن
يكون جملة ((خلق الله)) هي الخبر بتقدير أن الأصل: هذا القول خلق الله الخلق،
فحذف القول وأقيم مقامه خلق الله الخلق، وتجويز أن هذا مفعول يقال، وما بعده
بيان له، والتقدير: حتى يقال هذا القول فيه ركة؛ إذ لا يحسن موقعًا، فالترتيب عليه
کحسنه على ما قدرناه. فتأمله.
وفي رواية للبخاري: ((هذا الله خلق الخلق))(٢) فـ((الله)) خبر، و((خلق الخلق) بيان
للجملة قبلها، و((الله)) بدل أو عطف بيان، و((خلق الخلق)) هو الخبر.
(١) أخرجه مسلم (١٣٤)، وأبو داود (٤٧٢١)، والحميدي (١١٥٣).
-
(٢) أخرجه مسلم (١٣٦)، وأحمد (١٢٠١٤)، وأبو عوانة (٨٢/١).
٤٠٥
كتاب الإيمان/ باب في الوسوسة
(فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ) القول (شَيْئًا) بأن تكلم به أو خطر في ضمير (فَلْيَقُلْ)
فورًا من حينه: (آمَنْتُ بِاللهِ وَرُسُلِه) متداركًا ذلك القول الذي هو كفرًا، والخاطر
الذي قد يؤدي إليه بكلمة التوحيد المتضمنة أن الله تعالى خالق لكل شيء وليس
بمفتقر لشيء، فهو الغني المطلق، وما سواه هو العدم المحض لا يعلم كنّه به غيره، ولا
يؤمل إلا برُّه وخيره، ولا يخشى إلا سخطه وضيره، تعالى عن أن يتصوره فهم أو يحيط به
وهم حجب العقول عن الإحاطة بحقيقة أكثر مخلوقاته، فكيف يبيحها أن تقف على
شيء من كنّه ذاته بل خيرها في فهم نفسها، فكيف تعتد بتخمينها وحديثها. (مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ).
ويستفاد منه مع الحديث الذي قبله أنه يسن له أن يستعيد، ثم يقول: آمنت بالله
ورسله.
٦٧ - [وَعَن ◌ِبْنِ مَسْعُودٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا
وَقَدْ وُكَّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ) قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((وَإِيَّايَ، إِلَّا أَنَّ اللّهَ أَعَانَنِي
عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَ يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ)(١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
(وَعَن ابْنِ مَسْعُود ◌َ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَسِ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) مرَّ أن
زيادة ((من)) في مثل ذلك؛ لإفادة القطع باستغراق جميع الأفراد (إِلَّا وَقَدْ وُگُّلَ پِهِ) حذف
الفاعل، وهو الله تعالى؛ لأنه معلوم (قَرِينُهُ) أي: صاحبه (مِن الْجِنِّ) أي: الشياطين
الذين هم أولاد إبليس؛ إذ لا يولد لبني آدم ولد إلا ولد لإبليس مثله، ووكل به؛ ليأمره
بالشر ويحمله عليه (وَقَرِينُهُ مِن الْمَلَائِكَةِ) ليأمره بالخير ويحمله عليه.
وحكمة ذلك ظهور خسة العاصي وشرف الطائع (قَالُوا: [وَإِيَّاكَ](٤) يَا
رَسُولَ الله) له قرين من الجن؟ (قَالَ: وَإِيَّايَ) له ذلك، والأصل: وأنت؟ قال: وأنا، لكن
إقامة ضمير النصب المنفصل مقام ضمير الرفع المنفصل سائغ كعكسه، فالأول كقوله
(١) أخرجه مسلم (٧٢٨٦)، وأحمد (٤٤٨٠).
(٢) سقطت في الأصل.