النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
كافر وإن عوقب على تركها في الآخرة، ووجه الوهم فيه أن الأعمال هنا أعم من أعمال
العبادة كما يأتي؛ فحينئذٍ لا يصح التقييد بالمؤمنين؛ لأن الإسلام ليس بشرط في
انعقاد بيع الكافر بالكتابة مع النية وقوع إطلاقه بها وغير ذلك، على أنه لا يصح أن
يقال في العبادة: إنها لا تصح من الكافر إلا بالنية والإسلام، إنما هو شرط لصحة النية،
كما أن الجزم وعدم المنافي ونحوهما شروط لها أيضًا فبطل التقييد بالمؤمنين من أصله
كما بطل التقييد بالمكلفین.
قيل: وأوثرت الأعمال على الأفعال؛ لأن العمل أخص من الفعل؛ لشموله لما يقل
زمنه ويطول بخلاف العمل، فإنه لما يدوم وما يندر لا يكون بنية أنهى، وفيه من
النظر ما يغني عن البيان، ولا يصح أن يراد بالأعمال أعم مما طلبه الشارع؛ لأن ما
يقتضيه الطبع ونحوه كالأفعال العادية يضطر الإنسان للتوجه إليه بحسب الجبلة، فلا
يحتاج لباعث له عليه.
وخرج بعمل الجوارح عمل القلب، كالتوحيد والإجلال والخوف لصراحة
القصد به والنية؛ لئلا يلزم التسلسل أو الدور المحال ومعرفة الله؛ لئلا يلزم المحال
أيضًا؛ لأن النية قصد المنوي بالقلب فيلزم عرفانه به قبل معرفته.
قيل: إنما يصح هذا إن أريد بالمعرفة مطلق الشعور دون النظر في الدليل وفيه
نظر؛ لأن تسمية الثاني معرفة إنما هو مجاز وكالكف عن الأفعال؛ لأن القصد بالنية
تميز العبادة عن العادة، أو تميز رتب العبادة بعضها عن بعض، والكف لا يحتاج إلى
ذلك، وكونه فعلاً وهو كف النفس مختلف فيه، وإن كان هو الأرجح عند الأصوليين.
وكون المتروك لا بدَّ فيها من قصد الترك إذا أريد بها تحصيل الثواب بامتثال أمر
الشارع ليس مما نحن فيه؛ لأن المبحوث فيه هل يلزم النية في المتروك بحيث يقع
العصيان بتركها؟
والتحقيق أن الترك المجرد لا ثواب فيه، وإنما يحصل الثواب بالكف الذي هو
فعل النفس، فمن لم تخطر المعصية بباله أصلاً ليس كمن خطرت لكف نفسه فيها

١٤٧
بداية الشرح
خوفًا من ربه، فعلم أن الذي يحتاج للنية هو العمل بجميع وجوهه لا الترك المجرد، وأن
الترك متى اقترن به قصد تعبد كغسل النجاسة، وترك الحرام.
والمكروه احتاج إليها حتى يصح إلا عمل اللسان كالقراءة والأذان والذكر؛ إذ لا
يلتبس بعادي حتى يميز بالنية فيه، نعم ثوابها متوقف على قصد الامتثال بها كما
درجوا عليه.
لكن أشار بعض المحققين إلى أن الشرط عدم الصارف وهو وجيه، ثم رأيت
الغزالي صرح به فقال: حركة اللسان بالذكر مع الغفلة عنه تحصل الثواب؛ لأنه خير
من حركته بالغيبة ومن السكوت الخالي عن التفكر إنما هو بالنسبة لعمل القلب، ولا
يتوهم من كلامه أن الإنسان يثاب على المباح؛ لأنه خير من الحرام؛ لأن الفكر القولي
لوضعه عبادة فأثيب عليه وإن لم ينوِ الامتثال؛ لأن الغرض إنه لم يصرفه لغرض آخر
كسبحان بقصد آخر كسبحان بقصد التعجب.
ويجاب عن اشتراط النية في صحة خطبة الجمعة على قول، فإنه لما شاركها
خطب آخر مندوبة من جنسها احتيج لتميزها عنها، لما مرّ أن مقاصد النية تمييز
بعض العبادات عن بعض.
وقول ابن دقيق العيد: لا تردد عندي أن الحديث يشمل الأقوال مردود بأنه إن
أراد افتقار صحتها لنية فممنوع، أو افتقار كمالها لا نافى تقديره إنما صحته الأعمال،
ولا يرد عليه أن من حلف لا يعمل عملاً لم يتناول قوله؛ لأن الأيمان ترجع إلى
العرف غالبًا.
قيل: والتحقيق أن العمل والفعل لا يشملان القول إلا مجازًا، فعلم أن الحصر
إضافي وأن العموم في الأعمال مخصوص لخروج جزئيات عن الاحتياج للنية بأدلة
مقررة في محالها، كإزالة النجاسة للإجماع على ما قيل على عدم افتقارها لنية؛ لأنها من
باب التروك الذي مرَّ الكلام فيها.
ومما لم يخرج العقود كالبيع والحلول كالطلاق والعتق ونحوها كالقذف؛ إذ لا بدَّ

١٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
في كل من القصد حتى في الجراحات وترتب الضمان على شبه العمد والخطأ من قبل
خطاب الوضع الذي هو ربط الحكم بالسبب، ومن ثم استوى فيه المكلف وغيره
كإتلاف المال ولو عمدًا، والاكتفاء بمطلق القصد فيما له صريح وكناية إنما هو
بالنسبة للصريح احتراز عما لو سبق لسانه إليه، فإنه يلغو.
أما الكناية: كانت بائناً في الطلاق فلا بدَّ فيها من قصد آخر، وهو استعمال ذلك
اللفظ في أحد مدلوليه الذي هو الطلاق في ذلك المثال كما حققته في ((شرح الإرشاد)»
فهذا القصد الثاني يصيرهما كالصريح.
ويدخل في مطلق الصريح قصد آخر كما في: ((أنتِ طالق)) بنية اثنتين أو ثلاث
فإنها تقع، وكما في: ((أنت طالق)) ونوى إن دخلت الدار فإنه لا يحنث باطنًا، وإن حكم
عليه به ظاهرًا، فيدين بأن يطلقها ليطأها، وعليها الهرب، إلا إن ظنت صدقه بأمارة
فلها إن تمکنه حينئذٍ.
وما حكي عن الشافعي من أن ينحو الطلاق والعتق من غير نية لغو باطنًا يحمل
على ما إذا جرى على لسانه من غير قصد إليه بالكلية، فلا يؤاخذ به باطنًا بل ظاهرًا إلا
إن قامت القرينة على صدقه كما قرر في محله، وكلما نيط باللفظ كالنذر لا يؤثر النية
فيه وحدها، ولا يحتاج مع التلفظ به إليها كما علم مما تقرر، ومن وطء أو شرب أو
قبل أن يظن الحلية ونحو الماء في غير المعصوم، فبان محرمًا لا يأثم وفي عكسه يأثم
اعتبارًا بالنية فيهما.
وإنما لم تجب نية في الغسل للميت على الأصح؛ لأن القصد منه النظافة كغسل
حليلة الذمية أو الممتنعة من حيض أو نفاس على خلاف فيه؛ لأن القصد منه النظافة
أيضًا ومن أوجب نية الذمية نظرًا إلى أن القصد إباحة الوطء، وهي أهل لقصد حله
فوجبت نيتها، وإن كان الإسلام شرطًا في صحة النية، ومن ثم لو أسلمت أو زال
الجنون أو الامتناع وجبت إعادة الغسل؛ لأن الاكتفاء به كانت لضرورة وقد زالت،
وفي خروج تلك الجزئيات القليلة بالنسبة إلى ما تحت ذلك العموم مما لا ينحصر.

