النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
فُرض في السنة الثانية والحج فُرض سنة خمس أو ست أو ثمان أو تسع، وقيل فيه غیر
ذلك لكنه غلط، وإنكار ابن عمر على من ذكر الأولى في مقابلة ذكره الثانية مع كونه
رواهما على ما أفاده مجموع روايتي الشيخين، إما لزجره عن الإنكار بلا علم، أو
لنسيانه للأولى حالة الإنكار وإن استبعد.
وإن بعض الرواة عنه روى بالمعنى لعدم سماعه لإنكاره أو نسيانه له، وبفرض
أنه لم يروهما فهو لمحافظته على ما سمعه أو لعدم تجويزه الرواية بالمعنى، أو لذهابه إلى
أن الواو تفيد الترتيب، وتصويب الثانية وتوهيم الأولى ليس في محله؛ لأن فتح ذلك
يجر إلى ردِّ الرواية الصحيحة ويرفع الوثوق بأكثر الروايات وفي ذلك من الفساد ما لا
يخفى.
قيل: ويستفاد من الحديث تخصيص عموم مفهوم السنة بخصوص منطوق
القرآن؛ إذ مدلول عمومه صحة إسلام من باشر ما ذكر ومفهوم عدم صحته ممن لم
يباشر ذلك، وهذا العموم مخصوص بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم ... ﴾
[الطور: ٢١] انتهى.
وفيه نظر من وجوه كما لا يخفى؛ إذ ليس في الحديث من صنع العموم شيء.
والآية لا شاهد فيها على صحة الإسلام بالتبعية، ولو قال: قضية الحديث أنه لا
بد في صحة الإسلام من هذه الخمسة يخص ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
٥ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: «الْإِيمَانُ بِضْعُ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً،
أَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْخَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ
الإِيمَانِ))(١). مُتَفقُّ عَلِیهِ].
(وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾) تصغير ((هر)) لقبه به ◌َ لّ على ما قيل لهرة كان يلعب بها
(١) أخرجه مسلم (٣٥)، وأحمد (٩٣٥٠)، والترمذي (٢٦١٤)، وأبو داود (٤٦٧٦)، والنسائي (٥٠٠٥)،
وابن ماجه (٥٧)، وابن حبان (١٦٦)، والطبراني في الأوسط (٩٠٠٤).

٢٢٧
كتاب الإيمان
فرآها في كمِّه، واسمه عبد الرحمن بن صخر على الأصح من ثلاثين قولاً فيهما الدوسي،
أسلم عام خيبر اتفاقًا وشهدها مع النبي ◌َلّه ولا زمه حتى كان أكثر أصحابه رواية عنه،
ومن ثم بلغ ما رواه خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعين، وتوفي بالمدينة سنة
تسع أو ثمان أو سبع وخمسين ودفن بالبقيع، وما قيل: إن قبره بقرب عسفان لا أصل
له.
(قَالَ: قَالَ الْتَّبِيُّ ◌َ ﴿َ الْإِيمَانُ بِضْعٌ).
وفي رواية: ((بِضْعةُ)) (١) والباء مكسورة فيهما وقد تفتح، وهما القطعة ثم استعملا
في العدد لما بين الثلاثة والعشرة.
وقيل: من واحد إلى تسعة.
وقال الخليل: البضع السبع كذا حكى ذلك بعض الشراح، والذي في «القاموس)):
هو ما بين الثلاث إلى التسع أو إلى الخمس أو ما بين الواحد إلى أربعة أو من بين أربع
إلى تسع أو سبع، وإذا جاوز العشر ذهب البضع لا يقال: بضع وعشرون أو يقال ذلك.
انتهى.
وقد ينافيه رواية: ((بِضْعةٌ)) (٢) مع تأنيث السبعة إلا أن يجاب بأنه تأنيث غير
حقيقي أو السبعة بمعنى النوع.
(وَسَبْعُونَ) هي رواية لمسلم جرى عليها أبو داود والترمذي والنسائي، وفي
أخرى له: ((بِضْعُ وَسِتُّونَ أَوْ بِضْعُ وَسَبْعُونَ))(٣).
ورواية البخاري: ((وَسِتُّونَ)) ورجحت فإنها المتيقن.
وصوَّب القاضي عياض الأولى بأنها التي في سائر الأحاديث ولسائر الرواة،
(١) أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٢٠١٠٥).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٥٩٨) وابن أبي شيبة (٩١/٦) والبيهقي في الشعب (٨٧)، وابن
حبان (١٦٦).

٢٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
ورجحها جماعات منهم النووي بأن فيها زيادة ثقات.
واعترضه الكرماني بأن زيادة الثقة أن يزاد لفظ في الرواية، وإنما هذا من
اختلاف الروايتين مع عدم تنافٍ بينهما في المعنى؛ إذ ذكر الأقل لا يُبقي الأكثر، أو أنه
** أخبر أولاً بالستين، ثم أعلم بزيادة فأخبر بها؟ ويجاب بأن هذا متضمن للزيادة
كما اعترف به الكرماني فصح ما قاله النووي، نعم اعترض بأن من زادها لم يستمر على
الجزم بها لا سيما مع اتحاد المخرج، وبما تقرر يعلم أن قول المصنف الآتي متفق عليه؛
أي: من حيث الجملة لما علمت أن رواية: ((سَبْعُونَ)) انفرد بها مسلم.
ثم رأيت العيني قال: إنها في البخاري من طريق أبي ذر الهروي فعليه لا إشكال
على المصنف، ثم هذا العدد.
قيل: المراد به التكثير والمبالغة.
وقال آخرون: بل المراد حقيقة العدد، ويكون النص وقع أولاً على البضع
وستين؛ لكونه للواقع ثم تجددت العشرة الزائدة فنص عليها، وبهذا يجاب عن
اختلاف الروايات السابقة فيقال بتقدير صحتها كلها لعلمه وَ ل﴿ نطق بأقلها ثم أُعلم
بأزيد منها.
وهكذا (شُعْبَةً) هي غصن الشجر وفرع كل أصل وأريد به هنا الخصلة؛ أي:
الإيمان ذو خصال متعددة.
وفي رواية صحيحة: ((بِضْعُ وَسَبْعُونَ بَابًا)(١). وفي أخرى: (أَرْبَعَّ وَسِتُّونَ بَابً))(٢).
وفي أخرى: ((ثَلَاث وَثَلاثُون شَرِيعَة مَنْ وَاقَى اللّهَ بِشِرِيعَةٍ مِنْهَا دَخَلَ الجنَّةَ))(٣).
وروى ابن شاهين خبر: ((إِنَّ الله وَكَ مَائة خُلُق مَنْ أَنَى بُخُلُقٍ مِنْهَا دَخَلَ الجنَّةَ))(٤)
(١) أخرجه الترمذي (٢٦١٤) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٩٧٤٧).
(٢) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٩٩٩)، وفي الأوسط (٤٨٦٨).
(٣) أخرجه البيهقي في الشعب (٨٣٠٨)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة)) (٤٢٦٧).
(٤) أخرجه الطيالسي (٨٤)، وابن عدي في الكامل (٢٩٨/٥).

