النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
هِيَ، إِذْ يَرِدُ عَلَيْهِ مَن ارْتَكَبَ نَحْوَ الزَّنَا نَادِمًا عَلَيْهِ، فَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا تَنْخَرِمُ بِهِ عَدَالَتُهُ وَلَا يُسَمَّى
كَبِيرَةً حِينَئِذٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ اتٌّفَاقًا وَإِنْ كَانَ ضَابِطًا لِمَا عَدَا الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ فَهُوّ قَرِيبُ انْتَهَى.
قَالَ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ: كَأَنَّ الْعَلَائِيِّ فَهِمَ أَنَّ كُلّ مَنْ يَذْكُرُ حَدَّا يُدْخِلُ الْمَنْصُوصَ وَهَذَا مَمْنُوعُ:
أَيْ فَضَابِطُ الْغَزَالِيِّ لِمَا عَدّا الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ فَهُوَ قَرِيبٌ، وَقَدْ ذَكَرَ الْعَلَانِيُّ نَفْسُهُ أَنَّ الْحُدُودَ إِنَّمَا
هِيَ لِمَا عَدَا الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ. وَمِنْهَا: قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: الْأَوْلَى ضَبْطُ الْكَبِيرَةِ بِمَا يُشْعِرُ
بِتَهَاوُنِ مُرْتَكِبِهَا بِدِينِهِ إِشْعَارَ أَصْغَرِ الْكَبَائِرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا. قَالَ: وَإِذَا أَرَدْتِ الْفَرْقَ بَيْنَ
الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ فَاعْرِضْ مَفْسَدَةَ الذَّنْبِ عَلَى مَفَاسِدِ الْكَبَائِرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، فَإِنْ نَقَصَتْ
عَنْ أَقَلِّ الْكَبَائِرِ فَهِيَ صَغِيرَةً وَإِلَّا فَكَبِيرَةُ انْتَهَى، وَاعْتَرَضَهُ الْأَذْرَعِيُّ فَقَالَ: وَكَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى
الْإِحَاطَةِ بِالْكَبَائِرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا حَتَّى يُنْظَرَ فِي أَقَلِّهَا مَفْسَدَةً وَنَقِيسَ بِهَا مَفْسَدَةَ الذَّنْبِ
الْوَاقِعِ هَذَا مُتَعَذَّرُ انْتَقَى. قَالَ الْجْلَالُ الْبُلْقِينِيُّ عَقِبَ نَقْلِهِ اعْتِرَاضَ الْأَذْرَعِيِّ هَذَا: وَلَا تَعَذُّرَ فِي
ذَلِكَ إِذَا جُمِعَ مّا صَحَّ مِن الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ انْتَهَى. وَالْحُقُّ تَعَذُّرُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ وَإِنْ فُرِضَ إِمْكَانُ جَمْع
مَا صَحَّ مِنِ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنَّ الْإِحَاطَةَ بِمَفَاسِدِهَا كُلُّهَا حَتَّى نَعْلَمَ أَقَلَّهَا مَفْسَدَةً فِي غَايَةِ
التُّدُورِ بَلِ التَّعَذُّرِ وَالإِسْتِحَالَةِ، إِذْلَا يَطَّلِعُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّ الشَّارِعُ ﴿. وَمِمَّا هُوَ مُنْتَقَدْ أَيْضًا قَوْلُهُ -
أَعْنِ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ: مَنْ شَتَمَ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ أَو اسْتَهَانَ بِرَسُولِ مِنْ رُسُلِهِ أَوْ ضَمَّخَ الْكَعْبَةَ أَو
الْمُصْحَفَ بِالْقَذَرِ كَانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، مَعَ أَنَّ الشَّارِعَ لَّه لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّهُ كَبِيرَةً،
وَوَجْهُ رَدِّهِ أَنَّ هَذَا مُنْدَرِجُ تَحْتَ الشّرْءِ بِاللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ أَوَّلُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِن الْكَبَائِرِ إذ
الْمُرَادُ مِنْهُ مُظْلَقُ الْكُفْرِ إجْمَاعًا لَا خُصُوصُ الشِّرْكِ. قَالَ الشَّمْسُ الْبِرْمَاوِيُّ: وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءُ عَلَى
تَفْسِيرِ الْكَبِيرَةِ بِالْأَعَمِّ مِن الْكُفْرِ وَغَيْرِهِ لَا عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي سَبَقَ مِنْ مُقْتَضَى كَلَامِ إِمَامٍ
الْحَرَمَيْنِ انْتَهَى، وَقَدْ قَدَّمْت أَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْحُدُودَ السَّابِقَةَ إِنَّمَا هِيَ لِمَا عَدَا
الْكُفْرَ وَإِنْ صَحَّ أَنْ يُسَمَّى كَبِيرَةً بَلْ هُوَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ
بَعْدَ مَا ذُكِرَ: وَكَذَلِكَ مَنْ أَمْسَكَ امْرَأَةً مُحْصَنَةً لِمَنْ يَزْنِي بِهَا أَوْ أَمْسَكَ مُسْلِمًا لِمَنْ يَقْتُلُهُ فَلَا
شَكَّ أَنَّ مَفْسَدَتَهُ أَعْظَمُ مِنْ مَفْسَدَةٍ أَكْلِ مَالِ الْيَقِيمِ، وَكَذَلِكَ لَوْ دَلَّ الْكُفَّارَ عَلَى عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ
مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُمْ يَسْتَأْصِلُونَهُمْ بِدَلَالَتِهِ وَيَسْبُونَ حَرِيمَهُمْ وَأَظْفَالَهُمْ وَيَغْنَمُونَ أَمْوَالَهُمْ فَإِنَّ نِسْبَةَ
هَذِهِ الْمَفَاسِدِ أَعْظَمُ مِن التَوَلِي يَوْمَ الزَّحْفِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَكَذَا لَوْ كَذَبَ عَلَى إِنْسَانٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ
يُقْتَلُ بِسَبَبٍ كَذِبِهِ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ قَالَ: وَقَدْ ضَبَطَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْكَبَائِرَ بِأَنَّ كُلَّ ذَنْبٍ
قُرِنَ بِهِ وَعِيدُ أَوْ حَدُّ أَوْ لَعْنَّ فَهُوَ مِن الْكَبَائِرِ فَتَغْيِيرُ مَنَارِ الْأَرْضِ أَيْ ظُرُقِهَا كَبِيرَةً لِقْتِرَانِ
اللَّعْنِ بِهِ، فَعَلَى هَذَا كُلُّ ذَنْبٍ يُعْلَمُ أَنَّ مَفْسَدَتَهُ كَمَفْسَدَةٍ مَا قُرِنَ بِهِ الْوَعِيدُ أَو اللَّعْنُ أَو الْحُدُّ أَوْ
=

