النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
(قَالَ) جواب بغاية البلاغة والبداعة؛ لما فيه من حملهن وتقريرهن بما يتضح
لهن به ما أنبهم عليهن من نقصان عقلهن: (أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ نِصْف شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟
قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: فَذَلِكَ) بكسر الكاف، فالإشارة بـ((ذا)) إلى الحكم المذكور، وبـ((الكاف))
للخطاب العام الذي لا يختص بالحاضرات، وإلا لقال: فذلكن (مِنْ نُقْصَانٍ عَقْلِهَا)
هذا مستمد من قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلُّ وَامْرَأَتَانٍ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ
الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢] المشهود به أو لم تحفظه على وجهه فتذكرها
صاحبتها به؛ حتى تتذکره وتشهد به على وجهه.
وفي قولهن: ((بلى)) التصريح بأنهن علمن الآية وحكمها، وعقلن عن معنى أن
تضل المذكور، فأشار لهن ◌َله إليه؛ ليكون ذلك أبلغ في رسوخه في أذهانهن، وأدعى إلى
اتضاحه عندهن، واستفيد من ذلك أن ملاك الشهادة العقل وما عداه من صفات
العدالة تابع، ومن ثم لم تقبل شهادة المغفل وإن قوي دينه، وظهرت أمانته، وعدالته،
وزعم أن المراد بالعقل هنا: الدية؛ لأن ديتها نصف دية الرجل يرده صريح الحديث
المذكور.
قال: (أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتِ) أو نفست، وكان حكمة الاقتصار على الحيض: كثرة
تكرره المقتضية لتأكيد نقص الدين (لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ قُلْنَ: بَلَ، قَالَ: فَذَلِكَ)
بكسر الكاف نظير ما مرَّ (مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا) لأن الدين والإيمان والإسلام كل منها
يطلق على الأعمال، فبزيادتها تزيد وبنقصانها تنقص، سواء كان مع إثم كترك واجب
عيني مضيق بلا عذر، أو لا معه كترك الجمعة ممن لا يلزمه، أو مع وجوب الترك كترك
الحائض الصلاة والصوم.
وإنما لم تثبت عليهما كالمسافر والمريض المذكورين في قوله ﴿ ﴿: ((إِذَا
مَرِضَ الْعَبْد أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَل صَحِيحًا مُقِيمًا))(١) لأنهما كانا ناویین دوام
(١) أخرجه البخاري (٢٨٣٤)، وأحمد (١٩٦٩٤)، وابن حبان (٢٩٢٩).
٣٠٧
كتاب الإيمان
العمل مع تأهلهما له، فلم يحرما ثوابه بانقطاعهما عنه بالعذر؛ نظرًا للنية المستصحبة
بخلاف الحائض، فإن تكلفها بالترك من الحيض يمنع من إثابتها على الفعل؛ إذ لا نية
هنا تستصحب، ومن ثم لو كان لذينك أعمال لم ينويا إدامتها كان كأن يصليان النافلة
وقتًا دون وقت لم يثابا في الوقت الذي كانا یترکانها فيه.
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وفيه فوائد كثيرة منها:
إطلاق الكفر على كفر النعمة، ووعظ الإمام والعالم رعيته، وتحريضهم
على فعل ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، وتحذيرهم مما يضرهم، وشدة تحريم
كفران الحقوق واللعن، وأن النار موجودة اليوم خلافًا للمعتزلة، ومراجعة العالم
المتعلم، والتابع المتبوع، والحث على الصدقة وأفضال البر، وأن الصدقة تطفئ
الخطيئة، وترضي الرب، كما ورد أن ﴿الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] وأن
الأفضل الخروج للمصلى في العيد إلا لعذر، وأن النساء يخرجن ويعتزلن؛ أي:
بالشروط المقررة في الفقه من كونها عجوزًا لا تشتهى في ثياب بذلتها لا فتنة بوجه كما
سیچيء.
وإنه ينبغي مراجعة العالم فيما لا يفهم، والشفاعة للمساكين وغيرهم، وأنه لا
كراهة في السؤال لغيره خلافًا لمن زعمه، وأن للخطيب في العيد أن يفرد النساء باللقاء
والموعظة عند ظهور المصلحة وأمن المفسدة، وأن الصدقة تكفر الذنوب التي بين
المخلوقين، والوعظ بكلمة فيها شدة لغير معين؛ لأن المصيبة إذا عمت هانت، قيل:
وترك عيب من غلبت محبة أهله عليه. انتهى وفيه نظر يعلم مما مرَّ في تقرر
إحداكن.
٢٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ
آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ ذَلِك، وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِك، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقُولُه:
لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ: فَقَوْلُهُ:
٣٠٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
الَّخَذَ اللهُ وَلَدًا، وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوَّا أَحَدَّ)(١).
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهَ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي) من
التكذيب، وهو نسبة المتكلم إلى أن خبره غير مطابق للواقع (ابْنُ آدَمَ) عام أريد به
خاص، وقدم التكذيب؛ لأنه أقبح؛ إذ العالم لم يخلق إلا للجزاء، فإنكاره يستلزم
العبث في الخلق وينتفي بذلك سائر صفات الكمال التي أثبتها الشرع فيلزم منه
التعطيل (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِك، وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ) أريد به خاص هنا أيضًا.
والشتم وصف الشيء بما هو أزرى له ونقص فيه (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِك) أي: لم
يسمع له هذا التحري القبيح على ذلك الجناب الأقدس، ومن ثم فسر أثر لفظ ((ابن
آدم)) تلميحًا إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا
لآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] أي: إنا أنعمنا عليكم بعظائم هذه النعم إيجادكم من العدم،
وتصويركم في أحسن تقويم، وأمر الملائكة بالسجود لكم؛ لتعرفوها فيزداد شكركم
ومدحڪم، فلم تفعلوا ذلك بل قابلتم باهر إنعامه بشتمه وتكذيبه.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] أي:
شكره، وإلى قوله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾
[يس: ٧٧] أي: ألم ير المكذب إلى ابتداء خلقه من نطفة قذرة نزلت من أحليل أبيه إلى
رحم أمه حتى ينكف عن مخاصمته التي أتى بها وأظهرها لمن أوجده، ثم رباه فيما أخبر
به من الحشر والنشر بسفساف حججه الواهية ومقالاته الكاذبة.