١٤٩
بداية الشرح
كما أشرت إليه مما يتضح به قول الشافعي * الآتي: ((إن هذا الحديث يدخل فيه
ثلث العلم أو نصفه)) وقوله مرة: (يدخل فيه سبعون بابًا من الفقه)) لم يرد به خصوص
هذا العدد بل هو على حد أن تستغفر لهم سبعين مرة على أحد الأقوال فيه؛ إذ العرب
تعبر بالتسعة والسبعين عما لا ينحصر.
ولما كان العمل يوجد ضرورة بلا نية قيل: لا بدَّ من تقدير محذوف هو المحصور
وتقديره كونه مطلقًا لا يفيد شرعًا، فقال الأكثرون منهم الأئمة: الثلاثة تقديره إنما
صحة الأعمال ومسائلها كالوضوء ومقاصدها كالصلاة، ونحو البيع والطلاق بالكناية؛
لأن ظاهر اللفظ اقتضى انتفاء الحقيقة بانتفاء النية، وهذا غير واقع فليقدر أقرب
الأشياء إليه وهو نفي صحتها؛ إذ الصحة أكثر لزومًا للحقيقة من الكمال، فإن الحمل
عليها أولى؛ لأن ما كانت ألزم المشي كان أقرب خطورًا بالبال عند إطلاق اللفظ.
وزعم أن تقدير الصحة يؤدي إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد غير صحيح؛ لأن
الذي في آية الوضوء ذكر الفروض الأربعة من غير تعرض لنفي، ما عدا هؤلاء لإثباته
بتقدير ما يوجب إثبات خامس لا نسخ فيه، على أن نسخ الكتاب بخبر الواحد جائز
كما حقق في الأصول.
وأيضًا فالكتاب دالُّ على النية: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾
[البينة: ٥] إذ الإخلاص المأمور به لا يتحقق إلا بالنية، وقصر العبادة على التوحيد
یحتاج لدلیل.
وقال آخرون منهم الحنفية: تقديره إنما كمال الأعمال؛ لأنه تعليل للمجاز
بخلاف الأول، فإن نفي الصحة يستدعي نفي الكمال وغيره فيكثر المجاز، ورد بأن نفي
الكمال إنما هو بعد وجود الصحة فليس في تقديرها إلا مجاز واحد فلا تكثير،
وإيثار الحنفية هذا إنما هو ليتم لهم ما مهدوه من أن وسائل العبادات كالوضوء؛
لأنه مقصود لغيره لا يشترط في صحتها نية، أما مقاصدها فيشترط النية فيها عندهم
أيضًا.

١٥٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
لكن قال غيرهم: لا يجب في بعض المقاصد أيضًا كصوم رمضان للصحيح
المقيم.
وقال آخرون: تقديره إنما اعتبارًا وقبول مثلاً، وهو حسن لولا ما فيه من
الإيهام؛ لأنه يحتمل الاعتبار والقبول، ومن حيث الصحة ومن حيث الكمال فيحتاج
للترجيح من خارج، وإطلاق القبول عليها صحيح لخبر: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ
إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ)(١).
وخبر: ((مَنْ أَنَى عَرَّافًا لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً))(٢) أي: لم يثبت عليها.
والتحقيق أنه لا حاجة لتقدير فليس فيه دلالة اقتضاء، بل اللفظ باقٍ على
مدلوله من انتفاء الحقيقة بانتفائها، لكن شرعًا؛ إذ الكلام فيه والتقدير إنما وجودها
شرعًا كائن بالنية، فإذا انتفت النية انتفى العمل، وهو؛ أعني: الحقيقة إنما تنتفي بانتفاء
شرطها أو ركنها، فيقيد مذهبنا من وجوبها في كل عمل إلا أن يقوم دليل على خروج
بعض الصور.
ويجري ذلك في خبر: ((لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)»(٣) ونظائره الآتية وغيرها،
ولا يقال: ينافي الحصر السابق طردًا وعكسًا نية صوم نحو قضاء أو نذر في رمضان
فإنها لغو، ومنه الحج للغير ممن لم يحج أو نحو القضاء وعليه حجة الإسلام، أو قبل
وقته فبالمنوي باطل، وفي غير الأخيرة يقع عما عليه، وفيها يقع عمره وسقوط العدة
بمجرد مضي الزمن وصحة وقوف عرفة ولو مع المنافي؛ لأنا نقول لا منافاة.
أمَّا رمضان: فلأنه لا يقبل غيره.
وأمَّا النسك: فلشدة تشبثه ولزومه، ومن ثم انعقد مع المفسد كما لو أحرم
(١) أخرجه البخاري (٦٥٥٤)، ومسلم (٢٢٥)، وعبد الرزاق (٥٣٠)، وأبو داود (٦٠)، والترمذي
(٧٦) وقال: غريب حسن صحيح، وأحمد (٨٢٠٦)، وابن الجارود (٦٦)، وابن خزيمة (١١).
(٢) أخرجه مسلم (٥٩٥٧)، وأحمد (٢٣٩٢٢)، والبيهقي في السنن (١٦٩٥٢)، والطبراني (٢٨٧).
(٣) أخرجه أحمد (٩٥٢٥)، والحاكم (٨٧٢) وقال: صحيح، والبيهقي (٢٢٨٧)، وابن حبان (١٧٩١)،
والدارقطني (٣٢١/١).

