النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول أي: التي فيها التصريح باسمه عقب هذا الحديث، ولأن في كل منهما قد روي، وإن كلا منهما قال في آخر حديثه: ((لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ)) (١) لكن تعقبه القرطبي بأن سياقها مختلف وأسئلتهما متباينة. قال: ودعوى أنهما قصة واحدة دعوى فرط وتكلف شطط من غير ضرورة وقواه بعضهم بابن ابن سعد وابن عبد البر وجماعة لم يذكروا الضمام إلا الأول، وهذا غیر لازم. انتهى. (إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلَهُ مِنْ أَهْلِ تَجْدٍ) وهو لغة ما ارتفع من الأرض، ثم صار علمًا ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق (ثَائِرَ) بالمثلثة والرفع صفة، أو النصب حالاً من ((رجل)) لتخصيصه بالوصف، ولا يضر إضافته؛ لأنها لفظية؛ أي: منتشر شعر (الرَّأُسِ) من عدم الرفاهية؛ لقرب عهده بالوفادة، فهو على حذف مضاف، أو سمي الشعر: رأسًا؛ لأنه ما رأس وعلا، أو تسمية للحال باسم المحل، أو مبالغة بجعل الرأس كأنها المنتفشة. (نَسْمَعُ) نحن، أو بضم الياء على البناء للمفعول، والأول أشهر وأكثر (دَوِيَّ) بفتح أو ضم وصوب الأول فكسر وتشديد الياء (صَوْتِهِ) أي: شدته وبعده في الهواء فلا يفهم منه شيء كدوي النحل والرعد، ويطلق الدوي على الصوت المرتفع المتكرر الذي لا يفهم، وتصح إرادته هنا بجعل الإضافة بيانية. (وَلا نَفْقَهُ) بالفوقية والتحتية أيضًا؛ أي: يفهم (مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا) أي: إلى أن قرب فهمنا (فَإِذَا) للمفاجأة (هُوَ يَسْأَلُ عَنِ) أركان وشرائع (الإِسْلامِ) بعد التوحيد والتصديق، وتقدير حقيقته مردود بأنه يلزم عدم مطابقة الجواب للسؤال، ويؤيد الأول رواية البخاري أيضًا: ((أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللهُ عَلَّ مِنَ الصَّلَاةِ»(٢). (فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ) بالجربدلاً من ((الإسلام)) (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه البخاري (١٨٩١)، والنسائي (٢١٠٢)، والدارمي (١٦٣٠). ٢٨٧ كتاب الإيمان أو بقسميه؛ أي: هو، أو حذف على كلٍ ففيه حذف؛ أي: إقامة؛ إذ هي التي عين الانقياد، ولم يذكر له الشهادتين؛ لما مر أن الصلاة تستلزمهما لكل ما جاء به وَعليه، أو لأنه علم أنه يعلمهما، أو أنه إنما يسأل عن الشرائع الفعلية، أو لم ينقلهما الراوي لشهرتهما، ولا الحج إمَّا لأنه لم يكن فرض، أو الراوي اختصره. قيل: ويؤيد الثاني رواية البخاري: ((فَأَخْبَرَهُ النبي ◌َّهِ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ))(١) فدخل فيه باقي المفروضات والمندوبات. انتهى. (فَقَالَ) الرجل: (هَلْ عَلَيَّ) خبر مقدم (غَيْرُهَا؟) مبتدأ. (قَالَ) وَيِّ: (لَا) أي: لا شيء عليك غيرها، والوتر وصلاة العيد عند موجبهما كأبي حنيفة في الأول والإصطخري في الثاني، وجاء لدليل آخر لم يثبت دلالته على الوجوب عندنا، فعلمنا بهذا العموم (إِلَا أَنْ تَطَوَّعَ) بتشديد الطاء لادعائي إحدى التاءَين فيها، ويجوز تخفيفها بحذف إحداهما، والأصح أنها الأصلية؛ لئلا يبطل المعنى الذي أتى بالزائد لأجله، ويجوز إظهارها؛ أي: لكن التطوع مستحب لك، فهو استثناء من مدخول لا منقطع، وحينئذٍ فلا يدل على إيجاب إتمام التطوع بالشروع فيه على أن الخبر الصحيح: ((الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ))(٢) صريح في عدم الوجوب، فليقدم على هذا المحتمل للانقطاع والاتصال المفيد لولا احتمال غيره للوجوب؛ لأنه نفي وجوب شيء آخر إلا التطوع، وهولا يجب ابتداؤه فتعين دوامه. ومن الصريح فيه أيضًا أمره وَّ لحورية بنت الحارث - رضي الله عنها - أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه، ولا قائل بالفرق بين الصوم وغيره، وأمره وسلقه لمن أفطر بالصوم يوم آخر للندب؛ لما ثبت من جواز الخروج من الأداء، وما قيل يحتمل أن أمره بالإفطار وإفطاره بعد نيته الصوم الذي رواه النسائي كان لعذر لا يفيد؛ لأن (١) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه الطيالسي (١٦١٨)، وأحمد (٢٦٩٣٧)، والترمذي (٧٣٢)، والحاكم (١٥٩٩)، والبيهقي (٨١٣١)، والدارقطني (١٧٥/٢)، والديلمي (٣٨٢٩). ٢٨٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول الأصل عدم العذر فترجيه لا يفيد شيئًا، وزعم أن إجماع الصحابة على وجوب الإتمام مجرد دعوى بلا سند، ووجوب إتمام الحج؛ لأن تطوعه ڪفرضه نية وغيرها مع امتيازه بوجوب إتمام فاسده، فكيف تصحيحه؟! (وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّ: وَصِيَامُ) عطف على خمس (شَهْرِ رَمَضَانَ، قَالَ الرَّجلُ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ) وَّ: (لَا) فلا يجب بأصل الشرع غير رمضان إجماعًا، وصوم عاشوراء لم يجب قبل رمضان عندنا (إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ) أي: لكن التطوع مندوب لك على ما مرَّ بما فيه، ولا يعارضه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣] لأن النهي فيه للتنزيه لما مرَّ من الأدلة الصريحة على عدم وجوب الإتمام على أنه يلزم الحنفية حيث استدلوا به أن يقولوا: إن الإتمام فرض، وهم إنما