فـ (أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقُولُهُ): إن ربي إذا أماتني وأفناني حتى صرت ترابًا (لَنْ
يُعِيدَنِي) إعادة أكون بعدها (كَمَا) أي: كالحالة التي كنت عليها حين (بَدَأَنِي) أو إعادة
مثل بدئه إياي، أو لن يعيدني مماثلاً لما بدأني عليه، أو لبدئه لي من تراب، ثم من نطفة،
(١) أخرجه البخاري (٤٩٧٤)، والنسائي (٢٠٩٠)، وابن حبان (٢٦٦)، والبيهقي في الأسماء والصفات
(٤٨).
٣٠٩
كتاب الإيمان
ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم جعلني طفلاً، ثم شابًّا، ثم كهلاً، ثم شيخًا؛ أي: لا يقدر
على ذلك، أو لا يريد الإعادة من أصلها، أو إعادة الأجسام، وكل ذلك كفر وتكذيب
للآيات القرآنية الدالة على المعاد الجسماني ذهب إليه حمقى ﴿كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾
[الفرقان: ٤٤].
وقد ردَّ الله عليهم بقوله عزَّ قائلاً: (وَ) هي للحال، وعامله قوله في فقوله
وصاحبها الضمير المضاف إليه قول، أو محذوف؛ أي: قوله لي ذلك؛ أي: والحال أنه
(لَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ) أي: المخلوق، أو التقدير: خلق الشيء، قال: فيه عوض عن المضاف
إليه (بِأَهْوَنَ) أي: أسهل، وباؤه مزيدة للتأكيد (عَلَّ مِنْ إِعَادَتِهِ) فيه، كقوله تعالى:
﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧] أي: هین، أو باعتبار
قياس عقولكم إقامته لبرهان تحقق المعاد.
وإمكان الإعادة بالإشارة إلى أن ما يتوقف عليه تحقق البدن من أجزائه
وصورته لو لم يكن وجوده لما وجد أولاً، وقد وجد فلم يمتنع لذاته وجوده ثانيًا، وإلا
لا نقلب الممكن لذاته ممتنعًا، وهو محال بالتنبيه على مثال يرشد العامي إلى فهم الحق
وتقريره عنده، وهو ما يشاهده أن من اخترع صنعة لم ير مثلها، ولم يجد لها أصلاً ولا
مددًا، صعبت عليه وتعب فيه غاية التعب، وافتقر إلى مكابدة أعمال ومعاونة أعوان
ومرور أزمان، ومع ذلك فكثيرًا لا يتم له مقصوده، ولا يظفر منه بطائل، وشاهد ذلك
ما وقع واستقرئ لأكثر طالبي صنعة الكيمياء، حتى أن بعضهم لما توهم بعد فنائه
عمره وماله في معرفتها أنها صحت معه أزعجه الفرح بها إلى أن وقع من علو كان
فیه، فاندقت عنقه.
وأمَّا من أراد صلاح منكسر وإعادة منهدم وعنده عدد ذلك وأصوله فيهون
عليه ذلك، ويتم له مقصوده في أسرع وقت، فمن تدبر ذلك علم أن الإعادة أسهل من
البدء، فكيف يعترف من له أدنى عقل أو تمييز بوقوع البدء واستحالة الإعادة؟ هذا
كله في قياس عقولنا وقدرنا، ومن ثم وقع التعبير بـ(أهون)) نظرًا لذلك.
٣١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
وأمَّا بالنسبة إلى قدرة الله فلا يوصف شيء من ذلك بصعوبة ولا سهولة، بل
يستوي عنده تكوين التعرض والعالم بأمره ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن
فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةُ كَلَمْجٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠].
(وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ: فَقَوْلُهُ: الَّخَذَ اللهُ وَلَدًا) كعزيز عند اليهود، والمسيح عند
النصارى، والملائكة عند بعض كفار العرب، والأصنام عند آخرين منهم، واتخاذه
نقص؛ أي: نقص لاستدعائه بحالين:
أحدهما: مماثلته للولد وتمام حقيقته، فیلزم إمكانه وحدوثه.
وثانيهما: استخلافه لخلف يقوم بأمره من بعده؛ إذ الغرض من التوالد: بقاء
النوع، فيلزم زواله وفناؤه - تعالى الله عنه علوًا كبيرًا - ومن ثم قال تعالى على جميعهم
بقوله عز قائلاً: (وَ) هي للحال نظير ما مر في وليس (أَنَا الأَحَدُ) أي: المنفرد المطلق
ذاتًا وأوصافًا، وفرق بينه وبين الواحد بأن: الواحد لنفي مفتتح العدد، والأحد لنفي كل
عدد، فالواحد ينبئ عن تفرد الذات عن المثل والنظر، والأحد ينبئ عن تفردها عن كل
نقص واتصافها بكل كمال، فكيف مع ذلك يحتاج لولد؟
(الصَّمَدُ) الذي يصمد إلي المخلوقون كلهم في حوائجهم؛ أي: يطلبونها مني؛ لأنه
لا يقدر عليها غيري، وأنا الغني عنهم، أو السيد الذي انتهى إليَّ السود فلا سيد فوقه،
ولو كان له ولد لشاركه في الصمدية والسيادة، فالأحد ذاتي، والصمد إضافي، والثالث
وسيلي، وهو قوله: (الَّذِي لَمْ أَلِدْ) لأني المتنزه عن الاحتياج إلى غيري في أمر من الأمور
(وَلَمْ أُولَد) لأني القديم الذي لا ابتداء لوجودي، فلو كان لي ولد لشاركني، ولزم حينئذ
فساد هذا العالم ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ؟؟].
(وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا) أي: نظيرًا ومماثلاً ومكافئًا (أَحَدُ) فلا صاحبة له، وإلا لكان
محتاجًا لقضاء الشهوة، وهو محال بديهي الفساد (مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ).
٢١ - [وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسِ: ((وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقُولُهُ: لِي وَلَدْ، وَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ
٣١١
كتاب الإيمان
صَاحِبَةٌ أَوْ وَلَدً))(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
(وَفِي رِوَايَةِ ابْنٍ عَبَّاسٍ: وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقُولُهُ: لِي وَلَدُّ، وَسُبْحَانِي) أي: تنزهت
وتطهرت عن كل نقص، ومنه: (أَنْ أَّخِذَ صَاحِبَةً) أي: زوجة لما يلزم على اتخاذهما من
النقص والمحال الغير اللائق به تعالى (أَوْ) وفي رواية: ((ولا)) لما في سبحان من معنى
التنزيه المرادف للنفي المقتضي للعطف في حيزه بلا (وَلَدَا. رَوَاهُ الُْخَارِيُّ).