٣٦٧
كتاب الإيمان/ باب الكبائر وعلامات النّفاق
لم يصنف في بابه مثله، وخلاصة شيء من ذلك أن جماعة قالوا: لا صغيرة بل الذنوب
كلها كبائر؛ نظرًا لعظمة من عصي.
وقيل: هما أمران نسبيان، فقد يكون الذنب كبيرة بالنسبة لما دونه صغيرة، بل
الذنوب كلها كبائر؛ نظرًا لما فوقه، وقد تتفاوت باعتبار الأشخاص والأحوال كما قيل:
كَانَ أَكْبَرَ مِنْ مَفْسَدَتِهِ فَهُوَ كَبِيرَةً انْتَهَى. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَعَلَى هَذَا فَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا تُؤْخَذَ
الْمَفْسَدَةُ مُجَرَّدَةً عَمَّا يَقْتَرِنُ بِهَا مِنْ أَمْرٍ آخَرَ فَإِنَّهُ قَدْ يَقَعُ الْغَلَطُ فِي ذَلِكَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ السَّابِقَ إِلَى
الذَّهْنِ فِي مَفْسَدَةِ الْخَمْرِ إِنَّمَا هُوَ السُّكْرُ وَتَشْوِيشُ الْعَقْلِ فَإِنْ أَخَذْنَا بِمُجَرَّدِهِ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ
شُرْبُ الْقَطْرَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْهُ كَبِيرَةً لِخُلُوَّهَا عَنِ الْمَفْسَدَةِ الْمَذْكُورَةِ، لَكِنَّهَا كَبِيرَةً لِمَفْسَدَةٍ أُخْرَى
وَهِيَ التَّجَرُّؤْ عَلَى شُرْبِ الْكَثِيرِ الْمُوقِعِ فِي الْمَفْسَدَةِ فَهَذَا الإِقْتِرَانُ يُصَيِّرُهُ كَبِيرَةً انْتَهَى. قَالَ الْجَلَالُ
الْبُلْقِينِيُّ: وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْقَظْرَةِ مِن الْخُمْرِ قَالَّهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَبْلَهُ، وَقَالَ فِي قَوَاعِدِهِ أَيْضًا بَعْدَ
حِكَايَتِهِ مَا سَبَقَ: لَمْ أَقِفْ لِأَحَدٍ مِن الْعُلَمَاءِ عَلَى ضَابِطِ ذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ ضَابِطًا يَسْلَمُ مِن
الإِعْتِرَاضِ أَوْ ضَابِطًا جَامِعًا مَانِعًا انْتَهَى. وَمِنْهَا: قَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيِهِ: قَالَ الْجَلَال
الْبُلْقِينِيُّ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ: الْكَبِيرَةُ كُلُّ ذَنْبٍ عَظُمَ عِظَمَا يَصِحُ مَعَهُ أَنْ يُظْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْكَبِيرَةِ
وَيُوصَفَ بِكَوْنِهِ عَظِيمًا عَلَى الْإِظْلَاقِ. وَلَهَا أَمَارَاتُ: مِنْهَا: إِيجَابُ الْحُدِّ، وَمِنْهَا: الْإِيعَادُ عَلَيْهِ
بِالْعَذَابِ بِالنَّارِ وَنَحْوِهَا فِي الْكِتَابِ أَو السُّنَّةِ؛ وَمِنْهَا: وَصْفُ فَاعِلِهَا بِالْفِسْقِ، وَمِنْهَا: اللَّعْنُ انْتَهَى.
وَلَخَّصَهُ كَالَّذِي قَبْلَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْبَارِزِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ الَّذِي عَلَى الْحَاوِي فَقَالَ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ
الْكَبِيرَةَ كُلُّ ذَنْبٍ قُرِنَ بِهِ وَعِيدُ أَوْ لَعْنُّ بِنَصّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ عُلِمَ أَنَّ مَفْسَدَتَهُ كَمَفْسَدَةٍ مَا
قُرِنَ بِهِ وَعِيدُ أَوْ حَدُّ أَوْ لَعْنٌ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ مَفْسَدَتِهِ، أَوْ أَشْعَرَ بِتَهَاوُنِ مُرْتَكِبِهِ فِي دِينِهِ إِشْعَارَ
أَصْغَرِ الْكَبَائِرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا بِذَلِكَ كَمَا لَوْ قَتَلَ مَنْ يَعْتَقِدُهُ مَعْصُومًا فَظَهَرَ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ
لِدَمِهِ، أَوْ وَطِئَ امْرَأَةً ظَانًّا أَنَّهُ زَانٍ بِهَا فَإِذَا هِيَ زَوْجَتْهُ أَوْ أَمَتُهُ انْتَهَى؛ وَمَا ذَكَرَهُ آخِرًا سَبَقَهُ إِلَيْهِ
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوَاعِدِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ أَوَّلَا يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسِ: الْكَبَائِرُ كُلُّ ذَنْبٍ خَتَمَهُ اللَّهُ
بِنَارٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْلَعْنَةٍ أَوْ عَذَابٍ، أخرجه عَنْهُ ابْنُ جَرِیٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا سَبَقَ مِن الْحُدُودِ إِنَّمَا قَصَدُوا بِهِ التَّقْرِيبَ فَقَظْ، وَإِلَّا فَهِيَ لَيْسَتْ بِحُدُودٍ جَامِعَةٍ
وَكَيْفَ يُمْكِنُ ضَبْطُ مَا لَا طَمَعَ فِي ضَبْطِهِ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى تَعْرِيفِهَا بِالْعَدِّ مِنْ غَيْرٍ ضَبْطِهَا
نحَدٍّ ...

٣٦٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
((حَسَنَات الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتِ الْمُقَرَّبِين))(١) فصغيرة المقرب كبيرة بالنسبة إليه فقط.
والأكثرون قالوا بالفرق كما دلَّ عليه الكتاب والسنة، ثم اختلفوا في حد
الكبيرة، فقيل: ما فيه حد ونقص، فإنه جاء التصريح في السنة بكبائر كثيرة ليس فيه
حد، كأكل الربا ومال اليتيم، والفرار من الزحف، وشهادة الزور، وقيل: ما فيه وعيد
شديد، وردّ بعضهم كبائر لم يرد فيها ذلك، كالقيادة وأكل لحم الخنزير أو الميتة، ولأجل
ذلك حدها إمام الحرمين بما يشمل جميع الأفراد التي ذكروها عند تعداد الكبائر، بل
وما لم يذكروه مما زدته عليهم في ذلك الكتاب أضعافًا مضاعفة، فقال: هي جريمة
تؤذن بقلة اكتراث - أي: اعتناء - مرتكبها بالدين، ورقة الديانة.
ويوافقه قول ابن عبد السلام: إذا أردت معرفة الفرق فاعرض مفسدة الذنب؛
أي: الذي لم ينصوا على أنه كبيرة أو صغيرة على أقل مفاسد الكبائر المنصوص عليها،
فإن نقضت فصغيرة وإلا فكبيرة، كحكم القاضي بغير الحق، فإنها أكثر مفسدة من
شهادة الزور، وعد بعضهم من الكبائر: الإصرار على الصغيرة، ولم يرتضه أصحابنا، بل
قالوا: إن من أصر على صغيرة أو صغائر فإن غلبت طاعاته أو ساورتها ألحقت بالكبيرة
في منع العدالة، وإلا فلا.
(الفصل الأول)
٤٩ - [عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ الله؟
قَالَ: ((أَنْ تَدْعُوَ لِلهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ. قَالَ: ثُمَّ أَيّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةً أَنْ يَطْعَمَ
مَعَكَ. قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةٍ جَارِكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَهَا ﴿وَالَّذِينَ لَا
يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهَا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقٌّ وَلَا يَزْنُونَ﴾
[الفرقان: ٦٨](٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(١) ذكره العجلوني في كشف الخفاء (٣٥٧/١) وقال: ليس بحديث، وإنما هو من كلام أبي سعيد
الخراز كما أخرجه ابن عساكر في ترجمته.
(٢) أخرجه البخاري (٤٤٧٧)، ومسلم (١٧٠)، وأحمد (٤١٣١).

