النص المفهرس
صفحات 21-40
ومحمد بن إسحاق(١) بن يسار ... فهؤلاء أخرج لهم مسلم في أشباه لهم كثيرين. الثالث: أن يكون ضعف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه عنه باختلاط حَدَث عليه. فهو غير قادح فيما رواه من قبل في زمن سداده واستقامته، كما في أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن عبد الله بن وهب (٢). ذكر الحاكم أبو عبد الله أنه اختلط بعد الخمسين ومائتين بعد خروج مسلم من مصر، فهو كسعيد بن أبي عروبة (٣) وعبد الرزاق(٤) وغيرهما ممن اختلط آخراً. ولم يمنع ذلك من الاحتجاج في الصحيحين بما أخذ عنهم قبل ذلك. ومما يؤيد وقوع هذا الوجه الثالث أن الإمام أبا عمرو بن الصلاح يذكر بسنده المتصل عن أبي بكر محمد بن علي بن النجار أنه سمع إبراهيم بن أبي طالب يقول: ((قلت لمسلم بن الحجاج قد أكثرت الرواية في كتابك الصحيح عن أحمد بن عبد الرحمن الوهبي وحاله قد ظهر؟ فقال: إنما نقموا عليه بعد خُروجي من مصر ... )) (٥). الرابع: أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده، وهو عنده من رواية الثقات نازل. فيقتصر على العالي ولا يطول بإضافة النازل إليه. مكتفياً بمعرفة أهل الشأن في ذلك. يقول ابن الصلاح وهذا العذر قد رويناه عنه تنصيصاً، وهو خلاف حاله فيما رواه عن الثقات أولاً ثم أتبعه بمن دونهم متابعة، وكأن ذلك وقع منه على حسب خُضور باعث النشاط وغيبته، رويناه عن سعيد بن عَمرو البردعي أنه حضر أبا زرعة وذكر صحيح مسلم وإنكار أبي زرعة عليه روايته فيه عن أسباط بن نصر(٦) وقَطَن بن انظر: تاريخ الثقات للعجلي ص ٨٣، الكاشف / ١٠٦، التقريب ١٠٥/١. = (١) انظر: ترجمته ص ٢٣٣ (الغرر). (٢) أحمد بن عبد الرحمن بن وهب المصري. لقبه بحشل وكنيته أبو عبيد الله، قال الحافظ ابن حجر: ((صدوق تغير بآخرة)). (ت ٢٦٤هـ) م. انظر: الكاشف ٢٢/١، التقريب ١٩/١. سعيد بن أبي عروبة، انظر ترجمته ص ٢٥٨ (الغرر). . (٣) (٤) عبد الرزاق بن همام انظر ترجمته ص ٨٨ (الغرر). (٥) انظر: صيانة صحيح مسلم ص ٩٦. (٦) أسباط بن نصر الهمداني، أبو يوسف، قال الحافظ ابن حجر ((صدوق، كثير الخطإ، يغرب)). (خت م. ٤). انظر: الجمع بين رجال الصحيحين ٤٦/١، التقريب ٥٣/١. ٢١ نُسير (١) وأحمد بن عيسى المصري(٢). وأنه قال أيضاً: يطرق لأهل البدع علينا فيجدون السبيل بأن يقولوا للحديث إذا احتج به عليهم: ليس هذا في كتاب الصحيح. قال سعيد بن عمرو: فلما رجعت إلى نيسابور في المرة الثانية ذكرت لمسلم بن الحجاج إنكار أبي زرعة عليه، وروايته في كتابه الصحيح عن أسباط بن نصر وقطن بن نُسير وأحمد بن عيسى فقال لي مسلم: إنما قلت صحيحٍ، وإنما أدخلت من حديث أسباط وقطن وأحمد ما قَدْ رواه الثقات عن شيوخهم، إلاّ أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية أوثق منهم بنزول، فأقتصر على ذلك، وأَصْلُ الحديث معروف من رواية الثقات(٣). ولاَم أبو زرعة كذلك مسلماً على روايته عن سويد بن سعيد الحدثاني. فقال: من أين كنت آتي بنسخة حفص عن ميسرة بعلو؟(٤). ويتلخص مما تقدم أن أسباب رواية مسلم عمن هو متوسط ومن أفراد الطبقة الثانية التي هي دون الأولى في الصحة والسداد يعود إلى أربع نقاط: ١ - من هو ثابت العدالة والضبط عند مسلم ضعيف عند غيره أو أن الطعن غير مفسر، أو أن الجرح غير مؤثر، لأن بعضهم يجرح بما ليس بجارح. ٢ - أن يقع في موقع المتابعة والاستشهاد لما ذكر في الأصول. ٣ - رواية مسلم عمن اختلط في سلامته وقبل اختلاطه. ٤ - أن يكون للحديث طريقان. أحدهما عال وفيه بعض الضعف والآخر نازل وقد سلم فيؤثر مسلم ذكر السند العالي على ما فيه ويحصل ذلك منه في بعض الأحيان. (١) قَطَن بن نُسير الغبري