وفيه من سعة حلمه تعالى وإرخائه العنان مع ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾
[الأعراف: ١٧٩] ما يبهر العقل؛ إذ لو وقع مثل ذلك لأدنى خلقه من غيره لحمله غيظه
فيه على استئصاله من أصله مع ضعفه وعجزه، ولم يفعل تعالى بمن قال ذلك شيئًا،
وإنما حلم عليه فحاوره وأرشده للحق، ودل عليه بأبلغ دليل وأوضحه.
وهذا من الأحاديث القدسية، وهي الموحى إليه ◌َلي معانيها؛ ليعبر عنه وينسبه
إلى الله تعالى، ومن ثم كان الأغلب فيها أنها بغير واسطة ملك، بل بإلهام، أو منام،
فيعبر* عن ذلك المعنى بلفظ مع نسبته له إلى ربه، وفارق القرآن بأن ألفاظه
بأعيانها منزلة عليه على الأصح بواسطة الملك للإعجاز بثلاث آيات منها، بل بأقل
على ما ذهب إليه غير واحد، وبقية الأحاديث بأنه ليس فيها اتحاد لفظ ولا معنى؛ أي:
فيعبر عنه مع نسبته إلى الله تعالى، وإلا فإيجاد المعنى لا بد منه عند من يمنع عليه وَل
الاجتهاد، أو هو الغالب عند من يجوز الاجتهاد.
٢٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((يُؤْذِينِ ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ
وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارِ))(٢)].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّ: يُؤْذِيني) هو من المتشابه؛ لأن
تأذي الله تعالى محال، فإمَّا أن يفوض، وإمَّا أن يأول بأن المراد منه: أن ينسب إليه تعالى
ما لا يليق به، أو ما يتأذى به من يصح في حقه التأذي، وقد يطلق الإيذاء على إيصال
(١) أخرجه البخاري (٤٢١٢).
(٢) أخرجه البخاري (٤٥٤٩)، ومسلم (٢٢٤٦)، وأحمد (٧٢٤٤)، وأبو داود (٥٢٧٤).
٣١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
المكروه للغير بقول أو فعل وإن لم يتأثر به، فإيذاء الله تعالى ما يكرهه، وكذا إيذاء
رسوله ◌َلِ (ابْنُ آدَمَ) آثره لنحو ما مر في الحديث السابق آنفًا.
(يَسُبُّ) مضارع، وروي جارًا ومجرورًا، قيل: وهو أمثل وفيه نظر، بل الأمثل
الأول كما لا يخفى.
(الدَّهْرَ) وهو إمَّا مدة العالم، أو الزمن الطويل المشتمل على تعاقب الليالي
والأيام.
(وَأَنَا الدَّهْرُ) برفعه كما ضبطه المحققون، ومن قال: يلزم على الرفع أنه من
أسماء الله تعالى فقد سها؛ إذ لا يلزم ذلك، لا سيما على رواية: ((فإن الله هو الدهر)) لأن
المراد: فأنا، أو فهو خالقه ومصرفه، فحذف المضاف وأتى بأداة الحصر؛ مبالغة في الرد
على من يسبه، وهم صنفان: دهرية: لا يعرفون الدهر خالقًا ويرونه أزليًّا أبديًّا،
ومعترفون بالله تعالى لكن ينزهونه عن نسبة المكاره إليه، وكلاهما يسب الدهر،
ويقولون: تبًا له وبؤسًا وخيبةً، ونحو ذلك، فقال تعالى: ((أَنَا صَاحِب الدَّهْرِ وَمُصرِّفَهُ
وَمُقلبُهُ وَمُدَبِّرِ الْأُمُورِ الَّتِي نَسَبُوهَا إِليهِ، فَمَنْ سَبَّهُ لِكَونِهِ فَاعِلِهَا عَادَ سَبُّهُ إِليَّ؛ لأَنِي أَنَا
الفَاعِلِ لَهَا))(١) وإنما الدهر زمان محدث جعله ظرفًا لمواقع الأمور، والقرينة على حذف
ذلك المضاف قوله عقبه: (بِيَدِي) أي: قدرتي (الأَمْرُ) أي: الشأن كله.
(أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالتَّهَار) فأنا الفاعل لما تنسبونه إليه من خير وشر ومساءة
ومسرة، فسبُّه سب لي؛ لأنه طوع إرادتي لا اختيار له، فأنا الضار النافع لا هو، فعلم أن
القرينة بعد الدلائل العقلية على تنزهه تعالى عن كونه نفس الزمان لفظ: ((بيدي ... إلى
آخره)) لأنه كالمبين للمقصود.
ولا ينافي تقدير ذلك المضاف قول البيانيين: إن المعرفة إذا أعيدت بلفظها
كانت عين الأولى؛ لأن الدهر الثاني هو عين الأول باعتبار أصله الحقيقي، وإنما حذف
(١) ذكره ابن حجر في ((فتح الباري)» (٣٩٠/١٣) بنحوه.
٣١٣
كتاب الإيمان
فيه المضاف وأقيم مقامه لما مرَّ من المبالغة في الرد على الجاهلية في سبِّهم له لا لذاته، بل
لتصرفاته وحوادثه التي على خلاف مرادهم؛ لاعتقادهم أنه الفاعل الحقيقي، وأنه
مستقل بهاء بل بالغوا في ذلك، وأتوا في نسبة الأفعال إليه بقصر القلب في قولهم الذي
حكاه الله عنهم ﴿ وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤].
فرد عليهم بأن الفاعل الحقيقي هو الله، ويصح أن يراد بالدهر الأول مقلبه
أيضًا، فيتحدان أيضًا؛ أي: لا تسبوا مقلبه فإني بقلبه، وإن يراد بالدهر الثاني: الداهر؛
أي: فأنا الداهر؛ أي: الخالق والمدبر للدهر، كذا قيل، ويرده أنه يلزم عليه أن يكون
الداهر من أسمائه تعالى، وهي لكونها توقيفية، لا تثبت بمثل هذا التعسف البعيد.
