النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
(وَ) أن (الْجَنَّةُ وَالنَّارُ) كل منهما (حَقّ) مبالغة في حقيقتهما بجعلهما عين الحق،
كرجل عدل، ردًا على من ينكر وجودهما، وقد لا يحتاج لذكر كل؛ لأن ((حق)) مصدر،
وهو يشمل القليل والكثير، فيصح الإخبار به عن غير المفرد أيضًا (أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ)
حال كونه باقيًا بلا توبة إلى موته.
(عَلَى مَا كَانَ) عليه قبل ذلك (مِنَ الْعَمَلِ) السيئ الشامل للكبائر؛ أي: حال
استحقاقه للعذاب في مقابلة ذلك العمل الذي لم يتب منه، وإلا لم يقل في حقه:
(على ... إلى آخره) وإن خالف ذلك القياس العقلي المقتضي ألّا يدخلها من شأنه ذلك،
كما أخذ به المعتزلة غفلة عن هذا الحديث، وغيره من الأدلة المبطلة لذلك القياس
الذي نظر إليه أيضًا أبو ذر في الخبر السابق حتى بين له وَل بطلانه، فرجع عنه، فعلم
أن ((على)) في مثل هذا التركيب تستعمل للإشعار بمخالفة ما بعدها لقياس ما قبلها.
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) فيه فوائد، منها: إنه ينبغي للعالم زيادة التأكيد في المقامات
الخطابية، كما في ((وحده لا شريك له)) هنا، وأن يقدم الأشراف فالأشراف من
الأوصاف، وأن يبالغ في الرد على المخالفين بإيراد ما يبطل شبههم، كما رد ولا على
اليهود والنصارى بوصف عيسى التَّها بما مرَّ، ثم على منكري الجنة والنار مطلقًا أو
الآن كالمعتزلة، ثم عليهم - أعني المعتزلة - فيما زعموه من تلقاء أنفسهم؛ تقليدًا
لعقولهم الفاسدة: إن الميت فاسقًا مخلدًا في النار، وإن الكبيرة لا يعفى عنها بدون توبة،
ومر في حديث أبي ذر وغيره ما يرد عليهم أيضًا.
٢٨ - [وَعَنْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ لَّهِ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ فَقُلْتُ: ابْسُطْ
يَمِينَكَ فَلأُ بَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ فَقَبَضْتُ يَدِي. فَقَالَ: مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟ قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ
أَشْتَرِطَ، قَالَ: تَشْتَرِظُ مَاذَا؟ قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ يَا عَمْرُو أَنَّ الإِسْلَامَ
يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ(١). رَوَاهُ
مُسْلِمُ].
(١) أخرجه مسلم (٣٣٦)، والبيهقي في سننه (١٨٦٥٤).

٣٢٧
كتاب الإيمان
(وَعَنْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ﴾ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وََّ) أي: لأن أسلم على يديه
(فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ) أي: مدها؛ أي: حتى أضع يميني عليها (قَـ) طلبني لذلك، إنما
وقع مني (لأُبَايِعْكَ) لأجل أن أبايعك على الإسلام؛ أي: أعاقدك وأعاهدك على أن أفعله
وأدوم عليه، وعلى أن يفي لي بما أشترطه، وهذا أولى من جعل اللام أو الفاء الزائدة
للتوكيد؛ هربًا من كراهة النحاة اجتماع حرفين لمعنى واحد؛ إذ ((فاء جواب الأمر)»
و(لام كي)) كل منهما للتبعية، ومن جعل اللام مفتوحة فإنه خلاف الرواية، والفاء
للجزاء؛ أي: فإني أبايعك.
(فَبَسَطَ يَمِينَهُ فَقَبَضْتُ يَدِي) إلى جهتي (فَقَالَ: مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟) أي: أيّ شيء
خطر لك حتى منعك عن بسط يمينك للمبايعة التي سألتنيها؟ (قُلْتُ: أَرَدْتُ) بذلك
(أَنْ أَشْتَرِطَ) لنفسي ما ينفعها من حضرتك العلية.
(قَالَ: قَشْتَرِطُ) قيل: فيه حذف، استفهام إنكاري للاشتراط في الإيمان، ثم
ابتدأ بقوله: ((ماذا؟)) أي: ما الذي تشترط؟ أي: أيّ شيء تشترطه؟ وعليه مع ما فيه من
نوع تكلف فلا يحتاج للجواب عن عدم تصدير ما الاستفهامية من قوله: (مَاذَا؟)
وعلى أن الاستفهام قيل: يشترط، فذكر الاستفهام بعده؛ ليفسر نظيره المقدر، قيل:
يشترط وجوبًا؛ لأن الاستفهام له الصدر.
لكن قال ابن مالك: محل ذلك ما لم تركب ((ما)) مع ((ذا))، وإلا لم يجب
تصديرها، بل يجوز كونها معمولة لما قبلها، كما في قول عائشة - رضي الله عنها -:
أقول ماذا وفق لهم كان ماذا، ويؤيده قول بعضهم: يجوز وقوعها تمييزًا، كقولك لمن قال:
عندي عشرون: عشرون ماذا؟
(قُلْتُ:) أشترط (أَنْ يُغْفَرَ لِي) كلما قدمته، حتى المظالم.
(قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ يَا عَمْرو) أي: من حقك مع رزانة عقلك، وجودة رأيك،
وكمال حذقك، وذكائك الذي لم يلحقك فيه أحد من العرب ألَّ يكون خفي عن
علمك (أَنَّ الإِسْلَامَ) أي: من الحربي؛ إذ إسلام الذي لا يسقط عنه شيئًا من حقوق