١٥١
بداية الشرح
مجامعًا على قول؛ ولأنه شديد المشقة أكثر من غيره فحفظوه من طرق سرعة الاحتياط
فيه بخلاف نحو الصلاة والصوم.
وأمَّا العدة: فلأن القصد منها مضي المدة المحققة لبراءة الرحم، فلم يفتقر فيها
إلى فعل من المرأة.
وأمَّا الوقوف: فلاستصحاب نية الإحرام فيه.
والحاصل: إن هذه ونظائرها خصت من العموم بأدلة قامت عند القائل بها
كما أشرنا إلى بعضها، والعام المخصوص حجة في غیر ما خص منه.
ودليل ما قدمناه من عدم انعقاد حج الضرورة عن الغير خلافًا لأبي حنيفة
ومالك الحديث الصحيح: إنه ◌َّ﴾ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، فقال: ((أَحَجَجْتَ
عَنْ نَفْسِكَ)؟ قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَاجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ احْجُجْ عَنْ شُبْرُمَةَ(١).
وفي رواية: ((حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ))(٢) وهذا معنى الرواية الأخرى
اجعلها في نفسك، ثم حج عن شبرمة، فالحديث كما ترى مصرح بإلغاء إحرامه
لشبرمة ووقوعه لنفسه، ومعنى حج عن نفسك واجعلها في نفسك: التزم أحكام الحج
لنفسك، فإن إحرامك وقع لها.
ولا نظر لما قيل: يحتمل أنه كان في ابتداء الإسلام حتى لم يكن الإحرام لازمًا؛
لأن الصريح لا يترك لمثل هذا الاحتمال على أنه غير صحيح؛ إذ لم يثبت في زمن أن
الإحرام غير لازم على أن الحج لم يفرض إلا أواخر الإسلام، فكيف يقال: ابتداء
الإسلام.
وخبر البيهقي الذي قد يقتضي خلاف خبر شبرمة ضعيف.
وخبر البخاري: ((حِجِّي عَن ابْنكِ)) من غير استفصال هل حجت عن نفسها؟
(١) أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) (٣٠١٥)، وابن حبان (٢٩٩)، والبيهقي في سننه (١٠١٣٩).
(٢) أخرجه أبو داود (١٨١١)، وابن ماجه (٢٩٠٣)، والبيهقي في سننه (٨٩٣٦)، وابن خزيمة (٣٠٣٩)،
والدارقطني (٢٦٨/٢)، والضياء (٢٦١) وابن عدي (١٠٨/٢).

١٥٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
يحمل على أن المراد حجي عنه بعد حجك عن نفسك لتصريح خبر شبرمة بذلك
فاندفع بما قدرته ما لبعضهم هذا فاستفده.
(بِالتِّيَّاتِ) أي: إنما وجودها شرط مستقر، ومعتبر بسببها، فاندفع زعم: إن
تقدير متعلق الخبر عامل يلزمه الحمل على المعنى اللغوي الذي بان بطلانه، ويصح
كون الباء للملابسة، فعلى الأول هي شرط، وعلى الثاني هي ركن كذا قيل، وفيه نظر بل
كل منهما محتمل للشرطية والركنية؛ إذ كل من الشرط والركن يقارن المشروط والماهية،
ويكون سببًا في وجوده، ويوضحه أن ركن الماهية مغاير لها مغايرة الخبر وللكل،
فيصدق عليه المصاحبة كما يصدق عليه السببية.
وأمَّا السببية: فصادقة مع الشرطية وهو واضح لتوقف المشروط على الشرط ومع
الركنية؛ لأن يترك جزء من الماهية.
واختار الغزالي في نية نحو الصلاة أنها شرط لخروجها عنها، وإلا لتعلقت
بنفسها وافتقرت إلى نية أخرى فيؤدي إلى الدور أو التسلسل المحالين.
والأكثرون: على أنها ركن والمنوي غيرها حذرًا من تلك الاستحالة، ثم الخلاف
إنما هو في إيجادها في أول العمل.
أما استصحابها حكمًا بألا يأتي هنا فيها، فشرط اتفاقًا ومن ثم اشترط إسلام
الناوي وتمييزه وعلمه بالمنوي وجزمه بالنية وحكمها للوجوب ومحلها القلب؛ ولأنه
◌َلو نطق بها في الحج فقسنا عليه سائر العبادات، وعدم وروده لا يدل على عدم وقوعه.
وأيضًا فهو ◌َله لا يأتي إلا بإكمال وهو أفضل من تركه إجماعًا، والفعل الضروري
حاصل فإنه ◌َّه لم يواظب على ترك الأفضل طول عمره، فثبت أنه أتى في نحو الوضوء
والصلاة بالنية مع النطق، ولم يثبت أنه تركه، والشك لا يعارض اليقين، ومن ثمَّ أجمع
عليه الأمة في سائر الأزمنة والقصد بها تمييز العبادة عن العادة أو تمييز رتبتها على
بعض، ووقتها أول المفروض إلا في الصوم لعسر مراقبة الفجر.
جمع نية اسم أو مصدر بتشديد الياء من نويَّ إذا قصد فنهى قصد الشيء

١٥٣
بداية الشرح
مقترنًا بفعله ابتغاء لوجه الله وامتثالاً لحكمه، فإن يقدم، سميت عزمًا، وفيها عبارات
أُخر ترجع لما ذكرنا.
ومنها قول النووي #: هي القصد، وهو عزيمة القلب.
واعترضه الكرماني بأن القصد إلى الفعل هو ما نجده من أنفسنا حال الإيجاد،
والعزم قد يتقدم ويقبل الشدة والضعف بخلاف القصد، فكيف يفسر به؟ ورد بأن
العز هو إرادة الفعل القطع عليه، وهذا هو المراد من النية هنا. انتهى.
والحاصل: إن النووي أراد بعزيمة القلب في التعريف تصميمه على الفعل، وأراد
به إيجاده وهذا غير مطلق العزم الذي قد يتقدم ويقبل الشدة والضعف.
وفي قول الكرماني قد يتقدم ما يصرح بما قلناه من أنه قد يقارن، على أن
بعضهم جعل النية والإرادة والقصد والعزم بمعنى، ولا يطلق منها شائعًا على الله إلا
الإرادة.
وزعم أن المراد بها هنا معناها اللغوي الذي هو: انبعاث القلب لما يراه موافقًا
لغرضه من جلب نفع أو دفع ضر جمالاً أو مالاً ليحسن نطقه لما بعده وتقسيمه بقوله:
((فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ ... إلخ)) ليس في محله كما هو ظاهر؛ لأن ارتباط العمل بالنية بهذا
المعنى بديهي فلا يحتاج فيه لقصر قلب، ولا لقصر أفراد؛ ولأنه يلزم عليه ألَّا يقيد
شيئًا مما مرّ من الأحكام التي لا تنحصر؛ ولأن الشارع إنما تكلم في بيان الشرعيات
وما بعده مطابق له، وإن أريدت النية الشرعية؛ لأنه إذا تقرر انحصار صحة الأعمال أو
كمالها في النية الشرعية تفرع عليه أن من قرنت هجرته بالنية الشرعية صحت
وأثیب، ومن لا فلا.
ثم رأيت الطيبي صرح بنحو ما ذكرته.
وقيل: من ((نوى)) إذًا بعد؛ لأن النية وسيلة لحصول المنوي مع بعده لعدم الوصول
إليه بالجوارح وحركاتها الظاهرة وأعلاها كسيد، وقد يخفف.
قيل: من (وني)) إذا فتر لاحتياج تصحيحها إلى نظر، وهو يفيد؛ لأن مصدر ((وني

١٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
يني وني)) لا نية، وجمعت في هذه الرواية باعتبار أنواعها من الوجوب تارة وغيره أخرى،
ومن قصد رضا الله فحسب أو مع دخول الجنة أو بمقابلتها بالأعمال، ولو في رواية
العمل لما مرَّ أنه عام؛ لأنه مفرد محلى بـ((أل))، وكل عمل له فيه على حدته فهو على حد
ركب القوم دوابهم دون ساروا فراسخ.
والفرق بين جمع القلة والكثرة أنها في النكرات لا المعارف كما هنا، وأفردت في
روايات أُخر على الأصل في المصدر محلها وهو القلب، وغايتها وهو الإخلاص للواحد
الذي لا شريك له، فعليم أنه لا يجب التلفظ بها.
وقيل: يجب في الصلاة وطرد في كل عبارة، فلذا سن مطلقًا ولا يكفي اللسان
وحده.
وقيل: يكفي في الزكاة، وهو شاذ ويشترط مقارنتها الأول المنوي إلا في الصوم
لعسر مراقبة الفجر، وإلا نحو الزكاة فإنه يكفي قرنها بعزلها قبل الإعطاء، وحيث
وجبت اشترط استحضارها أول كل عمل، وإن قل وتكرر سواء قلنا: إنها ركن وهو ما
علیه الجمهور أو شرط.
(تَنْبِيه): وجه قول الشافعي إن هذا الحديث يدخل فيه نصف العلم أن النية
عبودية القلب والعمل عبودية الجوارح، وأيضًا فالدين إما ظاهر: وهو العمل، أو باطن:
وهو النية، فهو على حد حديث: ((إِنَّ الْفَرَائِضَ نِصْفُ الْعِلْمِ))(١) لنطقها بالموت المقابل
للحياة.
ووجه البيهقي قوله الذي تبعه عليه أحمد وغيره ومن ثم نقله عياض عن الأئمة:
إنه ثلث الإسلام، أو العلم بأن كسب العبد إما بقلبه كالنية أو بلسانه أو ببقية
جوارحه، والأول أحد الثلاثة بل أرجحها؛ لأنه عبادة بانفرادها وبهذا وجه خبر: «نِيَّةُ
(١) أخرجه بنحوه ابن ماجه (٢٧١٩)، والحاكم (٧٩٤٨)، والبيهقي في سننه (١٢٥٣٧)، والطبراني في
الكبير (٧٨)، والدارقطني (٤١٠٣).

١٥٥
بداية الشرح
الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ))(١). وفي رواية: (أَبْلَغ))(٢). وفي أخرى ((زيادة) (٣).
((وأن اللّهَ وَكْ لَيُعطِي العَبْدَ عَلَى نَيَّتِهِ مَا لَا يُعطِيهِ عَلَى عَملِهِ))(٤) وذلك أن النية لا
رياء فيها والعمل يخالطه الرياء، وله طرق ضعيفة لكن يتقوى بمجموعها.
ولا يعارضه خبر: ((مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ وَاحِدَة وَمَنْ عَمِلَهَا
كُتِبَتْ لَهُ عَشْرة)»(٥) الموهم أن العمل خير منها؛ لأن كناية العشر ليست على العمل
وحده بل معها.
ومن خيرتها على العمل أنها تقتضي التخليد في الجنة أو النار؛ إذ المؤمن ناوي
الإيمان دائمًا، والكافر ناوي الكفر دائمًا فقوبل التأبيد بالتأبيد، ولو نظر للعمل لكان
الثواب أو العقاب بقدر مدته.
وقيل: المراد أن النية خير من العمل بلا نية لا معها؛ لئلا يلزم أن الشيء خير
من نفسه مع غيره، وسبب خيرتها عليه ما أشار إليه الخبر السابق: ((إنها عمل أشرف
الأعضاء وهو القلب)) مع عدم تطرق نحو الرياء إليها، ومع أن تنويره المقصود من
الطاعات بها أكثر؛ لأنها صفته.
وقيل: ضمير عمله لكافر معهود وهو السابق؛ لبناء قنطرة عزم مسلم على بنائها.
وقيل: ليست خبر أفعل تفضيل؛ أي: النية خير من جملة الخيرات، واختلفوا في
نية السيئة، والحق أنه لا عقاب عليها إلا إن انضم إليها عزم أو تصميم.
فإن قلت: ونية الحسنة كذلك.
قلت: فرق بأن ناوي الحسنة يثاب عليها وعلى نيتها، وناوي السيئة إنما يعاقب
(١) أخرجه الطبراني (٥٩٤٢)، والقضاعي (١٤١)، والخطيب (٢٣٧/٩).
(٢) أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٦٥٩٥)، والقضاعي في الشهاب (١٤٠).
(٣) ذكره الملا علي القاري في مرقاة المفاتيح (١٠٤/١).
(٤) أخرجه الديلمي (٦٨٤٣).
(٥) أخرجه مسلم (١٣٠)، وأحمد (٧١٩٥)، والطبراني في الأوسط (٤١٤٠).

