النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول ثم سأله الثالثة، فقال: صاحب هذه الرؤيا يبرز علمًا لم يسبقه أحد إليه من قبله. قال ابن عتيبة: ما رأت عيني مثله. وقال ابن المبارك: كان أبو حنيفة آية، فقيل له: في الخير أم في الشر؟ قال: اسكت يا هذا فإنه يقال: إنه آية في الخير وغاية في الشر، ثم تلا: ﴿ وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]. وقال: ما كان أوقر مجلس أبي حنيفة كان يومًا في المسجد الجامع فوقعت حية فسقطت في حجره فهرب الناس وهو لم يزد على أن نفضها وجلس مكانه. وقال سهل بن مزاحم: بذلت له الدنيا فلم يردها، وضرب عليها بالسياط فلم يقبلها. وكان خزَّارًا؛ أي: يبيع الخز، ودكانه معروف في دار عمرو بن حريث، ولما بلغ ابن جريج موته استرجع وتوجع، وقال: أي علم ذهب. وقال مسعر بن كدام: وما أحسد أحد بالكوفة إلا رجلين أبا حنيفة في فقهه والحسن بن صالح في زهده. وقال الفضيل بن عياض: وناهيك بها شهادة من هذا الخبر، كان أبو حنيفة فقيهًا معروفًا بالفقه مشهورًا بالورع، واسع العلم، معروفًا بالأفضال، صبورًا على تعليم العلم بالليل والنهار، كثير الصمت قليل الكلام حتى ترد مسألة في حلال أو في حرام، وقال: إني لأدعو لحماد قبل أبوي أو قال مع أبوي. ومات أخو سفيان الثوري، فاجتمع إليه الناس في عزائه فجاء أبو حنيفة فقام إليه سفيان وأكرمه وأقعده مكانه وقعد بين يديه، ولما تفرق الناس قال أصحاب سفيان: لم رأيناك فعلت شيئًا عجيبًا؟ قال: هذا رجل من أهل العلم، فإن لم أقم لعلمه قمت لسنه، وإن لم أقم لسنه قمت لفقهه، وإن لم أقم لفقهه قمت لورعه. وقال ابن المبارك: ما رأيت في الفقه مثله مسفرًا في خلقته جالسًا بين يديه يسأله ويستفيد منه، وما رأيت أحدًا قط تكلم في الفقه أحسن منه. ١٠٧ بداية الشرح وقال أبو نعيم: كان أبو حنيفة صاحب عرض في المسائل. وقال وكيع: ما رأيت أفقه ولا أحسن صلاة منه. وقال النضر بن شميل: كان الناس نيامًا عن الفقه حتى أيقظهم أبو حنيفة بما فتقه وبینه. وقال الشافعي #: الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه. وفي رواية: من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة. وقال جعفر بن الربيع: أقمت على أبي حنيفة خمس سنين فما رأيت أطول صمتًا منه، فإذا سئل عن شيء من الفقه سال کالوادي. وقال إبراهيم: ما رأيت أورع ولا أفقه منه. وقال ابن عيينة: ما قدم مكة في وقتنا رجل أكثر صلاة منه. وقال يحيى بن أيوب الزاهد: كان أبو حنيفة لا ينام الليل. وقال أبو عاصم: كان يسمى الوتد؛ لكثرة صلاته. وقال زفر: كان يحبي الليل كله بركعة يقرأ فيها القرآن. وقال أسد بن عمرو: صلى أبو حنيفة صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة، وكان عامة الليل يقرأ القرآن في ركعة، وكان يسمع بكاؤه حتى يرحمه جيرانه، وحفظ عليه أنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعة آلاف ختمة، ولما غسله الحسين بن عمارة، قال له: غفر الله لك لم تفطر منذ ثلاثين سنة، ولم تتوسد عينك في الليل منذ أربعين سنة، ولقد أتعبت من بعدك. وقال ابن المبارك: إنه صلى الخمس بوضوء واحد خمسًا وأربعين سنة، وكان يجمع القرآن في ركعتين. وقال أبو يوسف: كنت أمشي معه فسمع قائلاً: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل، فقال: والله لا يتحدث عني بما لم أفعله، وكان يحيي الليل صلاة ودعاءً وتضرعًا. وقال أبو مسعر: دخلت ليلة المسجد فرأيت رجلاً يصلي فاستحليت قراءته، ١٠٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول فقرأ سبعًا فقلت يركع، ثم قرأ الثلث ثم النصف فلم يزل يقرأ القرآن حتى ختمه كله في ركعة، فنظرت فإذا هو أبو حنيفة. وقال زائدة: صليت معه في مسجده العشاء وخرج الناس ولم يعلم أني في المسجد فأردت أن أسأله مسألة، فقام وافتتح الصلاة فقرأ حتى بلغ هذه الآية: ﴿ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] فلم يزل يرددها حتى أذن المؤذن للصبح وأنا أنتظره. وقال القاسم بن معن: قام أبو حنيفة ليلة بهذه الآية: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر:٤٦] يرددها ویبکي ويتضرع. وقال مكي: جالست الكوفيين فما رأيت أحد فيهم أورع منه. وقال وكيع: كان أبو حنيفة قد جعل على نفسه ألا يحلف في الله في عرض كلامه إلا تصدق بدرهم فحلف فتصدق به، ثم جعل أن حلف أن يتصدق بدينار، فكان إذا حلف صادقًا في عرض كلامه تصدق بدينار، وكان إذا أنفق على عياله نفقة تصدق بمثلها، وكان إذا اكتسى ثوبًا جديدًا أكسى بقدر ثمنه الشيوخ العلماء، وكان إذا