وجوز جماعة نصبه واعترض بناء على أنه ظرف لا قلب، بأنه لا طائل تحته؛ لأنه
حينئذ ظرف لا قلب فلا فائدة في، وأنا أقلبهما في الدهر؛ إذ لا يلائم ما سبق له الكلام
من الرد على سابه، وبأن تقديم الظرف إنما يكون للاهتمام، أو الاختصاص، ولا
يوجب لواحد هنا لما تقرر أن الكلام مفرع في شأن المتكلم لا في الظرف، أمّا إذا جعلناه
ظرفًا لـ((أنا)) أي: أنا ثابت في الدهر، باقٍ أبدًا فلا يتوجه ذلك الاعتراض توجهه على
الأول، وقيل: منصوب على الاختصاص.
٢٣ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: «مَا أَحَدُّ أَصْبَرَ
عَلَى أَذَّى يَسْمَعُهُ مِنَ اللّهِ وَّنْ يَدْعُونَ لَهُ الوَلَّدَ ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ))(١). مُتَّفَقَّ
عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ﴾: مَا أَحَدُ أَصْبَرَ) من الصبر،
وهو: حبس النفس عما تكرهه (عَلَى أَذَّى يَسْمَعُهُ) صفة أذى؛ لبيان مبالغتهم في
الإيذاء والسب؛ لأن السماع لها من المؤذي مع القرب أشد إيذاء، وأبلغ نكاية مع
سماعهما عنه، ومن البعد (مِنَ الله) متعلق بـ(أصبر))، وأفعل هنا ليس المراد به
حقيقته؛ لئلا يلزم إثبات المساواة فضلاً عن النقص؛ إذ لا يلزم من نفي الأشدية نفي
(١) أخرجه البخاري (٥٧٤٨)، ومسلم (٢٨٠٤)، وأحمد (١٩٦٥٠)، والنسائي في الكبرى (١١٣٢٣).
٣١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
المساواة والنقص، بل المراد: نفي أصل الفعل.
(يَدْعُونَ) بيان لذلك الأذى (لَهُ الوَلَدَ) أي: يزعمون أن له ولدًا (ثُمَّ) مع هذا
الإيذاء الذي لا أقبح منه هو (يُعَافِيهِمْ) أي: يدفع عنهم البلاء والمكروه (وَيَرْزُقُهُمْ)
أي: يعطيهم حظوظهم، وما يلائم نفوسهم من مطعوم وملبوس ومال وجاه وولد وغير
ذلك؛ أي: ما أحد يصبر على مؤذيه وسابه كصبره تعالى على الكفار؛ حيث لم يعاجلهم
بأشد العقوبة والنكال على قبيح ما يسمعه تعالى منهم في حقه من الإيذاء والسب بما
هو تعالى منزه عنه، كقولهم: إن له ولدًا، بل مع ذلك يزداد حلمه عليهم، فيدفع عنهم
البلاء، ويسبغ عليهم أصناف النعم.
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) فيه إرشادنا إلى تحمل الأذى وعدم المكافأة عليه، والانتقام من
فاعله بوجه، وإن ذلك أمر محمود؛ لأنه سنة الله التي قد خلت في عباده، وقد أمرنا
بالتخلق بأخلاق الله.
قيل: ولأن جزاء كل عمل محصور وجزاء الصبر غير محصور؛ لأن به يفتح كل
مغلق، ويسهل كل صعب، ومن ثم قرنه تعالى بالصلاة في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ
وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] بل قدمه عليها؛ لأنه لا يتم عمل بل لا يوجد إلا به.
٢٤ - [وَعَنْ مُعَاذٍ ﴾ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ◌ََّ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤَخِّرَةُ
الرَّحْلِ، فَقَالَ: يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللّه عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى الله؟
قُلْتُ: اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ الله عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا،
وَحَقُّ العِبَادِ عَلَى اللّه أَلَا يُعَذِّبَ مَن لا يُشْرِكِ بِهِ شَيئًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ
بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ مُعَاذٍ عُ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ◌َّهُ) أي: رديفه: راكبًا وراءه، من
الردف، وهو: العجز (لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُوَخِّرَةُ) بضم فهمزة ساكنة فمعجمة
(١) أخرجه البخاري (٢٨٥٦)، ومسلم (١٥٣)، والطبراني في الكبير (١٦٦٧٩).
٣١٥
كتاب الإيمان
مكسورة، أو فهمزة مفتوحة ومعجمة مفتوحة مشددة، وهي: العود الذي يكون خلف
الراكب (الرَّحْلِ) فيه جواز الإرداف على الدابة إن أطاقته، وأن ينبغي أن يكون بين
الراكبين حاجز لما يلزم على التصاقهما من تماس عورتهما ولو من وراء حجاب، وذلك
غير لائق، بل غير جائز إن خشي منه فتنة، أو تحريك شهوة، وحصره في المؤخرة إشارة
إلى مزيد قربه منه المستدعي للإحاطة بجميع ما يتكلم به، ولحفظه وإتقانه.
(فَقَالَ: يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي) أي: أتعرف؛ إذ الدراية المعرفة، وقال الزمخشري: معرفة
تحصل بضرب من الخداع، ولذلك لا يوصف البارئ سبحانه وتعالى بها؛ أي: ولا
بالمعرفة؛ لاستدعائها سبق جهل بخلاف العلم (مَا حَقُّ الله عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ
عَلَى الله؟) الحق إمَّا الثابت: فهو نقيض، وإمَّا الواجب واللازم والجدير والنصيب
والملك.
والمراد بالحق الأول هنا: الواجب واللازم، وبالثاني: الجدير؛ لأن الإحسان إلى
العبد المطيع لسيده، المتكل عليه دون ما سواه جدير في الحكمة أن يبدي إليه، أو
الواجب من حيث أنه تعالى وعد لهم إن أطاعوه بغاية الإحسان، ووعده واجب الوقوع
إنه ﴿لَا يُخْلِفُ المِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩].
وجعله النووي من باب المشاكلة لحقه عليهم، أو من قول الرجل لصاحبه: حقك
واجب علي؛ أي: قيامي بك متأكد، ومنه خبر: ((حَقُّ لله عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي
سَبْعَةٍ أَيَّامٍ يَوْمًا))(١).
(قُلْتُ: اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقّ الله عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا
بِهِ شَيْئًا) مرَّ في حديث: ((تَعْبُدُ اللهَ، وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا))(٢) وجه الاحتياج للجملة
الأخيرة، (وَحَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ أَلَا يُعَذِّبَ مَن لا يُشْرِك بِهِ شَيئًا) عذابًا مستمرًّا، فلا
ينافي دخول جماعة النار من عصاة هذه الأمة كما ثبت به الأحاديث الصحيحة، بل
(١) أخرجه البخاري (٨٥٦)، ومسلم (٨٤٩)، والطيالسي (٢٥٧٠).