٢٢٩
كتاب الإيمان
وفسرت بنحو الحياء والرحمة والسخاء والتسامح وغيرها من أخلاقه تعالى؛ أي: صفاته
الجليلة.
(أَفْضَلُهَا) هي جزاء شرط محذوف تقديره: إذا كان الإيمان ذا شعب متفاوتة
فأفضلها (قَوْلُ لَا إِلَّهَ إِلَّا اللهُ) لا نيابة عن التوحيد المتعين على كل مكلف والذي لا
يصح غيره من الشعب إلا بعد صحته فهو الأصل المبني عليه سائر الشعب.
(وَأَدْنَاهَا) أي: أدونها مقدارًا من الدنو بمعنى: القرب فهو ضد فلان بعيد
المنزلة؛ أي: رفيعها، ومن ثم رواه ابن ماجه بلفظ: ((فأرفعها)). وفي رواية: (فَأَقصَاهَا)(١).
(إِمَاطَةُ) أي: إزالة (الأَذَى) أي: المؤذي وإن خف أذاه كشوكة أو حجر أو قذر.
وفي رواية: ((إِمَاطَةُ الْعَظْمِ)(٢).
(عَنِ الطَّرِيقِ) ووجه كون هذا أدناها أنه إشارة إلى دفع أدنى ضرر يتوقع حصوله
لأحد من الناس.
(وَالْحَيَاءُ) بالمد، وهو لغة: تَغَيُّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به
ويذم أو انحصار النفس خوف ارتكاب القبائح، وشرعًا: خلق يبعث على اجتناب
القبائح شرعًا في جودي الحق والقول بأن الحياء والاستحياء وهو ترك الشيء الدهشة
تلحقك عنده، وبأنه ليس الترك بل دهشة تكون سببها للترك فيهما نظر، بل
التحقيق ما تقرر من أنه تغير ... إلخ.
والدهشة والترك من لوازمه وإسناده إلى الله تعالى، وأن الله لا يستحي أن يضرب
مثلاً من مجاز المشاكلة وهو أن يذكر الشيء بلفظ غيره؛ لوقوعه في صحبته؛ إذ سببه
قول المنافقين: أما يستحي رب محمد [أن](٣) يذكر في كتابه الذباب والعنكبوت، فأجيبوا
بذلك كناية عن الترك.
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه أحمد (٩٦٠٠)، وأبو داود (٤٦٧٨).
(٣) زيادة لإتمام المعنى.

٢٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
ومثله: ﴿فَيَسْتَحْبِي مِنْكُمْ وَاللهُ لَا يَسْتَحْبِي مِنَ الحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
وخبر: ((إِنَّ اللهَ حَيُّ كَرِيمُ يَسْتَجِي إِذَا رَفَعَ الْعَبْدُ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا حَتَّى
يُضَعَ فِيهِمَا خَيْرًا))(١).
(شُعْبَةٌ) عظيمة خير الحياء (مِنَ الإِيمَانِ) لتكلفه بحصول سائر الشعب؛ لأنه
يحجر صاحبه عن المعاصي؛ إذ الحياء يخاف فضيحة الدنيا وبطاعة الآخرة فينزجر عن
كل معصية، ويمتثل كل طاعة وأولى الحياء الحياء من الله تعالى وهو أنه يراك حيث
نهاك وإنما ينشأ هذا عن مراقبة تامة للحق ومعرفة به، وهو مقام الإحسان المشار إليه
فیما مرَّ في حدیث جبريل.
والإيمان لا يخرج عن فعل المأمور وترك المنهي فلذا أفرد الحياء بالذكر؛ لأنه
رتبة متوسطة بين الأعلى والأدنى ومن ثم قال ◌َ له: ((اسْتَحْيُوا مِنَ الله حَقَّ الْخَيَاء)) قالوا:
إِنَّا نَسْتَحْبِي يَا رَسُولَ الله وَالْحَمْدُ للهِ، قَالَ: «لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنَّ الإِسْتِحْيَاءَ مِنَ اللهِ حَقَّ
الْحَيَاءِ أَنْ تَخْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْتَظْنَ وَمَا حَوَى، وَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَاءِ، وَمَنْ أَرَادَ
الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا وآثر الآخرة على الأولى فَمَنْ يَعَمِلْ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ الله
حَقَّ الْحَيَاءِ»(٢). رواه الترمذي.
وصحَّ في رواية: ((إنه خير كله))(٣) ولا ينافيه أن الحياء قد يستحي أن يؤاخذ بالحق
فلا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر؛ لأن هذا عجز ومهابة لا حياء حقيقةً،
وتسميته حياء مجازًا في لسان بعض أهل العرف لمشابهته الحياء الحقيقي.
(١) أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٣٢٥٠).
(٢) أخرجه أحمد (٣٦٧١)، والترمذي (٢٤٥٨) وقال: غريب، والطبراني (١٠٢٩٠) والحاكم (٧٩١٥)
وقال: صحيح الإسناد، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٧٣٠)، وابن أبي شيبة (٣٤٣٢٠)، والبزار
(٢٠٢٥)، وأبو يعلى (٥٠٤٧). (الرأس وما وعى)): ما جمعه من الحواس الظاهرة والباطنة. ((البطن
وما حوى)): ما جمعه باتصاله من القلب والفرج واليدين والرجلين.
(٣) أخرجه أحمد (١٩٨٣٠)، ومسلم (٣٧)، وأبو داود (٤٧٩٦) والطيالسي (٨٥٤).