يقولون بوجوبه، واستثناء الواجب من الفرض منقطع؛ لتباينهما على أنه من النفي لا يفيد الإثبات، بل الحكم مسكوت عنه عندهم. (قَالَ) طلحة راويه: (وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ الزَّكَاةَ) قيل: كان عدوله إلى هذا لنسيانه لفظه ولم أو التباسه عليه. (فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا) قيل: يعلم منه أنه ليس في المال حق سوى الزكاة بشروطها. انتهى. وهو ظاهر إن أريد الحقوق الأصلية المتكررة يكررها وإلا فحقوق المال كثيرة (إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ، قَالَ) طلحة: (فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ) أي: تولى (وَهُوَ) أي: والحال أنه (يَقُولُ: وَالله لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلا أَنْقُصُ مِنْهُ) شيئًا. فيه ما مرَّ في الذي قبله، لكن سياق هذا لا يأتي من تلك الأجوبة ما أباه سياق ذاك، بل الجواب بأن المراد: لا أزيد على ما سمعت ولا أنقص منه في التبليغ متوجه هنا؛ لأنه كان بناء على أنه ضمام وافد قومه ليتعلم ويعلمهم، نعم رواية البخاري: (لا ٢٨٩ كتاب الإيمان أَتَطَوَّعُ شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ شَيْئً))(١) تعين الجواب بأن: نفي التطوع لا ينافي الفلاح، وترك الإنكار على حلفه المكروه لإدباره أو تألفه لكونه حلفًا. (فَقَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: أَفْلَحَ الرَّجلُ) أي: فاز وظفر وأدرك بغيته. قالوا: ولا كلمة في اللغة أجمع للخيرات منه، ومن ثم فسر بأنه بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعز بلا ذل، وعلم بلا جهل، وفي رواية: ((أفلح والله)) وفي أخرى صحيحة بلا شك خلافًا لمن وهم فيه: ((أفلح والله)). وليس فيه عدم كراهة الحلف بغير الله؛ لأن النهي إنما جاء فيمن قصد حقيقة الحلف لما فيه من تعظيم غير الله بما لم يؤذن فيه، ومن ثم لو قصد بالحلف به تعظيمه كما تعظيم الله كفر لا فيمن جرى على لسانه من غير قصد حلف به، وهذا هو الذي وقع له وهيلر كما قال: ((عمري حلفي تربت يمينك)) وقيل: إنه قبل النهي، وقيل: فيه حذف مضاف؛ أي: ورب أبيه، وزعم أنه والله، وأن الكاتب قصر اللامين، أو أن الكراهة في غير الشارع لا دليل عليه، وأن نقله البيهقي عن بعض مشايخه، ولا دليل في وقوعه في القرآن؛ لأن الله تعالى إن يقسم بما شاء من خلقه لحكمة يظهرها لهم. (إِنِ صَدَقَ) فيما التزمه المستلزم غالبًا فعل ما علمه من الواجبات وتيسر له من المندوبات، وترك ما علمه من المحرمات، فاندفع ما قيل: كيف أثبت له الفلاح بمجرد ما ذكر وهو لم يذكر له جميع الواجبات ولا المنهيات ولا المندوبات؟ وأجيب أيضًا بأن في رواية للبخاري فلعل خبره ويله بشرائع الإسلام وما ذكرته أولى؛ لأنه بفرض تعدد القضية لرجلين مختلفين لا يصلح الجواب. وإنما الذي يصلح له على كل احتمال ما ذكرته من أنه ظهر له وَ ل من تلقيه قبول ما سمعه منه بصدق وعزيمة تامة أنه كذلك في كل ما بلغه، على أن الجواب بذلك عن هذا وحديث الأعرابي السابق قريبًا يدل على اتحادهما، وأن الرجل هنا هو الأعرابي، ثم (١) أخرجه البخاري (١٨٩١)، والنسائي (٢١٠٢)، والدارمي (١٦٣٠)، والبيهقي في سننه (٨١٥٧). ٢٩٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول وسياقهما يأبى ذلك كما هو ظاهر، فتعين فيهما الجواب بما ذكرته خلاف ما درجوا علیه فتأمله! ومما يصرح بالمغايرة بناء على أن الرجل هنا ضمام أن وفوده قيل: كان سنة خمس وأبو هريرة إنما أسلم سنة سبع فلم يدرك قضية، فروايته لحديث الأعرابي يدل على أنه غيره، ووجه ترتب الفلاح على عدم الزيادة من حيث استلزامه للإتيان وليس فيه أن الزيادة تنافي الفلاح بل تزيد فيه؛ لأنه إذا أفلح مع عدمها فمعها أولى. (مُتَفْقُّ عَليهِ) وفيه ندب السفر لتعلم العلوم، وهو أن الحلف من غير استحلاف ولا ضرورة، بل استحبابه في الطاعة كقوله: ((ولا أنقص عليه)). والرد على المرجئة: إن مفهومه أنه لم يصدق بأن أخل بشيء من الفرائض لم يكن مفلحًا، وعلى من زعم أن الصدق إنما يقال في الخبر عن الماضي بخلاف الوفاء فإنه للمستقبل، ويستنبط منه أيضًا: إنه لا بأس بالزيادة في الجواب عند الاحتياج لذلك أو استحسانه، كما فعل ◌َ ل﴿ هنا بقوله: ((إلا إن تطوع)) أو للإعلام بمزيد علم المتكلم بالقصة واستحضاره. وأن الإطناب لمزيد البيان كقول طلحة: ((من أهل نجد ... إلى آخره)) حسن، وأنه ينبغي لمن رتب حكمًا على أمر يخفى عليه أن يعلقه ولا يجزم به إلا إن قويت عنده أمارات صدقه، وبهذا يظهر حكمة التعليق على الصدق هنا، والجزم بكون الأعرابي من أهل الجنة، ثم وإن المدار ليس إلا على الصدق، ومن ثم قيل: الصدق سيف الله ما وضع على شيء إلا قطعه، وإن صدق العزيمة والتصميم ربما ألحق صاحبه بصدق العمل. وإن ذكر الرجل في مثل هذا المقام يكون فيه نوع من التفخيم والإطراء؛ لأن ((أل)) فيه حينئذ الكمال؛ أي: الكامل في الرجولية، وهي كمال النفس بتجنبها لسفساف الأخلاق، وأن الإتيان في التبشر في الأمور الجامعة كالفلاح هنا حسن؛ لما فيه من تنشيط النفس، وحملها على قوة الرجاء، وأن الراوي إذا نسي اللفظ يؤديه بالمعنى على ما ٢٩١ كتاب الإيمان حرر في محله من الخلاف الشهير في ذلك، وأنه ينبغي للعالم ألّا يسأم من تكرير الأجوبة وإن اتحد لفظها، وألّا يؤاخذ المتكلم بما يصدر عنه مما يخالف الأدب، لا سيما إن كان معذورًا كما هنا، فإن إدبار الأعرابي وهو يقول ذلك غير لائق بكمال الأدب، وإنما كماله أن يقول ذلك قبل الإدبار. ١٧ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللهُ عَنهَمَا - قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوا النَّبِيَّ ◌َ﴿ِ، قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهُ: مَنِ الْقَوْمُ؟ أَوْ مَن الوَفْد؟ قَالُوا: رَبِيعَةُ، قَالَ: مَرْحَبًا بِالقَومِ - أُوْ بِالْوَفْدِ - غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لَا تَأْتِيكَ إِلَّ فِي الشَّهْرِ الْخَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارٍ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ تُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا وَنَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ، وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ، فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعِ؛ أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ، قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِالله وَحْدَهُ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعِ؛ الْخَنْتَم وَالدُّنَّاءِ وَالنَّقِير وَالْمُزَقَّت، وَرُبَّمَا قَالَ: الْمُقَيَّرِ، وَقَالَ: احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ (١)، مُتَفقَّ عَليهِ وَلَفْظُهُ للبُخَارِيِّ]. (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللهُ عَنهَمَا - قَالَ: إِنَّ وَفْدَ) جمع وافد، وهم الذين يختارون إلى التقدم في لقى العظماء، من: وفد يفد إذا خرج إلى عظيم لنحو انتجاح أو زيادة أو استرفاد (عَبْدِ الْقَيْسِ) أبو قبيلة عظيمة تنتهي إلی ربیعة بن نزار بن معد بن عدنان، كانوا ينزلون البحرين وحوالي القطيف والإحساء وما بين هجر إلى ديار المضرية، ووفادتهم سنة ثمان. وسببها: إن منقذ بن حبان منهم كان يتجر إلى المدينة، فمرَّ به النبي ◌َّ فقام إليه، فسأله عن أشراف قومه مسميًّا لهم بأسمائهم، فأسلم وتعلم الفاتحة و﴿اقْرأْ بِاسْمِ (١) أخرجه البخاري (٥٣)، وأحمد (٢٠٥١)، وابن حبان (٣٩٦). ٢٩٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] ثم رحل إلى هجر ومعه كتابه ◌َلّ يكتمه أيامًا، لكن أنكرت زوجته صلاته ومقدماتها، فذكرت ذلك لأبيها المنذر رئيسهم، فلقيه فتحادثا، فوقع الإسلام في قلبه، ثم ذهب بالكتاب إلى قومه، فقرأه عليهم فأسلموا، وأجمعوا إلى المسير إليه وَل﴾، فتوجه منهم أربعة عشر راكبًا، فحين قربوا من المدينة قال هل﴾ لجلسائه: (أَتَاكُمْ وَفْد عَبْد الْقَيْسِ خَيْرِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَفِيهِم الْأَشَجَ)(١) أي: المنذر، سماه بذلك لأثر في وجهه، وروي: إنهم أربعون وسموا، وجمع بأن لهم وفادتين وأشرافهم أربعة عشر. (لَمَّا أَتَوا النَّبِيَّ وَِّ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّهِ: مَنِ الْقَوْمُ؟ أَوْ مَن الوَفْد؟) شك من الراوي، قيل: الظاهر أنه ابن عباس. (قَالُوا: رَبِيعَةُ) لما مرَّ أن عبد القيس ممن اختاره. (قَالَ: مَرْحَبًا) نُصب نَصب المصدر من: رحب رحبًا بالضم إذا وسع، فهو من المفاعيل المنصوبة بمضمر وجوبًا؛ لكثرة دورانه على الألسنة؛ أي: صادفتم أو أصبتم رجاء وسعة من الإكرام والأخلاق، فاستأنسوا ولا تستوحشوا (بِالقَومِ - أَوْ بِالْوَقْدِ - غَيْرَ) حال عاملة الفعل المضمر، وإضافته لا تفيد التعريف؛ لتوغله في الإبهام إلا إن كانت بين ضدين، وروي بالكسر صفة ولا نظر لتعريف موصوفه؛ لأنه معرف بلام الجنس، وهو في حكم النكرة، إذ ليس فيه توقیت ولا تعیین. (خَزَايَا) بفتح المعجمة والزاي: جمع خزيان، كسكران أو ذليل أو مفتضح. (وَلَّا نَدَامَى) جمع ندمان بمعنى: نادم، فهو على بابه، وقيل: جمع نادم، لكن حُوِّل عن قياسه نادمين إتباعًا لـ((خزايا)) تحسينًا للكلام، كـ«لا دريت ولا تليت)) إذا أصله: تلوث؛ أي: لم يكن منكم تأخر عن الإسلام، ولا أصابكم قتال ولا سبي مما يوجب استحياء، أو ذلة، وافتضاحًا أو ندمًا. (١) ذكره النووي في ((شرحه على مسلم)) (٨٦/١). ٢٩٣ كتاب الإيمان (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَا نَأْتِيكَ إِلَّا في الشَّهْرِ) من الشهرة والظهور (الْحَرَامِ) هو للجنس، فيتناول الأشهر الأربعة الحرم، وصفت بذلك؛ لأنهم كانوا يحترمونها تعظيمًا لها وتسهيلاً على زوار البيت من الحروب والغارات الواقعة منهم في غيرها، فلا يأمن من بعضهم بعضًا في المسالك والمراحل إلا فيها، ومن ثم تمكن هؤلاء من المجيء إليه * فيها دون ما عداها؛ لأمنهم فيها من كفار مضر الحاجزين بين منازلهم والمدينة. (وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ) أصله: منزل للقبيلة، ثم سميت به اتساعًا؛ لأن بعضھم یحیا ببعض (مِنْ گُفَّارٍ مُضَر) غیر منصرف، ابن نزار بن معد بن عدنان، فهو أخو ربيعة أبي عبد القيس. (فَمُرْنَا بِأَمْرٍ) بالتنوين: واحد الأوامر؛ أي: القول الطالب للفعل فتنوينه للتقليل