من أهل البصرة، وكان يعرف بالدراع. رجح ابن القيسراني أن مسلماً لم يخرج لقطن هذا إلا حديثاً واحداً، قال الحافظ ابن حجر: ((صدوق يخطىء)) (م. د. س). انظر: الجمع بين رجال الصحيحين ٤٢٥/٢، التقريب ١٢٦/٢. (٢) أحمد بن عيسى بن حسان المصري، يعرف بابن التستري صدوق تكلم في بعض سماعاته، قال الخطیب بلا حجة ت ٢٤٣هـ(خ. م. س. ق). انظر: الجمع بين رجال الصحيحين ١/ ٧، التقريب ٢٣/١. (٣) انظر: صيانة صحيح مسلم ص ٩٧، ٩٨، شرح النووي ١ / ٢٥. (٤) عن تدريب الراوي ١/ ٩٨ . ٢٢ الفصل الثاني معالم من منهج مسلم في صحيحه ويشتمل على المباحث الآتية: المبحث الأول: العنعنة عند مسلم. المبحث الثاني : طريقة مسلم في التعريف براوي الحديث المبهم. المبحث الثالث: بيان اللفظ لمن. المبحث الرابع: طريقة مسلم في إصلاح الوهم الواقع في الحديث. المبحث الخامس: اعتناء مسلم بالتمييز بين ((حدثنا)) و ((أخبرنا)). المبحث السادس: جمع طرق الحديث في موضع واحد. المبحث السابع: تنبيه مسلم على الاختلاف الواقع في سند الحديث. المبحث الثامن: حكم اختصار الحديث. المبحث التاسع: تراجم أبواب صحيح مسلم. ٢٣ العنعنة عند مسلم: الإسناد المعنعن هو الذي يقال فيه فلان عن فلان. وقد اخْتَلَف العلماء فيه هل هو من قبيل الإسناد المتصل فيندرج ضمن الصحيح أو هو من قبيل المرسل والمنقطع فلا يدخل ضمنه . نص الإمام مسلم على مذهبه فيه - في مقدمة صحيحه - وانتصر له وادعى الإجماع لما ذهب إليه. ومن قوله في ذلك: ((وذلك أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديماً وحديثاً، أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثاً، وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعاً كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتة والحجة بها لازمة إلا أن يكون هناك دلالة بينة، فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا، فالرواية على السماع أبداً حتى تكون الدلالة التي بينا))(١) . وهذا الذي ذكره مسلم ادعى أبو عَمرو الداني المقرىء إجماع أهل النقل عليه. ونقل زين الدين العراقي عن ابن عبد البر تصريحه بإجماع أئمة الحديث عليه بشرط أن لا يكون المُعَنْعِنُ مدلساً وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضاً (٢). ونقل الإمام أبو عَمرو بن الصلاح - في مقدمته - عن مسلم قوله ملخصاً له، ثم عقب عليه بقوله: ((وفيما قاله نظر وقد قيل إن القول الذي رَّه مسلم هو الذي عليه أئمة هذا العلم علي بن المديني والبخاري وغيرهما))(٣). وعدم اشتراط اللقيا عند الإمام مسلم لا يضر صحيحه ولا يقدح فيه وإنما هو زيادة في التثبت والاحتياط من قبل الإمام البخاري، ولذا قال المحققون من المحدثين إن مذهب البخاري أضيق وأدق (٤). (١) مقدمة صحيح مسلم (باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن) ج ٢٩/١. انظر: التقييد والإيضاح ص ٨٣، تدريب الراوي ٢١٤/١. (٢) (٣) علوم الحديث ص ٦٠ . وللتوسع في مبحث العنعنة عند مسلم وغيره. ينظر: الرسالة للإمام الشافعي: ص ٣٧٨، (٤) ٣٧٩، شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ١٢٧، السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن لابن رشيد، جامع التحصيل ص ١٣٤، شرح علل الترمذي= ٢٥ طريقة الإمام مسلم في التعريف براوي الحديث المبهم: اتبع الإمام مسلم دقة متناهية في رواية الحديث حتى كان لا يسمح لنفسه بزيادة حرف على ما تلقاه من شيوخه سواء في السند أو المتن وإذا كان الحديث يستدعي إيضاحاً وبياناً أتى به مشعراً بأن الإضافة منه . وقد عقد الإمام النووي فصلاً في ذلك حيث قال: ((ليس للراوي أن يزيد في نسب غير شيخه ولا صفته على ما سمعه