النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول المتفق إلى آخره تضعيف غيرهما لبعض روايتهما لجواز أنهما لم يرياه قادحًا، فنزلا كلام الجمهور المعتمد عندهما منزلة الإجماع. وقوله: ((من غير إلى آخره.)) ليس على إطلاقه؛ إذ ليس كل اختلاف مؤثرًا وإنما المؤثر مخالفة الثقة لمن هو أحفظ أو أكثر عددًا. وقال الحازمي: شرط البخاري أن يخرَّج ما اتصل إسناده بالثقات المتقنين الملازمين لمن أخذوا عنه طويلاً سفرًا وحضرًا، وقد تخرج الأعيان من الطبقة التي تلي هذه اتفاقًا وملازمة لمن رووا عنه. وأما مسلم: فإنه يخرَّج أحاديث هاتين الطبقتين على سبيل الاستيعاب، وقد يخرج لمن لم يسلم من غوائل الحرج إذا طالت ملازمته لشيخه فعمله في الطبقة الثالثة كعمل البخاري في الثانية. قيل: ولا يمنع من هذا اكتفاء مسلم في السند المطعن بالمعاصرة والبخاري باللقاء، ولو مرة لمزيد تحریھما في صحيحها. وقال ابن الجوزي: شرطهما الثقة والاشتهار. وقال أبو عبد الله الحاكم وصاحب البيهقي: شرطهما أن يكون للصحابي المشهور بالرواية عن النبي وليه راويان فأكثر، ثم يكون للتابعي المشهور راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظًا متقنًا مشهورًا بالعدالة في روايته وله رواة، ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة. قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: وهو وإن انتقص في بعض الصحابة الذين أخرجا لهم فهو معتبر فيمن بعدهم فليس في كتابيهما حديث أصل من رواية من ليس له إلا واحد قط. انتهى. قيل: والحاكم موافق على استثناء الصحابة فكأنه رجع عن الأول، ثم المراد بقوله في (مستدركه): على شرطهما أو شرط أحدهما، عنه النووي، وابن دقيق العيد، ١٢٧ بداية الشرح والذهبي، كابن الصلاح أن يكون رجال ذلك الإسناد بأعيانهم في كتابيهما أو كتاب أحدهما وإلا قال: صحيح فحسب، ومخالفته لذلك في بعض المواضع تحمل على الذهول. (وَثَانِيهَا: مَا أَوْرِدَهُ غَيْرِهِمَا مِن الأَئِمةِ المذْكُورِينِ، وَثَالِئِهَا: مَا اشْتَمَلَ عَلَى مَعْنَى) أي: مضمون (البَابٍ مِنْ) أحكام أو ترغيبات أو ترهيبات (مُلحَقَات) بفتح الحاء (مُناسبَة) لما قبلها (مَعَ مُحَافَظةٍ عَلَى الشَّرِيطَةِ) السابقة، وهي إضافة الحديث إلى روايه من الصحابة ومخرجه من الأئمة المذكورين، ولما كان قد يقع في هذا القسم الثالث غير أحاديث دعى إليها المناسبة أتى فيه بكل مناسب. (وَإِنْ كَانَ مَأْتُورًا عَنِ السَّلِفِ وَالخَلفِ) وهم من بعد القرون الثلاثة الأول التي أشار ◌َّه إليها بقوله: ((خَيْرُ الْقُرُون قَرْنِيِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)(١) وقدمهم مع أن رتبتهم التأخير كما صرح به هذا الحديث؛ لأن تقديمهم أنسب بالغاية؛ لأنه إذا أتى بالمأثور عنهم فما عن السلف أولى (وَالسَّلَف) وهم أهل القرون الثلاثة الذين هم خير الأمة بشهادة نبيهم وقلة ورضي عنهم. وزعم ابن عبد البر أنه قد يكون في الخلف من هو أفضل من الصحابة مما تفرد به، والأحاديث التي استدل بها ضعيفة أو محمولة على أن لهم مزية من حيث قوة الإيمان بالغيب، والصبر على مُر الحق في زمن الجور الصرف، والمفضول قد توجد فيه مزية بل مزايا لا توجد في الفاضل. ومن ثم قيل لابن المبارك: أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: للغبار الذي دخل في أنف فرس معاوية مع النبي خير من مثل عمر بن عبد العزيز كذا كذا مرة. (ثُمَّ) للترتيب الذكري أو للفصل بعد الإجمال (إِنَّكَ) أيها الناظر في ((كتاب مشكاة المصابيح)) (إِنْ فَقدتَ حَدِيثًا) منها وقد ذكر في أصلها الذي هو المصابيح (في (١) أخرجه البخاري (٢٥٠٩)، ومسلم (٢٥٣٣). ١٢٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول بَابٍ، فَذَلِك) الفقه نشأ (عَنْ تَكْرِيرٍ) وقع في المصابيح (أَسْقَطُ) أنا؛ إذ لا داعي إليه (وَإِنْ وجدتَ) حديثًا (آخر بعضهُ) بدل بعض من كل حال كونه (مَتْرُوًا) وحال كونه جاريًا. (عَلَى اختصَارِهِ) أي: مُحبي السنة؛ أي: وإن وجدتني تبعته في اختصار الحديث بذكر ما اشتمل عليه من الجمل المشتملة على أحكام مختلفة في أبواب مختلفة بحسب ما يليق بها (أَوْ) وجدت حديثًا آخر (مَضْمُومًا إِليهِ تَمَامه) الذي أسقطه محبي السنة أو أتى به (فَـ) ذلك لم يقع اتفاقًا، وإنما وقع (عَنْ دَاعِ اهْتِمَام) اقتضى ذلك الداعي أني (أَتْرِكُهُ) في الأول اتباعًا له ورعاية لما قصده من ذكر حمله في بابها؛ لأن ذلك أفود من ذكره في محل واحد وأخصر من تكريره بتمامه في كل من تلك الأبواب. (وَأَلحقُهُ) في الثاني لفوات الداعي المذكور إلى اختصاره فهو نشر مرتب (وَإِنْ عَثَرتَ) أي: اطلعت أيها الناظر في المشكاة أيضًا (عَلَى اخْتِلَافٍ فِي الفَصْلين مِنْ ذِکرِ غَيْرِ الشَّيخَينِ فِي) الفصل (الأَوَّلِ وَذَكَرهمَا) أي: الشيخين (في) الفصل (الثَّانِي) على اختلاف الشريطة السابقة. (فَاعلَمْ) أنه