(٢) تقدم تخريجه.
٣١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
المتواترة، ومن ثم أوجبوا الإيمان به على أنه قد لا يحتاج لذلك التأويل؛ لأن قضية
السياق أن المراد: من عبده ولا يشرك به شيئًا بدليل قوله: ((أن يعبدوه ولا يشركوا به
شيئًا)».
والعبادة تتضمن جميع التكاليف الشرعية، وعدم الشرك يشمل كلًّا من قسمي
الشرك الأصغر، وهو: الرياء بسائر أنواعه واعتباراته، والأكبر وهو: الكفر، ومن هذا
حاله لا يعذب أصلاً؛ لمقتضى وعد الله الذي ﴿لَا يُخْلِفُ المِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩] وإن
كان له تعالى تعذيبه.
قال العارفون: التعبد إمَّا لنيل الثواب والتخلص من العذاب، وهي أنزل
الدرجات، وتسمى عبادة؛ لأن معبوده في الحقيقة ذلك المطلوب، بل نقل الفخر الرازي
إجماع المتكلمين على عدم صحة عبادته، وبسطت الكلام عليه في ((شرح العباب)) وغيره
من كتب الفقهية، أو للتشرف بخدمته تعالى والانتساب إليه، وتسمى: عبودية، وهي
أرفع من الأولى، ولكنها ليست خالصة له تعالى، أو لوجهه وحده من غير ملاحظة شيء
آخر، وتسمى عبودية، وهي أعلى المقامات وأرفع الدرجات.
فإن قلت: لو كان المراد ما ذكر لكان حقهم رفع الدرجات، ونيل أعلى المقامات،
ولم يقتصر على نفي العذاب، قلت لزاعم: أن المراد ذلك أن يجيب بأن الكامل كلما
ازداد كمالاً ازداد خوفه، ومن ثم قال ◌َله: (أَنَا أَعْرفُكُمْ بِالله وَأَخْوَفُكُمْ مِنْهُ)) (١) ولا
لذة عند الخائف أعظم من تأمينه من البعد، فكان نفي العذاب أحق بالذكر، وإن انتفى
لم يبق إلا نعيم الوصال المستلزم للتمتع بباهر ذلك الجمال، حقق الله لنا ذلك بمنِّه
وکرمه.
فإن قلت: كيف هذا؟ مع قول البيضاوي: وليس يحتم عندنا أن يدخل النار
أحد من الأمة، بل العفو عن الجميع بموجب وعده ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾
(١) ذكره العجلوني في ((كشف الخفا)» (٢٠٠/١).
٣١٧
كتاب الإيمان
[النساء: ٤٨] ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] مرجو.
قلت: البيضاوي لم ينفِ الدخول، وإنما نفى تحتمه وجوز العفو عن الجميع من
حيث عموم الوعد، وأمَّا من حيث إخباره و 18 بأنه لا بد من دخول النار لجمع من
العصاة، فلم يتعرض له البيضاوي على أنه قال: اللازم على الوعد المذكور عموم العفو،
وهو لا يستلزم عدم الدخول؛ لجواز العفو عن البعض بعد الدخول وقبل استيفاء
العقاب. انتهى.
وفيه مع ذلك نظر؛ لأن النصوص دلت على دخول جمع النار وتعذيبهم بها،
فيخرجون منها وقد اسودت أبدانهم حتى صارت كالفحم، فيجب الإيمان بذلك.
(فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟) من البشارة، وهي: الخبر السار؛
لأن من سمعه يظهر منه أثر السرور على بشرته، وأمَّا قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ
أَلِيمِ﴾ [آل عمران: ٢١] فهو من باب التهكم بهم.
(قَالَ: لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا) أي: يعتمدوا عليه ويتركوا الأعمال. انتهى.
والنهي منصب على السبب والمسبب معًا؛ أي: لا يكن منك تبشير، فاتكال
منهم (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
وإنما أخبر به مع هذا النهي؛ لأنه علم بقرائن الأحوال أن سبب النهي: إن القوم
يومئذ كانوا حديثي عهد بالإسلام، ولم يعتادوا تكاليفه وإلا ألفتها نفوسهم، فلما
ألفوها واستقاموا عليها أخبرهم لانتفاء خشية الاتكال حينئذ، ومن ثم أمر ◌َليل كل
سامع بتبلیغ ما سمعه، وتوعد من کتم شيئًا من ذلك بأنه یلجم بلجام من نار، وغیر
ذلك، فحينئذ رأى معاذ وجوب الإخبار والتبليغ، ففعله كما يدل عليه ما في الحديث
الآتي، فأخبر به معاذ عند موته تأثمًا.
٢٥ - [وَعَنْ أَنَس ◌َ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ وَمُعَاذَّ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ: يَا مُعَاذُ، قَالَ:
لَبَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ - ثَلَاثًا - قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ
مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُخْبِرُ
٣١٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: إِذَّا يَتَّكِلُوا. فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَادٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا (١). مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ].
(وَعَنِ أَفَس ﴾، أَنَّ الشَِّيَّ وََّ وَمُعَاذُ رَدِيقُهُ عَلَى الرَّحْلِ) جملة حالية (قَالَ: يَا
مُعَاذُ، قَالَ: لَتَيْكَ يَا رَسُولَ الله وَسَعْدَيْكَ) كان وجه الإتيان بحرف النداء في هذه دون
سابقتها: إعلام معاذ بأنه فهم سبب التكرير، وهو طلب إقباله على هذا الأمر العظيم
الذي سيخبر به، وتفريعه نفسه؛ ليحيط به على وجهه ويرسخ في ذهنه، أطنب بزيادة
حرف النداء كما أطنب له بتكرير السؤال (ثَلَاثًا) الظاهر أنها من كلام أنس لا معاذ؛
لئلا يظن أن التكرير من النساخ أو الرواة، وفي الصحيح: ((إِنه ◌َّ﴿ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ
بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ))(٢).
(قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ) بزيادة (من)؛ لتأكد الاستغراق للإفراد، وأن العموم فيها
حينئذ قطعي لا ظاهر فحسب (يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ وَ) يشهد (أَنَّ مُحَمَّدًا
رَسُولُ الله) إلى الناس كافة (صِدْقًا) حال؛ أي: صادقًا، أو مصدر يصدق محذوفًا (مِنْ
قَلْبِهِ) صفة صدقًا، بأن يطابق لسانه احترازًا من إيمان المنافق، وقيل: أقيم صدقًا هنا
مقام الاستقامة؛ لأنه كما يعبر به عن مطابقة القول للضمير قد يعبر به عن تحري كل
فعل كامل وخلق مرضي.