٣٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
العباد (يَهْدِمُ) أي: يزيل ويمحو (مَا كَانَ قَبْلَهُ) من صغيرة وكبيرة متعلقة بالله، أو
بعبادة تعم الذنوب، والودائع ونحوهما من الحقوق الثابتة بعقد أو نحوه في حالة الكفر،
لا تسقط بالإسلام كما هو مقرر في محله.
(وَأَنَّ الْهِجْرَةَ) إليّ في حياتي وخبر: ((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ)(١) معناه: لا هجرة
من مكة؛ لأن أهلها صاروا مسلمين، وبعد وفاتي من دار الحرب إلى دار الإسلام
(تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا) مما وقع قبلها وبعد الإسلام ماعدا المظالم كما يأتي، وذلك لما
فيها من مفارقة الوطن الذي جبلت النفوس على حبه، لا سيما مع مفارقة الأهل
والأحبة المنبئة عن صدق الرغبة في الإسلام، والإعراض عن كل ما يأمر بالإعراض
عنه.
(وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا) حذف ((كان)) من هنا دون سابقيه كأنه لليقين، ثم
وللإشارة إلى أن من شأن الحاج بقيده الآتي من عدم الرفث والفسوق أن له مكفرات
أخرى كثيرة، كالصلاة والصيام، فليس قبله معاص يطول زمنها حتى يعبر عنه
بـ((كان)) الدالة على الدوام والاستمرار بخلاف الإسلام، وهو واضح.
والهجرة؛ لأن الغالب ميل النفس إلى الوطن والأهل، فلا يخرج عنهما بعد
الإسلام إلا بعد مزيد مجاهدة يطول زمنها (قَبْلَهُ) مما ذكر، لكن يشترط ذكر في
حديث: ((مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمٍ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ))(٤).
وحديث: ((الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءُ إِلَّ الْجَنَّةُ»(٣).
ومع ذلك فالذي عليه أهل السنة كما نقله غير واحد من الأئمة، كالنووي
(١) أخرجه البخاري (٢٦٣١)، ومسلم (١٨٦٤)، والترمذي (١٥٩٠) وقال: حسن صحيح، وأبو داود
(٢٤٨٠)، وابن أبي شيبة (٣٦٩٣٢)، وأحمد (١٥٣٤١)، والنسائي (٤١٦٩).
(٢) أخرجه البخاري (١٤٤٩)، وأحمد (٧٣٧٥)، والنسائي (٢٦٢٧)، وابن ماجه (٢٨٨٩)، وابن حبان
(٣٦٩٤)، وأبو يعلى (٦١٩٨).
(٣) أخرجه أحمد (١٤٥٢٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤١١٩)، والطبراني في الأوسط (٨٤٠٥).

٣٢٩
كتاب الإيمان
وعياض: إن محل في غير التبعات قبل الكبائر؛ إذ لا يكفرها إلا التوبة، وعبارة بعض
الشارحين حقوق المالية لا ينهدم بالهجرة والحج، وفي الإسلام خلاف، وأمَّا حقوق
العباد فلا تسقط بالهجرة والحج إجماعًا. انتهى.
نعم يجوز بل يقع كما دل عليه بعض الأحاديث أن الله تعالى إذا أراد لعاصٍ
العفو وعليه تبعات عوض صاحبها من جزيل ثوابه ما يكون سببًا لرضاه وعفوه، وأمَّا
قول جماعة من الشافعية وغيرهم: إن الحج يكفر التبعات، واستدلوا بخبر ابن ماجه:
((أَنْه ◌َلْ دَعَا لِأُمَّتِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْمَغْفِرَةِ، فَاسْتُجِيبَ لَهُ مَا خَلا المظَالِمِ، فَلَمْ يُجِبْ
لِمَغْفرَتِهَا، فَدَعَا صَبِيحَة مُزْدَلِفَة بِذَلِكَ فَأُجِيبَ، فَضَحَكَ رَسُولُ اللهِ وَ لَمَا رَأَى مِنْ
جوع إِبْلِيس؛ إِذْ شَاهَدَهُ عموم تِلكَ المغْفرَة))(١) فيرده أن الحديث سنده ضعيف فلا
دلالة فيه.
وقد أوضحت الكلام في هذه المسألة في ((شرح العباب)) في صوم عرفة يكفر
سنتين، وتاسوعاء سنة، وعاشوراء سنة، فليطلبه من أراد ذلك، فإن قلت: بعد قصر
المغفرة في الهجرة والحج على ما ذكر تنتفي المناسبة بين المعطوف والمعطوف عليه، وهي
بل قوتها متأكدة عند البلغاء.
قلت: لا تنتفي بذلك، وكفى فيها اشتراكهما في المغفرة، ويخالفهما في تفصيل
المغفور لا يمنعها، بل لا يمنع قوتها كما هو جلي، فإن قلت: الإتيان بـ((إمَّا)) يستلزم
اجتماع نفيين ((ما)) و((ما)) في معنى الهمز، فيدل على التقرير، لا سيما وقد اتبعا
بـ((علمت))؛ إيذانًا بأن ذلك مقرر لا نزاع فيه ولا ريب، وذلك يستلزم عموم الهدم في
الثلاثة.
قلت: لا استدعاء فيه لذلك ألبتة، فإن عمرًا كان يظن أن الإسلام لا يهدم شيئًا،
فكان الإتيان بـ((إِمَّا)) و((علمت)) لمنع ما في ظنه من عدم حصول أصل الهدم في الإسلام،
(١) أخرجه ابن ماجه (٣١٢٧).

٣٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
وأمَّا ذكر الهجرة والحج مع تكرير لفظ ((يهدم)) مع كل منهما، فزيادة في الجواب لمزيد
البشارة، ومبالغة في إزالة ما في وهم عمرو إن ما وقع لا يكفر، وكأنه قيل له: لا تهتم
بشأن الإسلام وحده، وأنه هل يهدم ما كان قبله؟ فإنه يهدم ذلك من غير أن ينحصر
الأمر فيه، بل الهجرة والحج كذلك في أصل الهدم الذي الكلام فيه باعتبار ظن عمرو
كما تقرر.
فإن قلت: الإتيان بلفظ ((يهدم)) الذي هو قرينة للاستعارة المكنية من تشبيه
تلك الثلاث في قلع كل منها للذنوب بنحو المعول الذي يهدم به البناء، ثم أثبت
للإسلام ما يناسب المشبه به من الهدم، ونسب إليه على سبيل الاستعارة التخييلية،
فدل على قلع الذنوب من أصلها.
قلت: يكفي في ذلك التشبيه المبني عليه تلك الاستعارات وجود أصل الهدم في
الأخيرين دون غايته التي الكلام فيها، وأمَّا الأول: فالتشبيه فيه في الأصل، والغاية على
كماله لقضاء الأدلة بذلك في كل من الثلاثة على أن هذه محسنات لفظية، فلا يحسن
الاستدلال بها في مثل هذه المقامات الجدلية، فاعلم ذلك.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وفيه فوائد منها: إنه يسن بسط اليمين عند المبايعة، وإنه ينبغي
للعالم إذا ظهر له من المتعلم شيئًا ينافي التعلم أن يسأله عن سببه، وإن اشتراط المتعلم
على المعلم أمرًا ينتفع به منه لا ينافي التأدب معه، فإنه ليس القصد بذلك إلا مزيد
الإمداد والانتفاع، وإنه إذا ظهر له من ذكى ما يخالف ذكاءه أن يشعره بأنه كان ينبغي
لك التفطن، وألَّا يشكك في ذلك، وإن زيد في الجواب للحاجة والمناسبة، وأن يستعمل
الأمور البديعة من الاستعارات وغيرها.
(وَالحَدِيثَان المذْكُورَان عَنْ أَبِي هُرَيرةٍ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ((أَنَا أَغْتَى الشُّرَكَاءِ
عَنِ الشِّرْكِ)) وَالآخَرِ: (الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي)) سَيَذْكُرُهَا فِي بَابِ الرِّيَاءِ، وَلِيَكُن إِنْ شَاءَ اللهُ
تَعَالَى).

