النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول حيث الصحة، وكذا العمل ما لم يمنع منه نحو نسخ أو تخصيص وإجماع هذه الأمة معصوم عن الخطأ، كما قاله وعد له فقبولها للخبر الغير المتواتر يوجب العلم النظري. وعبارة الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني: أهل الصنعة مجمعون على أن للأخبار التي اشتمل عليها ((الصحيحان)) مقطوع بصحة أصولها ومتونها ولا يحصل الخلاف فيها بحال، وإن حصل فذلك اختلاف في طرقها ورواتها فمن خالف حكمه خبرًا منها فليس له تأویل سائغ نقض حكمه. وقال إمام الحرمين: أجمع علماء المسلمين على صحتها. وقد قال عطاء: الإجماع أقوى من الإسناد ونحوه، فإذا أفاد التواتر أو القرائن المحيطة بالعلم، فالإجماع أولى على أنه انضم إليه أصناف بقرائن كثيرة، کجلالة قدر مؤلفيها ورسوخ قدمهما في العلم وتقدمهما في معرفة الصناعة، وجودة تمييز الصحيح من غيره وبلوغهما أعلى المراتب في الاجتهاد والأمانة في وقتهما. وقال الأكثرون والمحققون: صحتهما ظنية؛ لأن أخبار آحاد وهي لا تفيد إلا الظن وأن تلقيها الأمة بالقبول؛ لأنهم تلقوا بالقبول ما ظننت صحته من غيرهما؛ ولأن تصحيح الأئمة للخبر المستجمع لشروط الصحة إنما هو باعتبار الظاهر؛ ولأن فيهما نحو مائتي حديث مسندة، طعن في صحتها فلم يتلق الأمة كل ما فيهما بالقبول لكن بعض القائلين بالأول استثنوا هذه. قال شيخ الإسلام ابن حجر: والتحقيق أن الخلاف لفظي؛ لأن من أطلق عليهما العلم بالصحة جعله نظريًّا وهو الناشئ عن الاستدلال، ومن أبى هذا الإطلاق خص لفظ العلم بالمتواتر وما عداه عنده ظني، لكن لا ينفي أن من احتج بالقرائن أرجح مما خلا عنها، واختلفوا هل يمكن التصحيح والتحسين والتضعيف في الأعصار المتأخرة؟ واختار ابن الصلاح أنه لا يمكن بل يقتصر على ما نص عليه الأئمة في ١٦٧ بداية الشرح تصانيفهم المعتمدة؛ إذ ما من إسناد إلا وفي رواية من اعتمد على ما في كتابه غيرنا من الضبط والإتقان. ورده النووي وتبعوه وأطالوا في بيان رده، ومن ثم صحح جماعة من معاصريه كالقطان والضياء المقدسي، ثم المنذري والدمياطي طبقة بعد طبقة. قيل: ولعله إنما اختار حسم المادة؛ لئلا يتطفل على ذلك بعض الجهلة. (كِتَابُ الإِيمَانِ ) قدمه على سائر الأمور الدينية؛ لاشتراطه في صحة كل منها وهو إفعال من الأمن، يقال: آمنته وآمنيته غيري، ثم يقال: أُمَّنه إذا صدقه وحقيقته آمنه التكذيب والمخالفة، وأما تعديته بالباء فلتضمنه معنى: أقر واعترف. وقال بعضهم: حقيقة قولهم آمنت صرت ذا أمن وسكون، ثم نقل إلى الوقوف ثم إلى التصديق، ولا خفاء أن اللفظ مجاز بالنسبة إلى هذين المعنيين؛ لأن من آمنه التكذيب فقد صدقه، ومن كان ذا أمن فهو في وثوق وطمأنينة، فهو انتقال من الملزوم إلى اللازم فعلم أنه لغة التصدیق من آمنه صدقه؛ لأنه آمنه التكذيب، ويعدی باللام نحو: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ [يوسف: ١٧]. وقد تضمن معنى اعترف فيعدى بالباء نحو: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]. وشرعًا فيه أقوال؛ لأنه إمَّا اسم لفعل القلب فقط وهو التصديق عند الأكثرين؛ أي: تصديق النبي ◌َّ فيما علم مجيئه به بالضرورة تفصيلاً في الأمور التفصيلية، وإجمالاً في الإجمالية. وقيل: فعله المعرفة وعليه الشيعة أو لفعل اللسان وعليه الإقرار شرطًا لمعرفة أو شرط التصديق، أو بلا شرط أقوال أو لمجموعها مع عمل سائر الجوارح، وعليه فتارك العمل إمَّا خارج عن الإيمان داخل في الكفر وعليه الخوارج، أو غير داخل فيه وعليه المعتزلة، أو غير خارج عنه وعليه أكثر السلف، وهو المحكي عن مالك والشافعي وغيرهما، ذهابًا إلى أنه قد يطلق على ما هو الأساس في النجاة وعلى الكامل الملتجئ بلا خلاف وإلا فانتفاء الشيء بانتفاء جزئه ضروري. وإذا قلنا: إنه اسم للتصديق فهل هو حقيقة شرعية أخبر عنها الشارع أو مجاز شرعي فقصره على بعض معناه اللغوي؟ فيه خلاف شهير هذا ما يتعلق بما في الإيمان من الأقوال إجمالاً. - ١٦٨ ٠ ١٦٩ کتاب الإيمان وأمَّا تفصيلها مع بيان فوائدها وما فيها، فحاصله أن أهل القبلة اختلفوا في مسماه شرعًا على أربعة أقوال: الأول: هو فعل القلب فقط وعليه قولان: أولهما: مذهب المحققين، وإليه ذهب الأشعري وأكثر الأئمة أنه مجرد التصديق بالقلب؛ أي: تصديقه وله في كل ما علم مجيئه به ضرورة تصديقًا جازمًا ولو بغير دليل حتى يدخل إيمان المقلد، فهو صحيح على الأصح عند الأكثرين، وما نقل عن الأشعري من عدم صحته رد بأنه كذب عليه. وافهم قوله: ((مجرد التصديق بالقلب)) أي: تصديقه وَلّ في كل ما علم مجيئه به ضرورة تصديقًا جازمًا، ولو لغير دليل حتى يدخل إيمان المقلد فهو صحيح على الأصح عند الأكثرين، وما نقل عن الأشعري من عدم صحته رد بأنه كذب عليه. وافهم قوله: ((مجرد التصديق)) أنه لا يعتبر معه عمل الخوارج وضرورة أن ما ليس كذلك، ككونه تعالى عالمًا بذاته أو بالعلم الذي هو صفة زائدة على الذات أو مرتبًا لا يكفر منكره. قيل: إجماعًا وجازمًا أن التصديق الظني لا يكفي في حصول مسمى الإيمان، وما علم أنه لا بدَّ من التصديق بجميع ما جاء به وهلار تفصيلاً فيما علم تفصيلاً، وإجمالاً فيما علم إجمالاً. وإنما اقتصر في حديث جبريل على ما يأتي فيه؛ لاشتمال الإيمان بالكتب على كل ذلك؛ إذ منها القرآن ومنه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] فدل على وجوب الإيمان بكل ما علم مجيئه به ضرورة كما تقرر. ثانيها: قول جهم والشيعة أنه اسم لمعرفة الله تعالى بالقلب والإقرار باللسان؛ أي: النطق بالشهادتين ليس بركن فيه ولا شرط فلا تصير الحجرية عليهما. ثم قيل: لا بدَّ أن ينضم لذلك معرفة الضروريات السابقة. وقيل: لا. ١٧٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول الثاني: هو فعل اللسان فقط وهو الإقرار به، وعليه فقيل: المعرفة بما ذكر شرط لتسميته إيمانًا، وإليه ذهب غيلان بن مسلم الدمشقي والفضل الرقاشي. وقيل: ليست شرطًا ولا شطرًا، وعليه الكرامية وزعموا أن المنافق مؤمن الظاهر كافر السريرة فيثبت له حكم المؤمن في الدنيا والكفار في الآخرة. الثالث: هو عمل اللسان والقلب معًا، وعليه فقيل: هو إقرار باللسان ومعرفة بالقلب بجميع ما جاء به ولو ضرورة، وعليه فالمعرفة عند أكثرهم الاعتقاد الجازم ولو عن تقليد، وعنه أقلهم العلم عن دليل فلا يكفي إيمان المقلد، وعليه أيضًا فقيل: الإقرار باللسان شرط لإجراء الأحكام لا لصحة الإيمان فيما بين العبد وربه. قال حافظ الدين النسفي: وهذا هو المروي عن أبي حنيفة ﴾ وإليه ذهب الأشعري في أصح الروايتين عنه وأبي منصور الماتريدي. وقيل: هو ركن لكن غير أصلي بل زائد ومن ثم سقط عنه الإكراه والعجز. قال بعضهم: والأول مذهب الفقهاء، والثاني مذهب [المتكلمين](١). الرابع: هو فعل القلب واللسان مع سائر الجوارح، ونقل عن أصحاب الحديث ومالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وعن المعتزلة والخوارج والزيدية، أما أصحاب الحديث فلهم أقوال ثلاثة: أحدها: المعرفة إيمان كامل هو الأصل ثم كل طاعة لهما على حدة، وإن كان القلب كفر كامل هو الأصل، ثم كل معصية كفر على حدتها فلا يكون طاعة إيمانًا ما لم توجد المعرفة ولا معصية كفرًا ما لم يوجد الإنكار؛ إذ الفرع لا يحصل بدون. ثانيها: الإيمان اسم لمجموع الطاعات كلها لكن من ترك فرضًا نقص إيمانه أو نفلاً فلا. (١) في الأصل ((الفقهاء). ١٧١ كتاب الإيمان ثالثها: إنه اسم للفرائض فقط. وأما المعتزلة: فاتفقوا على أن الإيمان إذا عُدي بالباء أريد به شرعًا التصديق؛ لعذر هذا التقرير فيه إذا كان بمعنى: أداء الواجبات فهو حينئذٍ جارٍ على طريق اللغة، فإن لم يتعد بشيء فقد اتفقوا على أنه نقل ثانيًا من معنى التصديق إلى معنى آخر، ثم اختلفوا فيه على وجوه فعل كل الطاعات عليها واعتقادها فعل الواجبات فقط اجتناب كل ما جاء فيه وعيد وهو قول النظام، ومن أصحابه من قال شرط كونه مؤمنا عندنا وعند الله اجتناب کل الكبائر. وأمَّا الخوارج: فهو اسم لمجموع معرفة الله وكل ما نصب عليه دليلاً عقليًّا أو نقليًّا، وامتثال كل ما أمر به أو ينهي عنه وهو قريب من مذهب المعتزلة، وقريب منهما مذهب السلف وأهل الأثر أنه اسم لمجموع التصديق بالجنان والإقرار باللسان، والعمل بالأركان والفرق بينهما أن ترك طاعة قولية أو فعلية من الإيمان والكفر عند المعتزلة، وكافر عند الخوارج، ومؤمن عند السلف. ومن ثم نُقل عن الشافعي # أن من أخل بالتصديق منافق، وبالإقرار كافر، وبالعمل فاسق لا مخلد في النار، واستشكل بأن العمل إذا كان ركنًا لم يتحقق الإيمان بدونه، فكيف ينجو غير المؤمن من الخلود؟ وأجيب: بأن الإيمان جاء في كلام الشارع بمعنى أصله الذي لا يعتبر معه عمل، كما يأتي قريبًا في حديث جبريل، فإنه غائر فيه بين الإيمان والإسلام، فجعل الأول اسمًا للتصديق بما يأتي، والثاني اسمًا للعمل وبمعنى الكامل، وهو المقرون بالعمل كما في حديث وفد عبد القيس الآتي. وهذا هو المنفي في خبر: (لَا زنا الزَّانِي حِينَ زنا وَهْوَ مُؤْمِنٌ))(١) ولا خلاف في المعنى؛ لأنه راجع إلى تفسير الإيمان، وأنه في أي هذين منقول شرعي وفي أنهما مجاز، (١) أخرجه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧)، وأبو داود (٤٦٨٩)، والترمذي (٢٦٢٥) وقال: حسن صحيح غريب، وأحمد (١٠٢٢٠)، وابن حبان (٤٤١٢)، وعبد بن حميد (٩١٩). ١٧٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول فالمنجي من دخول النار هو الثاني عند جميع المسلمين، ومن الخلود فيها هو الأول عند أهل السنة خلافًا للمعتزلة والخوارج للأحاديث الآتية كحديث: ((مَنْ مَات عَلَى لَا إِلَه إِلَّا اللّه دَخَلَ الْجَنَّة وَإِنْ زَنَا وَإِنْ سَرَقَ)(١). وحديث: ((يخرج من النار مَنْ كَانَ فِي قَلْبِه مِثْقَال ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَان)»(٢). فالسلف والشافعي إنما جعلوا العمل ركنًا من الإيمان بالمعنى الثاني، فحكموا مع فواته ببقائه بالمعنى الأول. والحاصل: إنه إما التصديق فقط أو الإقرار وهو للحنفية، أو الإقرار وحده وهو للكرامية(٣)، أو الأعمال وهو لبعض المعتزلة، أو التصديق والإقرار والعمل وهو للسلف، فثلاثة منها بسيطة وواحد مركب ثنائي، وواحد مركب ثلاثي وهو النزاع إنما هو بالنسبة لما عند الله تعالى أما عندنا، فمن تلفظ بكلمة الشهادة حكمنا بإيمانه إجماعًا ومن لم يحكم عليه بكفر إلا إن اقترن به نحو سجود لصنم. فإن دلَّ على فسق فمن أطلق عليه الإيمان فالنظر إلى إقراره، ومن نفاه عنه فبالنظر إلى كماله، ومن أطلق عليه الكفر فبالنظر إلى أنه فعل فعل كافر، ومن نفاه عنه فبالنظر إلى حقيقته، وأثبت المعتزلة الواسطة كما مرَّ. وأما الإسلام: فهو الانقياد بالظاهر، وحينئذٍ فبيان النسبة بين الإيمان والإسلام بالمساوي أو المتباين، أو العموم والخصوص المطلق، أو من وجه موقوف على تفسير (١) أخرجه الطبراني (١٧٦٥) وفي الأوسط (٢٢١٣) والبيهقي (٢١٢٨٧) وأبو نعيم في «معرفة الصحابة)) (٣٠٠٨). (٢) أخرجه الترمذي (٢٥٩٨) وقال: حسن صحيح. (٣) الكرامية: أتباع محمد بن كرام، والكرامية يعتقدون أن الله تعالى جسم، وأنه تعالى محل للحوادث، وأن له ثقل، وأنه خالق رازق بلا خلق ولا رزق .. إلخ. ولهم في الإيمان قول منكر حيث جعلوا الإيمان قول اللسان وإن كان مع عدم تصديق القلب، فيجعلون المنافق مؤمنًا. انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٠٣/٣) وانظر: الفرق بين الفرق للبغدادي (ص٢٠٢ - ٢١٤). وانظر: الملل والنحل للشهرستاني (١١/٢ - ٢٢) بهامش الفصل لابن حزم. ١٧٣ كتاب الإيمان الإيمان بواحد مما تقرر فيه. واستدل من زعم ترادفهما بأن الإيمان: التصديق وهو غير الانقياد، وبقوله: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] وبأنه يلزم من تغايرهما تصور أحدهما بدون الآخر، فيتصور مسلم غير مؤمن ورد بأن الإيمان ليس مجرد التصديق، بل هو تصديق خاص كما مرَّ، ويكفي في التغاير أن الانقياد قد يوجد بالظاهر فقط، وبأنا لا نسلم أن التصديق فقط دين بل الدين هو مجموع الإيمان والإسلام كما يدل عليه حديث جبريل الآتي، وبأن عدم تغايرهما بمعنى عدم الانفكاك لا يوجب اتحاد معناهما كما يأتي تقرير ذلك مبسوطًا في الكلام على حديث جبريل. وزعم أن سؤاله ما كان عن الإسلام بل عن شريعة وإسناد هذا لبعض الرواة مردود بأن هذا الإسناد غريب، والمعروف في الروايات إنما هو السؤال عن نفس الإسلام وکفی به صريحًا في التغاير. (تَتَمَّات وَفَوائِد) يتعين الإحاطة بها: أولاً: قال الإمام المراد من التصديق السابق: الحكم الذهني؛ لأن من قال: العالم محدث، لم يرد وصفه بالحدوث بل الحكم بحدوثه، فالحكم بثبوت حدوثه غیر ثبوت حدوثه، والحكم الذهني بالثبوت أو الانتفاء غير الصنيع الدالة عليه وغير العلم؛ لأن الجاهل بالشيء قد يحكم به، فالمراد من التصديق هو ذلك الحكم الذهني وهو المقابل للتصور، واعترض بأن ذلك غير كافٍ، كيف وكثير من الكفار كانوا عالمين برسالته لل كما دلت عليه الآيات، فلو كفى ذلك لكانوا مؤمنين؛ إذ الإقرار باللسان إنما هو شرط لإجراء الأحكام على ما مرّ؟ فالمراد بالتصديق معناه اللغوي، وهو نسبة الصدق إلى المخبر اختيارًا، لا يقال لغة: إنه صدقه والكفار العالمون برسالة الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - إنما لم يكونوا مؤمنين؛ لأنهم كذبوهم، ولك أن تقول: الاعتراض لا يلاقي كلام الإمام؛ لأنه ١٧٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول لم يكيف بالعلم بل اشترط الحكم الذهني، وهو لم يكن موجودًا عند أولئك الكفار، على أنه أجيب بأن هذا هو عين ما قاله الإمام؛ لأن إيقاع نسبة الصدق إلى المخبر هو الحكم بثبوت الصدق له، وإنما لم يحكم بإيمان الكفار العالمين بالرسالة وإن حصل لهم ذلك التصديق؛ لأن من أنكر منهم الرسالة أنكر تصديقه القلبي بتكذيبه