قال تعالى: ﴿لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس:٢] وعليه فلا إشكال في الحديث
ولا يحتاج لتأويله الآتي بأن المراد: تحريم الخلود، ويكون من جوامع كلمه وكله
كحديث: ((قُلْ آمَنْتُ بِاللهِ ثم اسْتَقِمْ))(٣) وحينئذ فالنهي عن التبشير مخصوص ببعض
الناس، فإن مثل هذا المعنى لا يدركه إلا الراسخ في العلم.
(إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ) أي: على الخلود فيها نظير ما مرَّ آنفًا.
(١) أخرجه البخاري (١٢٨)، ومسلم (١٥٧)، والبيهقي في الشعب (١١٩).
(٢) أخرجه البخاري (٩٥)، والترمذي (٢٩٤٢).
(٣) تقدم تخريجه.
٣١٩
كتاب الإيمان
(قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟) به؛ لما فيه من عظيم
الثقة والعفو (قَالَ: إِذَا يَتَّكِلُوا) ((إذن)) حرف جواب أو جزاء، وقد يستعمل لمحض
الجواب كما هنا؛ أي: لا تخبرهم؛ لأنك إذا أخبرتهم اتكلوا عليه ولم يعملوا.
قيل: ويحتمل أنه نهاه عن التبشير؛ لأنه من الأسرار الإلهية التي لا يجوز إذاعتها
للعامة، وأن نداءه 3 * لمعاذ ثلاث مرات كان للتوقف في إفشاء هذا السر عليه أيضًا،
وفي حديث أبي هريرة: ((حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ دُعَاءَين، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَتْتُهُ
فِيكُمْ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَتْتُهُ قُطِعَ هَذَا الحَلْقُومُ))(١) أي: لتعلقه بالأسرار الإلهية التي
تصونها على العوام، أو بالفتن والإعلام بجور أمراء بني أمية وغيرهم.
(فَأَخْبَرَ بِهَا) أي: بهذه الجمل (مُعَاذُّ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا) أي: لأجل تجنب إثم
الكتم؛ إذ هو كبيرة للتوعد العظيم عليه في الآيات والأحاديث، فقال: تأثم إذا جانب
فعل ما جانب به الإثم، كتحرج إذا جانب التحرج، ومرَّ آنفًا أنه علم سبب النهي،
وأن ذلك السبب زال فأخبر حينئذٍ (مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ).
وقولي فيما مرَّ: عذابًا مستمرًا وهنا؛ أي: على الخلود فيها المعلوم ذلك من أدلة
أخرى أحسن الأجوبة وأظهرها، ولما حكى النووي هذين الحديثين وما شابههما
كحديث: ((مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّ اللّهُ دَخَلَ الْجَنَّة)»(٢)، وحديث: «لَا يَلْقَى اللهَ
بِهِمَا عَبْدُ - أي: الشهادتين - غَيْرَ شَاكٌّ فِيهِمَا إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ
- ثلاث مرات - وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍ)(٣).
حكي عن جمع من السلف كابن المسيب أن هذا كان قبل نزول الفرائض، والأمر
(١) أخرجه البخاري (١٢٠) بلفظ: ((حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَه ◌ِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا
الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ)».
(٢) أخرجه أحمد (٢٢١٨٠)، وأبو داود (٢٩٤٥)، والطبراني (٧٢٧)، والحاكم (١٢٩٩) وقال: صحيح
الإسناد، والبيهقي (١٢٧٩٧)، وابن خزيمة (٢٣٧٠).
(٣) أخرجه البخاري (٥٤٨٩)، ومسلم (٩٤)، وأحمد (٢١٥٠٤).
٣٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
بالمعروف والنهي، وفيه نظر؛ لأن من بعض رواتها أبي هريرة، وإسلامه سنة سبع، وكان
ذلك كله نزل، وقد مرَّ نظير ذلك.
وعن الحسن البصري: إن المراد [من قال] ذلك وأدى حقه وفريضته.
وعن البخاري: إن المراد [من قال](١) ذلك نادمًا تائبًا ومات على ذلك، ثم قال
النووي ما ملخصه: هذا إن حملت هذه الأحاديث على ظواهرها؛ أي: المتعارفة بين
الناس، وأمَّا إذا نزلت منازلها؛ أي: على ما هي عند الله نظرًا لمشيئته وإرادته، فلا
يشكل تأويلها على ما بينه المحققون، فتقرر أولاً أن مذهب أهل السنة: إن الميت فاسقًا
مؤمنًا تحت المشيئة، وإنه وإن عذب مآله إلى الجنة، والميت تائبًا من أهل الجنة، ولا
تمسه النار برحمة ربه وعده.
فإن حملنا تلك الأحاديث على هذا فلا إشكال، أو على الأول فهو في المشيئة لا
يقطع في أمره بتحريمه على النار، ولا بكونه من أهل الجنة من أول وهلة في المآل،
وقبله هو تحت المشيئة، إن شاء تعالى عذبه بذنبه، وإن شاء عفا عنه بفضله. انتهى.
ووجهه: إنه تعالى لا يجب عليه لأحد من خلقه وإن عظم شيء ﴿قُلْ فَمَن
يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾
[المائدة: ١٧] حتى لو دخل الكفار الجنة والمطيعين النار كان ذلك حقًّا منه وعدلاً، لكنه
قضى بأن الكافر لا يدخل الجنة والمؤمن المطيع لا يدخل النار.
وبما تقرر علم أنه لا دلالة في تلك الأحاديث للإباحية والمرجئة الذين اتخذوها
ذريعة إلى طرح التكاليف ورفع الأحكام وإبطال الأعمال، فطووا بساط الشريعة، ولم
يبالوا بأن ذلك يوجب خروج الناس عن الضبط، ومدح بعضهم على بعض وتعطيلهم،
وذلك يؤدي إلى خراب الدنيا والآخرة.
٢٦ - [وَعَنْ أَبِي ذَرِّ ﴾ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّهَ وَعَلَيْهِ ثَوْبُ أَبْيَضُ وَهْوَ نَائِمٌ، ثُمَّ
(١) توجد في الأصل ((فإن)) ولكننا أثبتنا هذه الجملة بناء على نص النووي في شرحه لصحيح مسلم.