١٥٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
على نيتها فقط، ومعنى ثوابه على الأولين أنه يكتب له حسنة عظيمة لكن
باعتبارين لا التضعيف إلى عشرة فأكثر؛ لأنه خاص بمن فعل كمن صرح به الخبر
السابق، ومن عملها كتبت له عشر المخصص؛ لقوله تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ
عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وعلى هذا يحمل قول بعضهم: لا نسلم أن من جاء بنية الحسنة فقد جاء
بالحسنة؛ لئلا يلزم عليه استواء فعل الحسنة ونيتها، وإنما يثاب على الحسنة حتى يظهر
الفرق بينهما، واستدل له بالحديث على من قال: تقع نية نحو التطوع بصوم رمضان
عنه؛ إذ ليس للمرء إلا ما نواه كما يأتي وتعين رمضان شرطًا لا يغني عن نية المكلف
لأداء ما كلف به، وزعم أن مطلق نية الصوم كافية.
يرده أن من مقاصد النية تميز رتب العبادة بعضها عن بعض، وأن الحديث لا
يدل على وجوب تعيين المنوي يرده ما يأتي في تقرير: (وَإِنمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى))(١) وإنما
لم يشترط لكل من أركان الحج نية مخصوصة على الأصح؛ لشمول أصل نيته لها كأركان
الصلاة، واستدل به أيضًا على من قال: إذا تلفظ بالطلاق ونوى ثلاثًا وقعت واحدة،
وزعم أنه نوى ما لا يحتمله لفظه ممنوع؛ إذ أنت طالق يحتمل طلاقًا ثلاثًا واثنتين
وواحدة، فإذا نوى قسمًا من ذلك لم يكن لعدم وقوعه مقتضيًا فوجب وقوع ما نواه
كما دل عليه الحديث، بخلاف ما إذا لم ينوِ به شيئًا فإنه يجب صرفه لا حمل مدلوله
المحقق وهو واحدة.
وعلى أن نحو الناسي غير مؤاخذ بنحو الطلاق والعتق؛ إذ لا نية له ويعضده
(١) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧)، والترمذي (١٦٤٧)، وأبو داود (٢٢٠١)، وأحمد (١٦٨)،
والنسائي (٣٤٣٧)، وابن ماجه (٤٢٢٧)، والحميدي (٢٨)، والبيهقي (١٨١)، والطبراني في الأوسط
(٤٠) والخطيب (٢٤٤/٤) وابن عساكر (١٦٦/٣٢) وابن خزيمة (١٤٢)، والدارقطني (٥٠/١) وأبو
عوانة (٧٤٣٨) والبزار (٢٥٧) والبيهقي في الزهد (٢٤١)، والديلمي (٤٠١)، والقضاعي (١)، وابن
حبان (٣٨٨).

١٥٧
بداية الشرح
الخبر الصحيح: ((رُفِعَ عَنْ أَمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ)(١).
وزعم أن أهلية القصد منزلاً منزلة القصد، يرد بأنه لا دليل على هذا التنزيل
بل قام الدليل الصريح على عدمه، وعلى أن من سبق لسانه لمكفر بدين خلافًا لبعض
المالكية؛ إذ لا نية له ويؤيده خبر مسلم في الذي ضلت راحلته ثم وجدها، فقال مِنْ
شِدَّةِ الْفَرَجِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، قال ◌َِّ: (أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَح)(٢).
فإن قلت: ظاهر كلام بعضهم قبول دعواه سبق اللسان هنا ولو من غير قرينة،
فينافيه ما مرَّ في نحو الطلاق أنه لا بدَّ من قرينة، فما الفرق؟
قلت: أُمَّا بالنسبة للباطن: فهما على حد سواء فلا شيء عليه باطنًا فيهما حيث
سبق لسانه.
وأما ظاهرًا: فلا بدَّ من قرينة في الطلاق وكذا الكفر كما هو ظاهر، ويحتمل
قوله فيه ظاهرًا مطلقًا، ويفرق بأنه يغتفر في حق الله تعالى ما لا يغتفر في غير حق
غيره لبناء حقه تعالى على المسامحة وحق الآدمي على المشاحة.
(وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ) بكسر الراء؛ أي: رجل وألحق به المرأة وهو بمعنى المرء،
والمرء مثلث الميم وعينه تابعة للأمة دائمًا فهو من الغرائب، الإنسان أو الرجل كما في
القاموس، فعلى الأول لا قياس بل يدخل البناء فيه بالنص (مَا نَوَى) أي: الذي نواه أو
بنية، وهذا من حصر الخبر في المبتدأ عكس ما مرَّ؛ إذ الحصر في إنما المؤخر دائمًا وهذا
سبب آخر للحصر وهو تقديم الخبر.
ومفاد هذه بيان منع التوكيل في النية، وصحة نية الولي عن الصبي، والأجير عن
المؤجر في الحج، والوكيل عن موكله في نحو الزكاة، على خلاف الأصل لمعنى يخصه، فلا
يرد حصول ثواب العمل لعامله دون غيره، قال تعالى: ﴿وَأَن ◌َّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا
سَعَى﴾ [النجم: ٣٩].
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٣)، والطبراني (١٤٣٠) وفي الشاميين (١٠٩٠)، والبيهقي (١٤٨٧٣).
(٢) أخرجه مسلم (٢٧٤٧).

١٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
ولا يرد عليه وصول نحو الصدقة والدعاء للميت إجماعًا؛ لأن ذلك مستحيلً
لأدلة أعلاها الإجماع، وحكمته توسعة طرق الخير في نفع الميت، وأن العمل لا يجزي
إلا أن عينت بنية، ومن ثم لو نوى الصلاة الفائتة فرضًا إن كانت عليه فائتة وإلا
فتطوعًا لم يجزه عن فائتة عليه؛ لأنه لم تمحض النية لها فلم يعينها، وكذا لو نوى
الفائتة ولم يعين كونها ظهرًا مثلاً، وإن لم يكن عليه غيرها، خلافًا لمن وهم فيه كما
بينته في ((شرحي العباب)) و((الإرشاد)).
وأن له من العمل جزاء بقدر نيته، ففيه بيان لما تثمره النيات من القبول والرد
والثواب والعقاب وغير ذلك كإسقاط القضاء وعدمه؛ إذ لا يلزم من صحة العمل
وجود ثوابه، بل ولا عدم العقاب عليه من جهة أخرى، ولا إسقاطه القضاء ألا ترى
أن الصلاة في المغصوب صحيحة ولا ثواب فيها عند الجمهور وإن كان المحققون على
خلافه، وأن صلاة فاقد الطهورين والمتيمم بمحل يغلب فيه الماء صحيحة ولا يغني
عن القضاء.
وقيل: هذه مؤكدة للأولى تنبيهًا على سر الإخلاص. انتهى.
وتنبيهها على ذلك يمنع إطلاق كونها مؤكدة، فعلم سر تأخير هذه وأنهما
متغايران وأنه لولا تعقيب تلك بهذه لأوهمت تلك صحة النية بلا تعيين، وإنه يلزمها
الثواب وإسقاط القضاء، وأن ما بعد الفاء الآتية تفصيل لبعض مفاد هذه والتقدير إذا
تقرر أن لكل إنسان منوية من طاعة ومباح وغيرهما، فلا بدَّ من مثال يجمع الأعمال
كلها أوامرها ونواهيها وهي الهجرة؛ إذ هي تتضمن الأعمال كلها، أما الكف عن المنهي
فظاهر.
ومن ثم قال ◌َ﴾: ((الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ))(١) وأما الأمر؛ فلأنه لا
(١) أخرجه البخاري (١٠)، وأبو داود (٢٤٨١)، والنسائي (٤٩٩٦)، والحميدي (٥٩٥)، وأحمد (٦٥١٥)،
والدارمي (٢٧١٦)، وابن حبان (٢٣٠)، والطبراني في الأوسط (٣٥٩٨)، وأبو نعيم في الحلية (٤/
٣٣٣)، والقضاعي (١٦٦).