٣٣١
كتاب الإيمان
(الفصل الثاني)
٢٩ - [عَنْ مُعَاذٍ ﴾ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولِ اللهِ، أَخْبِرِنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ. قَالَ:
لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرُ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللهَ، وَلا تُشْرِكُ بِهِ
شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: أَلا أَدُلُّكَ عَلَى
أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةُ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُظْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلاةٌ
الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَرَأَ: «تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حَتَّى بَلَغَ:
﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧] ثُمَّ قَالَ: أَلا أَدُلُّكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذُرْوَةِ سَنَامِهِ؟
قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ
الْجِهَادُ. ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللهِ، قَالَ: فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ
وَقَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ قَالَ:
ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا
حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟!(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ].
(عَنْ مُعَاذٍ ﴾ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُول الله، أخْبِرِفِي بِعَمَلِ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ) لا لذاته؛
بل لتفضل الله بجعله سببًا لدخولها إلا لمجرد المرور ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:
٧١] واحتاج لهذا الأمر أنه لا يلزم من مطلق دخول الجنة مباعدة النار، بل قد يكون
بعد دخولها و((يدخل)) و(يباعد)) مرفوعان صفة لـ((عمل))، وأمَّا جزمهما جوابًا للأمر
فمنعه غير واحد؛ لأن الدخول ليس سببًا عن الإخبار، بل عن العمل، ولأنه يلزم
عليه بقاء عمل على تنكيره المطلق، وهو لا يفيد.
ورد بأن هذا من باب السبب الذي هو الإخبار مقام المسبب الذي هو العمل،
وليس المراد بلازم الأمر وجوابه عقلاً، بل غلبه، والمؤمن الحق المخبر منه * بذلك
تمثيله غالبًا، ومن ثم جعل ابن الحاجب ((تقيموا)) في: ﴿قُل لَّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا
(١) أخرجه الترمذي (٢٨٢٥)، وأحمد (٢٢٦٦٥)، وابن ماجه (٤١٠٨).

٣٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] وغيره (يغفر لكم)) في: ﴿هَلْ أَدُلَّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم .. ﴾
[الصف:١٠] هو الجزاء؛ لأن المؤمن الراسخ في الإيمان لما كان مظنة للامتثال نزل منزلة
المحقق منه ذلك، وبأن يقومن عمل للتفخيم أو النوع؛ أي: بعمل عظيم أو معتبر
شرعًا بقرينة: (لقد سألت عن عظيم)).
(قَالَ: لَقَدْ سَأَلْتَ) مني (عَنْ) سؤال (عَظِيمِ) يتعسر جوابه، أو عن عمل عظيم
أو معتبر شرعًا بقرينة: ((لقد سألت عن عظيم)) فعله على النفوس، ويرجح هذا قوله:
((يفيد ... إلى آخره)) لأنه استئناف لبيان ذلك الأمر العظيم.
(وَإِنَّهُ) أي: جوابه على الأول، أو فعله على الثاني (لَيَسِيرُ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ
عَلَيْهِ) لأن معرفة ذلك الجواب من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ومن أعلمه،
ولأن أفعال العباد واقعة بأسباب ومرجحات يفيضها تعالى عليهم من عنده، فإن كان
طاعة سمي توفيقًا ولطفًا، أو معصية سمي خذلانًا وطبعًا.
(تَعْبُدُ اللهَ) مرَّ أنه استئناف لبيان ذلك العظيم.
(وَلا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ) أي: المكتوبة (وَتُؤْنِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ
رَمَضَانَ) مر الكلام على هذا كله في خبر الأعرابي وغيره (وَتَحُجُّ الْبَيْتَ) إن استطعت
إليه سبيلاً، وكان عدم ذكرهم للعلم بأن معاذًا يعرفه؛ لأنه كان أعلم الأمة بالحلال
والحرام کما في حدیث.
(ثُمَّ قَالَ: أَلا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْر؟) ((أل)) فيه للجنس، وجعلت الثلاثة الآتية
أبوابًا له يتوصل منها إليه؛ لأن باعتيادها المسهل لما فيها من المشقة على النفوس
بحرمان لذة الأكل وجمع المال ولذة النوم يسهل على النفس تحمل كل مشق، ويتدرب
لتجزع مرارة كل مكروه، فحينئذ يسهل عليها كل خير، ويأتي منها كل خير؛ لأنها قد
تصفّت من كدوراتها التي هي كالأبواب المغلقة المانعة من الظفر بما وراءها، وتأهلت
لما يقاس عليها من أنواع العلوم والمعارف والأخلاق واللطائف.
أو للعهد الذكري، وهو: الإسلام والإيمان المكني عنه بـ((تعبد الله ... إلى آخره))

٣٣٣
كتاب الإيمان
والذي هو: السبب دخول الجنة والمباعدة من النار، وحينئذٍ المراد: ما يراد به النوافل لما
في الحديث القدسي المشهور: ((وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ))(١)
ولأنها مقدمات للفرائض ومكملاتها، ومن ثم قيل: من ترك الأدب حرمها، ومن
حرمها حرم الفرائض، ومن حرم الفرائض يوشك أن يحرم المعرفة.
(الصَّوْمُ) فرضه ونفله (جُنَّةُ) أي: وقاية عن النار، وأسبابها من الشهوات
وموادها؛ إذ به تنسد مجاري الشيطان من الإنسان؛ إذ هو يجري منه مجرى الدم،
وتنقمع الهوى والشهوة، ومن ثم جعله ◌َله وجاء لمن عجز عن النكاح؛ أي: قاطعًا
لشهوته وتطلعه إلى النساء، ومن سلم من هذه الثلاثة: الشيطان والهوى والشهوة سلم
من جميع القواطع والغوائل التي يتسبب عنها حرمان الجنة ودخول النار، بخلاف من
غلب عليه شرهه، فإنه بواسطة شبعه تتوالى عليه تلك القواطع حتى تعميه عن طرق
الهدى، وتصميه عن سماع الحق، وتمنعه عن الطاعات، ويكثر فيه مواد الفساد، من
نحو: الغصب والحرص والخيلاء والكبر، فلا يرى حرمة إلا اقتحمها، ولا يقدر على
سخيمة إلا استهمها.
(وَالصَّدَقَةُ) فرضها ونفلها (تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُظْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ) خصها
بالإِطفاء، واستعمل في مطلق الحسنة الإذهاب ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:
١١٤] ومعنى إذهابها لما يتعلق بالآدمي رفعها إلى خصمه في مقابلة مظلمته، فإن لم
توجد له حسنة أخذ من سيئات خصمه ووضع عليه، ثم يلقى في النار إن لم يعف عنه،
ثم المحولها من ديوان الكرام الكاتبين، كما في حديث: ((وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ بِالْحَسَنَةَ
تَمْحُهَا))(٤) ليبين خصوصية الصدقة بتميزها بأعلى المراتب الثلاث التي هي: الإطفاء
(١) أخرجه البخاري (٦٥٠٢)، وأحمد (٢٦٩٤٧)، والبيهقي (٢١٥٠٨)، والطبراني (٧٧٣٩)، وابن حبان
(٣٤٨).
(٢) أخرجه أحمد (٢١٣٩٢)، والترمذي (١٩٨٧) وقال: حسن صحيح، والدارمي (٢٧٩١)، والحاكم
(١٧٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٨٠٢٦)، والبزار (٤٠٢٢)، وأبو نعيم في الحلية (٣٧٨/٤).