٣٢١
كتاب الإيمان
أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلََّ اللهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ
الْجَنَّةَ. قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَلَى وَإِنْ سَرَقَ. قُلْتُ: وَإِنْ زَلَى وَإِنْ سَرَقَ؟
قَالَ: وَإِنْ زَلَى وَإِنْ سَرَقَ. قُلْتُ: وَإِنْ زَلَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ
أَنْفِ أَبِيِ ذَرٍّ. وَكَانَ أَبُو ذَرِّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرِّ(١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ أَبِ ذَرِّ ﴾ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ رَ وَعَلَيْهِ تَوْبُ أَبْيَضُ) حال (وَهْوَ نَائِمٌ)
عطف عليه (ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ) حال من الضمير المنصوب، وفائدة في ذلك كله
تقرر بأنه مثبت فيما يرويه، متيقظ له؛ ليتمكن في قلبه السامع، ويقبل بكليته
عليه.
قيل في ذكر الثوب الأبيض والنوم والاستيقاظ: ثم إيراد الحديث بحرف
التعقيب إشارة إلى حصوله - صلوات الله وسلامه عليه - في عالم الغيب واستعداده
لفيض الله عليه حينئذ بالوحي، وتخصيص الثوب بالأبيض إيماء إلى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا
المُدَّثَّرُ﴾ [المدثر: ١] ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] نعم في الآية إشارة إلى الإنذار، وفي
الحديث إلى البشارة؛ أي: قم فبشر عبادي الذين آمنوا بالجنة. انتهى.
(فَقَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَّهَ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ) آثر ذكره؛ لأن من ختم له بالحسنى
التي ليس المدار إلا عليها بأن (مَاتَ عَلَى ذَلِكَ) الاعتقاد، وبما قررته في ((ثم)) يعلم أنها
التراخي في الرتبة لا في الزمن؛ لأنه لو مات على ذلك عقب ذلك القول كان الحكم
كذلك.
(إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ) استثناء مفرغ؛ أي: لا يكون له حالة من الحالات إلا حالة
دخولها بفضل الله ووعده الذي لا يخلف، لكن مع الناجين إن كان مطيعًا، وإلا فمآله
إلى دخولها.
(قُلْتُ: وَإِنْ) هذه الواو تسمى: واو المبالغة، و((إن)) بعدها تسمى وصلية، وجزاؤها
(١) أخرجه البخاري (٥٨٢٧)، ومسلم (٩٤)، وأحمد (٢٢٠٨٣).
٣٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
محذوف لدلالة ما قبلها عليه، وتكريرها الآتي ليس إنكارًا، بل لظن أنه { ل* ربما
يجيبه بجواب آخر غير ذلك الجواب الذي استبعده.
(زَلَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ:) نعم يدخلها (وَإِنْ زَلَى وَإِنْ سَرَقَ) خصهما بالذكر؛ إشارة
إلى أنه لا فرق في ذلك بين حقوق الله تعالى وحقوق عباده، وأكد هذا الاستيعاب
بالتكرير على حد: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] أي: دائمً.
(قُلْتُ:) أيدخلها (وَإِنْ زَلَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ:) نعم، يدخلها (وَإِنْ زَلَى وَإِنْ سَرَقَ.
قُلْتُ:) أيدخلها (وَإِنْ زَلَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ:) نعم يدخلها (وَإِنْ زَلَى وَإِنْ سَرَقَ) نبه
بذلك * على أنه متى صح الإيمان كان من أهل الجنة وإن ارتكب جميع المعاصي
ماعدا الكفر، لكنه أولا تحت المشيئة كما مرَّ، ثم صحة الإيمان متوقفة على أن
يصدق وينطق بلسانه إن قدر، وإلا فهو غير مؤمن، فيخلد في النار إجماعًا على ما حكاه
النووي في محلين في ((شرح مسلم)) لكن خالفه جماعة وقالوا: كيف يعذب من هو
مملوء القلب بالإيمان.
وغاية ترك التلفظ: إنه معصية عظيمة، وهي لا تنافي أصل الإيمان، ويرد بأن
شرط نفع الإيمان ألّا يصدر منه فعل مشعر بالاستهزاء، أو الاستخفاف، أو العناد، ولا
شك من قدر على التلفظ بالشهادتين ولم يكن له عذر في إخفائهما، ثم ترك مع ذلك
التلفظ بهما كان مستهزئًا بالدين، أو معتادًا له، أو مستخفًا به، كرمي مصحف في قدر،
بل أولى؛ لأن هاتين هما أس الإسلام المبني عليه جميع أحكامه، فالامتناع منهما مع
عدم العذر مڪفر بفرض صحة إيمانه القلبي وحده.
ثم هذا الحكم الذي هو نجاة للعاصي بما عدا الكفر أولا إن لم يرد الله
تعذيبه، وإلا فبعده ثابت مستمر (عَلَى رَغْمِ أَنْفٍ أَبِي ذَرٍّ) المستبعد لها؛ نظرًا إلى ما عظم
ما أتى به، ومن ثم كرر ما مر، فكرر ◌َله الجواب له بذلك؛ لمزيد الإنكار عليه في ذلك
الاستبعاد؛ أي: أتبخل بسعة رحمة الله وفضله التي اقتضت أنه تحت مشيئته، فيعفو
عنه إن شاء، وإن شاء عذبه، ثم عفا عنه من غير عذاب ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ
٣٢٣
كتاب الإيمان
بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
(وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا) الحديث (قَالَ) افتخارًا وتشريفًا بقوله ◌َّ: ((على ...
إلخ): يدخلهما (وَإِنْ رَغِمَ) بكسر الغين (أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ) أي: كره وذل، مجاز من إطلاق
اسم السبب على المسبب؛ إذ رغم لصق بالرغام بالفتح، وهو: التراب.
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) وفيه من العلوم أن المعاصي غير الكفر لا يريد أنهم الإيمان
وإن كفرت، فإن غير المؤمن لا يدخلها إجماعًا، وإنها لا تحبط الطاعات، لأنه وَله.
عمم دخول الزناة والسارقين للجنة وإن كثر منهم ذلك، ففيه أبلغ رد على القائلين
بالإحباط في ذلك.