٣٦٩
كتاب الإيمان/ باب الكبائر وعلامات النّفاق
(عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ الله؟)
الذنب: الجرم، قيل: وهو ثلاثة أقسام: قسم لا يغفر وهو: الكفر، وقسم يرجى أن يغفر
بالاستغفار وهو: حق الله، وقسم يحتاج إلى التراد وهو: حق الله، وقسم يحتاج إلى
التراد وهو: حق الآدمي، والتراد إمَّا في الدنيا بالاستحلال أو رد العين، وإمَّا في الآخرة
برد ثواب المظالم للمظلوم، أو أنه تعالى يرضيه بفضله ولطفه. انتهى.
وما ذكر في القسم الأول والثالث صحيح، وأمَّا الثاني فالكبيرة لا يغفرها إلا
التوبة، والصغيرة تغفر بالاستغفار ونحو الصلاة ما اجتنبت الكبائر، كما يأتي بسط
ذلك مع الكلام على قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ
سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١].
(قَالَ) أكبر الذنوب (أَنْ تَدْعُوَ لِلهِ نِدًّا) هو بالكسر: نظير الشيء الذي يضاده في
أموره، من: ند: نفر، وقيل: مثله الذي يشاركه في جوهره، فكل ند مثل ولا عكس، وأمَّا
الضد فهو: أحد متقابلين لا يمكن اجتماعهما، والدعاء يستعمل بمعنى التسمية
والسؤال والاستعانة، وهو هنا بمعنى الجعل؛ أي: أن تجعل الله مثلاً بلسانك، أو
اعتقادك، أو فعلك.
قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِله أَندَادًا﴾ [البقرة: ٢٢] أي: بسبب عبادة غيره كالصنم،
أو تعظيمه، أو تسميه إلهًا؛ لأن ذلك بمنزلة من يعتقد أنه إله مثله (وَهْوَ) أي: والحال
أنك تعلم أنه هو الذي (خَلَقَكَ) ودفع عنك المكاره، وأسبغ عليك النعم من غير أن
يشركه أحد، فهو حال من الفاعل أو الجلالة، فجعلك مع ذلك له ندًّا ذنب لا أكبر
منه؛ لأنه يدل على غاية تحريك عليه تعالى وعدم مسكه لك، وأنك كالأنعام بل أضل.
(قَالَ: ثُمَّ أَيّ؟) أي: ثم أي شيء من الذنوب أكبر بعد الكفر؟ (قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ)
مسلمة بغير حق، وأفحش أنواع القتل أن تقتل قريبك، وأفحش أنواع قتل الغريب
أن تقتل والدك، ويليه أن تقتل (وَلَدَكَ) لأنك ضممت إلى معصية القتل معصية قطع
الرحم، وهي كبيرة أيضًا (خَشْيَةَ) مفعول لأجله (أَنْ يَطْعَمَ) بفتح أوله؛ أي: يأكل

٣٧٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
(مَعَكَ) لأنك ضممت إلى تلك القبائح قبيحًا آخر، وهو أن صدور ذلك منك يدل على
أنك لا ترى أن الرزق من الله تعالى؛ إذ لو رأيته منه كما هو الحق الواجب اعتقاده على
كل أحد لما قتلته خشية ذلك.
(قَالَ: ثُمَّ أَيّ؟) أي: ثم أي الذنوب أكبر بعد القتل؟ (قَالَ: أَنْ) تزني وأعظم
أنواع الزنا أن يكون بمحرمك، ثم قريبتك، ثم (تُزَانِيَ بِحَلِيلَةٍ جَارِكَ) أي: زوجته؛ إذ
كل من الزوجين حليل للآخر؛ أي: حلال له، من: حل يحل - بالكسر - أي: يباح، أو
حال عنده، من: حل يحُل - بالضم - أي: يقيم؛ وذلك لأن من سكن جوارك رضي
بأمانتك والتجأ إليك، فتأكدت بينكما وصلة تشبه وصلة القرابة، كما أشار إليها واله
يقول: ((مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَیُوَرَّتُهُ))(١) فانضم لفحش الزنا
فحش إبطال حق الجوار وفحش الخيانة معه، فكان الزنا بحليلته أقبح من مطلق الزنا،
وعلم بذلك أن أفحش منه الزنا بالقريبة، وأفحش منه الزنا بالمحرم كما قدمته.
لا يقال ((ثم)) لتراخي الزمان، وهو لا يتصور هنا، وكذا تراخي الرتبة؛ لوجوب
كون المعطوف بها أعلى رتبة من المعطوف عليه؛ لأنا نقول: هي هنا لتراخي الرتبة،
وذلك الوجوب محله عند إرادة الترقي لا التدلي كما هنا، وهذا أولى مما قيل: المراد هنا:
التراخي في الإخبار كافة، قال: أخبرني عن أوجب ما ينبغي السؤال عنه من الذنوب، ثم
الأوجب، ثم الأوجب. انتهى.
بل هذا موهم، فإن الأوجب بتقديم السؤال عنه قد لا يكون أكبر من غيره،
فلا يلزم من الأوجبية الأكبرية المراد هنا، فتأمله.
وبما قررته في معنى هاتين الكبيرتين يعلم أن التقييد بالولد وتقييده بالخشية
المذكورة وتحليله الجار ليس لإخراج غيرهما من بقية أنواع القتل والزنا عن الكبيرة؛
لإفادة أكثر أنواع القتل والزنا، مع أن ثم ما هو أكبر منها کما ذكرته، وكان حذفه
(١) أخرجه البخاري (٥٦٦٩)، ومسلم (٢٦٢٥)، وأبو داود (٥١٥٢)، وأحمد (٢٥٥٨٠)، والترمذي
(١٩٤٢)، وابن ماجه (٣٦٧٣).

٣٧١
كتاب الإيمان/ باب الكبائر وعلامات النّفاق
للعلم به، أو رعاية لحال السائل على أن ذلك كقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ
خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] من باب مفهوم اللقب، وهو ليس بحجة خلافًا لمن شدَّ،
وما ذكرته من رعاية حال السائل يؤيده قولهم: تقييد الكبائر في بعض الأحاديث
بكونها سبعًا، والاقتصار في بعضها على ثلاث منها كما هنا، أو أربع كما يأتي محمول
على بيان المحتاج إليه منها وقت ذكره.
وقد قال ابن عباس: هي إلى السبعين أقرب، وسعيد بن جبير: هي إلى السبعمائة
أقرب.
قيل: يعني هو باعتبار أصناف أنواعها النهي وليس كذلك، بل هم على حقيقته
كما بينته في ((الزواجر)) فإن جملة ما فيه من الكبائر المصرح بها أو بما يدل عليها في
الأحاديث كما بسطته في كل واحدة منها نحو خمسمائة كبيرة، وذلك إلى السبعمائة
أقرب، فتأمله.
(فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَهَا) أي: لأجل تصديق هذه الأحكام الثلاثة قوله، عز قائلاً:
(﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ)) [الفرقان: ٦٨] أي: يعبدون (﴿مَعَ اللهُ إِلَهَا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ
النّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللهُ﴾﴾ [الفرقان: ٦٨] وهي نفس غير الحربي بوجه من الوجوه (﴿إِلَّا
بِالْحَقِّ)) [الفرقان: ٦٨] كقود أو حد (﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾) وفي كون هذه الآية مصدقة
للحديث دليل واضح لما قلناه أنه ذكر الولد والخشية وحليلة الجار إنما هو لبيان زيادة
الفحش لا للتقييد، وإنما لم تكن الآية الدالة على أكبرية القتل والزنا لا تقيد مطابقة
للحديث حتى يصدقه، بل يكون الحديث هو المقيد لها (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٥٠ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
وَسـ
الْكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ. رَوَاهُ
الُْخَارِيُّ].
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهُ وَ:
الْكَبَائِرُ) كثيرة كما مرَّ، منها: (الإِشْرَاكُ بِاللهِ) أي: اعتقاد وجود إله آخر معه (وَعُقُوقُ)