٢٣١
كتاب الإيمان
ولما أشار ◌َّ إلى أعلى الشعب وأوسطها وأدناها ترك بيان الباقي للعلم به
بالمقايسة إلى أحد هذه الثلاثة، فمن عرف تلك المقايسة فواضح ولا من لزمه الإيمان
بتمام العدد وإن لم يعرف جميع أفراده كما يجب الإيمان بالملائكة، وإن جهلت
أعيانهم وأسماؤهم على أنه قيل: يحتمل أن يراد بالبضع؛ لأنه السبع على ما مرَّ،
والسبعين التكثير لا الحقيقة على حد: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة:٨٠]
وحکمة تعین الستین والسبعين في روايتهما.
أما الأول فهو: إن العدد إما زائد وهو ما أجزاؤه أكثر منه كاثني عشر، أو ناقص
كالأربعة، أو تام وهو ما أجزاؤه مثله كالستة، وهذا أكمل من الأوليين فجعلت آحاده
أعشارًا.
وأما الثاني فهو: إن السبعة تشتمل على جملة أقسام العدد وهي فرد وزوج وكل
أول ومركب، والفرد الأول ثلاثة والمركب خمسة، والزوج الأول اثنان والمركب أربعة
ومنطق كالأربعة وأصم كالستة، فلأجل إرادة المبالغة جعلت آحاد السبعة أعشارًا، وإذا
أریدت المبالغة جعلت آحادها أعشارًا، ومع هذه الكثرة هي ترجع إلى اصل واحد هو
تكميل النفس بصلاح المعاش المؤدي إلى تحسين المعاد بأن يعتقد الحق ويستقيم في
العمل، وإليه أشار ◌َّه بقوله لسفيان الثقفي حين سأله قولاً جامعًا: «قُلْ: آمَنْتُ بِالله ثم
اسْتَقِمْ))(١).
وقيل: السبعة أكمل الأعداد؛ لأن الستة عدد تام ويليها السبعة؛ إذ ليس بعد
التمام سوى الكمال، ومن ثم سمي الأسد سبعًا لكمال قوته.
ثم السبعون غاية الغاية؛ إذ الآحاد غايتها العشرات، وأيد بعضهم القول بأن
المراد التكثير بأنه لو أريد التعديد لم يبهم بـ(أل)) فذكر البضع للترقي؛ لأن الشعب لا
نهایة لها لکثرتها. انتهى.
(١) أخرجه مسلم (١٦٨)، وأحمد (١٥٨١٤)، وابن حبان (٢٢٢)، والطبراني (٦٢٨٣)، والبيهقي في
الشعب (٤٧٢٠)، والطيالسي (١٣١٤).

٢٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
والإيمان لا دليل فيه؛ لاحتمال أنه للاتكال على ذهن السامعين لا سيما مع
ذكر تلك المراتب الثلاث التي إذا حقق النظر في المقايسة بها أدرك ذلك لكنه صعب
الارتقاء رفيع الدواء.
ولما اختلف النظر في تلك المقايسة التي أشرت إليها اختلف تعداد قوم من
العلماء كبقية تلك الشعب، ولم يبالوا بخوض غمرة بيان تلك التفاصيل على الحقيقة
مع خطر التعيين، واحتمال أنه لم يصادف مراده 9 الله.
منهم: ابن حبان حيث قال: تتبعت معنى هذا الحديث مدة وعددت الطاعات،
فإذا هي تزيد على البضع والسبعين شيئًا كثيرًا، فرجعت إلى السنة فعددت كل طاعة
عدَّها رسول الله وَله من الإيمان فإذا هي تنقص، فضممت ما في الكتاب والسنة فإذا
هي سبعة وسبعون لا تزيد ولا تنقص فعلمت أنه المراد.
ومنهم: البيضاوي حيث ضبطها بما حاصله أن ما يرجع للاعتقاد ستة عشر
شعبة: طلب العلم، ومعرفة الصانع، وتنزيهه عن كل نقص، وإثبات كل كماله له،
والإقرار بوحدانيته، وبافتقار ما سواه إليه وبملائكته ورسله وبعصمتهم، وبحدوث
العالم وبفنائه، وبالنشأة الثانية، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، وبما اشتمل عليه اليوم
الآخر مما تواتر عنه ◌َل# الإخبار به كالصراط والميزان، وبوعد الجنة وبوعيد النار، وما
يرجع للعمل إما أن يتعلق بباطن الإنسان وهو تزكية النفس من الرذائل.
وأمهاتها ثلاث عشرة: التوبة والخوف والرجاء والزهد والحياء والشكر والوقار
والصبر والإخلاص والصدق والمحبة والتوكل والرضا بالقضاء أو بظاهره.
وهي العبادات وشعبها ثلاث عشرة: طهارة البدن من الحدث والخبث، والصلاة
والزكاة، وتجهيز الموتى، وصوم رمضان، والاعتكاف والقراءة، والحج والتضحية، والوفاء
بالنذر وتعظيم الأيمان وأداء الكفارات.
أو به وبتوابعه وشعبها ثمان: النكاح والقيام بحقوقه، والتعفف عن الزنا، وبر
الوالدين وصلة الرحم، وطاعة السيد والرفق بالمملوك والعتق.