١٥٩
بداية الشرح
يتم بل لا يمكن الإتيان به إلا أن يهجره دواعي النفس والهوى فلتضمن الهجرة هذا
الأمر العام.
إنه ﴿ ﴿ ذكرها مفرعًا له بالفاء الداخلة على الخبر إن جعلت ((من)) شرطية، أو على
الخبر إن جعلت ((من)) موصولة لمشابهة الموصول للشرط في العموم أو تضمنه له، فقال:
(فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ) من الهجر وهو الترك، وهو هنا ترك الوطن الذي بدار الكفر إلى
دار الإسلام كهجر الصحابة بلاء اشتد بهم [من](١) أذى أهل مكة ومنعوهم من إظهار
دينهم وحاولوهم أشد المحاولة على الارتداد عنه من مكة إلى الحبشة مرتين، وإلى
المدينة قبل هجرته 80# وبعدها، ولما احتاجوا إلى تعلم العلوم والعبادات والآداب من
أوطانهم إلى المدينة.
وقد يطلق كما في أحاديث على هجرة ما نهى الله عنه، وعلى هجر المسلم أخاه،
وهجر المرأة مضجع زوجها وغير ذلك، ويصح إرادة هذه كلها هنا استعمالاً للفظ في
حقيقته ومجازه، وليس هجر المسلم والمرأة محرمًا دائما بل قد يجب.
ومعنى حديث: ((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ))(٢) أي: فتح مكة؛ أي: لا هجرة حينئذٍ إلا
هجرة المعاصي لحديث أبي داود والنسائي: ((لا تنقطع الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ وَلَا
تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا)»(٣) لكن فيه مقال.
وقال الخطابي: الهجرة قبل فتح مكة مفروضة وبعدها مندوبة، والمنقطع فرضها
والباقي ندبها، وفيه نظر بل الهجرة من أرض الكفار باقٍ وجوبها عندنا حيث لم يمكنه
إظهار دينه، ثم فالأولى حمل النافية على هجر السيئات، ويؤيده خبر أحمد: «الْهِجْرَةُ أَنْ
(١) زيادة لإتمام المعنى.
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٣١)، ومسلم (١٨٦٤)، وابن أبي شيبة (٣٦٩٣٢)، وأحمد (١٥٣٤١)،
والترمذي (١٥٩٠) وقال: حسن صحيح، والنسائي (٤١٧٠)، وأبو داود (٢٤٨٠).
(٣) أخرجه أحمد (١٦٩٥٢)، وأبو داود (٢٤٧٩)، والطبراني (٩٠٧)، والبيهقي (١٧٥٥٦)، والدارمي
(٢٥١٣)، والنسائي (٨٧١١)، وأبو يعلى (٧٣٧١).

١٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
تَهْجُرَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ... ))(١) وبما تقرر يعرف معنى قول بعضهم: هي
هنا ترك الوطن إلى غيره، وشرعًا: مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام خوف الفتنة
وطلب إقامة الدين وحقيقته مفارقة ما يكرهه الله تعالى إلى ما يحبه.
(إِلَى اللّه وَرَسُولِهِ) نية وقصدًا (فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) حكمًا وشرعًا فهو تميز
للنسبة، وهو يجوز حذفه لقرينة لا حال ميته لامتناع حذفها کذا قيل، ورد بأن ظاهر
كلام النحاة جوازه؛ لأن الحال إما خبر أو صفة في المعنى وكلاهما يجوز حذفه إلا الدليل
أو مقبولة أو صحيحة، أو قلة ثواب من هاجر إلى الله ورسوله فأقيم السبب مقام
المسبب، وقد لا يحتاج لتقدير محذوف؛ إذ التغاير بين المبتدأ والخبر وفعل الشرط
والجزاء، وإن كانت هو الأكثر لفظًا إلا أنه قد يكون معنى بدليل قرائن السياق:
بأن يراد بالثاني: ما عهده هنا.
وبالأول: ما وجد خارجًا على حد أنت أنت؛ أي: الصديق الخالص، وهم هم؛ أي:
الذين لا يقدر قدرهم، ومنه أنا أبو النجم وشعري شعري؛ أي: شعري الآن هو شعري
السابق المعهود وهنا لم يغيره العجز والكبر، ورجح بأن فيه تعظيمًا كما أن في ضده
الآتي تقبيحًا؛ إذ اتحاد لفظ المبتدأ والخبر أو الشرط والجزاء بقصد لأحد ذينك، ولم
يقل إليهما استلذاذًا بتكرير اسمها، ومن ثم لم يكرر لفظ الدنيا فيما يأتي إعراضًا
عنها ما أمكن، وإشارة إلى أنه ينبغي في مقام الخطابة لا مطلقًا ألّا يجمع اسمها في
ضمير.
ومن ثم قال له الخطيب قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصيهما فقد
غوى: ((بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ أَنْتَ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ))(٢) ولا ينافيه جمعهِ وَّل
ضميرها في حديث عند أبي داود؛ لأن الخطيب لم يكن عنده من العلم بتعظيم الله
تعالى وجلال كبريائه، ومن الوقوف على دقائق الكلام ما كان عند النبي ◌َّ فمن ثم
(١) أخرجه أحمد (٧٢٩٤)، والطيالسي (٢٣٧٩).
(٢) ذكره ابن حجر في ((فتح الباري)) (٤٦٨/٧).