٣٧٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
أحد (الْوَالِدَيْنِ) أي: الأب وإن علا، والأم وإن علت، واختلفوا في ضابط العقوق،
وأحسن ما قيل فيه: إنه الإيذاء الغير الهين؛ أي: بألّا يحتمل مثله من مثل الولد في
العادة، من: العق؛ أي: الشق والقطع.
(وَقَتْلُ النَّفْسِ) التي حرم الله من غير حق (وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ) وهي أن يحلف
كاذبًا متعمدًا؛ ليقتطع بها مال غيره وإن قل بغير حق، وفسرت أيضًا بأن يتعمد الكذب
في حلفه على ماض وإن لم يترتب عليها أخذ مال، وكلام أصحابنا لا يوافق هذا سميت
بذلك؛ لأنها تغمس صاحبها في النار والإثم والكفارة، فغموس فعول بمعنى: فاعل،
من: الغمس، وهو: الإدخال.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) والحصر فيه أيضًا في الإجماع على أنه بقي کباثر أُخر.
٥١ - [وَ فِي رِوَايَةِ أَنَسِ: (وَشَهَادَةُ الزُّورِ)) بدل ((الْيَمِينُ الْغَمُوسُ))(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]
(وَفِي رِوَايَةٍ أَنَسٍ: وَشَهَادَةُ الزُّورِ) أي: الكذب إذا جلا الزور أعلى الصدر، ومنه
برزت فلانًا؛ أي: تلقيته بزوري، أو قصدت زوره؛ أي: جهته، وسمي الكذب: زورًا؛
لميلانه عن جهة الحق (بدل: الْيَمِينُ الْغَمُوسُ) أي: مكانها، فهو منصوب على الظرفية
العامل في رواية الخبر عما بعده، كني بالإبدال عنه؛ لأن من أبدل شيئًا بشيء فقد
وضعه مكانه (مُتَّفَقُ عَلَيْهِ).
الفرق بين الترتيب بـ(ثم)) فيما مرَّ وعدمه هنا، بل هنا قدم العقوق على القتل
الأعظم إثمًا منه أنه ثم سئل عن الأكبر مطلقًا، فذكر ثم ذكر عما يليه فذكره، فلم
يكن ثم مندرجة عن الترتيب بخلافه هنا، فقصد # سرد تلك الخصال من غير نظر
لترتيبها؛ لأنه معلوم من أحاديث أُخر على أنه قد يقال سبب اقترانه بالإشراك لما
بينهما من المناسبة؛ إذ في كل قطع حقوق السبب في الإيجاد والإمداد إن كان ذلك الله
حقيقة وللوالدين صورة، وقرن العقوق بالإشراك لما بينهما من المناسبة؛ إذ في كل قطع
(١) أخرجه البُخَارِي (٦٦٧٥)، ومسلم (٢٦٩)، وأحمد (٦٨٨٤)، والدارمي (٢٣٦٠)، والتّرمِذي
(٣٠٢)، والنَّسائي (٣٤٦٠)، والبيهقي (٢١٠٨٧).

٣٧٣
كتاب الإيمان/ باب الكبائر وعلامات التّفاق
حقوق السبب في الإيجاد والإمداد، وإن كان ذلك لله بطريق الصورة فكان هذا والله
أعلم سر قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء:
٣٦] فأمر بالإحسان إليهما بعد نهيه عن الشرك به لما ذكرته.
٥٢. [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ))
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ
إِلَّا بِالْحَقّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ
الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّه: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوِقَاتِ) أي:
المهلكات؛ لعظيم إثمها؛ أي: باعدوها ما استطعتم؛ لئلا يتهلككم، وهذا على حد
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء: ٣٢] إذ نهي القربات أبلغ من نهي المباشرة، وسماها
مهلكات؛ مبالغة في التنفير عنها على حد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا
يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠] ثم فصلها؛ ليكون أوقع في النفس.
(قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: ((الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ) وهو يقع على ما قاله
القرافي على حقائق مختلفة السيمياء والهيمياء، وخواص الحقائق من الحيوانات وغيرها،
والطلسمات والأوفاق والرقاء التي تحدث ضررًا، والعزائم والاستخدامات، ثم بين هذه
الأنواع بما ذکرته عنه في كتابي الآتي ذكره.
قال: وقد يقع للسحرة أنهم يحملون عقائر، ويجعلونها في نهر، أو بئر، أو قبر، أو
باب يفتح للشرق فيحدث عنها إِمَّا بخواص نفوسهم التي طبعها الله على الربط بينها
وبين تلك الآثار عند صدق العزم، وقد يأتي الساحر بفعل أو قول يضر حال المسحور،
فیمرض ویموت منه إمَّا بواصل إلى بدنه من دخان أو غيره، أو بدونه.
وقال الحنابلة: الساحر من يركب مكنسة تسريه في الهواء أو نحوه، وكذا يعزم
(١) أخرجه البخاري (٢٦١٥)، ومسلم (٨٩)، وأبو داود (٢٨٧٤)، والنسائي (٣٦٧١)، وابن حبان
(٥٥٦١)، والبيهقي (٢٤٤٧).

٣٧٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
على الجن ومن يجمعهما يزعمه، وأنه يأمرهما فتطيعه، وكاهن وعراف ومنجم ومستعيد
وقائل يزجر للطیر، وضارب بحصی وشعير وقداح، ومن يسحر بدواء، أو تدخين، أو
سقي مضر.
قال بعض أئمتهم: ومن السحر السعي بالنميمة والإفساد بين الناس؛ لقول جمع
من السلف: يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسده للساحر في سنة.
واعلم أن السحر حقيقة عند عامة العلماء خلافًا للمعتزلة وأبي جعفر
الإسترابادي، ثم ظاهر عطف السحر على الشرك أنه ليس بكفر، وقد كثر اختلاف
العلماء في ذلك، وحاصل مذهبنا أن فعله فسق، وفي الحديث: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ سَحَرَ وَلَا
سُحِرَ لَهُ»(١) ويحرم تعلمه خلافًا للغزالي؛ لخوف الافتتان والاضطرار، ولا كفر في فعله
وتعلمه وتعليمه إلا إن اشتمل على عبادة مخلوق أو تعظيمه كما يعظم الله سبحانه،
واعتقاد أن له تأثيرًا بذاته، أو أنه مباح بجميع أنواعه.
وأطلق مالك وجماعة: إن الساحر كافر، وأن السحر كفر، وأن تعلمه وتعليمه
ڪفر، وأن الساحر يقتل ولا يستتاب سواء سحر مسلمًا أم ذميًا، وقالت الحنفية: إن
اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر، وإن اعتقد أن السحر مجرد تخييل
وتمويه لم يكفي، واختلف الحنابلة في كفره، وفي ((التنقيح)) من كتبهم: ولا تقبل
توبة ساحر يكفر بسحره، وبقتل ساحر مسلم يركب المكنسة فتسير به في الهواء
ونحوه، ويكفر هو ومن يعتقد حله، وفي ((الفروع)) لهم أيضًا: إن من أوهم قومًا
بطريقته أنه يعلم الغيب فللإمام قتله؛ لسعيه بالفساد.
وبقي لهذا المبحث تتمات بسطتها مع ذكر فروق بين المعجزة والسحر في كتابي
((الإعلام بقواطع الإسلام)) لا يستغنى عن مراجعته من أراد اقتصاص الشوارد من غير
محلها.
(١) ذكره ابن حجر في ((التلخيص الحبير)) (٩١/٥).