٢٣٣
كتاب الإيمان
وإما أن يعم الناس لما فيه من صلاحهم وشعبه تسع عشرة: الإقامة العظمى،
واتّباع الجماعة، وطواعية أولي الأمر ومعاونتهم على البر، وإحياء معالم الدين ونشرها،
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحفظ الدين والزجر عن الكفر، وجهاد الكفار
والرباط في سبيل الله، وكف النفس عن الخيانة وإقامة حقوقها من القصاص والديات،
وحفظ أموال الناس بطلب الحلال وأداء الحقوق والتجافي عن المظالم، وحفظ
الأنساب والأعراض بإقامة الحدود، وصيانة العقل بالمنع عن تناول مسكر أو مخدر
بالحد أو التعزير، ودفع الضرر عن المسلمين كإماطة الأذى عن الطريق.
ومنهم: الكرماني حيث ضبطها بنحو ما ذكر أخذًا منه مع زيادة تنقيح أو
اختصار وأخذ من صنيعهما بعضهم بما ادعى أنه أحضر الكل وأضبطه، فقال: الإيمان
الكامل ثلاثة: تصديق وإقرار وعمل.
والأول: يرجع إلى الاعتقاديات وهي ثلاثون: الإيمان بالله تعالى وصفاته
وتوحيده بأنه ليس كمثله شيء اعتقاد حدوث ما سواه، الإيمان بملائكته وبكتبه،
برسله، بالقدر خيره وشره، وباليوم الآخر وما اشتمل عليه من حين دخول القبر إلى
دخول الجنة، الوثوق بدخول الجنة والخلود فيها، اليقين بوجود النار وعذابها ودوامها،
محبة الله تعالى، الحب فيه والبغض فيه، ويدخل فيه حب الصحابة والأول حب النبي
وَالر ويدخل فيه الصلاة والسلام عليه واتباع سنته، الإخلاص ومن لازمه ترك الرياء
والنفاق، التوبة بشروطها، الخوف والرجاء، ترك اليأس من الرحمة، الشكر، الوفاء،
الصبر، التواضع ويدخل فيه توقير الأكابر.
الرحمة ومنها الشفقة على الأصاغر، الرضا بالقضاء، التوكل، ترك العجب والزهود
ويدخل فيه ترك تزكية النفس، ترك الحسد، ترك الحقد، ترك الغضب، ترك الغش ومنه
الظن السيئ والمكر، ترك حب الدنيا كالمال والجاه، هذه جماع أعمال القلوب وما خرج
عنها ظاهرًا من فضيلة أو رذيلة داخل فيها حقيقة.
والثاني: أعمال اللسان وهي سبع: النطق بالتوحيد، القراءة، تعلم العلم، تعليمه،

٢٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
الذكر، الدعاء، اجتناب اللغو.
والثالث: أعمال البدن وهي أربعون منها ما يختص بالأعيان وهي ستة عشر:
التطهير من الخبث والحدث بأقسامهما، إقامة الصلاة بأنواعها، أداء الزكاة فرضها
ونفلها بأنواعهما كالجود وإكرام الضيف، الصوم فرضًا ونفلاً، الحج والعمرة، الاعتكاف
ويدخل فيه التماس ليلة القدر، الفرار بالدين كالهجرة إلى دارنا، الوفاء بالنذر،
التحري في الإيمان، أداء الكفارات، ستر العورة مطلقًا، ذبح الضحايا، والقيام بها إذا
كانت منذورة، تجهيز الموتى، أداء الدين، الصدق في المعاملات، والاحتراز عن الرياء،
أداء الشهادة بالحق وترك كتمها.
ومنه ما يختص بالاتباع وهي ستة: التعفف في النكاح، والقيام بحقوق العيال،
ومنه الرفق بالخدم، بر الوالدين، وتجنب العقوق، تربية الأولاد، صلة الرحم، طاعة
الموالي.
ومنها ما يتعلق بالعامة وهو ثمانية عشر: القيام بالأمر مع العدل، متابعة
الجماعة، طاعة أولي الأمر، الإصلاح بين الناس، ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة،
المعاونة على البر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إقامة الحدود، الجهاد ومنه
المرابطة، أداء الأمانة، ويدخل فيه أداء الخمس، القرض مع وفائه، إكرام الجار، حسن
المعاملة، ويدخل فيه جمع المال من حلة إنفاق المال في حقه، ومنه ترك التبذير
والإسراف، السلام، تشميت العاطس، كف الضرر عن الناس، اجتناب اللهو، إماطة
الأذى عن الطريق.
(مُتَفَقُّ عَلَيهِ) فيه نظر ((فَإِن أَفْضَلَهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى
عَنِ الطَّرِيقِ))(١) من رواية مسلم فقط، فليؤول كلامه على أن أصله من روايتهما دون
هذه الزيادة، وتمسك بها القائلون بأن الإيمان فعل جميع الطاعات، والقائلون بأنه
(١) تقدم تخريجه.

٢٣٥
كتاب الإيمان
مركب من الإقرار والتصديق والعمل، وليس كما زعموا؛ لأن الكلام في شعب الإيمان
لا في ذاته؛ إذ التقدير شعب الإيمان حتى يصح الإخبار عنه بسبعون شعبة.
وبهذا يعلم ما في قول النووي: الحديث نص في إطلاق اسم الإيمان الشرعي على
الأعمال. انتهى.
إذ يرجع حاصله في الحقيقة إلى أن شعب الإيمان كذا وشعب الشيء غيره، ثم
المراد أن من وجدت فيه هذه الشعب فهو مؤمن كامل، ومن نقص منه بعضها نقص
من إيمانه بقدره، نعم قد يؤيد ما قاله النووي رواية البخاري في باب آخر: ((الْخَيَاءُ مِنَ
الإِيمان)»(١).
أي: لأنه يكون تخلقًا واكتسابًا، وإن كان في الأصل غريزة لكن لما كان
استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى العلاج ونية، وكان باعثًا على فعل الخير ومانعًا
عن المعصية جعل من الإيمان؛ أي: من مكملاته، وفي الحديث تشبيه الإيمان بشجرة
ذات أغصان وشعب.
ومبناه على المجاز؛ إذ هو التصديق بما مرَّ وكماله بالطاعات فالإخبار بأنه كذا
كذا شعبة من باب إطلاق الأصل وهو الإيمان على الفرع وهو الأعمال، والحقيقة أنها
تنشأ عنه لا أنها هو، وفيه دليل لقبول الإيمان الزيادة؛ إذ معناه كما قاله الخطابي: إن
الإيمان الشرعي اسم لمعنى ذي أجزاء، له أدنى وأعلى، والاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق
بكلِّها.
قال النووي وغيره: وقد اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على
أن المؤمن الذي يدخل الجنة هو من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا
عن الشكوك ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر على الثاني فكافر إجماعًا أو على الأول لعجزه
عن النطق فمؤمن وإلا فكافر.
(١) أخرجه البخاري (٢٤)، ومسلم (٣٦)، وأبو داود (٤٧٩٥)، وأحمد (٥١٨٣)، والنسائي (٥٠٣٣)،
وابن ماجه (٥٨)، ومالك (١٦١١)، وعبد بن حميد (٧٢٥)، وابن حبان (٦١٠).