اللساني، ومن لم يذكرها أبطله بترك الإقرار اختيارًا؛ لأنه شرط على ما مرَّ على أنه قد يسقط؛ إذ من صدق ومات فجأة فورًا مؤمن إجماعًا. قيل: وهنا شيء وهو أن التصديق مأمور به فيكون فعلاً اختيارًا، والمقابل للتصور غير اختياري، فينبغي جعل التصديق فعلاً من أفعال النفس الاختيارية أو يكون معنى كونه اختياريًّا أن حصوله نشأ عن أمر اختياري هو مباشرة سببه الذي نشأ عنه حصوله، ويلزم عليه اختصاص التصديق بأن يكون علمًا صادرًا عن الدليل، فلا يكفي إيمان المقلد إلا أن يجاب بأن هذا بيان الإيمان المتفق على صحته. ثانيها: احتج القائلون بأن الإيمان هو التصديق بأنا خوطبنا بلفظ: ﴿آمِنُوا بِالله﴾ [النساء: ١٣٦] والعرب لا تعرف من ذلك إلا التصديق، ولم يثبت نقله عنه وإلا لنقل إلينا تواترًا، واشتهر المنقول والمعقول إليه لتوفر الدواعي على نقله ومعرفته؛ لأنه من أكثر الألفاظ دورانًا على ألسنة المسلمين، وبأن الآيات مصرحة بأن محل الإيمان القلب نحو: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ﴾ [المجادلة:٢٢] ولم تؤمن قلوبهم. ويوافقها حديث: ((هَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ»(١). وصرفه عن المعرفة وإن كان محلها القلب ما تقرر أنه التصديق لغة ولم يثبت نقله عنه، ويجوز إرادتها يلزمه إبطال اللغات، ويطرق الخلل إلى سائر الأدلة السمعية، وما علم أن أهل الكتاب كانوا عارفين بنبوة نبينا وَله ولم يكونوا مؤمنين لعدم (١) أخرجه البخاري (٦٤٧٨)، ومسلم (٩٦)، والطيالسي (٦٢٦)، وابن أبي شيبة (٢٨٩٣٢)، وأحمد (٢١٨٥٠)، وأبو داود (٢٦٤٣)، والنسائي في الكبرى (٨٥٩٤)، وأبو عوانة (١٩٢)، وابن حبان (٤٧٥١)، والبيهقي (١٥٦٢٥). ١٧٥ كتاب الإيمان التصديق، وبأن المنافق نفي عنه الإيمان أول النفرة مع تصديقه القلبي، والمكره أثبت له الإيمان مع تكذيبه اللساني لوجود تصديقه القلبي. وبهذا استدل على أن الإقرار باللسان غير داخل في حقيقة الإيمان، وإنما هو شرط لإجراء الأحكام؛ لأن التصديق أمر باطن لا يطلع عليه، ومن فعله شطرًا فهو لدلالته على التصديق لا لخصوص كونه إقرارًا، ومن ثم ناب عنه عند أبي حنيفة صلاة الكافر جماعة؛ إذ بها يحكم بإسلامه وتجري عليه أحكامه. وقيل: ليس شرطًا ولا شطرًا لخبر: ((يَخرجُ مِن النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِه مِثْقَال ذَرَّة مِنْ إِيمَان))(١) وهذا قلبه مملوء إيمانًا، ورد بأنه يلزم عليه ألَّا يعتبر الإقرار باللسان في الإيمان وهو خلاف الإجماع على أنه معتبر، وإنما الخلاف في أنه شطر أو شرط، وأجيب بأن الغزالي منع الإجماع وحكم بكونه مؤمنًا، وأن الامتناع عن النطق كالمعاصي التي تجامع الإيمان. ثالثها: مما يدل على أن الأعمال غير داخلة في الإيمان فيعتد به مع عدمها كما مرَّ عطفها عليه في قوله: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الأعراف: ٤٢]. ثم: ﴿آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] أي: معصية على خلاف في تفسيره ومخاطبتهم بالإيمان، ثم تكليفهم بالأعمال كما في آيات الصوم والصلاة والوضوء، فلو دخلت فيه لكان في ذلك تحصيل الحاصل وجعله شرطًا لصحتها في نحو: ﴿ وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]. واقتصاره ◌َل في حديث جبريل على تفسير الإيمان مما يأتي، فلو كانت الأعمال منه لزم عليه الإلباس لا التعليم الآتي له جبريل، والأمر بالتوبة لمن حكم عليه بالإيمان في: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا﴾ [التحريم: ٨] فدل على اجتماعه مع المعصية. رابعها: من صحة إيمان المقلد عند الأكثرين وتحريره أن من اعتقد أركان الدين (١) تقدم تخريجه. ١٧٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول من التوحيد والنبوة ونحو الصلاة، فإن جوّز ورود شبهة ففسد اعتقاده فهو كافر، وإن لم يجوز ذلك فهو مؤمن لكنه فاسق بتركه النظر، وهذا مذهب الأئمة الأربعة والأكثرين؛ لأنه * قبل الإيمان من كثيرين ولم يشغلهم بتعليمهم من الأدلة العقلية وقياساتها وشروط إنتاجها ما يفحمون به الخصوم في المسائل الاعتقادية. وكذلك أبو بكر # اكتفى من أهل الردة بمجرد الإيمان، وكذلك قبله من أهل سواد العراق حتى من الزط والأنباط مع بلادة أفهامهم وقلة أذهانهم وصرفهم أعمارهم في الفلاحة، ولم تزل الأمة على ذلك يعاملون العوام الجهال معاملة المسلمين في حياتهم وبعد مماتهم إلى يومنا هذا، ولم ينصب أحد من الخلفاء الراشدين فمن بعدهم متكلمًا بصيرًا بالأدلة يعلم الأعوام كيفية الاستدلال، فدل ذلك على بطلان القول بعدم صحة إيمان المقلد، لكن يشكل على ذلك الحكم بفسقه. فإن ما ذكر يدل على عدم فسقه أيضًا، فلم قلتم أنه فاسق مع أن أعماله وأعمال الخلفاء والأئمة بعده نصب من يعلمهم، ومعاملتهم إياهم معاملة العدول يدل على عدم فسقهم؟ فالقول به مع ذلك فيه نظر ظاهر، وعند عامة المعتزلة لا مؤمن ولا كافر. وعند أبي هاشم منهم كافر، فشرط الإيمان عندهم وعند من وافقهم معرفة ما يجب الإيمان به من أصول الدين بالدليل العقلي، على وجه يجادل به الخصوم ويخل ما یرد عليه من الشبه، وإلا فهو غير مؤمن. ونقل عن قوم من المتكلمين وزعم أن الأشعري منهم كذب عليه ما يوافق ذلك، لكنهم اكتفوا بمعرفة ذلك وإن لم يحسن أن يعبر عنه، ولم يجعلوا من أخل بذلك كافرًا لما عنده من التصديق المضاد للكفر، قالوا: وقيدنا الدليل بالعقلي لامتناع الاستدلال به علی ذلك لزم الدور. ثم التقليد: هو اعتقاد حقية قول الغير على وجه الجزم من غير أن يعرف دليله. خامسها: اختلفوا في أن الإيمان يزيد وينقص، وهو من فروع اختلافهم في ١٧٧ كتاب الإيمان حقيقة الإيمان فقيل: حقيقته لا يقبلهما. وقال آخرون: يقبل الزيادة للآيات الكثيرة لا النقص؛ لأنه لو نقص لم يبق إيمانًا. ويوافقه ما نقل عن مالك # أنه قال بزيادته لذلك وتوقف في نقصه وقال: لو نقص ذهب كله، وأجيب بأنه إنما توقف في ذلك خشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج. ونقل غير واحد أن مذهب أهل السنة من السلف والخلف: إنه يقبلهما ونقلوه عن سبعة عشر من أكابر الصحابة وعن أربعة وخمسين من التابعين وتابعيهم، بل نقلوا عن سهل بن متوكل أنه قال: أدركت ألف أستاذ كلهم يقولون: إنه قول وعمل يزيد وينقص. وكذا قال البخاري كما صح عنه: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص. وأطنب ابن أبي حاتم واللالكائي في نقل ذلك بالأسانيد عن جمع كثيرين ممن يدور عليه الإجماع من الصحابة والتابعين، وحكاه فضيل بن عياض ووكيع عن أهل السنة والجماعة، وعن يعقوب بن سفيان: إن أهل السنة والجماعة على ذلك بمكة والمدينة والبصرة والكوفة والشام، وعددوا من أكابر علماء أهل هذه البلاد فوق الأربعين نفسًا. وقال الإمام: الحلف لفظي؛ لأنه إن أريد به التصديق لم يقبلهما أو الطاعات قبلهما، فالدلائل على أنه لم يقبلهما محمولة على المعنى الأول، والدلائل على أنه يقبلهما محمولة على المعنى الثاني. وقال جماعة من المحققين: الحق أنه يقبلهما بالمعنيين جميعًا؛ لأن التصديق بالقلب هو الاعتقاد الجازم وهو يقبل القوة والضعف؛ إذ التصديق بجسميه شيخ عندنا أقوى منه بجسميه شيخ من بعيد، ولتفاوت البديهيات والنظريات إذا خلى ١٧٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول البديهيات النقيضات لا يرتفعان ولا يجتمعان، ودونه الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية، وأحلى النظريات وجود الصانع ودونه كونه مرتبًا ودونه العرض لا يبقى زمانین. ولأن القوة والضعف من الكيفات النفسانية، وهي تقبلهما كالفرح والحزن والغضب؛ ولأنه لو لم يقبلهما لاستوى إيمان النبي ◌ّله وأفراد أمته وهو باطل إجماعًا، ولقول إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وسلم: ﴿وَلَكِن لَّيَظْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] وفي حديث: (لَوْ وُزِنَ إِيمَانُ أَبِي بَكْرٍ مَعَ إِيمَانِ جَمِيعِ الْخَلْقِ لَرَجَحَ إِيمَانُ أَبِي بَكْرِ فَقِ))(١). ولما هو معلوم أن نفس التصديق تزيد بكثرة النظر وبظاهر الأدلة، وبهذا يكون إيمان الصديقين والراسخين في العلم أقوى من إيمان غيرهم، بحيث لا تعتريهم الشبهة ولا يزلزل إيمانهم معارض ولا تزال قلوبهم منشرحة للإسلام، وإن اختلف عليهم الأحوال. ومما يتضح به هذا المحل ما ذكرته في محل آخر وإن لم أرَ من حرره كذلك، ولفظه هذا وينبني على ما تقرر من أن الأعمال خبر، ومن مفهوم الإيمان السابق أنه يزيد بزيادتها وينقص بنقصها، وينبغي أن الزيادة والنقص على هذا التقدير ليسا من محل الخلاف كما هو جلي، إما على أن الإيمان هو التصديق فهو من المكلفات النفسانية، فإن أريد حصولهما باعتبار آثارها فينبغي ألَّ يكون ذلك من محل الخلاف أيضًا، وعلى هذا والذي قبله تحمل الآيات والأحاديث الكثيرة المصرحة بزيادة الإيمان ونقصه، أو باعتبار ذات تلك الملكة وللنظر فيه مجال فليكن هو محل الخلاف والإجماع، على أن الإيمان الواحد منا ليس كإيمان أبي بكر مثلاً يدل بظاهره على أنها في نفسها فقبلهما، فلذا أطلق الأكثرون من السلف والخلف أن الإيمان يقبلهما. (١) أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٣٥). ١٧٩ كتاب الإيمان ونقل النووي عن محققي المتكلمين أنهما لا يقبلهما وإنما هما في ثمراتهما. وعن أکثرهم: إنه لا يقبلهما وإلا كان شگا وكفرًا. انتهى. وقد يشكل بأن مآل القولين إلى شيء واحد هو التصديق؛ إذ قولهم وإلا كان شكّاً وكفرًا لا يأتي إلا فيه دون ثمراته فآل إلى ما نقله عن المحققين، واستدل له بأنها ليست شيئًا يتجزأ حتى يتصور كماله مرة ونقصه أخرى، ويجاب عن قولهم وإلا كان شكًا وكفرًا بأنا إذا قلنا بقبولهما لهما لا يلزم عليه شك وكفر؛ لأن أصل الملكة الذي يكفي وجوده في الإيمان لا بدَّ من وجوده دائمًا، وهذا ليس من محل الخلاف، وإنما الخلاف في أنه هل يمكن الزيادة عليه أو لا يمكن؟ وهو المعبر عنه بنقصه. وعن قولهم: ليست شيئًا يتجزأ بأنا لا نقول: إنها شيء يتجزأ، وإنما نقول: إنها قد تقوى في نفسها، وقد تضعف مع كونها تكفي في أصل الإيمان لوجود الجزم فيها. ويدل لذلك قول علي، كرم الله وجهه: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينًا. وقول إبراهيم صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا: ﴿وَلَكِن لَّيَظْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] فالملكة كلما ازدادت قوة ازدادت صفاء النفس وطمأنينتها؛ لأن بظاهر الأدلة على مدلول واحد يستلزم زيادة قوته وثبوته في النفس وعدم التطرق إلى زواله، وهذا معنى ما رُوي وهو صحيح المعنى وإلا لم يصح لفظه عنه وَّجُ: ((مَا سَبَقَكُمْ أَبُو بَكْرِ بِصومٍ وَلَا صَلَاةِ، وَإِمَا سَبَقْكُمْ بِشيءٍ وَقَرَ فَي صَدرِهِ فَمَا وَقَرَ فِيهِ لَا يسَاویهِ فِي القُوةِ وَالشَّبَاتِ وَالطَّمَأْنِينةِ مَا وَقَرَ فِي غَيرِه)(١) فاتضح قبول الإيمان لها على كل من الاعتبارات الثلاثة فاستفد هذا المحل فإنه من النفائس. وممن صرَّح بقبول الملكة لهما الزمخشري حيث قال: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢] ازدادوا بها يقينًا وطمأنينة نفسه؛ لأن تظاهر الأدلة أقوى المدلول عليه وأثبت له، واستدل بما مرَّ عن علي وإبراهيم التَّيْه ، ثم رأيته قال: قبوله (١) ذكره المناوي في ((فيض القدير)) (١٩٠/٤). ١٨٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول لهما ظاهر على دخول العمل فيه؛ إذ كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى يكون في بعض الأحيان أعظم يقينًا وإخلاصًا وتوكلاً منه في بعضها. وكذلك في التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها؛ ولهذا كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم. وذهب محققو الأشاعرة إلى أن نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص، وأن الإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته التي هي الأعمال وبعضها، وبهذا يحصل التوفيق بين ظهور النصوص الدالة على الزيادة القائل بها السلف. وأصل وضعه اللغوي القائل به أكثر المتكلمين، وارتضى النووي أنه يزيد وينقص قوة وضعفًا وإجمالاً وتفصيلاً أو تعددًا بحسب تعدد المؤمن به، وعزاه التفتازاني لبعض المحققين. وفي ((المواقف)) أنه الحق، وأنكر ذلك أكثر المتكلمين والحنفية؛ لأنه متى قبل ذلك كان شكًا وكفرًا، وأجابوا عن تلك الآيات بأن الزيادة فيها إنما جاءت من زيادة ما يجب الإيمان به من إنزال الفروض واحدًا بعد واحد، قالوا: وهذا لا يتصور في غير عصره له ورد بأن الاطلاع على تفاصيل الفرائض واقع بعد ذلك العصر. انتهى. وفي بعضه ما یعلم رده مما قدمته قبله فتأمله. سادسها: اختلفوا هل الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟ فمن قال بالأول: المحدث المحاسبي وجماعة. وبالثاني: أحمد بن حنبل وجماعة. والحق أنه بمعنى: الهداية غير مخلوق وبمعنى: الإقرار والأخذ في الأسباب مخلوق، والخلاف لفظي نظير اختلافهم في أن حصول العلم عقب الدليل مكتسب لاكتساب أسبابه من النظر في الدليل الصحيح والخلاف لفظي. سابعها: اختلفوا في قرن المشيئة بالإيمان كلنا مؤمن إن شاء الله. فقال أکثر المتکلمین: لا بد منه. ١٨١ كتاب الإيمان وقال المحققون كالشافعية وغيرهم: يجوز. وقالت الحنفية: يمنع واستدلوا بخبر: ((مَنْ زَعم أَن الإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنقصُ، فَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَمْرِ اللهِ، وَمَنْ قَالَ: أَنَا مُؤْمِن إِن شَاءَ اللهُ، فَلَيْسَ لَّهُ فِي الإِيمَانِ نَصِيبٌ))(١). وفي خبر: ((زِيَادتهُ نَقْص وَنَقصهُ كُفْر)»(٢) ورد ذلك بعض الحنفية كالعيني في اشرح البخاري» ووجه رده عدم ثبوت الحدیثین المذکورین. (الفصل الأول) ٢ - [عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴿ قَالَ: (بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَلِ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلُ شَدِيدُ بَيَاضِ القِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدُّ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِّ ◌َِ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ، قال: الإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْنِّيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَّحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً، قَالَ صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ، قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرٍِّ، قَالَ: صَدَقْتَ قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ، قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: مَا الْمَسْؤولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا، قَالَ: أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ. قَالَ ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (١) أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في ((الإيمان)) (١٦)، والخلالي في السنة (١٠٦٠)، واللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١٤٠٦)، وقال الشوكاني في الفوائد (٢٢٣/١): أخرجه محمد بن تميم، من حديث أنس، وهو واضعه. (٢) أورده السيوطي في اللآلئ المصنوعة (٤١/١). ١٨٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴾ قَالَ: بَيْنَا) أصله: بين وهي كـابينا)) ظرف زمان، بمعنى المفاجأة، وأيضًا فإن الجملة اسمية أو فعلية ولا بد لها من جواب لتضمنهما معنى الشرط، ومن ثم اقترنت به الفاء في بعض الأحاديث وهو عاملهما إن تجرد من كلمتي المفاجأة؛ أعني: كـ((إذا وإذ)) وإلا فمعناهما. وزعم الأصمعي أن الأفصح تجرده منهما، ردوه بأن الأفصح اقترانه بأحدهما كما يسلكه هذا الراوي الأفصح ممن استدل الأصمعي بكلامه، فالمعنى: وقت حضورنا مجلسه *. فاجأنا طلوع ذلك الرجل ((فبينما)) ظرف لهذا المقدر، و((إذ)) مفعول به بمعنى: الوقت على ما يأتي في ((بین)). (فَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ الله وَّ) في آخر عمره كما صح من حديث آخر، بل صح عن عمر وحكمته أن تأخر مجيئه إلى ما بعد إنزال جميع الأحكام فيه تقرير أمور الدين التي بلغها متفرقة في مجلس واحد ليغتبط بذلك، وكان ذلك الذي صح هو سند قول بعضهم مجيئه كان في السنة العاشرة قبيل حجة الوداع. وسبب الحديث ما في مسلم أنه وَ ي قال: (سَلُونِي))(١) فهابوا أن يسألوه، فجاء جبريل؛ أي: ليخبروا على السؤال، وليعرفوا شروطه وآدابه، ووقع في رواية ابن منده: ((بَيْنَا رَسُول اللّهِ وَّهِ يَخْطبُ إِذْ جَاءَهُ رَجُلُ))(٢) فكان أمره ◌َيّ لأصحابه سؤاله وقع في خطبته، وحينئذٍ فمجيء الرجل إما وافق انقضاء الخطبة، أو أن الراوي عبر عن ذكره ذلك الأمر لهم وهو جالس بينهم بالخطبة. (ذَاتَ يَوْمٍ) أصلها بمعنى: صاحبه، ثم أجريت مجری اسم قام كذات محدثة ثم استعملت في التأكيد كالنفس رفعًا لتوهم التجوز باليوم عن مطلق الزمان في رواية (١) أخرجه مسلم (١٠٨). (٢) ذكره ابن حجر في ((فتح الباري» (٨٠/١) وقال عنه: وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَنْدَهْ مِنْ طَرِیق یَزِيد بْن زُرَیْع عَنْ كَهْمَس. ١٨٣ كتاب الإيمان للبخاري: «كَانَ وَّهِ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ)»(١). وفي أخرى لأبي داود: ((كان ◌َّ يجلس بين أصحابه فَيَجِيءُ الْغَرِيبُ فَلَا يَدْرِي أَيُّهُمْ هُوَ حَقَّى يَسْأَلَ فَطَلَبْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَيهِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ مَجْلِسًا يَعْرِفُهُ الْغَرِيبُ إِذَا أَتَاهُ، قال: فَبَنَيْنَا لَهُ دُكَّانًا؛ أي: دكه مِنْ طِينٍ يَجْلِسُ عَلَيْهَا وَكُنَّا نَجْلِسُ بِجَنْبِهِ))(٢). واستنبط منه القرطبي أنه يسن للعالم الجلوس بمحل مرتفع مختص به إذا احتاج إليه للتعليم أو نحوه. (إِذْ) مرَّ إنها للمفاجأة، وهي ظرف زمان أو مكان، أو حرف مفاجأة، أو زائد أقوال، وعلى الظرفية. قال ابن جني: عاملها الفعل الذي بعدها؛ لأنها غير مضافة، وعامل ((بينما)» محذوف يفسره الفعل المذكور كما عرف مما مرَّ. وقال أبو علي الفارسي: ((إذ)) مضافة للجملة فلا يعمل فيها الفعل بعدها؛ لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف ولا في ((بينما)) لأن المضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف بل عاملها محذوف