والمراد به اللفظ، والباء للاستعانة، والمأمور به محذوف؛ أي: مرنا بعمل، بقولك: ﴿آمَنُوا﴾، وقولهم: ﴿ آمَنَّا﴾ [البقرة: ١٤] ومن ثم قال الراوي: أمرهم بالإيمان أو واحد الأمور؛ أي: الشأن، فالمراد معنى اللفظ وموروده، وتنوينه للتعظيم (فَصْلٍ) أي: فاصل بين الحق والباطل، أو مفصل بدليل أنه وله فصل لهم الإيمان بأركانه الآتية أو مفصول؛ أي: مبين واضح ينفصل به المراد من غيره لسلامته عن الإجمال، وخفاء للمراد. قيل: الظاهر أنه بمعنى الشأن والفاصل؛ أي: الجامع، فتنكيره للتعظيم، ومن ثم قالوا: ((وتدخل به الجنة)) والمأمور هنا واحد هو: الإيمان، وأركانه كالنفيس له كما دلَّ عليه السياق الآتي: (تُخْيِرْ بِهِ) نرفعه، كندخل صفة للأمر، وجزمهما جوابًا لـ«مرنا)) (مَنْ) بفتح الميم، وفي أخرى بكسرها (وَرَاءَنَا) من قومنا كما هو ظاهر السياق، أو منهم من أهل الأمكنة البعيدة على المدينة أو الأزمنة المستقبلة؛ أي: من يأتي بعدنا من ذریاتنا. فإن قلت: القياس ينتفع به فلِمَ حذفوه واقتصروا على ذلك؟ قلت: لأن انتفاعهم ٢٩٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول معلوم لا يحتاج لذكره، ولأن العمل المتعدي، لا سيما مقام تبليغ الشريعة أفضل وأحق بالتنبيه عليه ليلحظهم ولهم بكمال يناسبه، وليتأسى بهم في ذلك كل من استفاد علمًا حتی یبادر إلى إفادته وتعليمه. (وَنَدْخُلْ بِهِ) أي: بالإخبار به المفهوم من نخبر أو بامتثاله، وهذا على وجه: ﴿ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] أي: بعملكم، ولا ينافيه خبر: ((لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًّا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ بعلمه)) لأن المراد: نفي كون العمل سببًا مستقلاً في الدخول بدليل: ((قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: وَلا أَنَا، إلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَتِهِ))(١) وهذا أولى من الجواب بأن الباء في الآية للملابسة؛ أي: أورثتموها ملابسة لأعمالكم؛ أي: لشوابها أو للمقابلة كـ((بعته بدرهم)) أو المراد: الجنة العالية الرفيعة، أو درجات أعمالها بالعمل، وأمَّا أصل دخولها فتمحص الفضل. وقال النووي: الدخول بسبب العمل، والعمل من رحمة الله؛ أي: فلم يقع الدخول إلا برحمة الله، واعترض بأن المقدمة الأولى خلاف صريح الحديث، ويرد بأن المراد به ما قررته من انتفاء كونه سببًا مستقلًّا مع قطع النظر عن كونه من الرحمة؛ إذ القصد به الرد، وعلى من يرى عمله متكفلاً بدخولها من غير ملاحظة؛ لكونه من جملة رحمة الله (الْجَنَّةَ) أي: مع الناجين. (وَسَأَلُوهُ عَنِ) حكم (الأَشْرِبَةِ) التي تكون في أوانٍ مختلفة، أو عن حكم ظروفها ومن ثم ذكر في الجواب الظروف؛ لأنها المقصودة بالسؤال (فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعِ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَع؛ أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ) ذكره بعد أمرهم بأربع؛ لاشتماله على الأركان الأربعة الآتية. (قَالَ) تنبيهًا لهم على تفريع أذهانهم لضبط ما يلقى إليهم: (أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِالله وَحْدَهُ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) هو بمعنى عالم على حد الله، أعلم حيث يجعل (١) أخرجه البخاري (٦٠٩٨)، ومسلم (٢٨١٦). ٢٩٥ كتاب الإيمان رسالته ويؤخذ منه الرد على من نازع في قول الفقهاء عقب نحو فتاويهم وأبحاثهم، والله أعلم. وعلى من فصل فقال: يقول المجيب في العقائد: وبالله التوفيق، وفي ((الفروع)): والله أعلم. (قَالَ): الإيمان بالله وحده الذي هو بمعنى الإسلام؛ إذ كل يطلق بمعنى الآخر، ومن ثم فسر ◌َ﴾ الإسلام في بعض الأحاديث بما فسر به الإيمان هنا (شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَّهَ إِلَّا اللهُ وَ) شهادة (أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ) لم يذكر الحج بناء على ما عليه جمع أنه لم يفرض إلا سنة تسع بعد وفادتهم سنة ثمان، وعلى الأصح عندنا أنه فرض سنة خمس أو ست، فلعله علم عدم استطاعتهم لعذر، كالخوف من كفار مضر بفرض أنهم يحتاجون للخروج إليه في شوال، وهو مما لا يأمنون منهم فیه. [(وَأَنْ)](١) قيل: معطوف على أربع، وردَّ باستدلال البخاري به على أن ما بعد أن من جملة الإيمان، فهو معطوف على أجزائه كما هو ظاهر السياق، وعليه فهو إمَّا عدَّ الأربع التي وعدهم بها ثم زادهم خامسة؛ لاحتياجهم إليها بمجاورتهم لكفار مضر وقتالهم لهم واغتنامهم لأموالهم، وإمَّا أن الراوي لم يعد الشهادتين من الأربع لعلمهم بهما لسبق إيمانهم كما يصرح به السياق من الترحيب بهم وما بعده، وقوله: «الله ورسوله أعلم» وغير ذلك بخلاف الأربع الباقية لم يكونوا مع إيمانهم، يعلمون أنها دعائم الإيمان وآكد خصاله. ويؤيد ذلك أن من آداب البلغاء: إن الكلام إذا أنصب لغرض معين جعلوا سياقه له وتوجهه إليه حتى يصير ما سواه كأنه مفروض مطرح، فهنا لما لم يكن الغرض في الإيراد ذكر الشهادتين لإيمانهم، ولكنهم ظنوا قصر الإيمان عليهما كما هو (١) بياض في الأصل، تم تصويبه. ٢٩٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول الشأن في أول