من شيخه لئلا يكون كاذباً على شيخه، فإن أراد تعريفه وإيضاحه وزوال اللبس المتطرق إليه لمشابهة غيره، فطريقه أن يقول: قال حدثني فلان يعني ابن فلان أو الفلاني، أو هو ابن فلان أو الفلاني أو نحو ذلك. فهذا جائز حسن قد استعمله الأئمة وقد أكثر البخاري ومسلم منه في الصحيحين غاية الإكثار حتى إن كثيراً من أسانيدهما يقع في الإسناد الواحد منهما موضعان أو أكثر))(١). مثاله من صحيح مسلم (٢): ((حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب حدثنا سليمان (يعني ابن بلال)(٣) عن يحيى (وهو ابن سعيد) قال: كان سعيد بن المسيب يحدث، أن معمراً قال: قال رسول الله ◌َ له: ((من احتكر فهو خاطىء الحديث)). بيان اللفظ لمن: إذا حمل الإمام مسلم الحديث عن عدة رواة وتفاوتت ألفاظه عندهم واتحدت معناه فإنه ينص على اللفظ لمن . ومثاله(٤): ((حدثنا أحمد بن حنبل وزهير بن حرب (واللفظ لزهير) قالا: (بتحقيق د.همام عبد الرحيم) ج ١٩٥/١، فتح المغيث ١/ ١٦٣، توضيح الأفكار ١٠٩/١، = أسباب اختلاف المحدثين لخلدون الأحدب ج ١/ ١٨٠، الإمام مسلم بن الحجاج حياته وصحيحه لمحمود فاخوري ص ١١٣، عشرون حديثاً من صحيح مسلم لعبد المحسن بن حمد العبادص ١٥، مكانة الصحيحين د.خليل إبراهيم مُلَاخَاطر ص ٧٣ . (٢) كتاب المساقاة باب تحريم الاحتكار في الأقوات ج ٣ ص ١٢٢٧ ح ١٢٩. ووقع هذا الحديث (١) شرح النووي ٣٨/١. في («الغرر)) ص ٨٠. (٣) قال الإمام النووي: ((فلم يستجز رضي الله عنه - أي مسلم - أن يقول سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد لكونه لم يقع في روايته منسوباً فلو قاله منسوباً لكان مخبراً عن شيخه أنه أخبره بنسبه ولم يخبره)). (شرح النووي ٢٢/١). (٤) صحيح مسلم كتاب المساقاة، باب المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر والزرع ج ٣/ ص ١١٨٦ ح ١ . ٢٦ حدثنا يحيى (وهو القطان) عن عبيد الله. أخبرني نافع عن ابن عمر أن رسول الله وَله، عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع)). طريقة مسلم في إصلاح الوهم الواقع في الحديث: من مذهب مسلم - رحمه الله - التَّقَيُّد بما رواه عن شيوخه - كما تقدم - وإذا وقع وهم من أحد رواته في حديثه نَّه عليه مسلم بإشارة لطيفة دالة على قصد تصحيحه، وسَاقَه سَلِيماً من هذا الوهم. ومن هذا القبيل ما رواه في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة خيبر(١)، قال: ((وحدثني أبو الطاهر أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب، أخبرني عبد الرحمن (ونسبه غير ابن وهب فقال: ابن عبد الله بن كعب بن مالك) أن سلمة بن الأكوع قال: لما كان يوم خيبر ... الحديث)). قال رشيد الدين - رحمه الله (٢) - : وقول مسلم - رحمه الله - في هذا الإسناد: عن ابن وهب. أخبرني عبد الرحمن ونَسَبَه غيرُ ابن وهب من بديع التصرف في العدول عن الوهم إلى الصواب، وذلك أن عبد الله بن وهب كان يقول في هذا الإسناد: قال أخبرني عبد الرحمن وعبد الله ابنا كعب))(٣). قال النووي: معقباً على طريقة مسلم في تصحيح الوهم المذكور: ((وهذا من فضائل مسلم ودقيق نظره وحسن خبرته وعظيم إتقائه))(٤). اعتناء مسلم بالتمييز بين ((حدثنا)) و((أخبرنا)» (٥): تتردد في الإسناد أنواع كثيرة من طرق التحمل للحديث النبوي منها: حدثني صحيح مسلم ج ٣/ ١٤٢٩ ح ١٢٤. (١) (٢) الغرر ص ٢٣١. (٣) من الذين نصوا على تصحيح هذا الوهم كذلك: أبو داود في سننه (ج ٤٤/٣ ح ٢٥٣٨) والنسائي في عمل اليوم والليلة (ص ٣٦٣ ح ٥٣٤) والدار قطني في التتبع (ص ٢٠٤) والخطيب في الكفاية (ص ٢٤٥) وأبو علي الجياني في تقييد المهمل (مخطوط بغداد ل ١٦٨). شرح النووي لصحيح مسلم ١٧٠/١٢ . (٤) انظر: مقدمة ابن الصلاح (ص ١١٩ - ١٢١) حيث تحدث عن الفرق بين ((حدثنا)) و((أخبرنا)) (٥) وانظر: صيانة صحيح مسلم (ص ١٠١)، شرح النووي ١/ ٢٢، إكمال إكمال المعلم للأبي: ١/ ٥٠ مكمل إكمال الإكمال للسنوسي ٥٠/١. ٢٧ وحدثنا، وأخبرني وأخبرنا، وسمعت، وقرأ علي فلان ... ومن مذهب مسلم - رحمه الله - أن يفرق بينها حيث لا يستعمل التحديث إلا فيما كان من سماعه من لفظ الشيخ، فإن انفرد بالسماع قال: حدثني، وإن سمع مع غیرہ قال: حدثنا . وجعل مسلم مادة الإخبار فيما قُرىء على الشيخ وهو يسمع. فإن قرأ هو قال: أخبرني وإن قرأ غيره وهو يسمع قال: أخبرنا. وما ذهب إليه مسلم في التمييز بين حدثنا وأخبرنا هو الذي عليه الشافعي وأصحابه . ومذهب البخاري في كثيرين إطلاق حدثنا وأخبرنا فيما قرىء على الشيخ كما فيما سمع من لفظه. قال ابن الصلاح: ((ومذهب مسلم وموافقيه صار هو الغالب على أهل الحديث)). جمع طرق الحديث في موضع واحد: يمتاز مسلم بجمعه للأحاديث ذات الموضوع الواحد في موضع واحد فهو أكثر تيسيراً على الباحث في معرفة مظان حديثه، ولما كان من منهج مسلم جمعه لطرق الحديث الواحد متقاربة التجأ إلى كثرة التحويل(١) وعلامتها عند المحدثين: ح (٢). تنبيه مسلم على الاختلاف في سند الحديث: يرى الحافظ رشيد الدين العطار أنه من منهج مسلم إذا أورد حديثاً وقع في إسناده اختلاف على أحد رواته، ساق الطريق المرجح عنده في الأول ثم أتبعه بالطريق الآخر. لينبه على الاختلاف الواقع في سند الحديث(٣). (١) قال النووي: ((وهي أي ح كثيرة في صحيح مسلم قليلة في صحيح البخاري)) (شرح النووي لصحيح مسلم ٣٨/١). (٢) وتكتب ح إذا كان للحديث الواحد سندان أو أكثر، وتوضع بعد كل سند فإذا كان آخر سند لم تأت فيه لارتباط السند بالمتن. انظر: تدريب الراوي ٨٨/٢. (٣) انظر ((الغرر)) ص ١٨٨ - ١٩٤ - ٢٤٠ - ٢٦٠ - ٣٣٤ - ٣٨٢. ٢٨ حكم اختصار الحديث ورواية بعضه دون بعض: اختلف في حكم اختصار الحديث ورواية بعضه دون بعض، فمنهم من منع ذلك مطلقاً بناء على القول بالمنع من الرواية بالمعنى وهؤلاء قيَّدوا المنع بما إذا لم يكن الراوي أو غيره قد رواه تاماً من قبل(١). وأجازه بعضهم مطلقاً، وصحح النووي جوازه للعارف حيث قال: ((والصحيح التفصيل وجوازه من العارف إذا كان ما تركه غير متعلق بما رواه بحيث لا يختل البيان، ولا تختلف الدلالة بتركه وسواء جوزناها بالمعنى أم لا)) (٢) اهـ. وكل هذا إذا ارتفعت منزلة الراوي عن أن تلصق به تهمة، أما من رواه مرة تاماً فخاف إن رواه بعدها ناقصاً أن يتهم بالزيادة أو النسيان أو الغفلة أو قلة الضبط، فإنه لا يجوز له اختصاره. وكذلك إن رواه ناقصاً ثم أراد روايته تاماً وخاف ما ذكر، أو كان ممن لا تجل منزلته عن التظنن به واتهامه كان له العذر في ترك روايته تاماً (٣). قال النووي والسيوطي: ((هو إلى الجواز أقرب، ومن المنع أبعد قال الشيخ ابن الصلاح: ولا يخلو من كراهة وعن أحمد: ينبغي أن لا يفعل، حكاه عنه الخلال. وما أظنه يوافق عليه. فقد فعله الأئمة مالك، والبخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم)) (٤) ومذهب الإمام مسلم عدم جواز ذلك فإنه يسوق الحديث بتمامه ولا يقطعه (٥) . وقد انْتُقِدَ الإمام مسلم في بضعة عشر حديثاً رواها في صحيحه، كل حديث منها يشتمل على جزء متصل وآخر به انقطاع(٦) ومن له إلمام بمنهج الإمام مسلم يعلم أنه لم يحتج بالجزء المنقطع منها ولذا قال الحافظ رشيد الدين العطار: ((ولا يخفى (١) انظر توضيح الأفكار للصنعاني ٣٧٢/٢. (٢) تقريب النووي (مع تدريب الراوي) ٢/ ١٠٤. (٣) توضيح الأفكار: ٣٧٢/٢. تدريب الراوي ١٠٥/٢ . سفر: محاسن البلقيني (مطبوع مع مقدمة ابن الصلاح) تحقيق د. عائشة بنت