٣٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
المكني به عن المباعدة التامة عن النار المكني عنها بالخطيئة.
وأثبت لها على سبيل الاستعارة التخييلية الإطفاء؛ ليمنع من إرادة حقيقة
الخطيئة، وتسميتها نارًا في: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠] من إطلاق
اسم المسبب على السبب، ومع كون الإطفاء مكني به عما مرَّ، الصوم أقوى في المباعدة
عن النار؛ لما مر فيه أنه مانع من أصل المعاصي التي هي سبب النار، بخلاف الإطفاء
فإنه يستدعي وجودها قبله، وشتان ما بينهما.
(وَصَلاةُ الرَّجُلِ) ذكر للأغلب، أو الشرف، وإلا فالمرأة كذلك (فِي جَوْفِ اللَّيْلِ)
كذلك أي: الصلاة في الليل بعد النوم تطفئ الخطيئة أيضًا، وهي من أبواب الخير، ورجح
الأول بقوله: (ثُمَّ ثَلا) وََّ قوله تعالى: ((تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ﴾ حَتَّى بَلَغَ:
﴿ يَعْمَلُونَ﴾﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧] فإنه استشهاد للحكم الذي تضمنه الخير المقدر،
والأول أقرب إليه من الثاني؛ لتضمن الآية للصلاة والإنفاق الشامل للصدقة المطفئة.
ودلالة الاقتران قال بها كثيرون، ورجحه أيضًا أن أبواب الخير علم جملة على
كل من الثلاثة بكونها بدلاً منه، فلا بد من قيد زائد على ذلك هنا كما في سابقيه،
وهما: الجنة والإطفاء، وأحق ما يقيد به هذا ما قيد به الذي يليه وهو الإطفاء، وقيل:
الأولى جعل الخير شعار الصالحين كما جاء في جامع، ولأن فيه أيضًا فائدة زائدة على
فائدتي سابقيه؛ إذ هما كما أفادنا المباعدة عن النار ودخول الجنة.
قال تعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأَدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
(ثُمَّ قَالَ) وَّةِ: (أَلا أَدُلَّكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ) عدَّاه بالباء دون على التي هي القياس؛
لأنه ضمنه معنى أخبر، وحكمته: إن هذه أجمع وأشمل لما يأتي أن الأمر الدين، وهو
أعم من أبواب الخير وما قبله من قوله: ((تعبد الله ... إلى آخره).
(وَعَمُودِهِ وَذُرْوَةٍ) بضم المعجمة وكسرها؛ أي: أعلى (سنَامِهِ) وهو بفتح السين: ما
ارتفع من ظهر الجمل.
(قُلْتُ: بَلَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: رَأْسُ الأَمْرِ) أي: الدين (الإِسْلَامُ) أي: كلمتا

٣٣٥
كتاب الإيمان
الشهادتين، فمن لم يعبر بهما ليس له من الدين شيء أصلاً، ومن أقر بهما له أصله لا
قوته إلا إن حصل عموده، وما بعده فيهما من سائر الأعمال بمنزلة الرأس من الجسد
في احتیاجه إلیه وعدم بقائه دونه.
(وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ) لأن بها قوته واستمساكه، فمن داوم عليها قوي دينه واطمأن
قلبه، ومن لا ضعف دينه وفسد قلبه حتى لم يبق له من الإسلام إلا اسمه، ومن
الاحترام إلا اسمه.
(وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ) أي: أعلى خصاله التي ارتفع بها على سائر الأديان (الْجِهَادُ) من
حيث صعوبته بالخروج عن جميع المألوفات من النفس والأهل والمال والولد والحريم،
وخص الشهادتين والصلاة دون الزكاة والصوم والحج مع ذكر الكل أولاً؛ لينبه على زيادة
فضلها وتأكد حرمتها، ومن ثَمَّ هدر دم تاركهما، ولأنهما يتكرران كل يوم وليلة مرات
بخلاف البقية، وزاد الجهاد وبيَّن أنه رفعة الدين تحريضًا للناس عليه.
(ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ) بكسر الميمِ (ذَلِكَ) أي: بأصله ومبناه، أو بثوابه
وما یتم به إحكامه وتقويته، من ملك العجین: أحسن عجنه وبالغ فیه (کُلِّهِ؟) خص
به هذا؛ لأنه أجمع من سابقيه، وفي هذا الترقي كما علمت زيادة على الجواب على وجه
بليغ وأسلوب حكيم؛ إذ السؤال إمَّا جدلي فلا مساغ للزيادة فيه، وإمَّا تعليم فحقه أن
يتحرى فيه المجيب فيه الأصوب؛ لأنه كطبيب رفيق يتحرى ما فيه شفاء العليل وإن
لم يطلب.
(قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ الله) ذكر هذا هنا ورسول فيما مرَّ؛ لليقين (فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ)
الفاء زائدة؛ أي: لسان نفسه (وَقَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا) أي: لسانك المشابه له، فلا
تتكلم بما لا يعنيك؛ لئلا يكثر سقطك ويقبح غلطك وتكثر ذنوبك، ومفاسد كثرة
الكلام يطول زمن إحصائها، بل لا نهاية له، أو لا تتكلم بما لا يخطر لك من وسواس،
فإنك تؤاخذ به حينئذ للخبر المشهور: ((إِنَّ اللهَ تعالى تَجَاوَزَ لِي عَنْ أَمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ

٣٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
صُدُورُهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ))(١) أو بما ستره عليك، فإن التوبة منه والعفو منه أرجى.
(فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ قَالَ: ثَكِلَتْكَ) بكسر
الكاف، وعدي؛ لتضمنه معنى: فقدتك، يقال: ثكلتك المرأة إذا لم يكن لها ولد (أُمُّكَ
يَا مُعَاذُ) ليس المراد هنا الدعاء بذلك، بل التعجب وتعظيم الأمر تأديبًا له وتنبيهًا من
غفلته عن ذلك.
(وَهَلْ) أي: وما (يَكُبُّ) من: كبه صرعه على وجهه، بخلاف: أكب، فإنه سقط
على وجهه، وتعدية الثلاثي دون الرباعي من النوادر (النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ)
شك من الراوي (عَلَى مَنَاخِرِهِمْ) جمع منخر بفتح فسكون ففتح أو كسر، قيل: هو ثقبة
الأنف والمراد هنا: الأنف نفسه.
(إِلَّا) استثناء مفرغ؛ أي: لا يكبهم في الأكبر الأغلب شيء من الأشياء في
النار إلا (حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ) جمع حصيلة، وإضافته لفاعله؛ أي: محصودًا بها من الكلام
القبيح كالكفر والغيبة والنميمة والكذب ونحوها، شبه التلفظ بالحصد، واللافظ
بالحاصد، ولسانه بمنجله، والكلام بزرع حصد بجامع أن المنجل يقطع كل ما مر عليه
من رطب وودي وضدهما من غير تمييز، واللسان يتكلم بكل نوع كذلك، ثم حذف
المشبه وأقام المشبه به مقامه على سبيل الاستعارة المصرحة، وقرنتها الإضافة.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه) ويستنبط منه فوائد، منها: إنه ينبغي للعالم
أن يبين للسائل ما في سؤاله من عظم ودقة وغيرهما؛ ليحرضه على الاعتناء بحفظه
وفهمه، وامتثال ما يجاب به، ثم يعلمه تفويض الأمور كلها إلى الله، وإنه ليس له من
الأمر شيء، فييسر عمن شاء ويعسر على من شاء، وأن يرغب المتعلم ويستنجزه إلى
الزيادة بطريق الاستفهام منه ونحوه؛ لیکون ذلك أدعى إلى رسوخه في نفسه.
وأن يأتي بالمعنى الواحد في أساليب مختلفة مع إفادة كل مسلوب ما ليس في
(١) أخرجه البخاري (٢٣٩١)، وأحمد (٧٤٦٤)، والنسائي (٣٤٣٤)، والحميدي (١١٧٣)، وأبو عوانة
(٢٢٤)، وابن منده في الإيمان (٤٧٦/١)، وأبو نعيم في الحلية (٢٥٩/٢).

٣٣٧
كتاب الإيمان
غيره، ومع تحري الأمور الجامعة؛ لأن المسائل كلما قلَّت كان ذلك أدعى إلى حفظها
وفهمها، وأن يستدل لما تعوله بالقرآن حيث وجده، وأن يمثل له المعاني الخفية بالأمور
الحسية؛ لقوله وَال﴾: (( كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ)(١) وإمساكه للسانه.
٣٠ - [وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: مَنْ أَحَبَّ لِلهِ، وَأَبْغَضَ لِلهِ،
وَأَعْطَى لِلِهِ، وَمَنَعَ لِلهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ
مُعَاذِ بْن أَنَس مَعَ تَقْدِيمِ وَتَأْخِيٍ، وَفِيهِ: فَقَدِ اسْتَكْمَلَ إِيمَانَهُ(٢)].
(وَعَنْ أَبِي أَمَامَةَ عَيُّهَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: مَنْ أَحَبَّ لِله) بأن قصر محبته على
كل موصوف بما يقربه إلى الله تعالى.
(وَأَبْغَضَ لِلهِ) بأن قصر بغضه على كل موصوف بما يبعده من الله تعالى.
(وَأَعْطَى لِلهِ) بأن قصر إعطاءه على كل من ندب الشارع إلى إعطائه.
(وَمَنَعَ لِلهِ) بأن قصر منعه على كل من ندب الشارع إلى منعه، ولم يكن لنفسه
خطر، وواحدة من هذه الأربعة.
(فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ) عدل إليه عن ((أكمل))؛ لأن فيه من المبالغة ما ليس في
أكمل الزيادة السنن المستدعية لتجريده من نفسه شخصًا آخر يطلب منه إكمال
الإيمان، ونظيره ﴿وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩] أي:
يطلبون من أنفسهم الفتح عليهم.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وفي سنده القاسم بن عبد الرحمن الشامي، وقد تكلم فيه غیر
واحد، لكن الظاهر أنهم لم يعتدوا بالكلام فيه.
(وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُعَاذِ بْن أَنَسِ مَعَ تَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ، وَفِيهِ: فَقَدِ اسْتَكْمَلَ
إِيمَانَهُ) والمعنى واحد، وهو من جوامع كلمه ◌َّ؛ لتضمنه للإحسان السابق تفسيره في
(١) أخرجه الترمذي (٦١٤)، وأحمد (٢٢٠٦٩)، وابن ماجه (٣٩٧٣)، والحاكم (٣٥٤٨)، والبيهقي في
شعب الإيمان (٤٢٢٥)، والطبراني (٢٩٢)، والطيالسي (٥٦٠).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٦٨٣)، والطبراني في الكبير (٧٤٩٣)، والترمذي (٢٧١٣).