وضع بين يديه الطعام أخذ منه ضعف ما يأكل فيجعله على الخبز ثم يعطيه لفقير. وقال وكيع: كان عظيم الأمانة ويؤثر رضا الله تعالى على كل شيء، ولو أخذته السيوف في الله لاحتملها. وقال ابن المبارك: ما رأيت أورع منه قد حرب بالسياط والأموال. وقال قيس بن الربيع: کان ورعًا فقيهًا کثیر البر والصلة لكل من لجأ إليه، کثیر الإفضال على إخوانه، وكان يبعث البضائع إلى بغداد فيشتري بها الأمتعة ويجلب إلى الكوفة ويجمع الأرباح من سنة إلى سنة، فيشتري بها حوائج الأشياخ والمحدثين وأقواتهم وكسوتهم وما يحتاجون إليه، ثم يعطيهم باقي الدنانير من الأرباح، فيقول: أنفقوها في حوائجكم ولا تحمدوا إلا الله فإني ما أعطيتكم من مالي شيئًا لكن من فضل الله علي فيكم، وهذه أرباح بضائعكم فإنه هو والله ما يجريه الله لكم على ١٠٩ بداية الشرح يدي فما في رزق الله حول بغيره، وكان لا يكاد يسأل حاجة إلا قضاها. ووهب لمعلم ابنه حماد خمسمائة درهم لما ختم، وجاءته امرأة تشتري منه ثوب خز فأخرج لها ثوبًا، فقالت: إنها ضعيفة وإنها أمانة فيعيبه ما يقوم عليك، فقال: خذيه بأربعة دراهم، فقالت: لا تسخرني وأنا عجوز كبيرة، فقال: إني اشتريت ثوبين فبعث أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم فبقي هذا بأربعة دراهم. وقال ابن المبارك الثوري: ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة ما سمعته يغتاب عدوًّا له قط، قال: والله إني أعقل من أن يسلط علي حسناته ما یذهب بها. وقال ابن عاصم: لو وزن عقله بعقل نصف الأرض لرجح بهم. وقال إسماعيل حفيده: كان عندنا رافضي له بغلان سمي أحدهما أبا بكر والآخر عمر فرمحه أحدهما فقتله، فقيل لجدي، فقال: ما قتله إلا المسمى بعمر فكان كذلك. وكان بعض جماعة المنصور تبغضه فلما رآه عند المنصور، قال: اليوم أقتله، ثم قال له: إن أمير المؤمنين يأمرنا بضرب عنق الرجل ما ندري ما هو فهل لنا قتله؟ فقال: أمير المؤمنين يأمر بالحق أو بالباطل؟ قال: بالحق، فقال: ألزم الحق حيث كان ولا تسأل عنه، ثم قال لمن قرب منه: إن هذا أراد أن يوثقني فربطته. ولد ته سنة ثمانين من الهجرة، وتوفي ببغداد. قيل: في السجن على أن يلي القضاء سنة خمسين على المشهور أو إحدى أو ثلاث وخمسين ومائة في رجب ببغداد، وقبره بها يزار ويتبرك به. ومن ورعه: إنه أراد شراء أمة يتسرى بها فاستمر عشرين سنة يفتش السبايا ويسأل عنهن ومنهن حتى اطمأنت نفسه لشراء واحدة. ومن كراماته: إن أبا يوسف هرب صغيرًا إليه من أمه ليتمه وفقره وإتعابها له، فجاءت أمه للإمام وقالت له: أنت الذي أفسدت ولدي فأعطاه لها ثم هرب إليه وتكرر منه ذلك، فقال له الإمام وهو على تلك الحال الضيقة: كيف بك وأنت الذي ١١٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول تأكل الفالوذج في صحون الفيروزج؟ فلما توفي وصل أبو يوسف عند الرشيد ما وصل دعاه الرشيد يومًا في خلوة، وأخرج له فالوذجا كذلك، فضحك أبو يوسف فعجب منه الرشيد فسأله فقال: رحم الله أبا حنيفة وقص عليه القصة. (وَأَبِي عِيسَى مُحمَّد بنِ عِيسَى) ابن سورة بن موسى الضحاك السلمي (الثرْمِذِيّ) بتثليث الفوقية وكسر الميم أو ضمها كلها مع إعجام الذال - نسبة لمدينة قديمة على طرق جيجون نهر بلخ - الإمام الحجة، الأوحد الثقة، الحافظ المتيقن، أخذ عن البخاري وغيره. وقول ابن حزم: إنه مجهول، كذب منه، قال: عرضت هذا الكتاب - يعني: (سننه)) - على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به، ومن كان في بيته فإنما في بيته نبي يتكلم نعم، عنده نوع تساهل في التصحيح ولا يضره، فقد حكم بالحسن مع وجود الانقطاع في أحاديث من ((سننه)) وحبس فيها بعض ما انفرد به رواته به، كما صرح هو به فإنه يورد الحديث، ثم يقول عقبه: إنه حسن غريب أو حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. لكن أجيب عنه بأن هذا اصطلاح جديد له، ولا مشاحة في الاصطلاح على أنه استشكل جمعه كثيرًا الصحة والحسن على متن واحد، كهذا حديث حسن صحيح لما تقرر أن الحسن قاصر عن الصحيح. ففي الجمع بينهما على حديث واحد جمع بين نفي ذلك القصور وإثباته، وأجيب بأن المراد الحسن لغة ولا يرد عليه أن الحديث بل والموضوع قد يوصف بذلك وهو لا يجوز؛ لأن سبب المنع فيها إيهام وصفهما بالجنس الحسن الاصطلاح وهو كذب، بخلاف وصف الصحيح بالحسن فإنه لا يوهم ذلك، ولتعذر اجتماعه مع وصف الصحة كان ذلك قرينة؛ أي: قرينة على أن المراد به الحسن اللغوي لما فيه من الترغيب أو الزجر بالأساليب البليغة، وبأن ذاك باعتبار إسنادين أحدهما صحيح والآخر حسن، فلم يجتمع