لداع لا اتفاقي أيضًا، وذلك (أَنَّ بَعْد تَتَبُّعِي كِتَابَ الجَمْعِ بَينَ (الصَّحِيحَين)) للحَمِيدِي) بالتصغير نسبة لجده الأعلى حميد الحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي نصر الأندلسي القرطبي، وهو إمام عالم، كبير، مشهور سمع ببلده وسمع بالشام أصحاب ابن جميع وغيرهم، وورد بغداد فسمع أصحاب الدارقطني وغيرهم، وصنف تاريخًا لأهل الأندلس. قال ابن ماكولا: لم أرَ مثله في نزاهته وعفته وورعه. مات ببغداد في ذي الحجة سنة ثمانين وأربعمائة، ومولده قبل العشرين وأربعمائة. (وَ((جَامِعِ الأُصُولِ))) للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجرزي المشهور بابن الأثير، وله أيضًا (مناقب الأخبار)) و((النهاية)) كان عالمًا محدثًا لغويًّا روى ١٢٩ بداية الشرح عن خلق من كبار الأئمة، كان بالجزيرة وانتقل إلى الموصل سنة خمس وستين وخمسمائة، ولم يزل بها إلى أن قدم بغداد حاجبًا، وعاد إلى الموصل ومات بها يوم الخميس سلخ الحجة سنة ست وستمائة. (اعْتَمدْت عَلَى صَحِيحَي الشَّيخَّين وَمَتْنِهَمَا) عطف بيان، ولم يعتمد على غير متنهما، وإن كان منقولاً عنهما لفائدة نبه عليها الأئمة، وهي أنه قد استخرج عليهما وعلى غيرهما جماعة من الحفاظ، ومرَّ آنفًا معنى الاستخراج. وممن يعتد بالاستخراج على الصحيح: الحفاظ الشافعية يعقوب بن إسحاق الإسفرائيني استخرج على مسلم وأحمد الإسماعيلي على البخاري فقط، وأحمد البرقاني بتثليث الموحدة، وأبو نعيم الأصبهاني عليهما، ثم تلك المستخرجات وقع فيها زيادات عليهما لعدم التزام مصنفيها لفظيهما، بل ربما خالفوا معنى لفظهما لكن بغير منافٍ. فمن ثم وجب على الناقل منها ألا ينسب ألفاظ الأحاديث إليهما فلا يقال: أخرجاه بهذا اللفظ إلا بعد المقابلة بمتنهما أو تصريح المخرج لذلك، ثم إن المستخرجين لم ينفردوا بذلك بل أكثر المخرجين للمشيخات والمعاجم، وكذا الأبواب يوردون الحديث بأسانيدهم ثم يصرحون بعد انتهاء سياقه غالبًا يعزوه إليهما أو إلى أحدهما مع اختلاف الألفاظ وغيرها، يريدون أن أصله فيهما. وممن أراد هذا الأصل البيهقي في تصانيفه كالـ(سنن الكبرى)) والبغوي في ((شرح السنة)» وهذا في المشيخات أسهل منه في الأبواب التي المقصود منها المعاني خصوصًا مع تفاوت المعنى، ولذلك استنكره ابن دقيق العيد فيها لكن جلالة البيهقي ووفور إمامته يمنع أن يظن به أنه ارتكب المحذور من ذلك، وبتقدير تمييز ذلك في غيره فالإنكار في ذلك أخف ممن عمد إليهما، فجمع بينهما لا على الأبواب بل على مسانيد الصحابة مع حذفه الأسانيدهما وإدراجه في أثناء أحاديثهما ألفاظًا من المستخرجات وغيرها مع أن موضوعه الاقتصار عليهما فكان إدخاله فيهما شيئًا من غيرهما غير ١٣٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول صواب. وممن وقع في هذا الصنع الوعر الحميدي المذكور لكن في قليل من جمعه بينهما فإنه ربما يسوق الحديث الطويل ناقلاً له من ((مستخرج)) البرقاني أو غيره، ثم يقول: اختصره البخاري فأخرج طرقًا منه، ولا يبين القدر المقتصر عليه فيلتبس على الواقف عليه ولا يميزه إلا بالنظر لمتن البخاري مثلاً. فلذلك بين المؤلف أنه بعد تتبعه له ولغيره لم يقتصر عليه بل راجع متنهما حتى ينقل اللفظ كما هو فيهما من غير زيادة ولا نقص إلا لداع اقتضى الاختصار كما مرَّ. (وَإِنْ رَأْيتَ) أيها الناظر في المشكاة وأصلها مع أصولهما (اخْتِلافًا فِي نَفيِ) ألفاظ (الحَدِيثِ فَذَلِك) إنما نشأ (مِنْ قَشعُّبٍ) أي: اختلاف (طُرقِ الأحَادِيثِ) حتى عند المؤلف الواحد؛ إذ كثيرًا ما يقع للشيخين وغيرهما سوق الحديث الواحد من عدة طرق بألفاظ مختلفة متباينة المعاني تارة وهو تلقيها أخرى. (فَلَعلِّ) إذا وجدتني آثرت لفظ حديث على اللفظ الذي رواه الشيخ محبي السنة في المصابيح (مَا اطْلَعْت عَلَى تِلْك الرِّوَايَةِ التِي سَلَكَهَا الشيْخُ) محبي السنة (رَحمَهُ اللهُ) في ((مصابيحه)) فلذا حذفها وأتى باللفظ الذي اطلعت عليه (وَقَلِيلاً مَا تَجْدِفِي) أنبه على ذلك فحينئذٍ (أَقُولُ: مَا وَجِدْتَ هَذِهِ الرِّوَاية) التي ينقل الشيخ منها (أَوْ وَجدْتَ خِلافًا فِيهَا فَإِذَا) حذفت لفظًا وأتيت بغيره حسبما اطلعت عليه و(وَقَفْتَ) أنت (عَلَيهِ) أي: على ذلك اللفظ في الأصول. (فَانْسِبِ القُصُورَ إِليَّ لِقِلةِ الدّرَايَةِ) بالأحاديث من محالها المختلفة المتشعبة؛ إذ لا يحيط بها منها على اختلافها إلا الجهابذة الحفاظ نقاد الأسانيد والألفاظ (لَا إِلَى جْنَابِ الشيْخِ) محي السنة؛ لأنه كان من الأئمة الحفاظ المتقنين والعلماء العاملين الراسخين. (رَفَعَ اللهُ قَدْرَهُ فِي الدَّارَين) أي: في الدنيا بإلهام التراضي عليه والدعاء له، والآخرة بإعطائه من معالم القرب أوفاها، ومن سوابغ النعم أصفاها (حَاشَا لله) أي: ١٣١ بداية الشرح تنزيهًا له (مِنْ ذَلِك) أي: من نسبة الخطأ إلى الشيخ، وهذا غاية في تعظيمه من المؤلف - رحمه الله - وهو حقيق بذلك، وحاش حرف جر وضعت موضع التنزيه والبراءة، وقرئ ((حاشًا)) بالتنوين وتركه على بنائه ولم يعرب مراعاة للأصل الذي هو الحرفية. (رَحِمَهُ اللهُ مَن إِذَا وَقَفَ عَلَى ذَلِك) أي: على أن ما سلكه الشيخ وخالفناه فيه وأورد (نَبَّهنَا عَلَيهِ وَأَرْشَدنَا طَرِيقَ الصّوَابِ) حتى تتبع الشيخ فيه (وَلَمْ آلُ) أي: أترك وأقصر من ((أَلَا يألو)) (جُهْدًا) بضم أوله وفتحه؛ أي: مشقة (في التَّنْفِيرِ وَالتَّفْتِيشِ) عطفه بيان عن طرق الأحاديث واختلاف ألفاظها وسياقها (بِقَدْرِ الوِسْعِ وَالطّاقةِ) عطف بيان أيضًا حتى أنسب كلًّا إلى مخرجه باللفظ والمعنى لا المعنى فحسب؛ لوقوع الخلاف المشهور في جواز رواية الحديث بالمعنى وهو وإن جاز على الأصح لعارف بمدلولات الألفاظ ومعانيها لكن التنزه عنه أولى خروجًا من الخلاف. (وَ) من ثم (نَقلْتُ ذَلِكَ الاخْتِلافَ) الذي وجدته في الأصول (كَمَا وَجِدْتهُ) من غير أن أتصرف فيه بتغيير أو تبديل (وَمَا أَشَارَ إِليهِ) الشيخ محبي السنة ﴾ (مِنْ) حديث (غَرِيب) أي: فرد، وهو قسمان: أحدهما: أن ينفرد به الراوي الواحد عن كل أحد من الثقات وغيرهم ثقة كان أو غير ثقة، خالف أو لم يخالف، ويسمى أيضًا شاذًا عند بعضهم، وخصَّ الحاكم الشاذ بتفرد الثقة عن غيره من غير أن يوقف له على علة معيَّنة فعليه هو تفارق المعلل، من حيث إنه وقف على علته الدالة على جهة الوهم من إدخال حديث في حديث، أو وصل مرسل، أو نحو ذلك، ويشاركه في اشتراكه معه في كونه ينقدح في نفس الناقد أنه غلط، وقد تقصر عبارته عن إقامة الحجة على دعواه فهو من أغمض الأنواع وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله الفهم الثاقب، والحفظ الواسع، والمعرفة التامة، بمراتب الرواة، والملكة القوية بالأسانيد والمتون. وخص الشافعي # الشاذ بما خالف الراوي الثقة فيه الجمهور بزيادة أو نقص في السند، أو المتن، بحيث لا يمكن الجمع بينهما، فالأول يسوي بين الشاذ والفرد ١٣٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول المطلق، فيلزم عليه أن يكون في الشاذ الصحيح وغيره، وهو أعم. وأخص منه كلام الحاكم؛ لأنه يخرج تفرد غير الثقة، ويلزم عليه أن في الصحيح الشاذ وغيره. وأخص منه كلام الشافعي؛ لتقييده بالمخالفة مع أنه يلزم عليه ما يلزم على قول الحاكم، لكن الشافعي صرح بأنه مرجوح، وأن الرواية الراجحة أولى. ثانيهما: الفرد بالنسبة إلى جهة خاصة نحو لم يروه عن فلان إلا فلان، أو لم يروه من أهل مصر مثلاً إلا فلان، وعلم مما مرَّ أن المعلل ما فيه علة خفية في سنده أو متنه، وهي أسباب خفية تظهر للناقد تقدح في القبول، تدرك بعد جمع طرق الحديث، والفحص عنها كان يخالف الراوي غيره الأحفظ منه، أو الأحفظ، أو الأكثر عددًا، أو ينفرد به فلا يتابع عليه مع قرائن أخرى تنضم لذلك يقصر التعبير عنها فيصون إرسال موصول ووقف مرفوع، أو فصل متن، أو بعضه؛ إذ لأدرج في غيره، أو وهم واهم كإبدال راوٍ ضعيف بثقة، ولخفاء هذا أو لكونه لا يطلع عليه إلا مثل البخاري والدارقطني كان بعض الحفاظ يقول: معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل. ولما سُئل أبو زرعة وأبو حاتم عن سبب حكمهما على حديث بأنه معلل قال: يسأل كل منَّا ومن أقراننا عن حديث من غير علم من كل منَّا بذلك، فإن تطابق قولنا على شيء واحد فهو إلهام انفردنا به، وإلا فهو مقول، فيُسئل كل عن حديث فأجاب عنه بعين ما أجاب به غيره فعلم صدقهم. وأمَّا المنكر فقيل: هو الفرد الذي لا يعرف منه من غير جهة رواية، ولا متابع له، ولا شاهد. وقيل: هو الشاذ بتفصيله السابق. وقال الحافظ ابن حجر: التحقيق أنهما مختلفان من جهة مراتب الرواة بالصدوق إذا انفرد بما لا منافع له ولا شاهد ولم يكن عنده من الضبط ما يشترط في القبول، فهذا أحد قسمي الشاذ، فإن خالف من هذه صفته مع ذلك كان أشد من ١٣٣ بداية الشرح شذوذه، وربما سماه بعضهم منكرًا، وإن بلغ تلك الرتبة في الضبط لكنه خالف من هو أرجح منه في الثقة والضبط، فهذا هو القسم الثاني من الشاذة وهي المعتمدة في تسمیته. وأما إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو الضعف في بعض مشايخه خاصة أو نحوهم ممن لا يحكم لحديثهم بالقبول بغير عاضد يعضده بلا متابع له ولا شاهد، فهذا أحد قسمي المنكر وهو الذي يوجد إطلاق المنكر عليه لكثيرين كأحمد والنسائي. وإن خالف مع ذلك فهو القسم الثاني من المنكر وهو المعتمد على رأي الأكثرين في تسميته منكرًا؛ فبان بهذا فصل المنكر من الشاذ، وإن كلّ منهما قسمان يجتمعان في مطلق التفرد أو مع قيد المخالفة، ويختلفان في أن الشاذ رواية ثقة أو صدوق غير ضابط، والمنكر رواية ضعيف بسوء حفظه أو جهالته أو نحو ذلك. (أَوْ ضَعِيف) وهو ما فقد فيه شرط من شروط القبول وهي ستة: اتصال السند، والعدالة، والضبط، ونفي الشذوذ، ونفي العلة القادحة، والعاضد عند الاحتياج إليه، وبالنظر