الشاطىء (٥) ص ٣٣٦. (٤) (٦) انظر هذه الأحاديث في الصفحات التالية ((الغرر)) ٢٠١-٢٣٥ - ٣٠٥ _٣١٥ -٣٢١ -٣٣٩ - ٣٤٢ -٣٤٥ - ٣٥١ - ٣٥٥ - ٣٥٨ - ٣٦١ - ٣٦٤ -٣٦٦ _٤٠٩. ٢٩ على من له أنس بعلم الرواية أن مسلماً - رحمه الله - إنما احتج بما في هذه الأحاديث وما شاكلها من المسند دون المرسل. وإنما أوردها بما فيها من المرسل جرياً على عادته في ترك الاختصار)) (١). وذهب القاضي عياض إلى أن مذهب مسلم جاز اختصار الحديث مطلقاً حيث قال: ((اختلف المحدثون والفقهاء والأصوليون في اختصار الحديث والتحديث به على المعنى، وفي الحديث بفصل منه دون كماله. فأجاز هذا كله على الجملة قوم، وهو مذهب مسلم بن الحجاج ومنعه على الجملة كآخرون وهو تحري البخاري)»(٢). وفي هذا الكلام نظر. فإن رشيد الدين استقرأ عدداً من أحاديث مسلم التي يتعين اختصارها - حتى تكون من شرطه(٣) فلم يختصرها احتراماً لمنهجه في عدم اختصار الحديث إلا لضرورة، وهو إذا اختصر نبه على ذلك (٤) . ساق الحافظ رشيد الدين حديث سعيد بن المسيب ــ في النهي عن المزابنة ... الذي أخرجه مسلم في البيوع(٥) وهو حديث يشتمل على ثلاثة أحاديث اثنان مرسلان والثالث متصل ثم عقب عليه بقوله: «قلت هكذا أورده مسلم - رحمه الله - في كتابه، فإن قيل: كيف اختار إخراج المراسيل في صحيحه وليست من شرطه ولا داخلة في رسمه؟ فالجواب أن مسلماً - رحمه الله - من عادته أن يورد الحديث كما سمعه، وكان هذا الحديث عنده عن محمد بن رافع على هذه الصفة، فأورده كما سمعه منه، ولم يحتج بالمرسل الذي فيه، وإنما احتج بما في آخره من المسند، وهو حديث سالم عن عبد الله عن زيد بن ثابت أن رسول الله بِ له، رخص بعد ذلك في بيع العربية ... الحديث، فهذا القدر الذي احتج به مسلم منه))(٦). (١) ((الغرر)) ص ٣٦٦. (٢) انظر ذلك في هـ الإلماع ص ١٨١ - وهـ مقدمة ابن الصلاح بتحقيق د.عائشة بنت الشاطىء ص ٣٣٤. وأصل هذا القول لعياض في الإكمال. (٣) لأن من شرط مسلم أن لا يورد في صحيحه إلا الحديث المتصل. (٤) انظر الصفحات التالية: ٢٠٣ - ٢٣٧ _ ٣١٥ - ٣٢١ - ٣٤٢ - ٣٥٨ - ٣٦٦. انظر الصفحات التالية من ((الغرر)) ٢٠٣-٢٣٧ _٣١٥ -٣٢١ - ٣٤٢ - ٣٥٨ - ٣٦٦. (٥) (٦) الغرر ص ٣٠٦. ٣٠ تراجم أبواب الصحيح(١): ألف مسلم كتابه ((الصحيح)) مقتصراً فيه على ذكر الأحاديث لا يخلط بها التراجم والأبواب كما صنع البخاري حتى قيل فقه البخاري في تراجمه ومع ذلك لم يكن كتابه مختلطاً في أحاديثه، بحيث يختلط باب بباب وإنما هي مميزة إذ أنه حين وضع كتابه وضعه مفصلاً مرتباً بحسب الأبواب وإن لم يذكرها (٢). وما هو عليه اليوم من تراجم الأبواب هو من وضع العلماء والمصنفين وشراح صحيحه الذين جاؤوا من بعده، ولهذا اختلفت فيما بينها. وتختلف هذه التراجم جودة ورداءة، والذي لا مِرْيَةَ فيه أن أَجْودها التي من وضع الإمام النووي. (١) انظر: المعلم بفوائد مسلم المازري بتحقيق الشاذلي النيفرج ١٦١/١، صيانة صحيح مسلم ص ١٠١، شرح النووي ١/ ٢١، الإمام مسلم لمحمود فاخوري ص ٧١. (٢) اختلف العلماء في السبب الذي جعل مسلماً يرتب صحيحه على الأبواب ثم لا يذكرها. وأوجه ما قيل في ذلك: إن مسلماً رحمه الله - حرص على أن لا يذكر بعد المقدمة إلا الحديث (أفاده السيوطي في الديباج). ٣١ الفصل الثالث لمحة تاريخية عن عصر المؤلف (٥٨٤هـ - ٦٦٢هـ) (١١٨٨م - ١٢٢٤م) من النواحي الثلاث: الناحية السياسة الناحية الاجتماعية الناحية العلمية ٣٣ غرر الفوائد المجموعة/ م٣ الحالة السياسية كان لضعف الدولة العباسية آثار سيئة على العالم الإسلامي، استمرت مخلفاتها على مدى فترة غير قصيرة من الزمن على إثرها تصدع صرح الخلافة الإسلامية وصارت عبارة عن دويلات متنازعة