١٦١
بداية الشرح
منعه؛ لئلا يسري وهمه إلى ما لا يليق، وإلى تفخيم هذه الهجرة وتعظيم شأنها، وأنها
هي الهجرة الكاملة دون ما عداها، وإلى هنا وفيما يأتي متعلقة بهجرة إن قدرت كانت
تامة، ومحذوف هو خبرها إن قدرت ناقصة.
(وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلى دُنْيًا) (فُعلى)) بضم أوله وكسره وجمعها (دنى)) ككبرى
وكبر من الدنو لدنوها إلى الزوال أو لسبقها على الآخرة، فهي اسم لمجموع هذا العالم
المتناهي، ومن ثم قال في القاموس: الدنيا نقيض الآخرة.
قال النووي: وهذا هو الأظهر ويطلق على كل جزء منها مجازًا، وأريد به هنا شيء
من الحظوظ النفسانية كمال أو جاه، وقد يكون إشارة للعاجل والمراد إشارة للآجل،
وهو الآخرة لانضمام الروحانية إلى الجسمانية في كل منهما فيفيد حينئذٍ أن قصد ما
سوى الله تعالى فيه انحطاط تام عما لم يقصد غير وجهه تعالى وقليل ما هم، وعند
محققي القوم ما تعلق دركه بالحسن دنيا وما تعلق دركه بالعقل أخرى؛ لتقدم الأول في
الظهور ولا ينون؛ لأن ألفها المقصورة للتأنيث أو هي تأنيث أدنى، وهي كافية في منع
الصرف خلافًا لمن وهم فاعتبر معها مقتضيًا آخر، وتنوينها في لغة شاذة.
وزعم أنه غير لغة مردود ولإجرائها مجرى الأسماء وخلعها عن الوصفية ذكرت
كرجعى، ولو بقيت على وصفيتها لعرفت كالحسنى، والمراد بكانت أصل الكون لا
بالنظر لزمن مخصوص أو وصفها الأصلي من المضي، أو هنا من الاستقبال لوقوعها في
حيز الشرط، وهي تخلص الماضي للاستقبال، ويقاس به الآخر للإجماع على استواء
الأزمنة في الأحكام التكليفية إلا لمانع.
(يُصِيبُهَا) أي: يحصلها لكن لسرعة مبادرة النفس إليها بالحيلة شبه حصولها
بإصابة السهم للغرض (أوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا) خصت بالذكر مع شمول دنيا لها؛ لأنها
نكرة في حيز الشرط، وهي تعم وإن كانت مثبتة تنبيهًا على سبب الحديث وإن كانت
العبرة لعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهو ما رواه الطبراني بسند رجاله ثقات خلافًا
لمن زعم أنه لا أصل لما يذكرونه من السبب.

١٦٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
ولفظه عن ابن مسعود: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها: أم قيس فأبت أن
تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها قال: فكنا نسميه مهاجر أم قيس، قيل واسمها
قَبِيلة - بفتح القاف وكسر التحتية - ولم يعين اسمه سترًا عليه، وإن كان ما فعله
مباحًا لما يأتي أو على أعظم فتن الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ
النِّسَاءِ ..... ﴾ [آل عمران: ١٤] فبدأ بهن؛ لأنهن أعظم الشهوات.
ولقوله {َله: ((مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ مِنَ النِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ)(١) فهو نحو
والملائكة وجبريل وميكائيل، وإن عطف (ثم)) بـ((أو)) وهنا بالواو، وزعم أن العرب
كانوا لا يزوجون مولى عربية فجاء الإسلام وأبطل الكفاءة فهاجر كثير للمدينة لأجل
تزوج العربيات مجرد دعوى؛ إذ لم يثبت ما يؤيده بل يبطله تزويج كثير من مواليهم
وحلفاءهم قبل الإسلام، ولم يبطل الإسلام الكفاءة خلافًا لمن زعمه كما يأتي بيانه في
محله.
(فَهِجْرَتُهُ) لا تنصرف إلى الله ورسوله وإنما تنصرف (إِلَى مَا) أي: الغرض الذي
(هَاجَرَ إِلَيْهِ) فلا ثواب له بل يلحقه نوع من الذم كما قضى به السياق؛ لأن ظاهره
مبدل على قصد الهجرة إلى الله وباطنه بخلافه وهذا وخيم، كما أشار إليه بقوله تعالى:
﴿كَبِرَ مَقْتًا عِندَ الله أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣].
ولا ينافي هذا الذم مدح أبي طلحة مع أنه لما خطب أم سليم قالت: إني مسلمة
وأنت كافر ولا تحل لي فأسلم وتزوجها وكان صداقها إسلامه؛ لأن هذا الحديث وإن
صح إلا أنه معلل؛ إذ المعروف أن المسلمة إنما حرمت على الكافر من الحديبية والفتح
حين نزلت: ﴿لَا هُنَّ حِلَّ لَّهُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] كما في ((صحيح البخاري)) على أنه ليس
فيه ليتزوجها، وإنما امتنعت حتى هداه الله إلى الإسلام رغبة فيها لا فيه؛ لأنه من
(١) أخرجه البخاري (٤٨٠٨)، ومسلم (٢٧٤٠)، وأحمد (٢١٨٧٨)، والحميدي (٥٤٦)، وابن أبي شيبة
(٣٧٢٨٢)، والترمذي (٢٧٨٠)، والنسائي (٩٢٧٠)، وابن ماجه (٣٩٩٨)، وابن حبان (٥٩٦٩)،
والطبراني (٤١٥)، وابن قانع (١٠/١).