ويستنبط منه أيضًا أن للمتعلم إذا لم يتضح له الحكم أن يكرر السؤال عنه
ما دام لم يعلم من معلمه ضجرًا أو سوء خلق حتى يتضح له ذلك، وأنه ينبغي للمعلم
أَّا يضجر من تكرير السؤال عليه وإن اقتضى ذلك الضجر عادة، وأن للمعلم بعد أن
صبر على تكرير السؤال عليه حتى فهم أن يشير له إلى نوع تأديب بلطف؛ حملاً له
على تدقيق النظر، وحدة الفكر، وجودة الذهن الذي قد بينت تكرير السؤال عن
إغفالها.
وإن من آداب السؤال: الاختصار فيه ما أمكن، وإنه لا حرج بذكر بعض
الجنس؛ ليستدل بالحكم فيه على جريانه في نظيره؛ لأن أبا ذر حذف الاستفهام
اختصارًا، واكتفى بالزنا عن سائر حقوق الله، وبالسرقة عن سائر حقوق الآدميين كما
مر، وأن للعالم أن يكتفي بذكر الشيء عن نظيره كما اكتفى رَله بذكر: لا إله إلا الله،
محمد رسول الله آل﴾.
وإنه ينبغي أن يكون للغالب من أحواله تبشير الناس وعدم تنفيرهم، ومن ثم
قال ◌َله: (إِنَّمَا بُعثْتُم مُبْشِرِين وَلَم تُبعَثُوا مُنفِّرِين))(١) وأنه ينبغي أن يذكر لتلامذته من
(١) لم أقف عليه إلا في ((التحرير والتنوير)) لابن عاشور (٣٩٢/٣).
٣٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
أحوال بلغته عن المشايخ ما يرسخ في أذهانهم حقيقة أخذه عنهم وتقدمه عندهم، وأن
يفتخر بما كان يقع له منهم من ذلك، كما ذكر أبو ذر الثوب الأبيض وما بعده، وكما
كان يفتخر بقوله: ((وإن رغم أنف أبي ذر)».
٢٧ - [وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامتِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: «مَنْ شَهِدَ أَلَا إِلَهَ
إِلَّا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ
وَابْن أَمتِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحُ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللّهُ الْجَنَّةَ عَلَى
مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ))(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامْتِ عَهَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ شَهِدَ أَلَا إِلَهَ إِلََّ اللهُ
وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) تأكيد بعد تأكيد (وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) قدم لفظ عبد؛ لأنه
أشرف الأوصاف، ومن ثم ذكر وحده في أشرف المقامات ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]
﴿نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ﴾ [النجم:١٠].
(وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ الله) رد على زعم نبوته: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ
ابْنُ الله .. ﴾ [التوبة:٣٠] وعلى أن إيمانهم لا ينفعهم شيئًا مع اعتقاد ذلك (وَرَسُولُهُ) ردَّ
على اليهود لرسالته، والخائضين فيه وفي أمه بما هما يريان منه (وَابْن أَمتِهِ) هو
كالوصفين بعده: الكلمة والروح؛ زيادة في تقرير عبديته وشرفه؛ أي: هو موصوف بهذه
الصفات المصرحة بعبديته وخلقه وحدوثه، وبأنه مع ذلك مقربه وحبيبه، فكيف
تنسبونه أيها النصارى بالنبوة وترمونه أيها اليهود بالقذف؟ فهل أنتم إلا كالأنعام أو
أضل سبيلاً؟!
(وَكَلِمَتُهُ) هي مشتقة من الكلم؛ أي: الجرح؛ لتأثيرها في النفس سرورًا أو حزنًا،
ومشتركة بين الاسم وقسميه، والمركبات التي لها وحدة اجتماعية، والألفاظ المنظومة
ومعانيها المجموعة تحتها، ولذا يستعمل في القضية والحكم والحجة كما هنا، فإن
(١) أخرجه البخاري (٣٢٥٢)، ومسلم (٢٨)، وأحمد (٢٢٧٢٧)، وابن حبان (٢٠٢)، والنسائي
(١١١٣٢).
٣٢٥
كتاب الإيمان
عيسى حجة الله تعالى على عباده، أبدعه من غير أب ولا مدة حمل، بل كان وضعه
عقب العلوق به الواقع من نفخ جبريل في جيب قميص أمه، كما دل عليه قوله تعالى:
﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءَهَا المَخَاضُ﴾ [مريم: ٢٢ - ٢٣] أي: الطلق،
وأنطقه في غير أوانه، وأحيا الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص على يديه.
وقيل: سمي: كلمة الله، أوجده بكلمة: كن، أو للانتفاع بكلامه الذي نطق
به على غاية من الفصاحة في مهده، وأضيف إلى الله؛ تعظيمًا له، كـ(فلان سيف الله
وأسد الله)) أو لاختصاصه بأنه أوتي الكتاب في صغره، وكان حكمة ذلك النفخ: انطباع
القوة الملكية في بدنه؛ ليتأهل للرفع إلى السماء، وبقائه فيها على طبائع الملائكة
الروحانية الصرفة إلى أن ينزل آخر الزمان حكمًا مقسطًا، عاملاً بشريعة نبينا اليه.
(أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) أي: أوصلها إليها، وحصلها فيها بأمره لجبريل البلاد أن ينفخ
في جيب قميصھا کما مرَّ.
(وَرُوحُ) أي: محبي للأرواح بإحياء أبدانها، أو ذوا روح وجد من غير حز، ومن
ذي روح لا كالنطفة المنفصلة من حي؛ لما تقرر أنه إنما وجد من نفخ جبريل.
(مِنْهُ) هي للابتداء؛ أي: مبتدئة من محض إرادته لا كأرواح سائر البشر، فإنها
متولدة من أرواح آبائهم، لا سيما عند من يرى أنها جسم لطيف سار في البدن سريان
ماء الورد في الورد، لا للتبعيض ونظير ذلك، وليس في قوله ((منه)) ما يدل على البعضية.
قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية:
١٣] أي: كائنة منه وحاصلة من عنده؛ لأنه الذي كونها وأوجدها بقدرته وحكمته، ثم
سخرها لخلقه، ومن ثم لما سمع بعض النصارى قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ
وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] قال: وهل هذا إلا ما يعتقده النصارى؟ أي: من البعضية
والنبوة، فقرئت عليه الآية، وبين له أن معنى ((من)) فيهما واحد، لزم أن العالم بعضه
تعالى فأسلم، ولما شارك آدم الغنية عيسى في خلقه ابتداء بلا واسطة أصل وسبق مادة،
أضاف تعالى روحه إليه فقال: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [الحجر: ٢٩].