متحاربة، وجرد الخليفة العباسي من سائر السلطات، حتى لم يعد له سوى الاسم، بل قد غُلب على أمره - في كثير من الأحيان - وصار ألعوبة في يد الوزراء أو الولاة والأمراء المستبدين. وزالت هيبة الخلافة الإسلامية من النفوس، وشقت عصا الطاعة كثير من البلدان الإسلامية . فهذه الدولة الفاطمية في مصر (٣٥٨هـ - ٥٦٧هـ) بدأت بنشر مذهبها الشيعي وأسقطت ما كان متبقياً من الولاء الشكلي لأمير المؤمنين ولم تعد تخطب له على المنابر، وناصبت العداء للخلافة العباسية كما اقتطعت بعض الأجزاء من أراضيها(١). وتجمعت عوامل متعددة لتفرز صراعاً آخر في الشرق الإسلامي وهذه المرة بين المسلمين والمسيحيين . كانت أواخر القرن الخامس الهجري - من سنة ٤٩١هـ ـ فاتحة هذه الصفحة الجديدة، فقد استطاع الصليبيون أن يستولوا على مدن كثيرة فكونوا إمارات، منها إمارة الرُّها، وإمارة أنطاكيا، وإمارة بيت المقدس، وإمارة طرابلس. وبهذا تَمَّ لهم السيطرة على سواحل بلاد الشام(٢). لم تكن تسقط المدينة تلو المدينة في أيدي الصليبيين بسهولة، فقد أبلى المسلمون في الدفاع عن أراضيهم البلاء الحسن. وفي عهد آخر خليفة فاطمي في مصر - العاضد(*) - ساءت أحوال البلد بسبب (١) انظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير ١٨٤/٨. ٢٣) نفس المصدر ج ١٨٥/٨ (*) العاضد لدين الله واسمه عبد الله بن يوسف بن الحافظ. آخر الخلفاء الفاطميين. استنصر بنور الدين لقتال الصليبيين دفاعاً عن مصر فأرسل إليه صلاح الدين الأيوبي الذي تولى الوزارة وتصرف في شؤون الملك، وقضى على الدولة الفاطمية. (ولد سنة ٥٤٤هـ وتوفي سنة ٥٩٧هـ). انظر: العبر ٤٩/٣، الشذرات ٢٢٢/٤. ٣٥ تنازع وَزِيرَيْن على السلطة، هما ضرغام وشاور. استنجد شاور بنور الدين. وأقبل الصليبيون لاحتلال مصر تحت غطاء نصرة ضرغام - وكان أن انْهَزَمَ الصليبيون أمام جيش نور الدين بقيادة أسد الدين شيركوه(١). ولكن ذلك لم يمنعهم من ازدياد طمعهم في احتلال مصر. وفي سنة ٥٦٤هـ (٢) اشتدت وطأة الصليبيين على مصر فاستغاث العاضد بنور الدين. فبعث إليه أسد الدين بجيشه. هذا الذي استطاع أن يخلي الفرنجة عن مصر، ويقضي على رؤوس الفتنة فيها(٣)، فرغب العاضد في احتوائه فاستوزره، فلم يلبث أسد الدين في الوزارة إلاَّ بضعة أشهر وتوفي. فتسلم صلاح الدين مقاليد الوزارة بعد وفاة عمه أسد الدين شيركوه. وأخذ العهد على نفسه منذ بداية أمره أن يطرد الصليبيين من الشرق فجند لذلك كل قواته . وما إن استتب الأمر له، حتى خطب باسم نور الدين (٤) (سنة ٥٦٧هـ) وبذلك أُلْغِيت الخلافة الفاطمية، وعرفت مصر عودتها إلى الخلافة العباسية. اغتاظ نفر من أنصار الفاطميين فأرسلوا إلى الصليبيين بالشام وإلى صاحب صقلية طالبين منهم تجريد حملة على مصر لإرجاع الخلافة الفاطمية إليها وطرد صلاح الدين منها. وبناء على هذا الطلب قَدِم إلى ثغر الإسكندرية أسطول عظيم من جزيرة صقلية قوامة ثلاث مائة سفينة، ولكنه لم يقو على الاستيلاء عليها لاستماتة أهلها في الدفاع عنها، فعاد أدراجَه يَجر أذيال الخيبة(٥) (كان ذلك سنة ٥٧٠هـ) وفي عام ٥٨٣ هـ سار السلطان صلاح الدين بجيشه إلى فلسطين لقتال الصليبيين، وتم له (١) الكامل: ٩/ ٨١. في هذه السنة أمر شاور بإحراق مدينة مصر، وأمر أهلها بالانتقال إلى القاهرة، فنهبت المدينة (٢) وافتقر أهلها وذهبت أموالهم ونعمهم قبل نزول الفرنج عليهم بيوم، واستمرت النار مشتعلة فيها أربعة وخمسين يوماً . انظر: الروضتين لأبي شامة ١/ ١٥٤. الكامل: ٩ / ٩٩. (٣) الروضتين ١٩٩/١. (٤) (٥) الكامل ٩/ ١٢٩. ٣٦ النصر المبين عليهم في وقعة حطين(١)، فقُتِل منهم جم غفير وأُسِر منهم ما لا يحصى من الأنفس. وفَتَح هذا