لانتقاء هذه السنة اجتماعًا وانفرادًا بتعدد أقسام الضعيف، ويرتقي إلى عدد كثير كما هو مبين في محله ألا ترى أن فقد الاتصال مثلاً قسم تحته ثلاثة: المرسل: وهو ما سقط فيه الصحابي. والمنقطع: وهو ما سقط فيه راوٍ غير الصحابي وهو غير المقطوع؛ إذ هو قول التابعي وفعله. والمعضل: وهو ما سقط فيه أكثر من راوٍ مع التوالي سواء الصحابي والتابعي وغيرهما. ومنه قسم آخر وهو حذف التابعي للصحابي وللنبي وقَّ. (أَوْ غَيْرهمَا) اعتبارًا لا حقيقة؛ إذ ما عدا الصحيح والحسن داخل تحت أنواع الضعيف كما علم مما مرَّ في تعريفه، ومن ثم قالوا: إن الموضوع شر أنواع الضعيف من ١٣٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول المرسل أو المنقطع وغيرهما، وهو الكذب على رسول الله صل * المختلق الذي لا ينسب إليه بوجه. قال بعض الحفاظ: بلغنا أن بعض علماء العجم اعترض إفتاء الزين العراقي في حديث سئل عنه بأنه موضوع، وقال: إنه في بعض كتب الحديث، ثم جاء به من («موضوعات)) ابن الجوزي، فعجب الناس من جهله حتى بموضوع الموضوع، ولا ينافي كون الموضوع شر أنواع الضعيف الذي صرح به ابن الصلاح والخطابي وغيرهما. ووصف ابن الصلاح الضعيف بأنه الأرذل؛ لأنه أراد به مطلق الواهي الشامل للموضوع وغيره، وأشر أنواع هذا الأرذل الموضوع، ووصف مطلق الضعيف بالشر المفهوم من أفعل التفضيل في شر باعتبار إطراحه وعدم قبوله في الأشياء المبهمة، بخلاف الفضائل فإنه يعمل فيها بغير الموضوع، وما قاربه إجماعًا كما قاله النووي، ونوزع وأريد بالحديث المندرج الموضوع في أقسامه ما تحدث به لا خصوص ما جاء عنه ﴿ل﴾؛ لأنه ليس منه كما عرف. ثم الصواب تحريم تعمد الوضع مطلقًا وتحريم ذكره برواية أو نحو احتجاج بخلافه؛ لبيان وضعه فإنه واجب، واستشكل بجواز الاقتصار في بيانه على موضوع لما مرَّ في الحكاية، إيجاب بأن محل الاكتفاء إن كان بحضرة من يعرف موضوعه وإلا وجب التصريح بكونه كذبًا. وأما اكتفاء بعض متقدمي المحدثين بذكر سند الموضوع، فهو إنما كان في أعصارهم المملوءة من الحفاظ، وأمَّا الآن فقد عنَّ العارفون بذلك فتعين التصريح، ولم يكف ذكر السند، ولأبي الفرج ابن الجوزي كتاب في نحو مجلدين في ((الموضوعات)) أدرج فيها كثيرًا من الضعيف، بل والحسن والصحيح مما هو في أحد ((الصحيحين)) فضلاً عن غيرهما. وقد اشتد الإنكار عليه في ذلك، وابتعد العلماء عن هذا الصنيع منه، والموقع له فيه إسناده غالبًا؛ لضعف رواية المرمي بالكذب مثلاً غافلاً عن محبه من وجه آخر، وربما اعتمد مقاله لغيره، غافلاً عن أنه ليس المراد بها ظاهرها، هذا مع أن مجرد تفرد ١٣٥ بداية الشرح الكذَّاب بل الوضَّاع، ولو كان بعد الاستقصاء في التفتيش من حافظ تام الاستقراء غير مستلزم للوضع، بل لا بدَّ معه من انضمام شيء آخر کإقرار واضعه وركة لفظه؛ أي: ضعفه عن قوة فصاحته وَ لّر في اللفظ والمعنى معًا، أو في اللفظ حيث لم يروٍ بالمعنى، ويعرف ذلك بكثرة ممارسة ألفاظ الشارع حتى يحصل ملكة قوية، وهبة راسخة يفرق بها بين الموضوع وغيره. وقد قال بعض التابعين: إن للحديث ضوءاً كضوء النهار يعرف، وظلمة كظلمة اللیل ینکر. ومن ثم قال ابن الجوزي: الحديث المنكر يقشعر منه طالب العلم، وينفر منه قلبه غالبًا، وأراد بطالب العلم الممارس السابق. وقال ابن دقيق العيد: وكثيرًا ما يحكمون بالوضع باعتبار أمور ترجع إلى المروي وألفاظ الحديث، أو في المعنى كأن يخالف العقل ضرورة واستدلالاً ولا يقبل تأويلاً بحال كالإخبار عن قدم الأجسام. قال ابن الجوزي: وكل حديث رأيته يخالف العقول أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع ولا يعتبر رأيه، ولا ينظر في وجوههم، وكأن يخالف الحس، أو نص القرآن، أو سنة متواترة، أو إجماعًا قطعيًّا مع عدم قبوله للتأويل في الكل، أو يتضمن الإفراط بالوعيد الشديد، أو الوعد العظيم على الشيء اليسير، وهذا الآخر كثير موجود في كتاب القصاص والطرقية، وكان ينفرد رواية عمن لم يدركه بما لم يوجد عنه غيرهما، وكانفراده بشيء مع كونه فيما يلزم المكلفين علمه وقطع القدر فيه، أو بأمر جسيم بتوفر الدواعي على نقله كوقوع عن المنبر يوم الجمعة بحضرة الجم، أو بما كذبه فيه جمع يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب، أو تقليد بعضهم بعضًا. فإن قلت: الحكم بالوضع بمجرد اعتراف الراوي بالوضع مشكل، فإن تصديقه ثانيًا ليس أولى من تصديقه في أنه وارد أولاً. ويجاب بأنَّا لم نحكم بالوضع بمجرد اعترافه، بل مع انضمام قرينة أخرى إليه، ١٣٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول وعلى التنزل فالأصل العدم، فإذا لم يعرف الورود إلا منه ثم اعترف بكذب نفسه فقد أبطل الثقة بنفسه بقوله، فعلمنا بالأصل وأعرضنا عن مروبه. ثم رأيت الإمام الحافظ ابن دقيق العيد ذكر نحو ذلك في كتابه ((الاقتراح)) حيث قال ما حاصله: ((إقرار الراوي بالوضع كافٍ في رده لكنه ليس بقاطع