الوصفان المتنافيان على شيء واحد، وتوزع فيه أنه مصرح بهما فيما ليس له إلا طريق واحد. ١١١ بداية الشرح وهذا أيضًا رد الجواب بأن الحسن أعم مطلقًا من الصحيح؛ إذ كل صحيح حسن ولا عكس؛ إذ يصح أن يقال في حديث صحيح: إنه حسن باعتبار وجود الصفة الدنيا فيه وهي الصدق مثلاً، صحيح باعتبار الصفة العليا وهي الحفظ والإتقان، ووجه الرد أن هذا إنما يأتي فيما له إسنادان على أنه مرَّ أن التحقيق إنهما متباينان. والتحقيق في ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن حجر حيث قال: ومحصل الجواب في الجمع بينهما أن تردد أئمة الحديث في حال ناقله اقتضى للمجتهد ألا يصفه بأحد الوصفین فیقال فيه: حسن باعتبار وصفه عند قوم صحيح باعتبار وصفه عند قوم، وغاية ما فيه أنه حذف منه حرف التردد؛ لأن حقه أن يقول: حسن أو صحيح، وهذا كما حذف حرف العطف يعني: من الآتي. وعلى هذا فما قيل فيه: حسن صحيح دون ما قيل فيه: صحيح؛ لأن الجزم أقوى من التردد، وهذا حيث لم يكن إلا طريق واحد، وأما ما تعددت طرقه فإطلاق الوصفين معًا على الحدیث يكون باعتبار إسنادين: أحدهما: صحيح، والآخر: حسن، وعلى هذا فما قيل فيه: حسن صحيح فقط إذا كان فردًا؛ لأن كثرة الطرق توفيه. توفي بترمذ ليلة الإثنين ثالث عشر رجب سنة تسع وسبعين ومائتين. قيل: و(سننه)) أحسن الكتب وأكثرها فائدة وأحسنها ترتيبًا وأقلها تركيبًا وتكرارًا، وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال وتبيين أنواع الحديث الحسن والصحيح والغريب، وفيه جرح وتعديل وفي آخره كتاب العلل الذي جمع فيه فوائد جليلة لا يخفى قدرها عند أهلها. (وَأَبِي دَاود سُلَيمان بنِ الأَشْعَتِ السِّجِسْتَانِي) بفتح الجيم وكسرها، قيل: بلده التي يُنسب إليها زرنج، وأمَّا سجستان فاسم للولاية التي زرنج قصبتها ودار ملكها، فغلب اسم سجستان وهي قرب كرمان إلى ناحية الهند على حد قرية، الأزدي صاحب ((السنن)). ١١٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول ولد سنة اثنتين ومائتين، وهو أحد أئمة الإسلام والحفاظ والجهابذة المكثرين الذين يعتمد عليهم ويرجع إليهم. وقال بعض الحفاظ في ترجمته: هو الإمام الحافظ الحجة الفقيه التالي لصاحب ((الصحيحين)) سكن البصرة وقدم بغداد فروى ((سننه)) بها، ونقل أهلها عنه وعرضه على أحمد فاستجاده واستحسنه. وقال أبو بكر الحلال: أبو داود الإمام المقدم في زمنه رجل ورع مقدم. وقال ابن الهروي: كان أحد الحفاظ للحديث علمًا وسندًا وعدلاً، سمع أحمد والقعنبي وسليمان بن حرب وقتيبة وخلائق لا يحصون، وروى عنه الترمذي والنسائي وغيرهما. قال جمع: ألين له الحديث كما ألين لداود التعليه وعلى نبينا الحديد. وقال بعض الحفاظ: خلق أبو داود في الدنيا للحديث وفي الآخرة للجنة، ما رأیت أفضل منه. وكان يقول: كتبت عن رسول الله والر خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته كتاب السنن جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث ذكرت الصحيح وما يشبهه ویقاربه. قال الخطابي شارحه(١): لم يصنف في علم الحديث مثله، وهو أحسن وصفًا، وأکثر فقهًا من ((الصحیحین)). وقال أبو داود: ما ذكرت فيه حديثًا أجمع الناس على تركه. وقال ابن الأعرابي: من عنده القرآن، وكتاب أبي داود لم يحتج معهما إلى شيء من العلم ألبتة. (١) نسبة إلى كتاب ((السنن). ١١٣ بداية الشرح وقال ابن الهروي: كان أبو داود في أعلى درجة من النسك، والعفاف، والصلاح، والورع. قال الباجي: كتاب الله أصل الإسلام، وكتاب أبي داود عيد الإسلام، ومن ثم صرح حجة الإسلام الغزالي باكتفاء المجتهد به في الأحاديث، وتبعه أئمة الشافعية على ذلك. وقال النووي: ينبغي للمشتغل بالفقه وغيره الاعتناء به وبمعرفته التامة، فإن معظم أحاديث الأحكام التي يحتج بها فيه مع سهولة تناوله، وتلخيص أحاديثه، وبراعة مصنفه، واعتنائه بتهذیبه. انتهى. وكان له كم واسع وكم ضيق، فقيل له: ما هذا؟ قال: أما الواسع للكتب، والضيق للاحتياج إليه. وفضائله ومنافعه كثيرة، توفي سنة مائتين وخمس وسبعين بالبصرة، وذكره جماعة من الشافعية في طبقاتهم وعدوه منهم، وكان ذلك لأخذه عن أصحاب الشافعي، وفي إطلاق ذلك نظر ومراده بقوله السابق، وما يشبهه الحسن وبقوله، ويقاربه الصالح للاحتجاج به. وبيَّنه بعضهم بأنه الإسناد الوسط الذي ليس بالثبت، ولا بالساقط. قال أبو داود: وما كان في كتابي من حديث به وهن، وفي نسخه وهن شديد فقد بیَّنت وهنه. وتردد شيخ الإسلام ابن حجر في محل هذا البيان، أهو عقب كل حديث على حدته ولو تكرر ذلك الإسناد نفسه مثلاً، أو يكتفى بالكلام على وهن إسناد مثلاً؟ فإذا عاد لم يبينه اكتفاء بما تقدم، ويكون كأنه بينه، قال: وهذا الثاني أقرب عندي. قيل: على أنه لا مانع أنه يكون سكوته هنا لوجود متابع أو مشاهد، قال: وقد يقع البيان في بعض النسخ دون بعض، وسبقه إليه ابن كثير فقال: الروايات عن أبي داود لكتابه كثيرة جدًّا، ويوجد في بعضها من الكلام والأحاديث ما ليس في الأخرى، ١١٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول ثم المراد ببيان الوهم السابق أنه بينه في السنن، لكن يتعين ملاحظة ما وقع في غيرها مصرحًا فيه بالضعف الشديد مما سكت عليه في السنن لا مطلق للضعف. وكذا ينبغي عدم المبادرة بنسبة المسكوت عليه إلى الاحتجاج به إلا بعد جمع الروايات، واعتماد ما اتفقت عليه لما مرَّ من كثرة اختلافها. وقد صرَّح النووي كابن الصلاح بذلك في نسخ الترمذي؛ لاختلافها كثيرًا في التصحيح والتحسين. قال أبو داود: وحيث لا وهن شديد فيه، ولم أذكر منه شيئًا فهو صالح للاحتجاج به، خرجته وبعضه أصح من بعض. وفهم ابن الصلاح أن المراد بصلاحيته: إنه حسن واعترض بأنه قد يسكت على ما هو صحیح عنده. ومن ثم قال المنذري: ما سكت عنه لا ينزل عن درجة الحسن. وقال الثوري: ما رواه في ((سننه)) ولم يذكر ضعفه هو عنده صحيح أو حسن وفيه نظر، فإنه قد يسكت على الضعيف كما أفهمه حضرة التبيين في الوهم الشديد، ولا ينافيه قوله: ((بعضه أصح من بعض)) إذ يقال كما صرح به النووي وغيره: يتماسك أكثر من ضعيف آخر أنه أصح منه، وحينئذٍ فالصلاحية في كلامه أعم من أن يكون للاحتجاج أو الاستشهاد، فما ارتقى إلى الصحة أو الحسن فهو بالمعنى الأول، وما عداهما فهو بالمعنى الثاني، وما قصر عن ذلك فهو الذي فيه وهن شدید. وقد التزم بيانه وقد تكن الصلاحية على ظاهرها في الاحتجاج، وإن وجد في (سننه)) الضعيف؛ لأنه يخرجه إذا لم يجد في الباب غيره وهو أقوى عنده من رأي الرجال، ولذلك قال ابن عبد البر: كل ما سكت عليه صحيح عنده لا سيما إن لم يكن في الباب غيره. والحاصل أن ما سكت عليه أقسام منه ما هو ضعيف لكنه من رواية من لم يجمع على ترکه. ١١٥ بداية الشرح وقد قال النووي، رحمه الله: الحق أن ما لم يبينه ولم يقضِ على صحته أو حسنه معتمد، فهو حسن وإن نص على ضعفه معتمد، أو رأى عارف في سنده ما يقتضي الضعف، ولا جابر له حكم بضعفه ولم يلتفت إلى سكوته. انتهى. وقال غيره: التحقيق أن من له تمييز يرد المسكوت عليه إلى ما يليق بحاله من صحة أو حسن وغيرهما، ومن لا تمييز له الأحوط أن يقول في المسكوت عليه هو صالح كما هي عبارة أبي داود، ومن ثم سلك هذا جماعة. وتوهم بعضهم أن أبا داود كمسلم في المسكوت عليه وهو فاسد؛ لأن مسلمًا شرط في كتابه ((الصحيح)) فليس لنا أن نحكم على حديث في كتابه بأنه حسن، وأبو داود لم يشترط ذلك، وإنما قال: ما سكت عليه صالح، والصالح صحيح وحسن؛ إذ درجات الصحيح إذا تفاوتت لا تغني بالحسن إلا الدرجة الدنيا منها، وهذه لم يخرَّج مسلم منها شيئًا في الأصول إنما يخرجان في المتابعات والشواهد، بخلاف أبي داود فإنه يخرجها في الأصول محتجًا بها؛ ولذا تخلف كتابه عن شرط الصحة. (تَنْبِيه): اتفق العلماء كلهم على الاحتجاج بالحسن وعليه جمهور المحدثين والأصوليين، بل قال البغوي: أكثر الأحكام إنما تثبت بالحسن، ووافقه الخطابي، وهو قسمان: أحدهما: حسن لذاته، وهو أن تشتهر رواية بالصدق، ولم يصلوا في الحفظ إلى رتبة رجال الصحيح. وثانيهما: حسن لغيره، وهو أن يكون في الإسناد مستور لم يتحقق أهليته غير مغفل ولا كثير الخطأ في روايته ولا متهم يتعمد الكذب فيها، ولا ينسب إلى مفسق آخر، واعتضد بمتابع أو شاهد. - فالأول: هو الحديث المتصل الإسناد برواة معروفين بالعدالة والصدق في ضبطهم قصور عن ضبط رواة الصحيح، ولا يكون معلولاً بأن سلم عن العلل الغامضة الخفية، نعم كثير من علل المحدثين لا تجري على أصول الفقه والأصولیین، ١١٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول ألا ترى أن من أثبت في شيخه شيئًا فنفاه من هو منه أحفظ وأكثر عددًا أو أكثر ملازمة، فالفقيه والأصولي يقولان: المثبت مقدم على النافي فيقبل، والمحدثون يسمونه شاذاً ولا يقبل، ومن ثم قال: قالوا في تعريفه: إلا شاذًّا بأن لم يخالف أحفظ أو أكثر مع تغير الجمع بين الروايتين ونجعله أنه هو والصحيح سواء إلا في تفاوت الضبط: * فراوي الصحيح يشترط أن يكون موصوفًا بالضبط الكامل. * وراوي الحسن لا يشترط أن يبلغ تلك الدرجة، وإن كان ليس عربًا عن الضبط في الجملة. - وأما مطلق الحسن: فهو الذي اتصل سنده بالصدوق الضابط المتقن