يدل عليه الكلام، و((إذ)) بدل من ((بينما). (طَلَعَ) آثره على (دخل)) إشارة إلى عظمته وعلوه؛ لأنه مستعار من طلوع الشمس. (عَلَيْنَا رَجُلُّ) في الصورة؛ إذ هو جبريل كما عبر به في روایة، صلی الله علی نبینا وعليه وسلم. وفي رواية: «يَمْشِي)) وفيه تمثل الملك بأي صورة شاء. قال تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم:١٧] وقد كان جبريل يتمثل له فـ بصورة دحية، ولم يره في صورته التي خلق عليها غير مرتين، وكونه يتمثل له وَ لآت (١) أخرجه البخاري (٤٧٧٧)، ومسلم (١٠٦)، وابن ماجه (٦٧)، وأحمد (٩٧٤٩)، والبيهقي في الدلائل (٣٠٠٠)، وابن خزيمة (٢٠٥٥). (٢) أخرجه أبو داود (٤٧٠٠)، والنسائي (٥٠٠٨)، والبزار (٤٠٢٥). ١٨٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول بصورة دحية لا يقتضي أنه في هذه جاء بصورته، ومن زعم أنه ما كان يتمثل إلا بصورته عليه البيان، بل يرد عليه عدم معرفتهم له؛ إذ لو كان بصورة دحية لعرفوه. وما وقع في رواية النسائي من أنه جبريل نزل في صورة دحية الكلبي معلول بأنه وهم من راويه لقول عمر الآتي: وَلَا يَعْرِفه منَّا أحد، وبأن غير النسائي رواه من الوجه الذي رواه النسائي ليس فيه ذلك كما يأتي. (شَدِيدُ بَيَاضِ القِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ) حكمته من مزيد التعمية؛ لينتبهوا بها لما جاء له ويعوه ويحفظوه، وليأخذوا عنه أدب مجالسة النبي وله وكيفية السؤال والتعلم وطلب العلم. الإشارة إلى أن السائل والتلميذ ينبغي أن يكونا عند ملاقاة الأستاذ على أكمل الأحوال الظاهرة المشعرة لكونهما معه على أكمل الأحوال الباطنة، وإلا فاتهما الانتفاع به أو كماله، ومن ثم كان في أكثر أحواله يأتيه في صورة دحية الذي هو أُجَلُّ العرب ولم يأته هنا فيها؛ لأن قصده التعمية عليهم كما مرَّ. وما في رواية النسائي: ((وَإِنَّهُ لَجِبْرِيلُ الَُّ نَزَلَ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ»(١) فمردود بأنه وهم؛ لأن دحية معروف عندهم. وقد قال عمر: وَلَا يَعْرِفُهُ منَّا أحدٌّ، وقد رواه محمد بن نصر المروزي من طريق النسائي، وليس فيه ذلك وهو المحفوظ لموافقته باقي الروايات. وروى النسائي: ((إِذْ أَقْبَلَ رَجُلُّ أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهًا وَأَظْيَبُ النَّاسِ رِيحًا كَأَنَّ ثِيَابَهُ لَمْ يَمَسَّهَا دَنَسَّ))(٢). وابن حبان: ((شَدِيدُ سَوَادِ اللِّحْيَةِ))(٣). وسليمان التيمي: ((لَيْسَ عَلَيْهِ سَحْنَاءُ سَفَرٍ - أي: بالتحريك هيئة السفر - (١) أخرجه النسائي في الكبرى (٥٠٠٦). (٢) أخرجه النسائي في الكبرى (٥٠٠٨). (٣) أخرجه ابن حبان (٣٩٠). ١٨٥ كتاب الإيمان وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ فَتَخَى حَتَّى بَرَكَ بَينِ يدِي النَّيِوَ كَمَا يَجْلِسُ أَحَدُنَا فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُكْبَتَيْ رَسُولِ الله ◌ِصَّ﴾(١). وفي خصوص بياض الثياب الإشارة إلى ندب لبسه عند إرادة المساجد والمجالس الحافلة. وسواد الشعر: الإشارة إلى أن الاشتغال بالعلوم إنما يجدي وينتج النتيجة الكاملة إذا وقع في حالة الشباب وقوة البدن؛ إذ لا يقوى على تحمل أعبائه الثقيلة إلا حينئذٍ؛ ولأنه ترتسم فيه وتثبت؛ ولهذا يذكر الشيخ ما حفظه في صغره وينسى ما حفظه في كبره، وإلى أن الشيخ عند التعليم - نبأ على ما يأتي ينبغي أن يكون على أكمل الآيات وأهيبها. ومن ثم كان مالك ﴾ إذا أراد أن يحدث توضأ وتطيب، وتمكن من الجلوس على صدر فراشه على غاية الوقار والهيبة، ولما قيل له عن ذلك قال: ((أحب أن أعظم حديث رسول الله وَ لّ)). (لَا يُرَى) حال من ((رجل)) أو صفة له. (عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ) من نحو غبار أو تعب. (وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ) تعجب من غير أنه حاله المشعرة بأنه غير إنسي، وإلا لكان إما من المدينة أو غريبًا، فلعدم معرفته بصغر المدينة وإحاطتهم بجميع ما فيها انتفى الأول، ولعدم أثر سفر عليه انتفى الثاني، وعرف عمر أنه لم يعرفه أحد منهم الرواية: ((فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقالوا: ما نعرفه)»(٢). (حَتَّى) غاية لمحذوف يدل عليه طلع أو لطلع نفسه؛ إذ هو بمعنى أتى؛ أي: ثم استأذن أو أقبل أو دنا، واعترض الأول بأن الملك لا يحتاج لاستئذان، ويرد بأن الملك لما جاء في صورة البشر جرى على عاداتهم، نعم ورواية التيمي تؤيد أحد الأخیرین. (١) أخرجه ابن حبان (١٧٣)، وابن خزيمة (١)، والدارقطني (٢٧٤٠). (٢) أخرجه أحمد في المسند (١٩٠/١).