في كونه موضوعًا؛ لجواز كذبه في إفراده الثاني دون الأول، إمَّا لقصد التنفير عن المروي، أو غيره مما يورث الريبة والشك». قيل: والظاهر أنه لم يرد بقاطع هنا القطع المطابق للواقع؛ لأن الحكم بالصحة أو غيرها على الحديث، إنما هو بحسب الظاهر لا بما في نفس الأمر، وإنما أراد مجرد المنع من تسميته موضوعًا. انتهى. والذي قرره شيخ الإسلام ابن حجر خلافه، فإنه قال: إن بعضهم كابن الجوزي فهم من كلام ابن دقيق العيد إنه قائل: بأنه لا يعمل بذلك الإقرار أصلاً، وليس ذلك مراده؛ لأنه إنما نفى القطع بوضعه، ولا يلزم نفي الحكم به؛ لأنه يقع بالظن الغالب وهن، ثم قتل المقر بالقتل ورجم المعترف بالزنا، وحكم من أقر على أنه يشهد بالزور بمقتضى اعترافه. وقال أيضًا ردًّا على من نظر في كلام ابن دقيق العيد: بأنَّا لو فتحنا باب التجويز لو قضاء في الوسوسة وغيرها ليس فيه وسوسة، وإنما هو في غاية التحقيق؛ لأنه إنما نفى القطع بكونه موضوعًا بمجرد الإقرار لا الحكم بكونه موضوعًا؛ لأنه إذا أقر وأخذ بإقراره فيحكم بكون الحديث موضوعًا، أما أنه يقطع بذلك، وكالإقرار ما إذا حدث عن شيخ ثم ذكر أن مولده في تاريخ يعلم تأخره عن وفاة ذلك الشيخ ولا نظر لجواز غلطه في التاريخ؛ لأن مجرد الاحتمال لا ينافي ظهور الحكم والعمل به كما تقرر، ويلحق بالموضوع المتروك ويسمى المطروح، وهو ما اتهم راويه بالكذب فلا يحتج به كما بينته في ((شرح العباب)» آخر باب الوضوء. قيل: والحكم بالوضع من المتأخرين عسر جدًّا بخلاف المتقدمين الذين ١٣٧ بداية الشرح منحهم الله التبحر في علم الحديث والتوسع في حفظه كشعبه وطبقته، ثم أصحابهم كأحمد ثم أصحابهم كالبخاري، وهكذا إلى زمن الدارقطني والبيهقي، ولم يأت بعدهم مساوٍ لهم ولا مقارب قاله العلائي، ومحله حيث لم يتعقبهم حافظ نافذ، وتبين أن الحديث الذي حكموا بوضعه وارد من طريق آخر. قيل: أكثر ابن الجوزي في كتبه الوعظية من إيراد الموضوع مع تعاليه في (موضوعاته)) و(العلل المتناهية)) وإخراجه فيهما كثيرًا ليس بموضوع ولا واهٍ، ولقد أعدم الثقة بكتابيه؛ إذ لا ينتفع بهما إلا الحافظ الناقد، وأما غيره فكل حديث على انفراده يحتمل ألا يكون موضوعًا ولا واهيًا، وإن جعله إياه موضوعًا أو واهيًا من جملة ما يجاوز الحد فيه، واعترض عليه بسببه، ويقتضيه الحاكم في ((مستدركه)) فإنه أعدم الثقة به أيضًا؛ إذ ما من حديث يورده على أنه صحيح إلا وهو محتمل الضعف بل والوضع؛ لكثرة ما وقع منهما في ((مستدركه)) كما مر. ثم الواضعون للحديث فرق كثيرة منهم: الزنادقة: وهم المبطنون للكفر المظهرون للإسلام أو الذين لا يتدينون بدين، قال حماد بن زيد: إنهم وضعوا أربعة عشر ألف حديث استخفافًا في الدين؛ ليضلوا بها الناس. وقال المروزي: أقر عندي رجل منهم أنه وضع مائة حديث فهي تجري في أيدي الناس، ولما مرَّ أمير البصرة في زمن المهدي بعد الستين ومائة بقتل وصلب خال معن بن زائدة؛ لكونه منهم أقر حينئذٍ بوضع أربعة آلاف حديث يحل حرامها ويحرم حلالها. والخطابية: من غلاة الشيعة نسبة لأبي الخطاب الأسدي كان يقول بحلول الإله في إناس من أهل البيت على التعاقب، ثم ادعى الألوهية لنفسه فقتل، وهؤلاء وغيرهم من الفرق الباطلة يضعون الأحاديث الموافقة لمذهبهم. ومن ثم قال بعض الخوارج لما تاب: انظروا عمن تأخذون دينكم فإنا كنا إذا ١٣٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول هوينا أمرًا صيرناه حديثًا ونحتسب الخير في إضلالكم. وكذا قال بعض القدرية لما تاب: لا تأخذوا عن قدري شيئًا فوالله لقد كنا نصنع الأحاديث ندخل بها للناس القدر ونحسب بها. وقال: قال الشافعي: ما في أهل الأهواء أشهد بالزور من الرافضة سموا بذلك؟ لأنهم لما بايعوا زيد بن علي - رضي الله عنهما - قالوا له: تبرأ من الشيخين فأبى، وقال: كانا وزيري جدي ◌َآل﴾ فتركوه ورفضوه. وقوم: تقربوا لبعض الخلفاء والأمراء بوضع ما يوافق فعلهم وإن كان باطلاً، كقول بعضهم للمهدي والد الرشيد لما رآه يلعب بالحمام: ((لا سبق إلا في خف أو نصل أو جناح)) فزاد أو جناح كذبًا تقربًا له فأمر له ببدرة؛ أي: عشرة آلاف درهم، فلما قفي قال: أشهد على قفاك أنه قفا كذاب، ثم أمر بذبح الحمام وقال: أنا حملته على ذلك. وكقول أبي البختري وهو قاض للرشيد لما رآه يلعب بالحمام وقال له: أتحفظ في هذا شيئًا؟ فقال: حدثني هشام عن أبيه عن عائشة أن النبي وَلو كان يطير الحمام، فزجره الرشيد وأمر بإخراجه. وقوم: في ذمّ من يريدون ذمه، كما وقع لسعد الإسكاف المخرج له في الترمذي وابن ماجه أن معلم ابنه ضربه فقال: لأخزينه، ثم وضع حديث: ((معلمو صبيانكم شراركم)). وقوم: وعاظ يتكسبون بذلك، وهم قوم منسوبون لزهد وصلاح وضعوا أحاديث في الترغيب والفضائل، ظنًّا منهم لجهلهم القبيح وعقلهم الفاسد أنهم أحسنوا، وما رأوا أنهم أساؤوا وأفسدوا واستحقوا أليم العذاب. بل قال الشيخ أبو محمد الجويني: من أئمتنا تعمد الكذب عليه وَل﴾ كفر، وهؤلاء أضر الفرق؛ لأن ظاهر حالهم من التدين يحمل الناس على تلقي أقوالهم بالقبول، ومن هؤلاء قاضي مروز تلميذ أبي حنيفة، وإسحاق أبو عصمة فإنه زعم أن الناس أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق فاختلق لهم ١٣٩ بداية الشرح الحديث المشهور في فضائل السور كلها سورة سورة، ونقله عن عكرمة عن ابن عباس. قال ابن حبان والحاكم: جمع أبو عصمة هذا كل شيء إلا الصدق، وكذلك الحديث المروي عن أبي بن كعب في فضائل السور كذب مختلف كما اعترف واضعه به، فإن بعض المشددين في السنة، ومن ثم اثنی أبو حاتم ورفع من شأنه أبو داود لما سمعه من شخص سمعه سأله في شيخه فيه، فذكر له إنسانًا فذهب إليه وهكذا إلى أن أدخل بيتًا فيه متصوفة ومعهم شيخ، وقيل له: هذا الذي حدَّث به، فسأله عنه فقال: لم يحدثني به أحد ولكنا رأينا الناس رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث؛ ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن. وقيل: واضعه الزنادقة. وقيل: واضع الذي قبله وعلى كل حال فهو موضوع، وإن كان له عن أبي طرف. وقد خطوا جمع وضعوه في كتبهم كالواحدي، وابن مردويه، والثعلبي، والزمخشري والبيضاوي، وهذان أشدهم خطأ فإنهما جزما به من غير ذكر سنده بخلاف من قبلهما فإنهم ساقوا سنده، وإن كان غير جائز أيضًا كما مرَّ بتفصيله. وتجويز بعض المخذولين الوضع في الترغيب والترهيب خلاف الإجماع فلا يلتفت إليه، وقولهم: كذبنا له لا عليه؛ إذ لا يكذب عليه إلا من قال: إنه مجنون مثلاً أو من ادعى أنه نبي مثلاً من قبيح جهلهم لا سيما باللسان العربي؛ لأنه كذب عليه في وضع الأحكام فإن المندوب قسم منها، ويتضمن ذلك الإخبار عن الله تعالى في الوعد على ذلك العمل بذلك الثواب، وهذا كذب على الله كما أنه كذب على رسوله. وزعمهم أن خبر: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدً)(١) مقيد في رواية بقوله: ﴿لَّيْضِلَّ النَّاسَ﴾ [الأنعام:١٤٤] لا حجة لهم فيه؛ لأن هذه الزيادة اتفق الأئمة على ضعفها على أن اللام فيها ليست للتعليل بل للمعاقبة؛ أي: يصير كذبهم للإضلال. (١) تقدم تخريجه. ١٤٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول ومن كذب ولو في الترغيب صار كذلك، اللام للتأكيد فلا مفهوم لها كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّه كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرٍ عِلْمٍ إِنَّ اللّهَ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤] لأن افتراه على الله محرم، وإن لم يقصد الإضلال كذا قيل وفيه نظر، بل اللام في الآية للتعليل، وسببه أن الكلام فيمن لا أظلم منه وهو لا يكون إلا ممن افترى الكذب؛ لأجل الإضلال فليست الآية کالحديث. وزعمهم أيضًا أن حديث: ((مَنْ كَذَبَ عَّ مُتَعَمِّدًا))(١) إنما ورد في رجل ادعى النبوة عند قوم وحكم في دمائهم وأموالهم، فبلغ ذلك رسول الله ﴿ ل﴿ فاسد أيضًا؛ لأن السبب لم يثبت، وعلى التنزل فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ثم الواضعون: منهم من أنكر كلامًا من عند نفسه، وبعضهم من يضع كلامًا لبعض الحكماء أو الزهاد أو الصحابة أو ما يروى في الإسرائيليات كحديث: ((المعدةُ بَيْتُ الدَّاءِ، وَالحِمِيةُ رَأْسُ الدّوَاءِ»(٢) فإنه من كلام بعض الأطباء. وحديث: ((حبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ)(٣) فإنه من قول عيسى - صلى الله عليه (١) تقدم تخريجه. (٢) ذكره العجلوني في ((كشف الخفا)) (٢١٤/٢). (٣) ذكره السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (١٠٠/١)، وقال: أخرجه البيهقي في الحادي والسبعين من الشعب بإسناد حسن إلى الحسن البصري، رفعه مرسلاً، وأورده الديلمي في الفردوس، وتبعه ولده بلا إسناد؛ عن علي رفعه به، وهو عند البيهقي أيضًا في الزهد، وأبي نعيم في ترجمة الثوري من الحلية من قول عيسى ابن مريم القي وعند ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان له، من قول مالك بن دينار، وعند ابن يونس في ترجمة سعد بن مسعود التجيبي من تاريخ مصر له، من قول سعد هذا. وجزم ابن تيمية بأنه من قول جندب البجلي # وبالأول يرد عليه وعلى غيره، ممن صرح بالحكم عليه بالوضع، لقول ابن المديني مرسلات الحسن. إذا رواها عنه الثقات صحاح، ما أقل ما يسقط منها، وقال أبو زرعة كل شيء يقول الحسن، قال رسول الله وآ﴾ وجدت له أصلاً ثابتًا ما خلا أربعة أحاديث وليته ذكرها، وقال الدارقطني في مراسيله: ضعف، وللديلمي عن أبي هريرة رفعه: «أعظم الآفات تصيب أمتي. حبهم الدنيا، وجمعهم الدنانير والدراهم، لا خير في كثير ممن جمعها إلا من سلطه الله على هلكتها في الحق)). ١٤١ بداية الشرح وسلم وعلى نبينا - أو قول بعض السلف، لكن أخرجه البيهقي بسندٍ حسن إلى الحسن البصري رفعه مرسلاً. وأورده الديلمي وولده عن علي مرفوعًا أيضًا. قيل: فبطل الحكم عليه بالوضع اللَّهُمَّ إلا أن يكون سنده مما ركب، فقد ركبت أسانيد مقبولة المتون أو متوهمة، فيكون من الوضع السندي. ومن الموضوع: نوع لم يقصد وضعه، كحديث: «مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالَّهَارِ))(١) فإنه لا أصل له عن النبي ◌َّ خلافًا لمن وهم فيه للقضاعي، وسبب كونه لم يقصد وضعه أن راويه الأول ثابت دخل على شريك، وكان انتهى من سند فما حسه به فظن أنه متن ذلك السند فرواه غلطًا، وتبعه من تبعه ورواه جمع عن شريك وليسوا بثقاة. ومن ثم قال العقيلي: إنه حديث باطل لا أصل له، ورواية رحمويه(٢) له عن شريك مردود، فإن راويه عن رحمويه غير ثقة، وله طرق إلى الثوري وابن جريج وغيرهما، وكلها باطلة، ولكون ثابت لم يقصد وضعه سماه ابن الصلاح شبه الوضع، واستحسن. وإن قال ابن معين في ثابت: إنه كذاب، نعم الطرق المركبة له موضوعة، وكذا جزم أبو حاتم وغيره بأنه موضوع، ومن الوضَّاعين من يحملهم محبة الظهور على أنهم سمعوا شيئًا وتوهموه حديثًا وضعوا له سندًا، وادعوا سماعه، كما وقع لبعضهم أنه سمع أحمد يذكر عن بعض التابعين مما نسبه لعيسى العَفيها: ((من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم)) فتوهمه حديثًا، ووضع له عن أحمد سندًا. وإنما أطلت في هذا المقام لمسيس الحاجة إليه، ولأن كثيرًا من المتفقهة (١) أخرجه ابن ماجه (١٣٣٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٠٩٥)، وابن عدي (٣٤٧/٦)، والقضاعي (٤٠٩)، والديلمي (٥٥٥٠)، وابن عساكر (٦٩/٣١). (٢) انظر: تبصير المنتبه بتحرير المشتبه (١٤٢/١)، ولسان الميزان (٣٢٩/٢). ١٤٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول استجازوا نسبة ما دل عليه القياس إلى النبي وتقليل نسبة قولية، ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة؛ لأنها تشبه فتاوى الفقهاء، ولا يليق بجزالة كلام أفصح العالمين؛ ولأنهم لا يقيمون لها سندًا صحيحًا، وهؤلاء يشملهم الوعيد في الكذب على رسول الله ﴾﴾ أعاذنا الله من ذلك بمنه وكرمه آمین. (بَيَّنْتُ وَجْهَهُ غَالِيًّا) بنسبة الحكم عليه بذلك إلى أهله المرجوع إليهم فيه (وَمَا لَم يُشرْ إِليهِ) بشيء من الحكم عليه بصحة أو غيرها، بل أبقاه على حاله (مِمَّا فِي الأَصُولِ) المشار إليها فيما مرَّ وهي ((السنن الأربعة))، و((الموطأ))، و((مسند)) الشافعي، و((مسند)) الدارمي، والدارقطني، و((سنن)) البيهقي، ونحوها، و((جامع)) رزين. (فَقَدْ قَقَّيتهُ) أي: تبعته (في تَركِهِ) أي: ترك الحكم على الحديث لشيء (إِلا مَوَاضع) قليلة أبينها (لِغَرضٍ) يعلم من السياق الآتي فيها، كالرد على من زعم وضع بعض أحاديث أوردها الشيخ كحديث: ((الْمَرْءُ عَلَى دِینِ خَلِيلِهِ(١) مع تصريح الترمذي بأنه حسن، والنووي بأنه صحيح الإسناد. وكبيان مخالفة الشيخ لما شرطه في خطبته من أنه سيبين المنكر، ثم ذهل ولم يبين كثيرًا منه فنسيه، فلهذا مست الحاجة إلى بيانه؛ لأنه أهم ما يعتنى به لتوقف حجية الحدیث والاستدلال به علی بیان حكمه، وسأبین بحول الله وقوته ذلك في كل حديث. (وَرُبِمَا تَجِد) في المشكاة (مَوَاضِعَ مُهْمَلةً) من البيان (وَذَلِك حَيثُ لَمْ أَطلعْ عَلَى رَاوِيهِ فَتَرَكْتِ البَيَاضَ) عقبها ليلحق فيه بيانها (فَإِذَا عَثْرْتَ عَلَيهِ) أي: على الراوي مثلاً (فَأَلحِقْهُ بِهِ) أي: بذلك البياض (أَحْسَنَ اللهُ جَزَاءكَ) وأثره لما في الحديث أن من قال نحو ذلك لمن صنع له معروفًا فقد أبلغ في المكافأة والثناء والجزاء. (وَسَمِيتُ) هذا (الكِتَابَ بـ((مِشكَاة المصَابِيح))) ليطابق مسماه؛ إذ المشكاة (١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٨٢٤٩)، وابن عدي (٢٤٥/٣)، والقضاعي (٩٠٧). ١٤٣ بداية الشرح لضيقها تجمع ضوء المصباح فيزداد قوة وإضاءة عليه نفسه، إذا كان في مكان واحد لانتشار الضوء وتفرقه فيه، فكذا هذا الكتاب قيد الأحاديث المنتشرة في المصابيح لإغفالها عن ذكر رواتها بذكرهم فانضبطت واستقرت في أمكنتها. (وَأَسأَلُ اللّهَ التّوفِيقَ) وهو خلق قدره الطاعة في العقل (وَالإِعَانَةَ) على ما قصدت (وَالهِدَايَةَ) لأفضل ما ينبغي (وَالصيّانَةَ) عما يمنع إتمامه وإكماله حسًّا أو معنى (وَتَيسِيرَ مَا أَقْصدُهُ) من الجمع والتحرير والتنقيح والتفتيش والتنفير (وَأَنْ يَنْفَعَنِي) بهذا الكتاب وغيره (في الحَيَاةِ) بأن يجعله سببًا لزيادة الأعمال والرقي إلى أكمل الأحوال (وَبَعْد الممَاتِ) بأن أنال بسببه أعلى الدرجات وأفضل المقامات (وَ) أن ينفع بقراءته وکتابته ووقفه ونقله إلى البلدان ونحو ذلك. (وَجَمِيعِ المسْلِمِينِ، حَسْبِي الله) أي: كافي هؤلاء غيره (وَنِعْمَ الوَكِيل) جملة إنشائية، وفي عطفها على ما قبلها بسط حررته في حاشية («مناسك النووي)). (وَلَا حَولَ) عن المعصية (وَلَا قُوة) على الطاعة (إِلا بِاللّه العَزِيزِ الْحَكِيمِ) ذكر هذين الاسمين؛ لأنهما الواردان في ختم هذه الكلمة دون ما