الإسلام لم يعده الراوي، وعد الإعطاء؛ لأن الغرض للمسوق له الكلام لما مر: إنهم أصحاب غزو مع ما فيه من بيان أن الإيمان غير مقصور عليهما، وأنه وليه نبههم على موجب توهمهم بقوله: («أتدرون ما الإيمان)). واختار البيضاوي أن الخمسة تفسير للإيمان الذي هو أحد الأربعة المأمور بها، والثلاثة الباقية حذفها الراوي نسيانًا أو اختصارًا، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير؛ أي: أمرهم بالإيمان إلى آخره، ثم أمرهم بأربع أقسام: الصلاة ... إلى آخره. (تُعْطُوا) لم يأت بالمصدر هنا لإفادة معنى التجدد هنا؛ لقرب تجدد فرضية هذا بخلاف سابقه (مِنَ الْمَغْنَمِ) أي: الغنيمة (الْخُمُسَ) بضم الميم وسكونها: الفاضلة بعد الأربعة الأخماس التي للمقابلة، لأصحابه الخمس المصالح العامة وبني هاشم والمطلب واليتامى وابن السبيل والمساكين الشاملين للفقراء كل خمس ذلك الخمس. (وَنَهَاهُمْ عَنْ) الانتباذ في، أو تناول ما في ظروف (أَرْبَعِ: الْحَنْتَم) بمهملة مفتوحة فنون ساكنة ففوقية مفتوحة: هي الجرار لا بقيد أو بقيد كونها خضراء أو مقيرًا أجوافها تجلب من مصر، أو حمراء أعناقها في جنوبها تجلب فيها الخمر من مصر، أو أفواهها في جنوبها يجلب فيها الخمر من الطائف، أو جرار تعمل من طين وأدم وشعر، أقول: للصحابة وغيرهم ولعلهم كانوا ينتبذون في كل ذلك. (وَالدُّبَّاء) بضم فتشديد: قمة القرع؛ أي: وعاء اليقطين اليابس (وَالنَّقِير) بفتح فكسر: هو كما في مسلم: جذع ينقر وسطه وينبذ فيه (وَالْمُزَفَّت) بتشديد الفاء؛ أي: المطلي بالزفت أي: القار. (وَرُبَّمَا قَالَ) أي: ابن عباس: (الْمُقَيَّرِ) بدل المزفت، وخصت هذه الأربع بالذكر؛ إمَّا لأنها مألوفهم، أو لأن منابتها مقر المنتبذ فيها لصيرورة الشراب فيها مسكرًا وهو لا يشعر به، أو لأن الإسكار يسرع لما فيها فيشربه، وهو لا يعلم، ثم هذا النهي منسوخ بقوله ◌َّ: ((كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنِ الانْتِبَادِ إِلَّا فِي الْأَسْقِيَة فَانْتَبِذُوا فِي كُلّ وِعَاء وَلَا تَشْرَبُوا ٢٩٧ كتاب الإيمان مُسْكِرً))(١) والمراد بالأسقية: ما لا زفت أو رب فيه؛ لأنه إذا اشتد الشراب فيه انشق فيعلم به صاحبه فيجتنبه، وبالانتباذ يقع نحو تمر وزبيب فيما لا يقصد الخمرية. ورأى مالك وأحمد - رحمهما الله تعالى - بقاء النهي؛ لأن ابن عباس استفتى عن الانتباذ فذكره، فلو نسخ لم يذكره، ويرد بأنه لم يبلغه الناسخ المذكور فلا يكون إيراده له حجة على من بلغه. (وَقَالَ: احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ) بفتح الميم وكسرها (وَرَاءَكُمْ) بالمعنى السابق في: ورأينا (مُتَفقُّ عَليهِ، وَلَفْظُهُ للبُخَارِيِّ) وفيه فوائد منها: وفادة الرؤساء إلى الأئمة في الأمور المهمة، وندب قبول مرحبًا للقادم، ووجوب حفظ العلم وتبليغه؛ لأن الأمر للوجوب. ١٨ - [وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: (بَايِعُونِي عَلَى أَلَّا تُشْرِكُوا بِاللّه شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِيُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَلَى مِنْكُمْ فَأَجْرَهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ فَهُوَ إِلَى الله؛ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءً عَاقَبَهُ))(٢) قَالَ: فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ عُبَادَةَ) بضم العين (إِبْنِ الصَّامِتِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َل﴾: و) هي واو الحال (حَوْلَهُ) بالنصب: ظرف خبر مقدم، ويقال أيضًا: حوليه وحواليه - بفتح اللام - أي: محيط به (عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) بكسر العين: اسم جمع كالعصبة لما بين العشرة إلى الأربعين من العصب، وهو: الشد، كان بعضهم يشد بعضًا، أو من العصب؛ لأنه يشد الأعضاء، أو من عصب بمعنى: أحاط، ولهذا أثر ذلك على لفظ ((جماعة))، وذكرهم (١) أخرجه مسلم (٩٧٧). (٢) أخرجه البخاري (١٨) وأحمد (٢٣٤٠٢) والنسائي (٤١٧٨) والدارمي (٢٥٠٩) والبيهقي (١٦٢٦٠) والطبراني في الشاميين (٣١٢٦) والدارقطني (٣٥٥٤) وأبو عوانة (٥١٠٧). ٢٩٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول إعلامًا بأنهم المخاطبون، وبأنه بلغ النهاية في ضبط مرويه وإتقانه. (بَايِعُونِي) أي: عاقدوني وعاهدوني تشبيهًا لنيل الثواب في مقابلة الطاعة لعقد البيع الذي هو مقابلة مال بمال على وجه مخصوص، ووجه المفاعلة: إن كلا من المتبايعين يصير كأنه باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره، وقد يطلق المبايعة على عقد المبايعة العظمى. (عَلَى أَلَّا تُشْرِكُوا بِالله شَيْئًا) ظاهرًا أو خفيًّا، جليلاً أو حقيرًا بوجه من الوجوه؛ لأنه نكرة في سياق النفي، فيعم كالنفي توحيدًا خالصًا عن كل سمة لا يليق بحالة ذاته وكمال صفاته (وَلَا تَسْرِقُوا) شيئًا وإن قلّ (وَلَا تَزْنُوا) أي: لا تطؤوا وطنًا محرمًا ولو نحو لواط وإتيان بهيمة (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ) خصوا؛ لأن أكثر الجاهلية كانوا يقتلونهم خشية الفقر على غاية من الشناعة، وهي: الواد، ولأنه أقبح من قتل غيرهم، فلا مفهوم له على أنه لقب وهو