٣٧٥
كتاب الإيمان / باب الكبائر وعلامات النّفاق
(وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) كقود، أو قطع طريق، أو زنا محصن
(وَأَكْلُ الرِّبًا) بسائر أنواعه، ومنه: قرض جر منفعة للمقرض كشرط ردًّا زيد، أو أن
يعيره كذا، أو أن يخدمه مثلاً (وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ) وهو صغير لا أب له، والتعبير فيهما
بالأكل المراد به: سائر وجوه الاستعمال؛ لأنه أغلبها للمقصود منها (وَالتَّوَلِي يَوْمَ
الرَّحْفِ) أي: الانصراف يوم الحرب غير جنس المسلمين عند مقابلتهم لجيش الكفار
الذين لم يزيدوا على مثلينا زيادة لها وقع، إلا إن كان يقصد التحرف للقتال ليتمكن
منه، أو التخيير إلى فئة يستنجد بها كما في الآية.
والزحف الجماعة الكثيرة الذين يزحفون إلى العدو؛ أي: يمشون إليهم
بمشقة، من: زحف الصبي: دب على استه، سموا بالمصدر؛ مبالغة، كالعدل (وَقَدْفُ)
كل من لم يتجاهر بالزنا، وأفحشه: قذف المحصنين المؤمنين الغافلين وأفحش
منه كما اقتضاه سياق آية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ الغَافِلَاتِ المُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا
فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَّهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣] قذف الحرائر (الْمُحْصَنَاتِ)
بفتح الصاد؛ أي: المحفوظات من الزنا، وبكسرها؛ أي: الحافظات لفروجهن عن
الزنا.
وأصل القذف الرمي البعيد، استعير للشتم والبهتان كما استعير له الرمي في
الآية؛ لأن القاذف يربي المحصن بما هو بعيد عنه (الْغَافِلَاتِ) أي: البريئات؛ لأن
البريء غافل عما بهت به من الزنا (الْمُؤْمِنَاتِ) خرَّج بهن الكافرات، نعم قذف الذمية
صغيرة لا يوجب حدًّا كالأمة المسلمة، كذا قاله الشارح، وكأنه أسند بعدم الحد على
عدم الكبيرة، وهو إنما يتمشى على تعريفها بما يوجب حدًّا لا على ما مرَّ عن إمام
الحرمين، فإنه يقتضي أن كلاً من قذف الذي والقن كبيرة (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
٥٣ - [وَعَنْهُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((لَا يَزْنِي الَّانِ حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنْ، وَلَا
يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُها وَهْوَ مُؤْمِنُ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ

٣٧٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهْوَ مُؤْمِنْ، وَلَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ حِينِ يَغُلُّ وَهُوَ مُؤْمِن فَإِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ)(١)].
(وَعَنْهُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهُ: لَا يَزْفِي الرَّانِيِ حِينَ يَزْنِي وَهْوَ) أي: الحال أنه
(مُؤْمِنُ) كامل، بل ينتفي عنه كمال الإيمان وقت الزنا، وكذا بعده ما لم يتب كما
اقتضته أحاديث أُخر، وتجويز أن يكون لفظه لفظ الخبر ومعناه النهي مردود، وإن
اختاره بعضهم بأنه يلزم عليه ألا يكون للتقييد فالظرف والحال فائدة؛ لأن الزنا
منهي عنه في جمیع الملل والأحوال، ولیس مختصًا بالمؤمنین.
ورواية حذف النون يتعين حمل النهي فيها على أنه بمعنى الخبر حتى يصح
المعنى، وقيل: معنى مؤمن مستحبي من الله تعالى؛ لأن الحياء شعبة من الإيمان، فلو
استحبي منه واعتقد أنه ناظر إليه لم يرتكب هذا الفعل الشنيع، وهذا يرجع للأول؛
لأنه إذا انتفت تلك الشعبة انتفى كمال الإيمان؛ لأن الكل ينتفي بانتفاء جزئه، ونظيره
الخبر السابق: ((لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ، وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَّهُ))(٢) ومصداقه قوله
وَلَهُ: ((الإِسْتِحْيَاءِ مِنَ الله))(٣).
حق الحياء أن يحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وما وعاه الرأس من
اللسان اللسام والشم والسمع والبصر، وما حوته البطن هو ما احتف بها من القلب
والفرج واليدين والرجلين، فيحفظ هذه حياء من الله تعالى سلف بالإنسان عن سائر
المعاصي الظاهرة والباطنة، كغل القلب وحسده المؤديين إلى القتل، والخيانة وغيرها
كالزنا؛ لأنه إنما ينشأ من اشتهاء القلب، وقيل: المراد بنفي الإيمان التغليظ لا غيره،
ونظيره الحكم بالكفر على من ترك الحج مع الاستطاعة في قوله تعالى: ﴿وَللَّه عَلَى
النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ.﴾ [آل عمران: ٩٧].
(١) أخرجه بنحوه البخاري (٢٣٤٣)، ومسلم (٥٧)، وأحمد (٨١٨٧)، والنسائي (٤٨٧٠)، وابن ماجه
(٣٩٣٦)، وعبد الرزاق (١٣٦٨٤).
(٢) أخرجه الطبراني (١١٥٣٢)، وأبو يعلى (٢٤٥٨)، وابن عدي (٣٥٦/٣)، والبيهقي (٧٠٧٣).
(٣) أخرجه الترمذي (٢٦٤٦).