١٦٣
بداية الشرح
أكابر الصحابة وأجلائهم *، وأيضًا كون الداعي للإسلام الرغبة فيه لا يضر مع كونه
يعلم أنه يحل له بذلك نكاح المسلمة.
وظاهر قوله: ((إِلَى دُنيَا)) إن هذا هو الغرض الباعث على الهجرة فحسب، كما أن
ما قبله هو الغرض كذلك؛ وحينئذٍ فلا يؤخذ من هذا الحديث حكم اجتماعهما
خلافًا لمن زعم أنه يفيد أن له ثوابًا لكن دون ثواب المهاجر لله وحده، وهذه مسألة
طويلة الذيل، وقد حررت المعتمد فيها في أول حاشيتي على ((مناسك النووي)) بما لم
أسبق إليه، فإن فقهاءنا إنما ينقلون فيها قول ابن عبد السلام: متى اجتمع باعث
الدنيا والآخرة فلا ثواب مطلقًا للخبر الصحيح: ((أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ
عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءُ هُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ)(١).
وقول الغزالي بغير الباعث، فإن غلب باعث الآخرة أثيب أو باعث الدنيا
واستويا لم يثيب، وقد بينت، ثم أخذًا من قول الشافعي وأصحابه من حج بنية التجارة
كان ثوابه دون ثواب المتخلي عنها، أن القصد المصاحب للعبادة إن كان محرمًا كالربا
أسقطها مطلقًا، وهو مجمل الحديث المذكور كما يصرح به لفظه، أو غير محرم أو أثيب
بقدر قصده الآخرة أخذًا بعموم قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾
[الزلزلة:٧].
ومن تأمل كلام («الإحياء)) في مواضع بان له منه صحة ذلك، وكذا كلام غيره كما
بسطته في الحاشية المذكورة.
ونقل ابن جرير عن جمهور السلف: إن من ابتدأ عمله خالصًا لله لم يضره ما
عرض بعد من إعجاب وغيره، وبما قررته يعلم أن (لي)) ومجرورها متعلق الخبر
المحذوف، ويصح أن يكون متعلقًا بالمبتدأ وخبره محذوف؛ أي: قبيحة، لكن يراد
بـ(ما)) شيء مخصوص لا عام؛ لئلا يلزم ذم الهجرة مطلقًا.
(١) أخرجه مسلم (٢٩٨٥)، وابن ماجه (٤٢٠٢).

١٦٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول
(مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ) أي: رواه الشيخان البخاري ومسلم، وكذا حيث وقع هذا اللفظ
في كلام المؤلف فالمراد به ذلك.
وهذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام وجعلها أبو داود أربعة
هذا ((مِنْ حُسْنٍ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ))(١).
(لَا يَكُون الْمَرْءِ مُؤْمِنًا حَتَّى يَرْضَى لِأَخِيهِ مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ)(٢).
((الْخَلَالُ بَيِّنْ وَالْحَرَامُ بَيِّنَ))(٣) وذكر غيره غيرها.
وقد يثبت ذلك في «شرح أربعين النووي)) رحمه الله، وهو مجمع على صحته، وما
أشار إليه ابن ماكولا وجرير مما يقتضي القدح فيه لا يلتفت إليه، بل قيل: إنه متواتر
لكن ليس على إطلاقه فإنه لم يروه من طريق صحيح عن النبي وَلّ إلا عمر، ولم يروه
عن عمر إلا علقمة بن وقاص الليثي وهو صحابي في قول بعضهم، ولم يروه عن علقمة
إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يروه عن محمد إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم تواتر
عنه بحيث رواه عنه أكثر من مائتي إنسان من أعيانهم مالك والثوري والأوزاعي وابن
المبارك والليث بن سعد وحماد بن زيد وسعيد وابن عيينة.
وقد ثبت عن الحافظ بن إسماعيل الهروي الملقب بشيخ الإسلام أنه كتبه عن
سبعمائة رجل من أصحاب يحيى بن سعيد، فهو مشهور بالنسبة إلى آخره غريب
بالنسبة إلى أوله، والفرق بين المتواتر والمشهور: أن الأول: وهو ما ينقله جمع يستحيل
تواطؤهم على الكذب عن مثلهم في جمع الطبقات إلى أن ينتهي إلى محسوس يفيد العلم
الضروري، وإن كانت رواية فسَّاقًا أو كفارًا.
(١) أخرجه الترمذي (٢٣١٧) وقال: غريب، وابن ماجه (٣٩٧٦)، والبيهقي في شعب الإيمان
(٤٩٨٧)، وابن حبان (٢٢٩)، وأحمد (١٧٣٧)، والطبراني (٢٨٨٦)، وابن عساكر (٤٢٦/٤١).
(٢) أخرجه أبو داود في ((سننه)) (٤/١).
(٣) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩)، وأحمد (١٨٣٩٨)، وأبو داود (٣٣٣٠)، والترمذي (١٢٠٥)
والنسائي (٤٤٥٣)، وابن ماجه (٣٩٨٤)، والدارمي (٢٥٣١)، والبيهقي (١٠١٨٠).

١٦٥
بداية الشرح
والثاني: يفيد العلم النظري إن تباينت طرقه وسلمت من العلة وضعف الرواة،
وقد روى الحديث عن عمر تسعة غير علقمة وعن علقمة اثنان غير التيمي وعن
التيمي خمسة غير يحي.
والحاصل: إنهم كما أجمعوا على صحته أجمعوا على عظيم موقعه وجلالته وكثرة
فوائده، وأن فيه من الفقه ما لا ينحصر كما سبقت الإشارة وسيأتي أكثره مفصلاً في
مواضعه.
ومن ثَمَّ كان أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام ومن الجوامع التي خص
بها النبي ◌َّ﴾ ومما فيه أنه يدل على منع الإقدام على العمل قبل معرفة الله حكم الله
فيه؛ إذ لا يصح نية الشيء إلا بعد معرفة حكمه، وعلى أن نحو العاقل غير مكلف
لاستحالة وجود القصد منه مع كونه غافلاً مثلاً، وعلى أن نية صوم النفل قبل الزوال
لا تنعطف على ما قبلها، لكن صرح أصحابنا بخلافه نظرًا إلى أن الصوم خصلة كما
هو الأليق بسعة فضل الله، وعلى أن من حضر جماعة فأخبر عن أحدهم بما لا يمكن
غفلتهم عنه وانفرد بالإخبار بذلك لم يؤثر في صحة حديثه خلافًا لمن زعمه؛ لأن
علقمة ذكر أنه سمعه من عمر وهو يخطب ولم يصح عن أحد غيره.
قيل: وعلى أن جمع التقديم لا يشترط له نية؛ لأنه ليس بعمل وإنما العمل
الصلاة، ذكر شيخ الإسلام البلقيني وجعله دليلاً على اختياره على عدم وجوب ذلك،
ويرد بأن الوجه ما قاله الأصحاب من اشتراطها؛ لأن الجمع هو ضم صلاة إلى الأخرى،
وهذا من جملة الأعمال؛ إذ إيقاع العصر عقب الظهر من جملة أفعاله كما هو جلي
فاحتاج النية حتى يتميز عن الإيقاع المحرم حيث لا عذر، وعلى أن العمل المضاف
السبب الذي تحته أنواع يكفي نية مطلق جنسه لكن في نحو الغرامات كالكفارة؛ إذ
يتسامح في ذلك ما لا يتسامح في غيره.
(فَائِدة): ذهب جمع من المحدثين وغيرهم إلى أن جميع ما وقع مسندًا في
((الصحيحين)) أو أحدهما من الأحاديث يقطع بصحته لتلقي الأمر له بالقبول من