لا مفهوم له مطلقًا، وكان وجه ذكر هذه الأربعة كذلك النظير إلى الأكثر فالأكثر وقوعًا في ذلك الزمن. (وَلَّا تَأْتُوا بِيُهْتَانٍ) أي: كذب وعيب يبهت سامعه ويدهشه ويفضحه لفظاعته (تَفْتَرُونَهُ) أي: تختلقونه كأنه من الإفراء، وهو: قطع الأديم على جهة الفساد (بَيْنَ أَيْدِ يكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ) أي: من قبل أنفسكم واختراعكم؛ إذ اليد والرجلين يكنى بهما عن الذات؛ لأن معظم الأفعال تقع بهما، ومن ثم كنى باليد عن القدرة: ﴿يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] والنعمة نحو: لفلان عندي يد، وقد يقال لمن جنى بقوله عند عقابه: هذا بما كسبت يداك، ولا تبهتوا الناس بالعيوب كفاحًا يشاهد بعضڪم بعضًا، كما يقال: فعلت هذا بين يديك؛ أي: بحضرتك، فهو كناية عن الرقاعة وخرق جلباب الحياء كما هو شأن الحمقاء والسفلة، وهذا أشد البهت وأقبحه. ولا يرد على هذا ما قيل: إن معنى الخصرة إنما يعبر عنه ببين اليدين والرجلين، محله على ما قيل إن ذكرت الرجلان فقط لا مع اليدين كما هنا، ولا ينسبوه مبنيًّا على ظن فاسد وغش مبطن من ضمائركم وقلوبكم التي هي بين أيديكم وأرجلكم؛ ٢٩٩ كتاب الإيمان لأن المفتري يقرر ما يريد اختلافه في ضميره وقلبه أولاً، فالأول الثاني كناية عن إلقاء البهتان من تلقاء النفس من غير أمارة، والثالث عن إنشائه من داخل القلب، وحاصله: النهي عن قذف أهل الإحصان والكذب على الناس، واغتيابهم بالقلب أو اللسان، ورمیھم بكل ما فيه عار. وأطنب بذلك المشتمل على ذكر الرديفين البهتان والافتراء والأيدي والأرجل التي لا دخل لها في البهت مع أداء المراد بـ(لا تبهتوا الناس))؛ لمزيد تقرر قبح هذا الفعل أو شناعته. (وَلَّا تَعْصُوا) أمرًا بمعروف، أو من ولي عليكم، أو لا تعصوني، وعليه فالتقييد لتطيب نفوسهم وإلا فهو ◌َلّ لا يأمر إلا بالمعروف، أو التنبيه على أن طاعة المخلوق في معصية الخالق جديرة بغاية التولي والاجتناب (فِي مَعْرُوفٍ) وهو ما عرف من الشارع حسنه مما أمر به أو نهى عنه سواء تعلق بالله أو بالآدمي، فلا يقال لما ذكر المنهي دون الواجب وقدم الاعتقاديات على العمليات؛ لأنها أشرف، واقتصر به على الإيمان بالله وحده؛ لأنه الأصل والأساس، وآثر ذكر صيغة النهي؛ لأن التخلي عن الرذائل مقدم على التحلي بالفضائل، وخص من المنهيات تلك؛ لكثرة وقوعها ذلك الوقت، أو للاهتمام بها، أو ليقاس عليها غيرها. (فَمَنْ وَلَى) بتخفيف الفاء وتشديدها (مِنْكُمْ) أي: أيها العصابة؛ أي: ثبت على ما تابع عليه (فَأَجِرُ عَلَى الله) فيه غاية التعميم لذلك الأجر على حد، فقد وقع أجره على الله وليس في ذكر الأجر، وعلى تأييد لقول المعتزلة: يجب إنابة المطيع وعقاب العاصي على الله - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا - لأن الثواب إذا حصل يشبه الأجرة صورة، و((على)) للمبالغة في رجاء وقوعه؛ إذ الأدلة العقلية والنصوص الشرعية قاطعة بأن ذلك محض فضل منه تعالى، وقوله الآتي: ((فهو إلى الله» صريح في ذلك؛ لأنه إذا منع وجوب عقاب العاصي منع وجوب إنابة الطائع؛ إذ لا قائل بالفرق. (وَمَنْ أَصَابَ) منكم (مِنْ) للتبعيض (ذَلِكَ) ماعدا الشرك؛ لقوله تعالى: ٣٠٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ .... ﴾ [النساء: ٤٨] ومن ثم أجمعوا على أنه لا يغفر، قيل: ودل على استثنائه أن الكلام مفروض في الصحابة بقوله: (منكم)، وقيل: لا يحتاج الاستثناء؛ لأن المراد بالشرك فيما مرَّ: الشرك الخفي، وهو الرياء، ومنه: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةٍ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] ورد بأن الشرك عند الإطلاق، لا سيما في أوائل البعثة، وكثرة عبدة الأصنام إنما ينصرف للأكبر، نعم. وقوله: ((فعوقب .. إلى آخره)) دليل واضح على الاستثناء؛ إذ الشرك لا يكفر بعقاب الدنيا ولا يقبل العفو إجماعًا (شَيْئًا) عام؛ لأنه نكرة في سياق الشرط (فَعُوقِبَ في [الدُّنْيَا)(١)) أي: أقيم عليه الحد (فَهُوَ) أي: الحد أو العقاب (كَفَّارَةٌ لَهُ) فلا يعاقب عليه في الآخرة، بل على عدم التوبة منه إن مات قبلها؛ لأن تركها ذنب آخر غير ما وقع العقاب عليه. وأخذ أكثر العلماء من هذا أن الحدود كفارات، وخبر: «لَا أَدْرِي الْحُدُودُ كَفَّارَاتُ أَمْ لَا))(٢) أجابوا عنه بأنه: قبل هذا الحديث؛ لأنه فيه نفي العلم وفي هذا إثباته، وفيه لا سيما مع مراعاة الإتيان بـ(من)) التبعيضية في جانب المنهي فقط إرشاد إلى أن شرط نيل ذلك الأجر الذي لا يعلم قدره إلا بعطية الوفاء بجميع المأمورات، وإلى أن العقاب یحصل بترك واحد مما نهى عنه. (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ) بأن لم يقم الحد عليه (فَهُوَ) أي: حكمة من العفو والعقاب مفوض (إِلَى اللّه إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ. فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) فيه دليل كما مرَّ لمذهب أهل السنة: إن من مات صغيرًا أو كبيرًا لا ذنب عليه بأن مات عقب بلوغه أو توبته أو إسلامه قبل إحداث معصية، فهو محكوم له بالجنة بفضل الله ورحمته، لكن بعد مروره على الصراط المفسر به: ﴿وَإِنِ مِّنكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] وإن