الانتصار أمام جيوش صلاح الدين أبواب بيت المقدس، ثم عكا ويافا وطبرية وصيدا وبيروت وصور وعسقلان. ووصلت سنة ٥٨٩هـ فتوفي صلاح الدين(٢)، فانقسمت مملكته بين أبنائه وتنازعوا فيما بينهم. وطمع الصليبيون من جديد فيها. فلم تأت سنة ٦١٥ هـ حتى نَزَل الصليبيون بجزيرة دمياط فهاجموا قِلاَعَها وحُصونها، وحاصروها ستة أشهر حتى سقطت في أيديهم. فأعملوا السيف في رقاب أهلها وحولوا مساجدها إلى كنائس وعانى المصريون في هذا العام ما لم يعانوه طيلة الحروب الصليبية(٣) ... ثم أُجْلُوا عنها. وفي سنة ٦٤٧ هـ عاوَدُوا الكرّة على دمياط، لكن أهلها ما لبثوا أن غادروها وتركوها للغزاة، وكان الملك الصالح مُعَسْكِراً بالمنصورة، وهو مريض فما لبث أن وافاه الأجل، فأخذت بزمام الأمر شجرة الدر، فاتجه الإفرنج نحو المنصورة، ودار هناك قتال عنيف بين الجيشين انتهى بأسر قائد هذه الحملة (٤) (لويس التاسع ملك فرنسا). ثم أخذ الوجود الصليبي يندحر من مواقعه ويترك حُصونه وقِلاعه التي أقامها في الشام، حيث تم للجيش المصري بقيادة الأشرف - ملك مصر - دخول عكا سنة ٦٩٠هـ. وباستعادتها من أيدي الغزاة انقرضت دولتهم ودالت أيامهم، وذلك (٥) بعد قرنين من الزمن وفي هذه الأثناء كانت شوكة المغول - التتار - تقوى يوماً عن يوم، فقد استطاعوا سنة ٦٢٨ هـ أن يقضوا على السلطان جلال الدين خوارزم، ثم توجهوا من خوارزم إلى بغداد، وتم لهم احتلالها سنة ٦٥٦هـ. وأطلقوا فيها يد التخريب (١). الكامل ٩/ ١٧٧. الكامل ٩/ ٢٢٥. (٢) الكامل ٩/ ٣٢٧، ذيل الروضتين ص ١٠٨ . (٣) البداية والنهاية، لابن كثير ١٣ / ١٧٧ . (٤) (٥) الحروب الصليبية وأثرها في الأدب العربي في مصر والشام، لمحمد سيد كيلاني ص ٣٢. ٣٧ والنهب، وقُتِل الخليفة المستعصم ووضع بذلك الحد للدولة العباسية(١) . الحالة الاجتماعية لم تكن الحالة الاجتماعية في البلاد الإسلامية بأفضل من الحالة السياسية نظراً لما لهما من تداخل، فأي تطور سياسي لا بد أن ينعكس على الناحية الاجتماعية ويكون له أثره الملموس فيها. ولهذا فلا غرابة أن نجد آثار هذه الحروب والمنازعات الداخلية والخارجية يلقي بظلالها على موارد الناس وأقواتهم وحياتهم اليومية . وهذا نموذج من ذلك في مدينة دمشق وما حولها أثناء حصار الخوارزمية الصالح أيوب سنة ٦٤٣هـ. يقول صاحب الذيل على الروضتين: ((بلغت غِرارة(٢) القمح ست مائة ناصرية، نصفها بثلاث مائة درهم ... وبقيت الصعاليك مرميين في الطرقات. كانوا يطلبون لقمة، ثم صاروا يطلبون فلساً يشترون به نخالة يبلونها ويأكلونها كما تطعم الدجاج، وشاهدت ذلك بعيني. ثم اشتد الغلاء ... وبلغت الغِرارة في ثاني عشر ذي القعدة ألفاً ومائتي درهم وخمسين درهماً فضة ناصرية ... ))(٣) . كانت هذه حال أهل الشام ثم تَنْفرج عليهم الضائقة، ولكنها لا تلبث أن تعاودهم لاستمرار الحروب وانتشار الأوبئة وتعطل الصناعات وإقفار حقول الزراعة واختلال الأمن وتَعَرُّضِ الناس للسلب والنهب ومُصَادَرةِ الأموال. ولم تكن مصر بأفضل منها فقد ابتليت هي الأخرى بسنوات جدب وقحط لعدم زيادة النيل (كما حدث في سنة ٥٩٧هـ) حتى هرب الناس إلى المغرب والحجاز واليمن والشام، وتفرقوا أيدي سبا، ومُزِّقوا كل ممزق، وأكل الناس الميتات والجيف. وصاحب هذه الأزمات والأوضاع السيئة فساد الأمراء والحكام والأعيان، ومن هذا الصنف الخليفة الناصر لدين الله الذي اشتغل بالملذات والشهوات وانكب (١) البداية والنهاية ١٣/ ٢٠٠. (٢) الغِرارة واحدة الغرائر وهي الجوالق، ما يحمل على جنب البعير أو الدابة. قال الجوهري: وأظنه معرباً. انظر: لسان العرب، مادة غرر. ج ١٨/٥. (٣) انظر: ذيل الروضتين لأبى شامة: ص ١٧٨ . ٣٨ / على الملاهي، فاتخذ الطيور المناسيب ورمى بالبندق ولبس سراويلات الفتوة، وأولع بجمع الذهب والنظر إليه، وحكم رعيته بظلم حتى ساءت أحوالهم، وخربت بغداد في عهده . .. (١). وفي هذا العصر حدثت عدة زلازل في البلاد الإسلامية، منها زلزال حدث سنة ٥٩٧هـ. شمل الموصل وديار الجزيرة ومصر والشام والساحل(٢). وآخر سنة ٦٠٠ هـ. عم أغلب البلاد المصرية والعراقية والشامية والجزيرة، وبلاد الروم (٣) وصقلية وقبرس . الحالة العلمية رغم ما سيطر على هذه الحقبة من الزمن من حروب واضطرابات سياسية وكوارث في البلاد الإسلامية، فقد واصلت الحركة العلمية طريقها. والذي يتتبع النشاط العلمي في هذه المرحلة يأخذه العجب العجاب، حيث عمت أرجاء الديار الإسلامية أربطة وزوايا ومعاهد تعليمية لتلقين وتدريس العلوم الشرعية، وسأذكر بعض المدارس التي اشتهرت في هذا العصر، على سبيل التمثيل فحسب. في بيت المقدس: المدرسة الصلاحية، وقفها صلاح الدين (سنة ٥٨٨هـ) - بعد استرداده لبيت المقدس من الإفرنج - على فقهاء الشافعية (٤). في بغداد: المدرسة المستنصرية، بناها الخليفة المستنصر بالله تم بناؤها سنة ٦٣١ هـ. وُقِفَت على المذاهب الأربعة وأقرىء فيها القرآن، ورُوِي فيها الحديث واشتملت على مرافق تابعة لها، منها مأوى للأيتام وخزائن كتب وأوقاف جمة (٥). في الشام: بلغ عدد المدارس بالشام من الكثرة ما لا يكاد يُحصى. منها (٦): دار الحديث النورية بدمشق، أول دار حديث بنيت على وجه الأرض. بناها نور الدين محمود بن زنكي المتوفى سنة ٥٦٩هـ. أوقف فيها أوقافاً كثيرة على (١) انظر الكامل ٩/ ٣٦١. (٢) الكامل ٩/ ٢٥٥، ذيل الروضتين ص ٢٠ . (٣) الكامل ٢٦٦/٩ . خطط الشام لمحمد كرد علي ٦ / ٨٠. (٤) البداية والنهاية ١٣ /١٣٩ . (٥) (٦) انظر: الدارس في تاريخ المدارس، للنعيمي فقد ذكر من مدارس الشام الكثير. ٣٩ المشتغلين بعلم الحديث من الذين تولوا مشيختها: الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشهير بابن عساكر (ت ٥٧١) صاحب التصانيف(١). المدرسة العادلية الكبرى بدمشق ابْتَدأ بناءَها نور الدين، ثم عَمل فيها مِنْ بعده المَلِك العادل، ولم يتم بناؤها إلا على يد ولده الملك عيسى بن العادل سنة ٦٢٠ هـ. وهي أعظم مدارس الشافعية بدمشق(٢). المدرسة الجوزية بدمشق أنشأها محيي الدين ابن الشيخ جمال الدين أبي الفرج بن الجوزي - قتل في غزو التتار سنة ٦٥٦هـ ـ وُقِفَت على تدريس الفقه الحنبلي(٣)، من الذين درسوا بها: الشيخ حسن ابن الحافظ أبي موسى عبد الله بن عبد الغني المقدسي (ت ٦٥٩هـ). في مصر: المدسة الناصرية بجوار مسجد عمرو بن العاص أنشأها السلطان صلاح الدين الأيوبي سنة ٥٦٦. وجعلها خاصة بفقهاء الشافعية. أول من درس بها: أبو العباس أحمد بن المظفر بن الحسين الدمشقي (٤) (ت ٥٩١هـ). المدرسة القمحية أنشأها السلطان صلاح الدين الأيوبي كذلك وَوَقفها على فقهاء المالكية كانت عليها أوقاف من ضيعة بالفيوم، فما تحصل بها من قمح وُزِّع على مدرسيها وطلبتها - ومن ثم سميت بالقمحية - (٥) .. المدرسة الكاملية أنشأها الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب سنة ٦٢٢ هـ. ووقفها على المشتغلين بالحديث النبوي، ثم من بعدهم على الفقهاء الشافعية، وحبس عليها ريعاً كان بجوارها. وأول من تولى التدريس بها الحافظ أبو الخطاب عمر بن الحسين بن علي بن دحية المتوفى سنة ٦٣٣ هـ (٦). ثم أخوه أبو عمرو عثمان بن حسين بن علي بن محمد بن فرج بن (٢) الدارس ٣٥٩/١. (١) الدارس ٦٠٦/١. (٣) الدارس ٢٩/٢. الخطط المقريزية ٢/ ٤٠٠ . (٤) (٥) المرجع نفسه ٢/ ٣٦٤. (٦). أبو الخطاب،« عمر بن الحسين بن علي بن دحية. ترجم له في ذيل الروضتين ص ١٦٣، نفح الطيب ٤ / ١٣٤. ٤٠