٢٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
واعترض هذا الأخير بأن فيه قولاً قال به أئمة من المذاهب الأربعة: إنه مؤمن
في الآخرة وإن عصى بترك الحق كما مرَّ.
٦ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ
الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ)). هَذَا لَفْظ رِوَايَةِ
البُخَارِيِّ، وَلمَسْلِمِ: ((أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَِّ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ؟ قَالَ: مَنْ سَلِمَ
الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ)(١)].
(وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو) ابن العاص، وكتب بالواو ليتميز عن عمر، ومن ثم
حذفت بالنصب ليتميز بالألف - رضي الله عنهما - القرشي السهمي أسلم قبل أبيه،
وتوفي بمكة أو الطائف أو مصر سنة خمس أو ثلاث وستين أو اثنتين أو ثلاث
وسبعین، وبينه وبين أبيه في السن إحدى عشرة سنة كما جزم به بعضهم.
قيل: وهذا من خواصه وكان غزير العلم عظيم الاجتهاد في العبادة، عمي آخر
عمره وكان أكثر حديثًا من أبي هريرة؛ لأنه كان يكتب لكن ما روي عنه وهو
سبعمائة حديث قليل بالنسبة لما روي عن أبي هريرة.
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: الْمُسْلِمُ) أي: الكامل الإسلام والجامع لخصاله.
(مَنْ سَلِمَ) من غير الحد والتعزير والدفع لنحو العيال؛ لأنه استصلاح وطلب
السلامة.
(الْمُسْلِمُونَ) الشامل للمسلمات كما في سائر النصوص إلا الدليل، والملحق بهم
أهل الذمة على أنه صرح بهما في رواية لابن حبان؛ إذ هي من سلم الناس وهم الإنس
والجن كما في ((العباب)) و(القاموس)) فيؤخذ منه أنه لا بد في الكمال من ترك إيذاء الجن
بقول وكذا فعل إن تصور، وزعم بعضهم أن المراد بالناس فيه المسلمون ليس في محله.
(١) أخرجه البخاري (١٠)، ومسلم (٤٠) وأبو داود (٢٤٨١)، والنسائي (٤٩٩٦)، والحميدي (٥٩٥)،
وأحمد (٦٥١٥) والدارمي (٢٧١٦) وابن حبان (٢٣٠) والطبراني في الأوسط (٣٥٩٨)، وأبو نعيم في
الحلية (٣٣٣/٤)، والقضاعي (١٦٦).

٢٣٧
كتاب الإيمان
(مِنْ) أذى قلبه لحرمة الغيبة به؛ ولأنه محل نحو الجسد وغيره من الأخلاق
المذمومة ولو في المال و(لِسَانِهِ) عبر به دون القول ليشمل إخراجه استهزاء بغيره،
وقدم؛ لأن الإيذاء به أكثر وأسهل؛ ولأنه أشد نكاية، ومن ثم قال ◌َله لحسان: ((اهجُ
المُشْرِكِين، فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقِ النَّبْلِ))(١) ولأن الإيذاء به أعم؛ لأنه يتعدى إلى
الماضين والحادثين وإن شاركه في ذلك إيذاء إليه بالكتابة.
(وَيَدِهِ) كنى بها عن سائر الجوارح؛ لأن سلطة الأفعال إنما تظهر بها؛ إذ بها
البطش والقطع والوصل والأخذ والمنع، ومن ثم غلبت، فقيل في كل عمل: «هذا مما
عملته أيديهم)) وإن لم يكن وقوعه بها، وهذا مما اختُص به 18 من جوامع الكلم التي
لم يسبق إليها، والحصر المستفاد من تعريف جزئي الجملة مبالغة في [الحثِّ](9) على ترك
الإيذاء على سبيل الإدعاء، فلا يقتضي نفي الإسلام عمن أتى بأركان الإسلام دون
هذا.
فقد نص سيبويه في اسم الجنس المحلى، نحو ((الرجل زيد)) أنها فيه للكمال.
وقال ابن جني: من عادة العرب أن يوقعوا على ما يخصونه بالمدح اسم الجنس،
ومن ثم سموا الكعبة: البيت. انتهى.
على أن سلامة المسلمين من ذلك خاصة بالمسلم ولا يلزم من انتفاء الخاصة
انتفاء ما له الخاصة، ويصح أن يكون على حدٍّ قولهم: ((الناس الغربة)) ولا حصول
الكمال بمجرد هذا بل مع ضم باقي أركان الإسلام وتكملاته إليه فيجمع إلى أداء
حقوق الله تعالى أداء حقوق المسلمين، ومنه الكف عن أعراضهم، ومن ثم فسروا
الصالح الذي يدعو له المسلمون في صلاتهم بأنه القائم بحقوق الله وحقوق عباده، فمن
تحلى بذلك فهو المسلم ومن أخل بشيء منه صح نفي الإسلام عنه.
كما قال محبي السنة: ومراده نفي كماله لا مطلقًا؛ لأن ذلك قد يقتضي الكفر
(١) أخرجه مسلم (٢٤٩٠)، والطبراني (٣٥٨٢)، والبيهقي (٢٠٨٩٥).
(٢) في الأصل: ((الخط)».

٢٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
- والعياذ بالله تعالى - فقد صرحوا بأن من قال لمسلم: يا كافر كفر إن قصد تسمية
الإسلام كفرًا.
والحاصل: إن نفي الشيء على معنى نفي الكمال عنه وإثباته على معنى إثبات
الكمال له مستفيضان في كلامهم، وأنه لا يلزم من ربط الكمال عنه وإثباته على معنى
إثبات الكمال بوصف توقفه عليه وحده، بل قد يرتبط بصفات أخرى مع ذلك كما
هنا أو يكون هذا واردًا على سبيل المبالغة تعظيمًا لترك الإيذاء كأن تركه هو نفس
الإسلام الكامل، فهو محصور فيه على سبيل الادعاء وهذا مستفيض في كلامهم أيضًا.
(وَالْمُهَاجِرُ) حقيقة الذي يستحق كمال المدح هو (مَنْ هَجَرَ) أي: ترك (مَا
نَهَى اللهُ عَنْهُ) من كل معصية.
ومن ثم جاء في رواية: ((مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ))(١) لا من انتقل من دار الكفر إلى
دار الإسلام مع ارتكابه شيئًا مما نهى الله عنه، فلا يتكل أحد على مجرد ذلك الانتقال
من غير أن يضم إليه ذلك الهجر؛ لأن القصد بالذات إنما هو هجر المعاصي أو وقع
ذلك بعد انقطاع الهجرة بفتح مكة تطييبًا لقلب من لم يدركها.
وبما تقرر عُلم أن المهاجر ليس المراد به مدلوله من المفاعلة كالمسافر؛ لأن
فاعل قد يأتي بمعنى: فعل كعاقبت اللص، ويحتمل بقاؤه على حقيقته؛ لأن رعاية
النفس إلى الوطن والمعصية شديدة، فكأنه لما تركها صار هاجرًا ومهجورًا.
والحاصل: إن الهجرة إما ظاهرة: وهو الفرار بالدين من الفتن.
وإما باطنة: وهو ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان، فاشتملت
هذه الجملة كالتي قبلها على معاني الحكم والأحكام.
(هَذَا لَفْظ رِوَايَةِ البُخَارِيّ) ووجه ذكره هنا أن فيه بيان شعبتين من الشعب
السابقة، ثم التحريض على الإتيان بجميعها بقوله: ((وَالْمُهَاجِرُ ... إلى آخره)) وفيه من
(١) أخرجه أحمد (١٥٤٣٧)، والدارمي (١٤٢٤)، وأبو داود (١٤٤٩)، والنسائي (٢٥٢٦)، والبيهقي
(٧٥٦٢).