اشتهر من ختمها بالعلي العظيم، على أن في بعض النسخ من ((الحصن الحصين)) للحافظ الجزري رواية ختمها بالعلي العظيم فلعله رواية أخرى. ولما كان ينبغي لكل مصنف كما صرح به جمع من الأئمة أن يبدأ كتابه بالحديث الآتي تنبيهًا على تصحيح النية والإخلاص وأنه الأساس الذي يبنى عليه جميع الأعمال، وعلى أن أول الواجبات على المكلف القصد إلى النظر الموصل إلى معرفة الله تخلّ فالقصد سابق دائمًا. ١ [وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِإِمْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللّه وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، ١٤٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. تأسى المصنف كأصله تبعًا للبخاري وغيره بذلك فقال: (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَابِ) ابن نفيل - بضم النون وفتح الفاء - توفي سنة ثلاث وعشرين (﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: إِنَّمَا) للحصر باتفاق المحققين خلافًا لما نقل عن أكثر النحاة لصحة إنما قام زيد في جواب، هل قام عمرو؟ كما يجاب بما قام إلا زيد، ولعاقبتها لهذه التي هي للحصر اتفاقًا في نحو: ﴿أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ المُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢]. ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ البَلاغُ﴾ [النور: ٥٤] وإذا انفردوا بها للحصر فينبغي الحكم عن غير المذكور في نحو إنما قام زيد؛ أي: لا عمرو، وغير الحكم عن المذكور في نحو: إنما زيد قائم؛ أي: لا قاعد، ثم هو المنطوق لها وضعًا حقيقة عند جمهور الأصوليين من المذاهب الأربعة خلافًا للآمدي وغيره؛ إذ لو قال: ما له علي إلا دينار كان أقرّ بالدينار، ولو كان مفهومًا لغة؛ لعدم اعتبار المفاهيم في الأقارير وهي بسيطة. وقيل: مركبة ولا يعترض بأن للإثبات، وما للنفي فيلزم اجتماع الضدين على شيء واحد؛ لأن هذا إنما هو قبل التركيب، أمَّا بعده فقد صار علمًا فردًا على إفادة الحصر. ومما يدل له خبر: ((إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ))(٢) فإن للصحابة الآخذين بقضيته لما يعارضهم جمهورهم القائلين بوجوب الغسل، وإن لم ينزل بأن إنما لا تفيده. (١) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧)، والترمذي (١٦٤٧)، وأبو داود (٢٢٠١)، وأحمد (١٦٨)، والنسائي (٣٤٣٧)، وابن ماجه (٤٢٢٧)، والحميدي (٢٨)، والبيهقي (١٨١)، والطبراني في الأوسط (٤٠)، وابن خزيمة (١٤٢)، والدارقطني (٥٠/١)، وأبو عوانة (٧٤٣٨)، والبزار (٢٥٧)، والقضاعي (١)، وابن حبان (٣٨٨)، وابن ماجه (٤٣٦٧). (٢) أخرجه مسلم (٣٤٣)، وأبو داود (٢١٧)، وأحمد (٢٣٥٧٨)، والنسائي (١٩٩)، وابن ماجه (٦٠٧)، والطبراني (٣٨٩٤). ١٤٥ بداية الشرح وإنما عارضوهم بأدلة أخرى كحديث: ((إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ))(١). وقد استدل ابن عباس لما تفرد به قيل: ورجع عنه لما اشتد إنكار أبي سعيد الخدري عليه بخبر: (إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ))(٢) ولم ينازعه الصحابة فيه بل عارضوه في الحكم؛ لأدلة أخرى فدل على اتفاقهم أنها للحصر، واحتمال أنهم تركوا المعارضة بذلك تنزلاً خلاف الظاهر على ورود: ((ألَا رِبَّا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ))(٣) يريد أن إنما للحصر لإشعاره أو ظهوره في أن مفاد الصيغتين واحد. وواضح مما تقرر في علم المعاني والبيان أن الحصر إمَّا حقيقي أو إضافي وأنه والقصر بمعنى واحد، وأن القصر إما قصر قلب لما في ذهن السامع عن غير المذكور إليه، أو إقرار للمذكور بالحكم الذي اعتقد السامع اشتراكه مع غيره فیه، وفيه حصر آخر وهو عموم المبتدأ وهو جمع محلى باللام التي للاستغراق للنية، إنما هو إفراد العمل لا ماهيته من حيث هي ماهية؛ إذ لا وجود لهذه في الخارج، وعلى رواية العمل هو مفرد محلى بها أيضًا فيفيد مفاد الأول، وخصوص الخبر على أحد صديقي زيد لعموم المضاف لمعرفة؛ ولهذا أسقطت ((إنما)) في رواية صحيحة اكتفاء عنها به. وجمع بينهما في هذه تأكيد وهو من حصر المبتدأ في الخبر الذي يعبر عنه البيانيون بقصر الموصوف أو المسند إليه على الصفة أو المسند. (الأَعْمَالُ) جمع عمل وهو هنا عمل الجوارح الذي طلبه الشارع، ولو من الصبي المميز خلافًا لمن وهم فقيد بأعمال المكلفين، ووهم وهمًا آخر فقيد بالمؤمنين، وقال: احترزت به عن أعمال الكفار؛ لأن المراد بالأعمال أعمال العبادة، وهي لا تصح من (١) أخرجه الشافعي (١٥٩/١)، وابن ماجه (٦٠٨)، والبيهقي في المعرفة (١٣٧٢)، وإسحاق بن راهويه (١٠٤٤)، وابن حبان (١١٨٣). (٢) أخرجه مسلم (١٥٩٦)، وعبد الرزاق (١٤٥٤٦)، والحميدي (٥٤٥)، وأحمد (٢١٧٩٨)، والطبراني (٤٣٩)، والبيهقي (١٠٢٧٥)، والديلمي (٣٣٠٥). (٣) أخرجه البخاري (٢١٧٩)، والنسائي (٤٥٩٧)، وأحمد (٢٢٣٩٤)، والطبراني (٤٣٢).