٣٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
حديث جبريل: ((أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ))(١) أي: إذا اشتغلت بالله أو بمعاملة عباده،
فليكن نظرك في كل الأمور العادية والعبادية إليه وحده دون أحد سواه، وللإسلام
والإيمان؛ لأن من جملة المحبة لله محبة رسوله ووارثيه، واجتناب كل ما نهى عنه، وإلا
فالوقوع في منهیه مکذب للواقع في محبته.
ومن جملة البغض لله: بغض النفس الأمارة بالسوء وأخلاقها وأنواعها من
الهوى والشيطان، ومجاهدتهم كسائر أعداء الله بالظاهر والباطن.
ومن جملة الإعطاء لله: ألَّا تبقي لك حظًا ولا ملكًا.
ومن جملة المنع لله: أن تمنع نفسك من كل خلق ذميم، وتتخلق بكل خلق
كريم، وحينئذ فقد تضمن هذا الحديث سائر طرق السلوك إلى الله تعالى كما يعلم
ذلك من تأمله وتحققه.
٣٢. [وَعَنْ أَبِي ذَرِّ ◌َّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوََّ: «أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الْحُبُّ فِي الله
وَالْبُغْضُ فِي الله(٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
ومن ثم عقبه بما هو كالمتمم له المبين له، فقال: (وَعَنْ أَبِ ذَرِّ ◌َ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّةُ: أَفْضَلُ الأَعْمَالِ) الباطنة التي يتوصل بها إلى حقائق المعرفة والشهود،
فـ((أل)) للعهد الذهني، وإنما حملته على ذلك؛ لئلا ينافي ما صرحوا به من أحاديث أصح
من هذا الحديث: ((إِنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ بَعْدِ الشَّهَادَتَيْنِ)»(٣).
(الْحُبُّ فِي الله وَالْبُغْضُ فِي الله) أي: في حقه وطريقه، ومن أجله ولوجهه لا غير
على حد: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَتَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] ففي هنا تفيد معنى
اللام في الحديث السابق وزيادة، وفي هذا زيادة أخرى على ذاك لا يفيد التصريح بطلب
ما ذكروا إنما يفيد أنه إذا وقع لا يكون إلا لله بخلاف هذا، فإنه إفادة التصريح
(١) أخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩)، وأحمد (٩٤٩٧)، وابن ماجه (٦٤)، والنسائي (٤٩٩١).
(٢) أخرجه أحمد (٢١٣٤١)، وأبو داود (٤٥٩٩).
(٣) ذكره ابن حجر في ((فتح الباري)) (١٣٩/٤).

٣٣٩
كتاب الإيمان
بطلب محبة كل من أمر الله تعالى بمحبته من الأعمال والأشخاص، ومن لازم ذلك
فعل كل محمود وترك كل مذموم، بل ومباح مما لا يحب ولا يذم، وإلا كان كاذبًا في
محبته وبغضه.
فعلم عظمة شأن هذا الحديث أيضًا، واشتماله على جوامع الكلم الذي اختص
بها وَل؛ حيث جمع كل ما يحتاج إليه طالب الآخرة، والمعارف وخوارق الشهود
والعوارف من كمال خلق وعمل، وتجنب نقص وزلل (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد).
٣٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ: الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ
وَيَدِهِ، وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِّيَّ(١)].
(وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ: الْمُسْلِمُ) الكامل (مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ) وأهل
الذمة كما علم من أحاديث أُخربل في بعضها أنه ول# هو الخصم يوم القيامة لمن أذى
ذميًّا.
(مِنْ) أذى (لِسَانِهِ) بغير حق بخلافه، كقوله لمن سبَّه: أنت أحمق أو جاهل مثلاً،
وكقوله لمدينه الذي مطله مع يساره، أو عنه مظالم عالم فاسق ونحوه؛ لقوله وَليهِ: (مَظْلُ
الْغَنِيِّ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ(٢) وكشكايته من خصمه لمن تخلص منه أو يستفتيه عنه،
وكالمتجاهر بفسقه؛ لحل غيبته بما يجاهر به، وكقوله لمن يريد نحو تزوج أو صحبة ممن
يعلم فيه عيبًا: إنه كذا، ذاكرًا عيبه؛ حيث لم يندفع إلا بذكره، فكل ذلك ونحوه جائز،
فلا یشمله الحدیث.
(١) أخرجه أحمد (٨٩١٨)، والترمذي (٢٦٢٧) وقال: حسن صحيح. والنسائي في الكبرى (١١٧٢٦)،
والحاكم (٢٢)، وابن حبان (١٨٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٦٧٩).
(٢) أخرجه ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢٨٨/١٨) بلفظه، وأخرجه أحمد (١٧٩٧٥)، وأبو داود
(٣٦٢٨)، والنسائي (٤٦٨٩)، وابن ماجه (٢٤٢٧)، والطبراني (٧٢٤٩)، وابن حبان (٥٠٨٩)،
والحاكم (٧٠٦٥) وقال: صحيح الإسناد، والبيهقي (١١٠٦٠) بلفظ: ((لَيُّ الواجد يحل عرضه
وعقوبته)). لَيُّ: منع. الواحد: الغني.

٣٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
(وَ) من أذى (يَدِهِ) بغير حق بخلافه بحق كقتله أو قطعه أو جلده حدًا أو قودًا،
ومرَّ لذلك مزيد في الحديث الرابع من أول الكتاب.
(وَالْمُؤْمِنُ) الكامل (مَنْ) ظهرت أمانته وعدالته وصدقه (أَمِنَهُ النَّاسُ) العارفون
بحاله؛ أي: ائتمنوه؛ أي: جعلوه أمينًا (عَلَى دِمَائِهِمْ وَأُمْوَالِهِمْ) فلم يخافوا منه على نفس
ولا بضع ولا عرض أن يتعرض له بوجه، ولا على مال جعلوه تحت يده وإن جلَّ أن
يتصرف في شيء منه، أو يقصر في حفظه.
ومن كان هذا شأنه كان في الغالب قائمًا بحقوق الله أيضًا، فيدرج في قول
المسلمين: ((السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ)(١) فإنهم فسروا الصالح هنا بالقائم
بحقوق الله وحقوق عباده، وفي حمل من سلم على المسلم، ومن أمنه الناس على المؤمن
المتلازمين في المعنى رعاية للمطابقة؛ لاشتقاقه وللتأكيد والتقرير.
فإن قلت: لا تلازم لا أنه، ثم ما يتعلق باللسان لا هنا.
قلت: بل ذكره ضمنا كما أشرت إليه؛ لأنه إذا كان بحيث أمنه الناس على ما ذكر
كان باعتبار العادة الغالبة سالمًا من آفات اللسان كما سلم من آفات اليد (رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيّ).
٣٤ - [وَ فِي شُعَبِ الإِيمانِ بِرِوَايَةٍ فَضَالَةٍ: وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي
طَاعَةِ اللهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبَ].
(وَفِي شُعَبِ الإِيمان بِرِوَايَةٍ فَضَالَة) عه بفتح الفاء عن النبي ◌َ﴿ أنه قال ما
ذكرتم، ثم قال: (وَالْمُجَاهِدُ) الذي ورد في مدحه من النصوص ما لا يحصى كثرة ليس
مقصورًا على من جاهد الكفار فقط، بل يشمل أيضًا (مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ) أي: حاربها
(فِي طَاعَةِ الله) حتى أكرهها على تجرع مرارة كل مكروه لها من الخير؛ إذ هي مكرهة
بالطبع، ثم سلَّ عليها سيوف المخالفة لأعراضها وشهواتها إلى أن تصفت من كدوراتها
(١) أخرجه البخاري (٥٨٧٦)، ومسلم (٤٠٢)، وأحمد (٤٠٦٤)، وابن حبان (١٩٥٥)، وأبو يعلى
(٥١٣٥).