٢٣٩
كتاب الإيمان
أنواع البديع تجنيس الاشتقاق، وهو أن يرجع اللفظان إلى أصل واحد نحو: ﴿فَأَقِمْ
وَجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ﴾ [الروم: ٤٣].
(وَلمُسْلِم) في ((صحيحه)) بعضه، فإنه أخرج شطره الأول عن جابر مرفوعًا
بلفظ، وبمعناه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (أنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ الله ◌ِّ:
أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ؟ قَالَ: مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ).
ورواه البخاري بلفظ: ((أَيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((مَنْ سَلِمَ ... إلى آخر)»(١) ولكون
((أي)) لا تدخل إلا على متعدد كان فيه حذف تقديره؛ أي: أصحاب الإسلام بدليل
رواية مسلم: ((أَيُّ الْمُسْلِمِينَ)) وحينئذٍ فالجواب مطابق لا إشكال فيه ومن قدر
المحذوف؛ أي: خصال الإسلام فقد تعسف؛ إذ الاستفهام عن الأفضلية في المسلمين
بدليل رواية مسلم، والجواب عن مسلم واحتاج إلى الجواب عن مخالفة الجواب
للسؤال فإنه مطابق من حيث المعنى وزيادة؛ إذ يعلم منه أن أفضليته باعتبار تلك
الخصلة أو أطلق الإسلام وأريد الصفة، كما يقال: العدل ويراد العادل.
وفرق بين خير وأفضل مع أن كلًّا أفعل تفضيل بأن الأول من الكيفية؛ إذ هو
كثرة الثواب في مقابلة القلة.
في الروايتين جميعًا دلالة على أن المسلم في الرواية السابقة المراد به الكامل، ومن
ثم قال الخطابي: إن هذا على حد قولهم الناس العرب؛ أي: هم أفضل الناس فهنا المراد
أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق الله أداء حقوق المسلمين والكف عن
أعراضهم، ومراد الإسلام يطلق على عمل الأعمال الظاهرة ونحو: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا
وَلَكِنَ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] وعليها مع اعتقاد القلب وإخلاصه لله تعالى
بأن يستسلم لجميع أقضيته الموافقة لمراد النفس وغيرها.
ومنه؛ إذ قال له ربه: أسلم قال: أسلمت، فحينئذٍ المسلم هنا هو المخلص
(١) أخرجه البخاري (١١) ومسلم (١٧٢)، وأحمد (٦٩٢٤)، والنسائي (٥٠١٦)، والدارمي (٢٧٦٨)،
والحاكم (٢٦)، والطبراني (١٥٩٣)، والبيهقي في الشعب (٧٧٨٧).

٢٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
المستسلم لقضاء الله تعالى وقدره فكأنه قال: المسلم من أسلم وجهه لله ورضي
بقضائه فلم يتعرض لأحد بنوع من أنواع الإيذاء ألبتة لا سيما إخوانه المؤمنين،
وجماع ذلك حسن التخلق مع العالم.
ومن ثَمَّ فسَّر الحسن البصري الأبرار بأنهم الذين لا يؤذون الذر ولا يرضون
الشر، فكني بالذر من كل حيوان، فلم يصل لشيء من الحيوانات شيء من الأذيات،
وهذا أمر معروف من العارفين؛ لأنهم المتخلقون بكمال الرحمة للعالم - رضوان الله
عليهم - وفي ذلك إشارة إلى حسن معاملة العبد مع ربه؛ لأنه إذا أحسن معاملة
أقرانه كان محسنًا لمعاملة ربه بالأولى.
وما قيل: المفهوم من الإشارة ما دل عليه اللفظ لكن لا بطريق القصد وهذا
ليس كذلك ممنوع؛ إذ ليس المراد بالإشارة هنا نظير قولهم إشارة قوله تعالى: ﴿حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى صحة صوم الجنب،
بل ما دل عليه اللفظ لا بذلك القيد، وهذا قد دلَّ عليه اللفظ دلالة أولوية كدلاله،
ولا نقل لهما أن على حرمة الضرب وإن كانت للأولوية، ثم أظهر منها هنا بل نجد كثيرًا
يحسنون معاملة الخلق دون معاملة الحق إلا أن هذا لا يرد خلافًا لمن زعمه؛ لأن كلَّا
منَّا فيمن أحسن ذلك بقيام وصف الإسلام الكامل به ولاستسلامه لربه كما علم مما
تقرر، ومع رعاية ذلك يتضح أنه يكون محسنًا لمعاملة ربه بالأولى فتأمل ذلك ولا تغتر
بخلافه.
وفيه إشارة أيضًا إلى أن السلامة من الإيذاء من علامات المسلم كما أن نحو
العذر والكذب من علامات النفاق.
٧ - [وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى
أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ))(١). مُتَفقُّ عَليهِ].
(١) أخرجه البخاري (١٥)، ومسلم (٤٤)، وأحمد (١٢٨٣٧)، وعبد بن حميد (١١٧٥)، والنسائي
(٥٠١٤)، وابن ماجه (٦٧)، والدارمي (٢٧٤١)، وابن حبان (١٧٩).