غير تام الصدق والإمكان أو بالضعيف بما عدا الكذب إذا اعتضد مع علوها عن الشذوذ والعلة، وقد يأتي الحسن من كثرة الطرق. ومن ثم قال النووي في بعض الأحاديث: وهذه وإن كانت أسانيد مفرداتها ضعيفة فمجموعها يقوي بعضهم بعضًا ويصير الحديث حسنًا ويحتج به، وسبقه لذلك البيهقي وغيره، ومحل ذلك فيما ضعفه ناشئ عن سوء حفظ أو اختلاط أو تدليس مع كون راويه من أهل الصدق والديانة. - أما الضعف: لنحو الكذب أو الشذوذ فلا يجيزه كثرة الطرق. والحاصل: إن ما حسنه لذاته يحتج به مطلقًا وما حسنه لغيره إن كثرت طرقه احتج به وإلا فلا، وقد نقل النووي اتفاق الحفاظ على أن حديث: «مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا))(١) ضعيف مع كثرة طرقه، نعم كثرة الطرق القاصرة عن جبر بعضها لبعض ترقيه عن مرتبة المردود المنكر الذي لا يعمل به في الفضائل ولا غيرها إلى رتبة الضعيف الذي يجوز العمل به في الفضائل إجماعًا. واعلم أنه لا تلازم بين الإسناد والمتن؛ إذ قد يصح السند أو يحسن؛ لاستجماع (١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٧٢٥)، وابن عدي (٢٢٢/٦، ترجمة ١٦٩٢). ١١٧ بداية الشرح شروطه من الاتصال والعدالة والضبط دون المتن الشذوذ أو علة، وقد لا يصح السند ويصح المتن من طريق آخر، ولا ينافي عدم التلازم قولهم: ((هذا حديث صحيح)) مرادهم به اتصال سنده مع سائر الأوصاف في الظاهر لا قطعًا؛ لعدم استلزامه الحكم بالصحة لكل فرد فرد من أسانيده ذلك الحديث، فعلم أن التقيد بصحة السند ليس صريحًا في صحة المتن ولا ضعفه، بل هو الاحتمال فهو دون الحكم بالصحة أو الحسن للمتن؛ إذ لا احتمال حينئذٍ، نعم من عرف من عادته عدم التفرقة يكونان على حد سواء سيما من يذكر ذلك في مقام الاحتجاج به. (وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن أَحْمَد بن شُعَيْبٍ) ابن علي بن سفيان (النَّسَائِيّ) الشافعي أحد الأئمة الحفاظ العلماء الفقهاء، بل أحد أئمة الدنيا في الحديث، والمشهور فيه اسمه وكتابه، سمع من إسحاق بن راهويه، وقتيبة بن سعيد، وعباد بن السري، ومحمد بن بشار، ومحمد بن رافع، وعلي بن حجر، وأبي كريب، وأبي داود، وآخرين ببلاد كثيرة وأقاليم متعددة، وأخذ عنه خلق كثيرون كأبي قاسم الطبراني والطحاوي وابن السني الحافظ. قال الحاكم: كلامه على الحديث أكثر من أن يذكر، ومن نظر في كتابه تحير في حسن كلامه، ودخل دمشق فسئل عن معاوية ففضل عليه عليًّا - رضي الله عنهما - فأخرج من المسجد وحمل إلى الرملة ومات بها. وقيل: إلى مكة ودفن بين الصفا والمروة وجرى عليه بعض الحفاظ، فقال: مات ضربًا بالأرجل من أهل الشام حين أجابهم لما سألوه عن فضائل معاوية ليرجحوه بها عن علي - رضي الله عنهما - بقوله: ألا يرضى معاوية رأسًا برأس حتى يفضل، ومازالوا يضربونه بأرجلهم حتى أخرج من المسجد، ثم حمل إلى مكة فمات مقتولاً شهيدًا. وقال الدارقطني: إن ذلك كان بالرملة. وكذا قال العبدري: إنه مات بالرملة بمدينة فلسطين ودفن ببيت المقدس وسنه ثمانية وثمانون سنة فبما قاله الذهبي ومن تبعه، وكان بناء على قوله عن نفسه: يشبه أن ١١٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول يكون مولدي في سنة خمس عشرة ومائتين، وكان عه من أئمة المسلمين الجامعين بين الفقه والحديث. ونقل التاج السبكي عن شيخه الحافظ الذهبي ووالده الشيخ الإمام السبكي: إن النسائي أحفظ من مسلم صاحب ((الصحيح)) ومرَّ أن ((سننه)) أقل السنن بعد ((الصحيحين)) حديثًا ضعيفًا. ولذلك قال ابن رشد: إنه أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفًا وأحسنها ترصيفًا، وهو جامع بین طريقتي البخاري ومسلم مع حظ کثیر من بيان العلل. بل قال بعض الشيوخ: إنه أشرف المصنفات كلها، وما وضع في الإسلام مثله. وقد قال ابن منده وابن السكن وأبو علي النيسابوري وأبو أحمد بن عدي والدارقطني والخطيب: كل ما فيه صحيح، وشدَّ بعض المغاربة ففضَّلوه على كتاب البخاري، وكل ذلك تساهل صريح كما مرَّ لكنه تجنب رجالاً كثيرًا أخرج لهم أبو داود والترمذي، ولم يخرج هو لهم شيئًا بل تجنب إخراج حديث جماعة من رجال الشيخين. حتى قال بعض الحفاظ: إن شرطه في الرجال أشد من شرطهما وفيه نظر، فإنه لا يقتصر في التخريج على المتفق على قبولهم بل يخرج من لم يجمع أئمة الحديث على تركه حتى إنه يخرج للمجهولين حالاً وعينًا؛ للاختلاف في قبولهم ومن ثم قال: لا يترك الرجل عندي حتى يجتمع الجميع على تركه، وأما إذا وثقه مهدي وضعفه يحيى القطان، فإنه لا يترك لما عرف من تشديد يحيي ومن هو مثله في الثقة. وعلى هذا حمل قول المنذري في (مختصر السنن)) عن ابن منده شرط أبي داود والنسائي: إخراج حديث قوم لم نجمع على تركهم إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال. وقول ابن منده: أبو داود يأخذ بأخذ النسائي - يعني في عدم التقييد بالثقة والتخريج لمن ضعف في الجملة - وإن اختلف صنيعهما. ونساء - بفتح النون والسين المهملة - من کور نيسابور. ١١٩ بداية الشرح وقيل: من أرض فارس، والنسبة إليها نسائي - بهمزة بعد الألف - وقد يقال نسوي. قيل: وهو القياس. (وَأَبِي عَبْدِ الله ◌ُحَمَّد بن يَزِيدَ بن مَاجِة القَزوِينِيّ) الإمام الحافظ صاحب ((السنن)) التي كمل بها الكتب والسنن الأربعة بعد «الصحيحين)) التي اعتنى بأطرافها الحافظ ابن عساكر ثم المزني مع رجالها، وهو كما قاله ابن كثير: كتاب مفيد قوي التبويب في الفقه لكنه ساذج عما صرح عليه أصحاب الكتب الخمسة من المقاصد التي نقدرها بتمرن المحدث، خصوصًا وفيه أحاديث ضعيفة جدًّا بل منكرة. بل قال الحافظ المزني فيما نقل عنه: إن الغالب فيما انفرد الضعف ولذا لم يضفه غير واحد إلى الخمسة بل جعلوا السادس ((الموطأ)) أو غيره. توفي يوم الثلاثاء لثمان بقين من رمضان سنة ثلاث أو خمس وسبعين ومائتين، سمع أصحاب مالك والليث، وروى عنه أبو الحسن القطان وخلق سواه. (وَأَبِي مُحمَّد عَبْدِ الله بنِ عَبْدِ الرَّحْمَن) ابن الفضل السمرقندي التميمي (الدَّارميّ) نسبة إلى دارم بن مالك بطن كبير من تميم: الإمام الحافظ عالم سمرقند صنف ((التفسير)) و((الجامع)) و((مسنده)) المشهور وهو على الأبواب لا الصحابة خلافًا لمن وهم فيه، روى عن البخاري وزيد بن هارون والنضر بن شميل وغيرهم، وقال: رأيت العلماء بالحرمين والحجاز والشام والعراق فما رأيت فيهم أجمع من محمد بن إسماعيل البخاري، وروى عنه مسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم. قال أبو حاتم: هو إمام أهل زمانه. توفي يوم التروية ودفن يوم عرفة سنة خمس وخمسين ومائتين، وولد سنة إحدى وثمانین ومائة. (وَأَبِي الحَسنِ عَلَيّ بن عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيّ) بفتح الراء وإسكان آخره، نسبة لدار القطن وكانت محلة كبيرة ببغداد، البغدادي الشافعي الإمام الحافظ الجليل إمام عصره ١٢٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول وحافظ دهره صاحب ((السنن)) و((العلل)) وغيرهما، انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بعلم الحديث وأسماء الرجال وأحوال الرواة مع الصدق والأمانة والثقة والعدالة وصحة الاعتقاد، والتضلع بعلوم شتى كالقراءات، وله فيها كتاب لم يسبق إليه، وكالمعرفة بذهاب الفقهاء والأدب والشعر. درس الفقه على أبي سعيد الإصطخري، سمع أبو القاسم للبغوي وخلقًا يطول عدهم، وأخذ عنه أئمة كأبي نعيم، والحاكم، وأبي عبد الله، والبرقاني، والشيخ أبي حامد الإسفرائيني، والقاضي أبي الطيب وآخرين. قال الحاكم أبو عبد الله: ما رأى الدارقطني مثل نفسه. وقال الطيب: كان أمير المؤمنين في الحديث. وقال الحافظ عبد الغني: أحسن الناس كلامًا على حديث رسول الله له ثلاثة: علي ابن المديني في وقته، وموسى بن هارون في وقته، والدارقطني في وقته. وقال الخطيب: سألت البرقاني هل كان الدارقطني يملي عليك كتاب ((العلل)) من حفظه؟ قال: نعم. توفي ثامن ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة دفن قريبًا من قبر معروف الكرخي، ومولده في [ذي](١) القعدة سنة ست وثلاثمائة فعاش سبعًا وسبعين سنة. (وَأَبِي بَكْرٍ أَحْمَدِ بنِ الْحُسَيْنِ) بن علي بن عبد الله بن موسى (الْبَيْهَقِيّ) نسبة لـ(بيهق)) قرى مجتمعة بنواحي نيسابور على عشرين فرسخًا منها، وكانت قصبتها خسروجرد، النيسابوري الإمام الجليل، ناصر السنة، الحافظ الفقيه الأصولي، الزاهد الورع، القائم بنصرة مذهب الشافعي، وإن لم يحتج مع الله إلى نصير ومعين، والذاب عنه لا ينثني أبدًا، وما ذب إلا عن بيضة الدين، وهو أكبر أصحاب الحاكم أبي عبد الله، تفقه على ناصر العمري، وسمع من خلائق، ورحل إلى الحجاز والعراق (١) زيادة لإتمام المعنى. ١٢١ بداية الشرح والجبال، ثم اشتغل بالتصنيف بعد أن صار واحد زمانه، وفارس ميدانه. وألف من الكتب ما لم يسبق إليه ولا رقى غيره إلى رفعة محله ككتاب: ((السنن الكبير)) وكتاب: ((المبسوط في نصوص الشافعي)) وكتاب: ((معرفة السنن والآثار)) وهو الكتاب الذي يضطر إليه حاجة الفقيه الشافعي؛ لأنه في معرفة السنن والآثار المؤيدة لمذهبه والذابة عن مطلبه، ومن ثم استدعى من بيهق إلى أن يقرأ عليه الكتاب بنيسابور فقرأ عليه بحضرة علمائها، وأثنوا عليه الثناء الكثير البليغ الجزيل، وهم؛ إذ ذاك هم علماء العصر وأهل الفضل الذي لا يدخل تحت الحصر. وكان - رحمه الله - على سيرة العلماء قانعًا من الدنيا باليسير، متحملاً في زهده وورعه، صائمًا للدهر قبل موته بثلاثين سنة، ومن أجل أن له اليد الطولى في معرفة المذاهب والذب عنها. قال إمام الحرمين في حقه، وناهيك بها شهادة من هذا الإمام: ما من شافعي إلا وللشافعي في عنقه منه إلا البيهقي، فإن له على الشافعي منه؛ لتصانيفه في نصرة مذهبه وأقاویله. وأخبر البيهقي عن بعض صلحاء أصحابه: إنه لما فرغ من كتاب ((المعرفة)) المذكورة رأى الشافعي عليه في النوم وبيده أجزاء منها، وهو يقول: قد كتبت اليوم من كتاب الفقيه أحمد سبعة أجزاء وقد قرأتها، قال: وفي صباح ذلك اليوم رأی فقيه آخر من إخواني الشافعي قاعدًا على سرير الجامع، وهو يقول: استفدت اليوم من كتاب الفقيه أحمد كذا وكذا ورأى بعضهم شيئًا يعلو في السماء، فقال: ما هذا؟ قيل: تصانيف البيهقي. توفي - رحمه الله - بنيسابور في عاشر جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وحمل تابوته إلى قرية من ناحية بيهق. قيل: مولده سنة أربع وثمانين في شعبان وثلاثمائة. (وَأَبِ الحَسنِ رَزِين بِنِ معَاوِية العَبْدَريّ) صاحب كتاب ((التجريد)) في الجمع ١٢٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول بين الصحاح مات بعد العشرين وخمسمائة. (وَغَيرِهُمْ وَقَلِيل مَا) مزيدة أو مبتدأ لتأكيد الشيوع في القلة (هُوَ) أي: ذلك؛ لأن الكتب قد جمعت أكثر الأحاديث فلم يخرج عنها إلا الفذ النادر لا سيما ((مسند)) أحمد فقد مرَّ أنه انتقاه من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألف حديث، وقال: ما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله وسلم فارجعوا إلى المسند فإن وجد تموه وإلا فليس بحجة. (وَأَنِّي إِذَا فَسِبْتُ الحَدِيثَ إِليهمْ) أي: المذكورين وغيرهم القليل (كَأَنِي أَسْندتُهُ إِلَى النَّبِيِّ وَّ؛ لأَنَّهِمْ قَدْ فَزْعُوا مِنْهُ) أي: الإسناد المفهوم من أسند على حد، وأن تعفوا ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] تحریرًا وتهذيبًا وتنقيحًا وتفتیشًا. (وَأَعْنُونَا عَنهُ) بحثًا وعلمًا بحقيقة رجاله، ومن ثم لزم الأخذ بنص أحدهم على صحة السند أو الحديث سواء كان على شرط الشيخين أو أحدهما أم لا، أو على حسنه أو ضعفه أو وضعه إذا صح الطريق إليهم، وإن لم يكن لهم تصنيف كما إذا وجد ذلك عن يحيى بن سعيد القطان وابن معين وغيرهم، وكذلك يؤخذ الحكم بالصحة من المصنف الذي خصه جامعه بالصحيح، كصحيح أبي حاتم بن حبان التميمي، البستي الشافعي، الحافظ الثقة، الثبت الفقيه، الواعظ القاضي. قال الحاكم: كان من أوعية العلم في الفقه واللغة والحديث والوعظ كصحيح إمام عبد الله أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري شيخ ابن حبان المذكور القائل فيه: ما رأيت على وجه الأرض من يحسن صناعة السنن ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها حتی کانت السنن کلها بین عینیه غيره لكن عدم أکثر صحيحه. وكـ(المستدرك على الصحيحين)) مما فاتهما للإمام الحاكم أبي عبد الله الضبي النيسابوري، الحافظ، الثقة، لكنه معروف عند أهل العلم بالمساهلة في التصحيح، حتى قال الماليني: إنه لم يرَ في (مستدركه)) حديثًا على شرطهما لكنه مردود، وإنما الحق أنه أدخل فيه عدة موضوعات وغیره حمله على تصحیح ذلك. ١٢٣ بداية الشرح إما التعصب لما رمي به من التشنيع، وإما أنه صنفه في أواخر عمره، وقد حصلت له غفلة وتغير، أو أنه لم يتيسر له تحريره وتنقيحه، ويدل له أن تساهله في قدر خمسه الأول المكتوب، إلى هنا انتهى إملاء الحاكم قليل جدًّا بالنسبة إلى باقیه. نعم، قال ابن الصلاح وتبعه النووي والبدر بن جماعة وغيرهما: ما وجد في ((مستدركه)) مما ليس فيه علة ظاهرة تقتضي رده دائر بين الصحة والحسن، وكلاهما حجة هذا بالنسبة لغير المميز الناقد، أما هو فعليه أن يتتبع أحاديثه ويقضي على كل منها بما يليق به من الصحة أو الحسن أو الضعف. وممن نسب إلى التساهل أيضًا ابن حبان؛ لأنه ربما يخرج للمجهولين لا سيما ومذهبه إدراج الحسن في الصحيح، لكن رد بأن غاية ما فيه أنه أدرج الحسن في كتابه، وأنه خفف في شروط الصحيح، فإنه خرج فيه ما كان رواية ثقة غير مدلس، سمع ممن فوقه وسمع منه الآخذ عنه، ولا يكون هناك إرسال ولا انقطاع، وإذا لم يكن في الراوي جرح ولا تعديل وكان كل من شيخه والراوي عنه ثقة ولم يأت بحديث منكر فهو عنده