٣٤١
کتاب الإيمان
وتخلت عن حظوظها، ثم تحلت بكمال الأخلاق والأحوال الظاهرة والباطنة،
وملازمة أعمال البر على وجهها المطلوب.
ويصح أن يكون اللام في المجاهد الكامل الذي لا يستحق أن يسمى مجاهدًا
غيره هو من جاهد نفسه؛ إذ حقها آكد، والشفقة عليها أليق، ومن ثم حكي أنه أوحى
إلى عيسى التَّهُ: ((عِظْ نَفْسِكَ فَإِن اسْتَطِعْتَ فَعظ النَّاسَ وَإِلا فَاسْتَحِ مِنِّي)»(١) ولأنها
أشد عداوة له من الكفار؛ لأنها مع ملازمتها له لا تزال تردیه وتغويه وتمنعه من الخير
كل وقت، ولا شك أن محاربة من هذا حاله مع عدم إمكان غيره مقامه في ذلك أهم
وأشد من محاربة كافر بعيد منه لا يراه إلا نادرًا من الأوقات مع أن غيره قد يقوم
مقامه في ذلك.
(وَالْمُهَاجرُ) الذي ورد مدحه في الشرع أيضًا (مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبَ)
عطف تفسير أو مرادف؛ لمزيد الاعتناء والتأكيد بطلب التخلي عن كل ذنب صغير أو
كبير متعلق بالله أو بالآدمي، ويصح هنا أيضًا أن تكون اللام للكمال؛ أي: المهاجر
الذي لا يستحق أن يسمى مهاجرًا غيره، هو الذي هجر كل خلق دني وسفساف شهواني
حتى لم تبق له داعية لمعصية، فهجر جميع المعاصي مطلقًا وأدام الطاعة ما استطاع؛ إذ
حكمة وجوب الهجرة هو: البراءة من كل مانع للطاعة، كصحبة الأشرار بل الأغيار،
فإنها تحمل على التخلق بأخلاقهم القطيعة وأحوالهم الشفيقة، وتجنب المعاصي رأسًا هو
محصل لذلك وزيادة، فاستحق أنه الأحق باسم الهجرة.
٣٥ - [وَعَنْ أَنَسِ عَظِ قَالَ: قَلَّمَا خَطَبَنَا رَسولُ اللهِ وَّهِ إِلَّا قَالَ: لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا
أَمَانَةً لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ(٢)].
(وَعَنْ أَنَسِ عَه قَالَ: قَلَّمَا خَطَبَنَا) ((ما)) كافة أو مصدرية؛ أي: قل خطبة خطبنا
إياها، وهي المواعظ بتذكير العواقب (رَسولُ الله {َّيه) ولما في أقل من النفي جاءت
(١) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٨٢/٢).
(٢) أخرجه البيهقي (١٣٠٦٥).

٣٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
بعدها ((إلا)) في قوله: (إِلَّا قَالَ) فيها: (لَا إِيمَانَ) كامل (لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ) فيما استؤمن
عليه من حقوق العباد وحقوق الله تعالى التي تكلف بها، فإنه يلزم أداؤها بالخروج
من عهدة تكليفها، كما يلزم أداء وديعة عنده يردها لمالكها، وقد سمى الله تعالى
تلك التكليفات أمانة في قوله عزَّ قائلاً: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ ... ﴾ [الأحزاب: ٧٢].
والإنسان فيها هو: آدم، ثم ذريته، ومعنى كونه ظلومًا: إنه ظلم نفسه بالتزامه
يحمل ما فيه كلفه عظمه عليها المؤدي إلى عدم قيامها به، لا سيما على الوجه الأكمل،
جهولاً أنه جهل خطر تلك الأمانة ومشقة رعايتها عند تحمله لها، وإنما انتفى
كمال الدين بانتفائها؛ لأنه يؤدي إلى استباحة الأموال والأعراض والأبضاع والنفوس،
وهذه فواحش تنقص الإيمان وتقهقره إلى ألَّا يبقى منه إلا أقل، بل ربما أدت إلى
الكفر، ومن ثم قيل: المعاصي تزيد الكفر.
(وَلَا دِينَ) كامل (لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ) لعدم جريانه على العهد والميثاق الذي أخذ
عليه من رعاية حقوق الله وحقوق عباده، إمَّا لعذره منه من غير مسوغ شرعي، كيف
وهذا العذر ورد فيه من الوعيد ما صيره من الكبائر، بل من أكبرهما كما بسطت أدلة
ذلك في كتابي: «الزواجر عن افتراق الكبائر)»؟
وإمَّا لإبائه عما عاهد الله تعالى عليه يوم ﴿أَسْتُ﴾ [الأعراف: ١٧٢] عن
الإقرار بربوبيته المستلزم؛ لامتثال جميع أوامره واجتناب جميع نواهيه، أو يوم إهباط
آدم من الجنة إلى الأرض من أن ذریته متی أتاهم هدى منه تعالى بكتاب ينزله ورسول
يبعثه يتبعونه في جميع ما جاءهم به، وبما تقرر من أن كلاً من الأمانة والعهد يشمل ما
يتعلق بحقوق الله تعالى وحقوق عباده، فيرجعان إلى معنى واحد هو: طاعته تعالى بأداء
الحقين، اتضح أنه لا مغايرة بين الإيمان والدين إلا في اللفظ فقط، وأمَّا في المعنى فهما
متحدان كالإسلام في وضعهما . أعني: الثلاثة لمفهوم واحد - في عرف الشرع،
فتكريرهما والإخبار عن كل منهما بما يخالف الآخر لفظًا لمزيد التأكيد والتقرير
بإفادة أنه لا إيمان ولا دين لمن لا يفي بعهد الله أو حلفه بعد ميثاقه، ولا يؤدي