٢٤١
كتاب الإيمان
(وَعَنْ أَنَس) بن مالك الأنصاري البخاري خادم رسول الله وَلم تسع أو عشر
سنين، آخر من مات من الصحابة بالبصرة سنة ثلاث وتسعين، وقالت أمه: يا
رسول الله خويدمك ادع الله له، فقال: «اللهُمَّ بَارِكْ فِي مَالِهِ وَوَلَدِهِ، وَأَطِلْ عُمُرَهُ، وَاغْفِرْ
ذَنْبَهُ))(١).
فقال: لقد دفنت من صلبي مائة إلا اثنين وأن ثمرتي لتحمل في السنة مرتين،
ولقد بقيت حتى سئمت الحياة وأنا أرجو الرابعة.
قيل: عمَّر مائة سنة وزيادة.
(﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) الإيمان الكامل.
وفي رواية: ((الرَّجُلُ))(٤). وفي رواية ((أحد)(٣) وهي أسهل منهما (حَتَّى) جارة لا
عاطفة ولا ابتدائية (أَكُون) منصوب بـ((أن)) مضمرة ولا يجوز رفعه؛ إذ الفعل هنا
مستقبل بالنسبة لزمن المتكلم نحو: لن نبرح بخلاف المستقبل بالنسبة لما قبلها خاصة،
فإنه يجوز فيه الوجهان نحو: وزلزلوا حتى يقول الرسول، فقولهم: إنما هو مستقبل
بالنسبة لما قبلها خاصة فإنه يجوز فيه لزمن الزلزال لا بالنسبة لزمن قضي ذلك علينا.
(أَحَبَّ) أفعل تفضيل بمعنى المفعول على غير قياس وإن كثر؛ إذ القياس أن
يكون بمعنى الفاعل.
وشرط ابن مالك الشذوذ الأول خوف اللبس بالفاعل وإلا كقولهم: هو أشغل
من ذات النحيين لم يشد (إِليهِ) قدم على معمول أفعل مع امتناع الفصل بينهما
كالمتضايقين؛ لأن الممتنع الفصل بأجنبي على أنه يتوسع في الظرف (مَنْ وَالدِهِ) أبيه
وخُص عن الأم؛ لأنه أشرف فمحبته أعظم، أو أريد به ما يشملهما وهو ذات لها ولد أو
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٦٥)، ومسلم (١٥٣٣)، وأحمد (١٣٣٥٤)، وابن حبان (١٥٤)،
والبيهقي في سننه (٥١٢٣)، وأبو عوانة (١٢٠٥)، وعبد بن حميد (١٢٧٣).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩١٠٥).
(٣) أخرجه أبو يعلى في مسنده (٢٩٧٠).

٢٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
ذوا ولد كالابن، وما أوهمه كلام واحد من أن هذين قولان غير مرادين بل مرادهما
واحد.
(وَوَلَدِهِ) الذكر والأنثى، وقدم الوالد؛ لأنه أكثر؛ إذ هو لازم لوجود الولد من غير
عكس أو؛ لأنه أشرف أو أسبق في الوجود، وقدم الولد عند النسائي؛ لأن المحبة له
أعظم والشفقة والحيف عليه أكثر لا سيما الصغير، ومن ثم قدمت نفقته الأب
وخُصَّا؛ لأنهما أعز من غيرهما غالبًا بل ربما قدما على النفس وأبدلا في رواية بالمال
والأهل تعميمًا لكل ما تحبه النفس فذكرهما إنما هو على سبيل التمثيل وكأنه قال: حتى
أكون أحب إليه من جميع أعزته.
ومن ثم زاد ذلك تأكيدًا واستغراقًا بقوله: (وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) عطفًا للعام على
الخاص؛ ليدخل فيه النفس وغيرها صريحًا، وزعم أن النفس خارجة من ذلك للقرينة
العرفية؛ لأن الذي يطلق الناس إنما يريد غير نفسه ليس في محله، أما أولاً فلا نسلم
وجود ذلك القرينة.
وعلى التنزل فهي غير مخصصة لذلك العموم لا سيما مع تأكيده فعلم أنه يشترط
في كمال الإيمان بل في أصله باعتبار كونه 8 أحب عند كل أحد حتى من نفسه
كما في الحديث الآتي الموافق لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾
[الأحزاب: ٦].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ .. ﴾ [التوبة: ٢٤].
وليس المراد بالمحبة هنا الطبيعة ونحوها، فإنه قد يصاحب الكفر كمحبة أبي
طالب ولا يدخل تحت الاختيار كسائر الغرائز، فمحبة الإنسان لنفسه طبع غريزي
خارج عن حد الاستطاعة غالبًا، فيصير قلبه بل الإيمانية الناشئة عن الإجلال
والتوقير والإحسان والرحمة، وهي إيثار جميع أغراض المحبوب على جميع أغراض غيره
حتى القريب والنفس، وكثيرًا ما تنتهي المحبة بديهًا إلى أن تلجئه إلى إيثار هوى
محبوبه على هوى نفسه فضلاً عن غيره.

٢٤٣
كتاب الإيمان
(مُتَفقُّ عَليهِ) وهذا من جوامع كلمه وَّ لجمعه وَلّ فيه أقسام المحبة كلها؛ إذ
هي إما محبة إجلال وإعظام كمحبة الوالد، أو محبة رحمة وإشفاق كمحبة الولد، أو محبة
مشاكلة واستحسان كمحبة الناس بعضهم بعضًا.
وينقسم باعتبار آخر إلى محبة اعتقاد أو صفة مخصصة لأحد الطرفين بالوقوع
مع الرضا به أو ميل لما يستلذه بحاسة كحسن الصورة أو بعقل كمحبة الفضل أو
لإحسانه إليه، وهذه المعاني كلها موجودة فيه وَل﴾ أما الثلاثة الأولى فظاهر كما مرَّ.
وأمَّا الثلاثة الأخيرة فكذلك لما جمع من جمال الظاهر والباطن وكمال أنواع
الفضائل والفواضل وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايتهم إلى الصراط المستقيم ودوام
النعيم.
ولا شك أن هذه الثلاثة فيه أكمل منها في الوالدين لو وصفا بها فيجب كونه
أحب من نفسه ومنهما؛ لأنه المنقذ من الآفات والمبتدئ لجميع الكمالات فعُلِم أن
حقيقة الإيمان وكماله لا يحصل ولا يتم إلا بتحقيق إعلاء قدره ◌َآل# ومنزله على كل
أحد، ومن لم يعتقد هذا فهو غير كامل الإيمان.
وأمَّا قول القاضي: ومن محبته نصر سنته والذب عن شريعته وتمني إدراكه،
فيبذل نفسه وماله دونه فبهذا يتبين أن حقيقة الإيمان لا تتم إلا به، ولا يصح الإيمان
إلا بتحقق إباحة قدره ومنزلته على كل والد وولد، ومحسن ومتفضل، ومن لم يعتقد
ذلك واعتقد سواه فليس بمؤمن، فهو يوهم أن المراد بالمحبة هنا: أصل اعتقاد تعظيمه
وإجلاله ولا شك في كفر من أخلَّ بهذه، غير أنها غير مرادة من الحديث كما مرَّ؛ إذ
قد يجد الإنسان أعظم شيء مع خلوه من محبة التي هي ميل القلب فلم يجد هذه غير
کامل الإيمان.
على أن الإيمان الصحيح يستلزم أصلها لا كمالها؛ لتفاوت الناس فيه، ومن
ارتقى إلى غايته عمر * فإنه لما سمع هذا الحديث أخبر بالصدق حتى تجلى ببركة
صدقه بكمال ذلك فقال: لأَنْتَ يَا رَسُولَ الله أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي،

٢٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
فَقَالَ: ((وَمِنْ نَفْسِكَ يَا عُمَرِ، فَقَالَ: لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيْدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ
نَفْسِكَ)) فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ يا رسول الله، وَالله أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ: ((الآنَ
يَا عُمَرُ))(١) رواه البخاري.
فهذه المحبة ليست اعتقادًا لأعظميته فحسب فإنها كانت حاصلة لعمر قبل
ذلك قطعًا بل وسائر الصحابة - رضوان الله عليهم - إذ حظهم من ذلك لا يساويهم
فيه غيرهم؛ لأن تفاوت الناس إنما هو بحسب معرفتهم لحقيقة كماله وليد والصحابة
بذلك أعرف وأعلم، بل أمر يترتب على ذلك به يعني المتخلي به عن نفسه وجميع
أغراضها وإراداتها ويصير خلوًّا من كل شيء إلا من محبوبه والمسارعة إلى رضاه ما
أمكنه وإيثار هواه على سائر الأهوية.
ومن علامات مبادئ تلك المحبة: أن يكون المحب بحيث لو خُير بين فقد
عظيم من أغراضه ورؤيته 140 لو أمكنت لاختار هذه وإن فات ذلك، وكرؤيته في ذلك
نصر سنته والذب عن شريعته وقمع المخالفين وقطع المعاندين بالحجج الباهرة، والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفي الحديث إيماء إلى عظيم فضيلة التفكر ونفعها، فإن تلك الأحبية إنما تنتج
منه؛ إذ محبوب الإنسان إما نفسه ولا أهم عنده من بقائها سليمة من كل آفة، وإما
غيره ولا حاصل عليه إلا تخيل حصول نفع منه حالاً أو مآلاً بأي وجه كان، وكل من
ذينك موجود بكماله الأعظم فيه و * دون غيره؛ إذ هو السبب في بقاء نفوسنا البقاء
الأبدي في النعيم السرمدي وهذا أعظم وجوه النفع، فمن تأمل ذلك علم أنه وكليه
يستحق لأجل ذلك أن يكون حظه من المحبة أوفى من غيره؛ لأن جميع ما يثير المحبة
ويبعث عليها مما أشرنا إليه حاصل منه أكثر من غيره من النفس وغيرها بل لا نسبة
بينهما، ولكن الناس لما تفاوتوا في استحضار ذلك كله أو بعضه والغفلة عنه تفاوتوا
(١) أخرجه البخاري (٦٦٣٢)، وأحمد (٢٣١٦٦)، والطبراني في الأوسط (٣٢٢)، والبيهقي في الشعب
(١٣٧١).

٢٤٥
كتاب الإيمان
في المحبة وثمراتها، ولما كان حظ الصحابة من هذا أتم؛ لأن ثمرة المعرفة - وهم بها
أعلم كما مرَّ - لم يلحق غيرهم بثأرهم فيه.
قال القرطبي: كل من صح إيمانه به * لا يخلو من وجدان شيء من تلك
المحبة الراجحة وإن استغرق بالشهوات وحجب بالغفلات في أكثر الأوقات، بدليل أنا
نرى أكثرهم إذا ذكر ◌َله اشتاق إلى رؤيته وآثرها على أهله وماله وولده ووالده وأوقع
نفسه في المهالك والمخاوف مع وجدانه من نفسه الطمأنينة بذلك وجدانًا لا تردد فيه.
وشاهد ذلك في الخارج إيثار كثيرين لزيارة قبره الشريف ورؤية مواضع آثاره
على جميع ما ذكر لما وقر في قلوبهم من محبته، غير أن قلوبهم لما تواترت غفلاتها
وكثرت شهواتها كانت في أكثر أوقاتها مشتغلة بلهوها ذاهلة عمَّا ينفعها ومع ذلك هم
في بركة النوع من المحبة فيرجى لهم كل خير، إن شاء الله تعالى.
ولا شك أن حظ الصحابة - رضوان الله عليهم - من هذا النوع أتم؛ لأنه ثمرة
المعرفة وهم بقدره ومنزلته أعلم.
قال النووي: وفي الحديث تلميح إلى قصة النفس الأمَّارة بالسوء والمطمئنة، فمن
رجح جانب نفسه المطمئنة كان حبه له وَاليه راجحًا، ومن ثم رجح جانب نفسه الأمارة
كان بالعكس.
وشرحه بعض تابعيه فقال: في الحديث إشعار بالموازنة والترجيح وتلميح إلى
قصة النفس الأمارة واللوامة والمطمئنة، فالأولى مائلة للذات وحب العاجلة، والأخيرة
مقابلة لها مرجحة لحب الآجلة، فمن رجح جانب تلك آثر حب نحو أهله أو جانب
هذه كان بالعكس، وإليه الإشارة بقوله: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ .. ﴾ [الفجر: ٢٧].
ولا ريب أن من دخل في زمرة المرتضين وانتظم في سلك المنعم عليهم من
النبيين والصديقين والشهداء والصالحين يستحيل أن يوجد منه ترجيح شيء على محبة
نبيه { ﴾ وشرف وكرم.
والحاصل: إنه يجب ترجيح مقتضى القوة العقلية على الشهوانية ونحوها.