٣٧٧
كتاب الإيمان/ باب الكبائر وعلامات التّفاق
فغير هذه الخصال ليست من أوصاف المؤمنين؛ لأنها منافية، فالأحق: أن
يتصف بها الكافرون، ويؤيده قول الحسن وغيره: إن المعنى أنه ينزع منه اسم المدح
الذي تسمى به أولياؤه المؤمنون، ويستحق اسم الذم كزان فاسق فاجر، وإنما تأولناه لما
مرَّ من الأحاديث المتواترة أن المعاصي لا تسلب اسم الإيمان، خلافًا للمعتزلة
المتمسكين بظاهر هذا الحديث ونحوه.
(وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ) شارب، وحذف وإن كان فاعلاً؛ لدلالة المقام عليه (حِينَ
يَشْرَبُها وَهْوَ مُؤْمِنُ) بالمعنى السابق (وَلَا يَنْتَهِبُ) ناهب، من: نهب ينهب - بفتح الياء
فيهما - أغار على غيره وأخذ ماله قهرًا (نُهْبَةً) بالفتح: مصدر، وبالضم: اسم للمال
المنهوب (يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ) أي: المنتهب (فِيهَا) أي: بسببها، أو في حال فعلها أو أخذها
فمن عين الضم لهذا الضمير، فقد تسهل لما تقرر أنه يصح عوده إلى المعنى المصدري
أيضًا (أَبْصَارَهُمْ) تعجبًا من جرأته، أو خوفًا من سطوته (حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهْوَ مُؤْمِنُ) أي:
لا يأخذ رجل مال قوم قهرًا وظلمًا، وهم ينظرون إليهم متضرعين باكين لا يقدرون
على دفعه إلا وهو غير مؤمن بالمعنى السابق؛ لأن هذا ظلم عظيم لا يصدر من مؤمن.
(وَلَا يَغُلُّ) بضم الغين، وأمَّا مكسورها فمن: الغل الذي هو الحقد (أَحَدُكُمْ)
أي: يأخذ شيئًا من الغنيمة لا على جهة التبسط الجائز له، وألحق به كل خيانة في أمانة
(حِین یَغُلُّ وَهُوَ مُؤْمِن) بالمعنى السابق.
(فَإِيَّاكُمْ) أي: احذروا هذه الخصال المذكورة، فإنكم قد علمتم عظيم
خطرها، وأنها ربما أدت إلى الكفر والعياذ بالله؛ إذ المعاصي تزيده فكيف بأكبرها؟
(إِيَّاكُمْ) كرره؛ للتأكيد والمبالغة في التحذير والتخويف.
٥٤ - [وَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاس: ((وَلَا يَقْتُلِ حِينَ يَقْتُل وَهُوَ مُؤْمِن)(١). قَالَ عِكْرِمَةٍ:
قُلْت لِاِبْنِ عَبَّاسٍ: كَيْف يُنْتَزَعِ مِنْهُ الْإِيمَان؟ قَالَ: هَكَذَا وَشَبَّك بَيْنَ أَصَابِعِهِ ثُمَّ
(١) أخرجه البخاري (٦٤٢٤)، وأحمد (٧٣١٦)، وعبد الرزاق (١٣٦٨٤)، والنسائي (٤٨٦٩)،
والطبراني (١١٦٢٣).

٣٧٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
أَخْرَجَها، فَإِنْ تَابَ عَادَ إِلَيْهِ هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله: لَا يَكُون
هَذا مُؤمِنًا تَامًّا، وَلا يَكُون لَهُ نُورُ الإِيمانِ. هَذَا لَفْظُ البُخَارِي].
(وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاس: وَلَا يَقْتُل) قاتل (حِينَ يَقْتُل وَهُوَ مُؤْمِن) بالمعنى السابق
(قَالَ عِكْرِمَة) مولى ابن عباس (قُلْتُ لِبْنٍ عَبَّاسٍ: كَيْفِ يُنْتَزَعِ مِنْهُ الْإِيمَان؟) الذي
دلَّ على نزعه ظاهر الحديث، وأنه يصير حال فعله لنحو الزنا مما ذكر مسلوب الإيمان
بالكلية.
(قَالَ) ينزع منه الإيمان؛ أي: نوره والحياء الناشئ عنه وغيرهما من فوائده
(هَكَذَا وَشَبَّك بَيْنَ أَصَابِعِهِ) مثال لرسوخه في قلبه (ثُمَّ أَخْرَجَها) مثال لنزعه منه،
واحتاج للأول؛ لأن به يتم التشبيه الثاني؛ أي: يصير الإيمان حال ذلك الفعل خارجًا
عنه، لكنه فوق رأسه كالظلة (فَإِنْ) استمر على حاله من غير ريبة صار الإیمان خارجًا
عنه، وإن (فَإِنْ تَابَ عَادَ إِلَيْهِ هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله) البخاري
تأويلاً للحديث بما يرجع للقول الصحيح السابق في معناه: (لَا يَكُون هَذا مُؤمِنًا قَامًّا،
وَلا يَكُون لَهُ نُورُ الإيمانِ) بل يخرج منه كما تقرر عن ابن عباس، ولا يرجع إليه
حتى يتوب (هَذَا لَفْظُ البُخَارِي).
٥٥ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثُ - زَادَ
مُسْلِمٍ: ((وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمْ)) - ثُمَّ اتَّفَقَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ
أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ (١)].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: آيَةُ الْمُنَافِقِ) أي: علامة نفاقه
الدال على قبح عمله وفساد طويته، وأصله من يظهر خلاف من يبطن، ثم غلب على
من يظهر الإسلام ويبطن الكفر، فـ((أل)) فيه إمَّا للجنس تشبيهًا لنفاق العمل الذي لا
ينافي الإسلام بنفاق الاعتقاد الذي ينافيه، بجامع أن كلًّا فيه إظهار لخلاف ما أبطن،
(١) أخرجه البخاري (٣٣)، ومسلم (٢٢٢)، وأحمد (٨٩١٩)، والترمذي (٢٨٤٠).

٣٧٩
كتاب الإيمان/ باب الكبائر وعلامات النّفاق
ونظرًا إلى أن الأول قد يجر إلى الثاني، أو للعهد الذهني والمعهود: منافقو زمنه وَيّ﴾؟
لأنهم حدثوا بإيمانهم فكذبوا، ووعدوا في نظر الدين فأخلفوا، وائتمنوا في دينهم
فخافوا، أو بعضهم، أو منافق العمل فقط بأن يعتاد هذه الخصال، بخلاف من وقعت له
هي أو بعضها نادرًا.
واستحسن هذا؛ لأن النفاق شرعي وهو: الاعتقادي الذي هو إبطان الكفر
وإظهار الإسلام، وعرفي وهو: العملي الذي إبطان المعصية وإظهار الطاعة، فإرادته هنا
أولى، وعليه فمعنى وزعم أنه مسلم الآتي؛ أي: الكامل في الإسلام، والأحسن عندي
إرادة كل منهما، والجمع بين الحقيقة والمجاز سائغ عند الشافعي، وعليه فالخصال
الآتية: تجعل في كل منهما على ما يليق به، كان يحمل للكذب، وما بعده في منافق
الاعتقاد على ما يتعلق بالدين، أو في منافق العمل على ما يتعلق بغير الدين مما ينافيه.
(ثَلَاثُ) أخبر بها أنه للجنس؛ أي: كل واحدة منها أنه، أو مجموع الثلاث هو
الآية، وخصت؛ لاشتمالها على أصل النفاق ومبناه من مخالفة السر للعلن؛ إذ الكذب
الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به، والأمانة حقها أن تؤدى إلى أهلها، فالخيانة
فيها كتم لها، وكذا خلاف الوعد، والنفق - بفتحتين -: السرب بهما في الأرض الذي له
محل آخر يخرج منه، والنافقاء: حجر لليربوع يجعله بإزاء حجر له آخر يدخل منه
يسمى: القاصعاء، من: قصع: دخل بينهما حاجز رقيق، فإذا أتى من القاصعاء ضرب
برأسه ذلك الحاجز وخرج من النافقاء، فالمنافق كذلك؛ لأنه يدخل في الشرع من باب
ويخرج من آخر، ويكتم الكفر ويظهر الإيمان، كما أن اليربوع يكتم النافقاء
ويظهر القاصعاء.
(زَادَ مُسْلِم) أن من فيه هذه الثلاث منافق كامل في النفاق (وَإِنْ) عمل أعمال
المسلمين كأن (صَلَّى وَصَامَ وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ) وهذا الشرط اعترض وارد؛ للمبالغة (ثُمَّ
اتَّفَقًا) أي: البخاري ومسلم على تلك الثلاث، فقالا: (إِذَا حَدَّثَ گَذَبَ) خبر بعد خبر،
أو بدل مما قبله، لكن بتقدير كذبه عند حديثه، وكذا الباقي (وَإِذَا وَعَدَ) أي: أخبر