ثقة، وهذا وما قبله اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح. وقد قال العماد بن كثير: إنه كابن خزيمة التزما الصحة وهما خير من (المستدرك) بكثير، وألطف أسانيد ومتونًا، وعلى كل حال فلا بد للمتساهل من النظر للتميز، فكم حكم ابن خزيمة بالصحة لما لا يرتقي عن رتبة الحسن، بل فيما صححه الترمذي من ذلك حملاً مع أنه ممن يفرق بين الصحيح والحسن. ومن مظان الصحيح أيضًا المختارة مما ليس في ((الصحيحين)) أو أحدهما للضياء المقدسي الحافظ، وهي أحسن من ((المستدرك)) لكنها مع كونها على المسانيد إلا الأبواب لم يكمل تصنيفها. ويقع أيضًا في صحيح أبي عوانة الذي عمله مستخرجًا على مسلم أحاديث كثيرة زائدة على أصله، وفيها الصحيح والحسن والضعيف، فينبغي التحرز في الحكم عليها أيضًا. ١٢٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الأول وأما ما يقع فيه وفي غيره من المستخرجات على ((الصحيحين)) من زيادة في أحاديثهما أو تتمة لمحذوف أو نحو ذلك، فهي صحيحة لكن مع وجود شروط الصحيح فيمن بين صاحب المستخرج والراوي الذي اجتمعا فيه. والاستخراج: هو أن يعمد حافظ إلى كتاب كصحيح البخاري فيورد أحاديثه بأسانيد لنفسه غير ملتزم ثقة الرواة من غير طريق البخاري مثلاً، إلى أن يلتقي معه في شيخه أو في شيخ شيخه، وهكذا إلى الصحابي لكن لا يسوغ للمخرج العدول عن الطريق التي تقرب اجتماعه مع مصنف الأصل فيها إلى الطريق البعيدة إلا لغرض من علو أو زيادة حكم منهم، أو نحو ذلك. (تَنْبِيه): علم من كلام المصنف أنه يجوز نقل الحديث من الكتب المعتمدة التي اشتهرت أو صحت نسبتها لمؤلفيها، كالكتب الستة وما قدمته آنفًا وسواء في جواز نقله مما ذكرا كان نقله العمل بمضمونه، ولو في الأحكام أو للاحتجاج، ولا يشترط تعدد الأصل المنقول منه. وما اقتضاه كلام ابن الصلاح من اشتراطه حملوه على الاستحباب والاستظهار، ولكن يشترط في ذلك الأصل أن يكون قد قوبل على أصل معتمد مقابله صحيحًا؛ لأنه حينئذٍ يحصل به الثقة التي مدار الاعتماد عليها صحة واحتجاجًا. نعم نسخ الترمذي مختلفة كثيرًا في الحكم على الحديث بل وسنن أبي داود كما مرَّ، فلا بد من المقابلة على أصول معتمدة منهما، وعلم من كلام المصنف أيضًا أنه لا يشترط في النقل من الكتب المعتمدة للعمل أو الاحتجاج أن يكون له به رواية إلى مؤلفيها. ومن ثم قال ابن برهان: ذهب الفقهاء كافة إلى أنه لا يتوقف العمل بالحديث على سماعه، بل إذا صحت هذه النسخة من السنن مثلاً جاز له العمل بها وإن لم تسمع. ١٢٥ بداية الشرح وشدَّ بعض المالكية فقال: اتفق العلماء - رحمهم الله - على أنه لا يصح لمسلم أن يقول: قال رسول الله و له كذا حتى يكون عنده ذلك القول مرويًّا، ولو على أقل وجوه الروايات لقوله ◌َ﴾: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا)(١). وفي رواية حذف: ((مُتَعَمِّدًا)). وتبعه الحافظ الدين العراقي فإنه بعد أن قرر أنه يقبح بالطالب ألا يحتفظ بإسناده عدة أحاديث يتخلص بها عن كذا وعن كذا. قال: ويتخلص به من الجرح بنقل ما ليست له به رواية فإنه غير سائغ بإجماع أهل الدراسة وانتصر جماعة للأول، وقد يجمع بين ذينك الإجماعين المتعارضين بحمل الأول: على ما إذا نظر في الأصل المعتمد وأخذ منه الحديث للعمل أو الاحتجاج. والثاني: على ما إذا حدث بأحاديثها موهمًا نسبتها إليه قراءة وإسنادًا، فهذا لا يجوز لما فيها من مزيد التعزيز، وبهذا اندفع ما أورد على الثاني من أنه يلزم عليه منع إيراد ما في «الصحيحين)) أو أحدهما لمن لا رواية له به، وجواز نقل ما له به رواية وإن كان ضعيفًا. (وَسَردِتُ الكُتبَ وَالأَبْوَابَ كَمَا سَرَدهَا) الإمام البغوي في ((مصابيحه)) التي هي أصل لهذا الكتاب (وَاقْتَفَيْتُ) أي: اتبعت (أَثْرَهُ فِيهَا وَقَسمتُ عَلَى كُلِّ بَابٍ غَالِيًّا عَلَى فُصُولٍ ثَلَاثةٍ أَوّلَهَا: مَا أَخْرَجَهُ الشَّيخَانِ أَوْ أَحدهُمَا، وَاكْتَفَيْتُ بِهِمَا وِإِنِ اشْتَرِكَ فِيهِ الغَيرُ) كبقية الكتب الستة (لِعُلوِ دَرجتِهمَا فِي الرِّوَايةِ) على غيرهما؛ لالتزامهما من شروط الصحيح ما لم يلتزمه غيرهما، وقد اختلفت الأئمة في شرطهما الذي التزماه، فإنه لم يصرح واحد منهما به في كتابه ولا غيره، وإنما عرف بالتستر لكتابيهما. فقال أبو الفضل ابن طاهر الحافظ: شرطهما أن يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير اختلاف بين الثقات للإثبات ومع اتصال إسناده، ثم إن كان الصحابي أكثر من راوٍ فواضح وإلا كفت صحة الطريق إليه، ولا ينافي قوله (١) أخرجه البخاري (١٢٢٩)، ومسلم (٤).