من ارتكب كبيرة ومات قبل التوبة تحت (١) وردت في المخطوطة بلفظ: (النار)). (٢) أخرجه الحاكم (١٠٤)، والبيهقي (١٧٣٧٣). ٣٠١ كتاب الإيمان مشيئة الله، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة من غير سابقة عذاب، وإن شاء عاقبه ثم أدخله الجنة، ولا يخلد أحد من أهل القبلة في النار. وخالف في ذلك كله المعتزلة، فقالوا: إن كان الميت فاسقًا يخلد، وفيه إشارة أنه لا يجوز الحكم لمعين بجنة أو نار إلا بنصٍّ عليه من الشارع. ١٩ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِوَّه فِي أَضْحَى أَوْ فِظْرٍ إِلَى الْمُصَلَّ، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّ أُرَيتكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ، فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ، فَقُلْنَ: وَمَا نُقْصَان دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: بَلَ، قَالَ: فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، قَالَ: أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا (١) . مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) بالدال المهملة (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَل﴾ فِي) عيد (أَصْحَى) بفتح فسكون: جمع أضحاة، يذكر ويؤنث، وهو منصرف، سُمي بذلك؛ لأنه يفعل وقت الضحى، وهو ارتفاع النهار (أو) عيد (فِظْرٍ) شك من أبي سعيد (إِلَى) صلاة العيد في (الْمُصَلَّ) الموجود إلى اليوم خارج سور المدينة (فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ) يحتمل أنه قصدهن ليعظهن، وأنه لما مرَّ نهى وعظهن (فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ) أي: يا جماعتهن من العشيرة؛ أي: المعاشرة، ومن ثم سُمي الزوج: عشيرًا، والخطاب عام لكل ما يتأتى منه أن يكون مخاطبًا به، وإنما غلبت الحاضرات، ففيه يجوز إذا صلى وضع النداء والضمير أن يكون لمعين شخص. واعلم أن الوضع إمَّا وضع باعتبار عام نحو: الرجل، أو وضع باعتبار عام لموضوع له خاص، كاسم الإشارة؛ فإنه وضع باعتبار معنى العام الذي هو الإشارة الحسية (١) أخرجه البُخَارِي (٣٠٤)، ومسلم (١٥٥)، وابن خزيمة (١٤٣٠). ٣٠٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول الخصوصيات التي تحته؛ أي: لكل واحد مما يشار إليه، والإيراد به عند الاستعمال: العموم على سبيل الحقيقة وكالضمير، أو وضع باعتبار خاص لموضوع له خاص كالعلم. (تَصَدَّقْنَ) خصهن بذلك؛ لما رتبه عليه الواقع موقع العلة، وهو قوله: (فَإِنِّي أَرَيتكُنَّ) بضم أوله؛ أي: أخبرتكن وأعلمتكن، ومن ثم عدي لثلاثة مفاعيل (أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ) والصدقة بقي منها كل أمر، وفي ظل صدقته حتى يقضي بين الناس (اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقَّ تَمْرَةٍ)(١) ولا تعارض هذه الأكثرية ما ورد أن أقل رجل من أهل الجنة يمشي على امرأتين من نساء الدنيا غير العدد الكثير من الحور؛ لاحتمال أنها باعتبار الابتداء، فهي حينئذ أكثر المؤمنين الداخلين لها، وأمَّا بعد انقضاء عذابهن ودخولهن الجنة فيكن أكثر من الرجال. (فَقُلْنَ:) كيف يكون هذا؟ (وَبِمَ) أي: وبأي وصف حصل لنا ذلك؟ وأصله: مما فحذفت ألفه عند دخول الجار تخفيفًا، ويجوز كون الواو زائدة، والباء فيه للسببية، والتقدير: فقلن بسبب أي شيء كن أكثر أهل النار (يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ) وإكثاره كبيرة بناء على تعريفها بأنها ما توعد عليه بخصوصه، وجعل أكثر اللعن وما بعده سببًا لدخول النار بوعد؛ أي: توعد. ووجه عظمة إثم اللعن: إنه من الله تعالى إبعاده العبد من رحمته؛ لسخطه عليه، ومن الإنسان دعاؤه على نفسه أو غيره بذلك الإبعاد والسخط، وهذا فيه مضادة ومعاندة لسعة فضل الله ورحمته التي سبقت غضبه. ومن ثم اتفق العلماء على تحريمه لمعين ولو كافرًا وعظم قبحه؛ إذ كيف يبعد من رحمة الله من لا يعرف خاتمة أمره وإن كان كافرًا في الحالة الراهنة؛ لاحتمال أن يموت مسلمًا بخلاف من علم من الشارع موته كافرًا كأبي جهل، أو أنه سيموت كذلك كإبليس، فإنه لا حرج في لعنه، وبخلاف اللعن لا لمعين بل يوصف كلعن الله (١) أخرجه البخاري (٥٦٧٧)، ومسلم (١٠١٦)، وأحمد (١٨٢٨٠)، وابن حبان (٤٧٣)، والطيالسي (١٠٣٥)، والدارمي (١٦٥٧)، والنسائي (٢٥٥٣)، وابن خزيمة (٢٤٢٨). ٣٠٣ كتاب الإيمان الواصلة وأكل الربا والكاذب. (وَتَكْفُرْنَ) بفتح أوله وضم ثالثه (الْعَشِيرَ) أي: المعاشر الملازم، وهو: الزوج؛ أي: نعمته، إذ الكفر الستر، إمَّا للحق وهو الكفر بالله، إمَّا إنكارًا بالقلب واللسان، أو جحودًا بأن يعرف بقلبه ولا يقر بلسانه كإبليس وبلعام وأمية بن أبي الصلت، أو عنادًا بأن يعرف بقلبه ويقر بلسانه ولا يذعن له ككفر أبي طالب، أو نفاقًا كأن يقر بلسانه ويكفر بقلبه. وأمَّا النعم بترك إذا شكرها الناشئ عن استقلالها، أو ازدرائها، أو إنكارها كما هنا، وجاء في السنة منه أنواع كثيرة أطلق عليها لفظ الكفر من أدائه هذا، نعم الأشهر في الأول بأقسامه استعمال لفظ: كفر، وفي الثاني استعمال لفظ: كفران، والكفور يستعمل فيهما جميعًا وكفران حق الزوج أو نعمته شديد التحريم، بل كثيرة بناء على ما مرَّ، ووجه ذلك: إنه كفر لنعم الله؛ لأنه المجري للنعم على يد من شاء من خلقه، وللزوج مزيد رعاية على غيره كما أشار لذلك النبي ◌َله بقوله: ((لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًّا أَنْ يَسْجُدَ لأَمَرْتُ الْمَرَأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا))(١). فإن قلت: ما وجه التقييد في اللعن بإكثاره بخلاف كفر العشير؟ قلت: كان وجه ذلك أن اللعن يجري على ألسنتهن لاعتيادهن إياه من غير قصد لمعناه السابق، فخفف الشارع عنهن ولم يتوعدهن بذلك إلا عند إكثاره، ونظيره ما قاله أئمتنا: إن الغيبة صغيرة، ووجهوه بأن الناس ابتلوا بها فلو كانت كبيرة على الإطلاق كما جرى عليه كثيرون، بل حكى عنه الإجماع للزم بفسق الناس كلهم أو غالبهم، وفي ذلك حرج، فكذا نقول هنا. وأمَّا كفر الإحسان يبتلين بإكثاره كاللعن، فكانت المرة الواحدة منه كبيرة على ما اقتضاه تعريفها السابق وإن لم يقتضيه بقية تعاريفها، وقد حررت ما في ذلك في (١) أخرجه الترمذي (١١٥٩) وقال: حسن غريب، والدارمي (١٤٦٤)، والحاكم (٧٣٢٧). ٣٠٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول كتابي ((الزواجر عن افتراق الكبائر)). (مَا رَأَيْتُ) أحدًا، إطناب لسببين، وتقرر وجه كونهن يكفرن ويكثرن ما مرَّ؛ إذ جبلة الإنسان مطبوعة على الرذائل، فلا يمنعه ويردعه عنها إلا كمال عقله أو دينه (مِنْ) مزيدة لاستغراق الأفراد؛ لمجيئها بعد أحد المقدر في خبر النفي (نَاقِصَاتٍ) صفة لأحد المحذوف (عَقْلٍ) هو نور؛ أي: يقذف في القلب، وقيل: الرأس؛ ليمنع صاحبه من ارتكاب القبيح، ومن ثم نفى عن الكفار في قوله تعالى: أم ﴿لَهُمْ قُلُوبُ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦] وقد يعرف ليشمل إدراك الكافر بأنه غريزة يتبعها العلم بالضروري عند سلامة الآلات. (وَدِينٍ أَذْهَبَ) مفعول ثان لـ((رأيت)) إن كان بمعنى علمت، وإلا فهو صفة لأحد المقدر من الإذهاب بناء على قول سيبويه: يجوز بناء أفعل التفضيل من مزيد الثلاثي. (لِلُبِّ الرَّجُلِ) وهو العقل الكامل من لباء؛ لخلوصه من شوائب النقص شبيهًا بلباب الشيء، فهو خلاصة ما في الإنسان من قواه، واللام فيه للتعدية. (الْحَازِم) أي: الضابط لأموره والمتحري فيها حتى لا يبرز عنه نقص في قول ولا فعل (مِنْ إِحْدَاكُنَّ) متعلق بـ(أذهب))، والمفضل عليه محذوف؛ أي: هو بيان لناقصات على سبيل تجريد ذلك من هذا كـ((رأيت)) منك أسدًا ووصف ذلك بالجمع على طريق: ﴿شِهَابًا رَّصَدًا﴾ [الجن:٩] وأذهب لمطلق الزيادة، صفة لأحد المحذوف، وإنما وصف الرجل بالحزم المستدعي لتوفي كل شبهة ومكروه، ومن ثم جاء في الحديث: (إِنَّ مِن الْحَزَّمِ سُوء الظَّنِ)(١) مع الحديث الآخر: ((مَنْ وَقَعَ حَوْلَ الْحِمَّى يُوشِكُ بأَنْ يَقع فِیهِ»(٢). (١) ذكره المتقي الهندي في ((الكنز)) (١٧٧/١٦)، وعزاه لوكيع والعسكري في ((المواعظ)). (٢) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩)، وأبو داود (٣٣٣٠)، والترمذي (١٢٠٥) وقال: حسن صحيح، وأحمد (١٨٣٩٨)، والنسائي (٤٤٥٣)، وابن ماجه (٣٩٨٤)، والدارمي (٢٥٣١)، والبيهقي (١٠١٨٠) بلفظ: ((كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه)) والبيهقي في الشعب بنحوه = ٣٠٥ كتاب الإيمان وكان من قضيته خشية سطوة ربه حتى مع تصوره، أنه وسعت رحمته وجلائل نعمه العالم، ولذا مدح تعالى الأواب المنيب الذي: ﴿وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: ١١] وانبنى على ذلك معظم أساس قاعدة العارفين في معاملتهم النفس الأمارة بسَلّ سيوف المجاهدات حتى يتجنب جميع الشبهات، ومعظم مكائد الحروب؛ لأجل أن يبين ما في انقياد مع هذا الكمال لتلك المناقضات دينًا وعقلاً من القرابة، ومن ثم قال جرير في وصف عیوبهن: يصير عن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله أركانا فهو ترق من ذمهن بنقص دينك، إمّا إلى ذمهن بإذهاب لب كمل الرجال بجمالهن ودلالهن وخداعهن وتسويلهن الباطل بخفي حيلهن ومكرهن، حقًّا إن كيدهن عظيم، وجمعهن، وأفرد إشارة إلى أن من شأنهن التمالي على الباطل، واستفراس المنفرد بهن، وأنه ليس فيهن راحم له ولا مجير، وإلى أن من جبلة الرجل حب جميعهن؛ لأنهن زيِّن له قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران: ١٤]. وإمَّا إلى ذم الكامل الحازم بأنه کیف استدل وخضع مع كماله هن حتى سلبن لبه بالخداع ولطائف الحيل، فأورثه عارًا لاحقًا به إلى الأبد، وصيرته مثلة بين الرجال، ولا يلتفت إليه إلا بعين الازدراء والسخرية. (فَقُلْنَ: وَمَا نُقْصَانِ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ الله؟) هذا من حذق أولئك الحاضرات، وكمالهن، ومن ثم مدحهن ◌َ﴿ بقوله: ((نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْخَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ))(١). في ذلك حث للمتعلم على: أنه يتأكد عليه مراجعة العالم فيما لم يظهر له معناه. = (٥٤٩٨)، وأبو عوانة في مستخرجه (٤٤٤٣). (١) أخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٧٧٦)، وأبو داود (٣١٦)، وابن ماجه (٦٨٥)، وأحمد (٢٥٨٨٨) ولکنه منسوب إلى عائشة رضي الله عنها.