٣٨٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
بخبر في المستقبل إذا وعد يغلب في الخير وأوعد في الشر (أُخْلَفَ) أي: جعل الوعد
خلافًا لا يفي به، ووجه المغايرة بين هذه وما قبلها: إن الإخلاف قد يكون بالفعل،
وهو غير الكذب الذي هو لا زم التحديث.
ويصح على جهة الادعاء أن يكون هذا حقيقة أخرى للكذب خارجة عن
التحديث، وعطفت عليه لزيادة حسنها، كما في عطف جبريل على الملائكة فادعى
أنه نوع آخر لزيادة شرفه ليس فيه ما يدل على وجوب الوفاء بالوعد؛ لأن ذم الإخلاف
إنما هو من حيث تضمنه للكذب المذموم إن عزم على الإخلاف حال الوعد، لا إن
طواله كما هو واضح على أن علامة النفاق لا يلزم تحريمها؛ إذ المكروه لكونه يجر إلى
الحرام يصح أن يكون علامة على المحرم، ونظيره علامات الساعة فإن منها ما هو
محرم وهو أكثرها، ومنها ما ليس بمحرم.
(وَإِذَا اْتُمِنَ) أي: جعل أمينًا، وفي رواية: ((أيمن)) بتشديد الياء لقلب همزته
الثانية واوًا وإبدالها ياء، وإدغام الياء في الياء (خَانَ) أي: يصرف في الأمانة على
الخلاف القانون الشرعي، وأفاد اقتران الجملة الشرطية بـ((إذا)) الدالة على تحقق الوقوع
مع حذف المعمول الدال على العموم: إن من تكررت منه هذه الخصال حتى صارت
عادته وديدنه دائمًا هو الحقيق بأن يسمى منافقًا، بخلاف المؤمن فإنه إن فعلها مرة
تركها أخرى، وإن أصر عليها زمانًا أقلع عنها زمانًا آخر، وإن وجدت فيه واحدة منها
عدمت أخرى، ومع ذلك ففيه له - أي: المؤمن - إنذار أي إنذار، وتحذير أي تحذير من
أن يعتاد هذه الخصال فيفضي به إلى النفاق الكامل وهو الاعتقادي، وإطلاق النفاق على
العملي الذي هو ترك المحافظة على حدود الله سرًا ومراعاتها عملاً، كإطلاق الكفر
على بعض كبائر الذنوب في نحو قوله {وَ له: ((سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ))(١).
والحسن البصري مرة هذا الإطلاق، ومرة قال به فسمى صاحب الكبيرة:
(١) أخرجه البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤)، والترمذي (١٩٨٣) وقال: حسن صحيح، وأحمد
(٣٦٤٧)، والنسائي (٤١٠٨)، وابن ماجه (٦٩)، وابن حبان (٥٩٣٩)، والحميدي (١٠٤).

٣٨١
کتاب الإيمان/ باب الكبائر وعلامات التّفاق
منافقًا، ويحكى أنه رجع عن الأول لما أرسل له عطاء؛ إذ بلغه عنه أن أخوة يوسف الكليات
وجدت فيهم تلك الثلاث أفتراهم منافقين؟ فسر بما نبَّه عليه عطاء.
وروي أن مقاتلاً قال لابن جبير: إن هذا الحديث أفسد علي بعثتي؛ لأني أظن أني
لا أسلم من هذه الثلاث أو بعضها.
وقال: قد أهمني ذلك فسألت عنه ابن عمر وابن عباس ﴾ فضحكا ثم قالا:
أهمنا ذلك، فسألنا عنه رسول الله وسلم فضحك فقال: «ما لكم ولهن؟! أمَّا قولي: ((إذا
حدَّث كذب)) فيما أنزل الله عليَّ ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١].
وأمَّا ((إذا وعد أخلف)) فذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ.﴾
[التوبة: ٧٧].
وأمَّا ((إذا ائتمن خان)) فذلك فيما أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ﴾
[الأحزاب: ٧٢] وأنتم براء من ذلك))(١) بتقدير صحة هذا الخبر، هو لا ينافي ما قدمته
من صحة حمل الحديث على منافقي العمل أيضًا، لما مرَّ أنه على التشبيه، وخشية أن
يجره إلى نِفَاق الاعتقاد، وما ذكر في أولاد يعقوب مبنيًّ على القول بأنهم غير أنبياء.
أمَّا على القول بأنهم أنبياء فيتعين تأويل ما صدر منهم بحمله على محامل
التجوزات والكنايات التي تقتضي عدم وقوع حقائق ذلك منهم؛ إذ الأنبياء
معصومون قبل النبوة وبعدها عن كبائر الذنوب وصغائرها، ولو سهوا على ما هو الحق
عند المحققين، وإن كان الأكثر على خلافه، ويؤيده القول بنبوتهم.
بل يصرح به قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيم
وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦] وهم - أعني: الأسباط - أولاد
يعقوب، فالآية مصرحة بوجوب الإيمان بما أنزل إليهم، ويلزم من الإنزال إليهم نبوتهم
كما هو واضح، وبما تقرر أولاً عُلم رد ما قيل: هذه الخصال قد توجد في المسلم
(١) ذكره الملا القاري في ((المرقاة)) (٣٠٠/١).

٣٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
الحقيقي، وإيضاحه أن هذه خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافق المطلق؛ إذ نفاقه
خاص لمن حدَّثه ووعده وائتمنه، لا نفاق في الإسلام بإبطال الكفر.
وقيل: الحديث فيمن غلبت عليه هذه الخصال.
٥٦ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: أَرْبَعُ مَنْ كُنَّ فِيهِ
كَانَ مُنَافِقًّا خَالِصًا وَمَنْ كَانَ فِيهِ خَصْلَةُ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النَّفَاقِ حَتَّى
يَدَعَهَا إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذا خَاصَمَ فَجَرَ (١).
(وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: أَرْبَعُ) أي: من الخصال،
فساغ الابتداء (مَنْ) خبر، وإذا ألح بدل منه أو صفة، والخبر إذا ألح بالتقدير السابق
في نظيره (كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةُ) أي: خلة بفتح أولهما
(مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةُ مِنَ النّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا. [مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢)).
قال البيضاوي: يحتمل أن هذا مختص بأبناء زمنه، فإنه ويّير علم بنور الوحي
بواطن أحوالهم، وميَّز بين من آمن به صدقًا ومن أذعن له نفاقًا، فأراد تعريف أصحابه
أحوالهم ليكون على حذر منهم ولم يصرِّح بأسمائهم؛ لأنه ◌َ علم أن منهم من
سيتوب، ولأن عدم التعيين أوقع في النصيحة وأجلب للدعوة إلى الإيمان، وأبعد عن
التقرر والمخاصمة.
ويحتمل أن يكون عامًا؛ لينزجر الكل عن هذه الخصال على وجه، إيذانًا بأنها
طلائع النفاق الذي هو أسمج القبائح؛ لأنه كفر ضموا إليه الاستهزاء والخداع برب
الأرباب ومسبب الأسباب، فيُعلم من ذلك أنها منافية لحال المسلمين، فينبغي ألَّا يرتع
حولها، فإن من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
ويحتمل أن المراد بالمنافق العرفي وهو من يخالف سره وعلنه مطلقًا، ويشهد له
قوله: ((ومن كانت فيه خصلة.)) إلى آخره، وكذا قوله: ((خالصًا)) لأن الخصال التي تتم بها
(١) أخرجه البخاري (٣٤)، ومسلم (٥٨)، والبيهقي (١٩٣١٨)، وابن حبان (٤٨٩).
(٢) سقطت في الأصل.