٣٤٣
كتاب الإيمان
أمانة الله وأمانة خلقه بعد حملها.
(الفصل الثالث)
٣٦ - [عَنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ ﴿ه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ﴾﴿ يَقُولُ: مَنْ شَهِدَ
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول الله حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(عَنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ ﴾، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يَقُولُ) هذا مما يتكرر
كثيرًا، وقد اختلف في المنصوبين بعد ((سمعت))، والجمهور على أن الأول: مفعول،
وجملة (يقول)) حال؛ أي: سمعت كلامه؛ لأن السمع لا يقع على الذوات، ثم بيَّن هذا
المحذوف بالحال المذكورة، فهي حال مبينة لا يجوز حذفها، واختار الفارسي أن ما بعد
سمعت إن كان مما يسمع كسمعت القرآن تعدت إلى مفعول واحد وإلا هنا تعددت إلى
مفعولین، فجملة یقول على هذا مفعول ثان.
قيل: ينبغي جواز حذف هذه خطًا كما يجوز حذف هذا خطًا في نحو حدثنا، ورد
بأن حرف ((يقول)) ملبس؛ لأنه لا يدري حينئذ أهو يقول أم قال، بخلاف حذف ((قال))
مما ذكر، فإنه اشتهر فلا تلبس، ومن ثم جاز حذفها حق في القراءة كما صححه ابن
الصلاح في «فتاویه» والنووي.
(مَنْ شَهِدَ) بقلبه مع النطق بلسانه أن قدر (أَنْ لَا إِلَه إِلَّ اللهَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا
رَسُول الله حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّار) أي: الخلود فيها، وكذا دخولها إن مات مطيعًا، وأمَّا إذا
مات فاسقًا قبل التوبة فهو تحت مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه ثم أخرجه إلى الجنة،
وإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة من غير عذاب، وقد مرَّ الكلام على ذلك غير مرة، وأن
من ترك التلفظ بالشهادتين مع القدرة عليه يخلد في النار على ما فيه من خلاف، حكي
عن جمع من متأخري المذاهب الأربعة وكأنهم لم يروا حكاية النووي الإجماع على
الأول (رَوَاهُ مُسْلِمْ).
(١) أخرجه مسلم (٥٣)، وابن حبان (٢٠٢).

٣٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
٣٧ - [وَعَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: مَنْ [مَاتَ](١) وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ
إِلَّا اللّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ(٢). رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
(وَعَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلََّ اللهُ)
وأن محمدًا رسول الله، وحذف هذا اكتفاءً بالأول لما هو مقرر شرعًا أنه لا يصح
الإيمان بالله تعالى إلا مع الإيمان برسوله وكل ما جاء به وعلم من دينه بالضرورة، وفي
هذا تأييد لما قاله أولئك المتأخرون: إن من امتلأ قلبه بالإيمان وترك التلفظ
بالشهادتين مع القدرة يكون مؤمنًا عاصيًا تحت المشيئة، ومآله إلى الجنة.
ويجاب عنه بأن الإجماع يوجب تأويل الحديث بما يوافق الأحاديث الأخر
الشرطية للتلفظ بحمله على من لم يقدر على التلفظ، أو جهل وجوبه، أو أتى به؛ إذ
ليس فيه ما ينفي أنه مع علمه بذلك تلفظ به.
(دَخَلَ الْجَنَّةَ) مع الناجين إن مات طائعًا وإلا فكذلك إن عفا عنه، وإلا فبعد
ما يريده الله من عذابه (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
٣٨ - [وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِثْنَتَانِ مُوجَبَتان. قَالَ رَجُلُ: يَا
رَسُولَ اللهِ، مَا الْمُوجِبَتَانِ؟ قَالَ: مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ، وَمَنْ مَاتَ لَا
يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ(٣). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(وَعَنْ جَابِرٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾ خصلتان (إِثْنَتَانِ مُوجبتان) كل منهما
موجه لأمر لا يتخلف عنها من حيث النظر إلى إخبار الله تعالى بذلك الذي لا
يمكن أن يتخلف، لا من حيث أنه يجب على الله شيء من وعد أو وعيد، تعالى الله
عن ذلك علوًّا کبیرًا، وقبح المعتزلة الجاهلين بجلال الله وعزته.
(قَالَ رَجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْمُوجِبَتَانِ؟ قَالَ: مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللّهِ شَيْئًا) من
(١) في أصل المخطوط: ((قال)).
(٢) أخرجه مسلم (٤٥)، وأحمد (٤٦٤)، والنَّسائي في عمل اليوم والليلة (١١١٣).
(٣) أخرجه مسلم (١٨٢)، وأحمد (١٥٢٧٠).

٣٤٥
كتاب الإيمان
أنواع الشرك الأكبر الذي هو الكفر؛ إذ الشرك الكفر حقيقة، وأمَّا استعماله فيما
يشمل الرياء ونحوه فمجاز.
(دَخَلَ النَّارَ) وخلد فيها أبدًا كما دلت عليه النصوص القطعية التي من شك
فيها كفر، فما وقع لبعض الصوفية مما يخالف ذلك كفر ما لم يكن لقائليه تأويل
صحيح، أو اصطلاح يحمل عليه عباراتهم الموهمة أو المصرحة بالكفر على اصطلاح
غيرهم، فاحذر الوقوع في ظواهرها، فإنها مزلة قدم وقد زلت بها أقدام أقوام خرجوا
بها عن الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين (وَمَنْ مَاتَ لَّا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا) من
أنواع الشرك الأكبر (دَخَلَ الْجَنَّةَ) بالمعنى السابق آنفًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
٣٩ - [وَعَنْ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا حَوْلَ رَسُولِ اللهِ وَ مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ
فِي نَفَرٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَهِ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا، وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا،
وَفَزِعْنَا فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِى رَسُولَ اللّهِ وَِّ حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطًا لِلأَنْصَارِ
لِبَنِ النَّجَّارِ فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابًا فَلَمْ أَجِدْ، فَإِذَا رَبِيعُ يَدْخُلُ فِي جَوْفٍ حَائِطٍ مِنْ
بِثْرٍ خَارِجَةٍ - وَالرَّبِيعُ: الْجُدْوَلُ - فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَخْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ الله
﴿ ﴿ فَقَالَ: (أَبُو هُرَيْرَةَ)) فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله. قَالَ: ((مَا شَأْنُكَ)) قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ
أَظْهُرِنَا فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا فَفَزِعْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ،
فَأَتَيْثُ هَذَا الْخَائِطَ فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَخْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، وَهَؤُلَاءِ النَّاسُ وَرَائِي فَقَالَ: ((يَا أَبَا
هُرَيْرَةَ) وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ، قَالَ: ((اذْهَبْ بِنَعْلَّ هَاتَيْنٍ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَائِطِ
يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ مُسْتَيْقِنَا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرُهُ بِالْجَنَّةِ)) فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَرُ،
فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَّعْلَانِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَقُلْتُ: هَاتَانِ نَعْلَا رَسُولِ اللهِ وَّهِ بَعَثَنِى بِهِمَا مَنْ
لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ. فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِهِ بَيْنَ
[َدْفِيَّ](١) فَخَرَرْتُ لِإِسْتِي، فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ الله ◌َ
(١) في أصل المخطوط: (يدي)).