٣٨٣
كتاب الإيمان/ باب الكبائر وعلامات النّفاق
المخالفة بين السر والعلن لا يزيد على هذا. انتهى.
وأولى هذه الاحتمالات التي ذكرها الثاني والثالث، فيصح حمل هذا الخبر والذي
قبله عليهما، وعلى كل منهما بالاعتبار الذي قررناه في الحديث السابق: (إِذَا اؤْتُمِنَ
خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ) أي: خالف (غَدَرَ) أي: ترك الوفاء (وَإِذَا خَاصَمَ
فَجَر) من الفجور، وهو بمعنى الميل عن الحق؛ لأنه مال عن الصراط المستقيم، أو من
فجر شق؛ لأنه يشق ستر الديانة، والمراد هنا: الشتم والرمي بالأشياء القبيحة عند
الخصام كذبًا وبهتانًا.
قال النووي: حصل من الحدیثین خمس خصال.
وقال في ((شرح مسلم)): ((إذا عاهد غدر)) داخل تحت ((إذا ائتمن خان)) أي:
وباعتبار ذلك يرجع إلى ثلاث بل إلى واحدة هي أقبحها، وهي الكذب، ولذلك علل
تعالى عذاب المنافقين به في قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:١٠]
ولم يقل: ينافقون؛ ليؤذن بأن الكذب قاعدة مذهبهم وأسه، فينبغي للمؤمن حقًّا أن
يجانبه، فإنه لو وصف الإيمان الذي هو التصديق.
قيل: لكن الحق أنها خمسة باعتبار تغايرها عرفًا، أو تغاير أوصافها
ولوازمها.
ووجه الحصر فيها أن إظهار خلاف الباطن، إمَّا في المال فهو: ((إذا اؤتمن خان»،
وإمَّا في غيره فهو الكدر ((إذا خاصم فجر)) وفي الصفاء إن أكد بيمين، فعاهد أولاً،
فالمستقبل واعد وللحال كاذب.
ولا تنافي بين قوله: ((ثم ثلاث، وهنا: أربع؛ لأن مفهوم العدد ليس بحجة عند
الأكثرين، وعلى مقابله الذي صححه غير واحد، فيحتمل أنه ولم أعلم الوحي بثلاث
ثم بأربع أو اكتفى، ثم عن الرابعة بالكذب؛ لرجوعها إليه، بل هي بعض جزئياته كما
علم من تفسيرها السابق، على أنه لا يدع في تعريف الشيء ببعض علاماته المميزة له،

٣٨٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
فلا مفهوم للاقتصار على بعضها، وإن قلنا: إن مفهوم العدد حجة. [مُتَّفَقُ عَلَيْهِ](١).
٥٧ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: «مَثَلُ
الْمُنَافِقِ كَالشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً»(٢). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: مَثَلُ الْمُنَافِقِ)
بفتح المثلثة أي صفته العجيبة (كالشّاةِ الْعَائِرَةِ) من عار: ذهب وبعد، وأكثر استعمال
العائرة في الناقة يخرج من إبل إلى أخرى ليضربها الفحل، ثم استعملت في بقية
المواشي توسعًا (بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ) أي: الفرقتين من الغنم، الذي هو اسم جنس يقع على
الواحد والجمع (تَعِيرُ) أي تخرج (إِلَى هَذِهِ) الفرقة (مَرَّة) ليضربها (وَإِلَى هَذِه) الفرقة
(مَرَّة) أخرى؛ ليضربها فحلها فلا ثبات لها على حالة واحدة، وإنما هي أسيرة شهواتها
كما أن المنافق كذلك حتى انسلبت الرجولية عنه، وصار كهذه العائرة في تردده بین
فرقتي المؤمنين والمشركين تبعًا لهواه وإيثارًا لشهواته المانعة له من الثبوت مع إحدى
الفرقتين.
ومن ثم وصفهم تعالى بذلك، فقال عز قائلاً: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَّا إِلَی هَؤُلاءِ
وَلَا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء: ١٤٣]. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
(الفصل الثاني)
٥٨ - [عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: قَالَ يَهُودِيُّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا
النَّبِيِّ. قَالَ لَّهُ صَاحِبُهُ: لَا تَقُلْ نَبِيُّ، لَوْ سَمِعَكَ كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ، فَأَتَيَا رَسُولَ الله ◌َّ
وَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ، فَقَالَ وَهَ: لَا تُشْرِكُوا بِاللّهِ شَيْئًا، وَلَّا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا،
وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ،
وَلَا تَسْحَرُوا، وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا، وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً، وَلَا تَوَلَّوْا لِلْفِرَارِ يَوْمَ الزَّحْفِ،
وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً الْتَهُودُ أَنْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ، قَالَ: فَقَبَّلُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَقَالُوا:
(١) سقطت في الأصل.
(٢) أخرجه أحمد (٦٢٩٨)، ومسلم (٢٧٨٤)، والنسائي (٥٠٣٧).

٣٨٥
كتاب الإيمان/ باب الكبائر وعلامات النّفاق
نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيُّ. قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَتَّبِعُونِي؟ قَالُوا: إِنَّ دَاوُدَ الكَيْهِ دَعَا بِأَنْ لَا يَزَالَ مِنْ
ذُرِّيَّتِهِ نَبِيُّ، وَإِنَّا تَخَافُ إِن اتَّبَعْنَاكَ أَنْ تَقْتُلَنَا الَّهُودُ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد
وَالنَّسَائِيّ].
(عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ) بمهملتين (قَالَ: قَالَ يَهُودِيُّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا)
بمعنى ((مع) أو للتعدية (إِلَى هَذَا النَّبيّ) فيه أنهم كانوا يعلمون نبوته وَّةِ، وإنما
جحدوها ظلمًا وعلوًّا وعنادًا، وإيثارًا للأغراض الدنيوية التي كانت تحصل لهم من
أتباعهم.
قال تعالى: ﴿وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا
كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩].
(فَقَالَ لصَاحِبِهِ: لا تَقُلْ) إنه (نَبِيُّ إِنَّهُ لَوْ سَمِعَكَ) تعترف بنبوته (لَكَانَ لَهُ أَرْبَعُ
أَعْيُنِ) أي: لسرَّ بذلك سرورًا تامًّا يزداد به نورًا إلى نوره كذي عينين أصبح يبصر
بأربع أعين؛ إذ السرور يمد قوة البصر كما أن الحزن يضعفها أو يذهبها ﴿وَابْيَضَّتْ
عَيْنَاهُ مِنَ الحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤] وإن ذلك كناية عن السرور المضاعف،
فالتنبيه للتكثير كما في لبيك فـ ﴿ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] إذ من عادتهم
الكناية عن السرور بقرة العين ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أُعْيُنٍ﴾ [الفرقان:
٧٤] والأول أنسب باللفظ.
(فَأَتَيَا رَسُولَ اللهِ وَّهِ فَسَأَلاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ) أي: علامات؛ إذ الآية تطلق على
كل محسوس أو معقول تتفاوت به المعرفة بحسب التفكر والتأمل فيه، وعلى كل جملة
دالة على حكم شرعي، وعلى كل كلام متصل بفضل لفظي، وعلى المعجزة لما فيها من
الدلالة على نبوة من ظهرت تلك المعجزة على یدیه.
(بَيِّنَاتٍ) أي: واضحات الدلالة على نبوة موسى الثَّهة، وهي معجزاته التسع
(١) أخرجه الترمذي (٢٩٥٢)، والنسائي (٤٠٨٩)، ولم أقف علیه عند أبي داود.