النص المفهرس

صفحات 41-60

وقال النسائي: لا بأس به إلا في الزهري، فانه يخطيء عليه، قاله الحافظ(١). (وابن إسحاق)
هو محمد بن إسحاق بن يسار أحد الأثبات على ما هو الحق، وحديثه عند المؤلف كما سيأتي
وأخرجه الطحاوي(٢) بلفظ: أن أم حبيبة كانت استحيضت في عهد رسول الله وَ ل# فأمرها
رسول الله صل بالغسل لكل صلاة (وسفيان بن عيينة) الإِمام، وحديثه أخرجه مسلم
والنسائي (٣) واللفظ للنسائي: أن ابنَةَ جحش كانت تستحاض سبع سنين، فسألت النبي
*، فقال النبي وثيقة: ليست بالخيضة، إنما هو عرق، فأمرها أن تترك الصلاة قدر أقرائها
وحيضتها، وتغتسل وتصلي (ولم يذكروا) هؤلاء (هذا الكلام) المذكور (قال أبو داود: إنما هذا)
الكلام أي قوله إذا أقبلت الحيضة إلخ (لفظ حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة) ولیس
من لفظ حديث الزهري عن عروة عن عائشة.
قال البيهقي في معرفة السنن(٤): قوله فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت
فاغتسلي، تفرد به الأوزاعي من بين ثقات أصحاب الزهري، وإنما ذلك في قصة فاطمة بنت
أبي حبيش، وقد رواه بشر بن مكي عن الأوزاعي كما رواه الثقات من أصحاب الزهري في
الأمر بالغسل والصلاة، فقط انتهى والله أعلم.
(قال أبو داود وزاد ابن عيينة فيه) أي في حديثه (أيضا) هذا اللفظ (أمرها أن تدع الصلاة
أيام أقرائها، وهو وهم من ابن عيينة) لأن هذه الزيادة لم يذكرها أحد من حفاظ أصحاب
الزهري عنه غير ابن عيينة. وسلف تحقيق ذلك فليرجع إليه (و) هكذا (حديث محمد بن
عمرو) الآتي (عن الزهري فيه شيء) من الضعف والوهم، لأن محمد بن عمرو قد تفرد ووهم
بلفظ حديثه من بین أصحاب الزهري، ولم یذکر أحد منهم ما ذكره (ویقرب) أي حدیث
محمد بن عمرو في الوهم والضعف، أو يقرب زيادة ابن عيينة، كل محتمل (من) الكلام (الذي
زاد الأوزاعي في حديثه) ولم يذكر أحد من أصحاب الزهري غيره، والزيادة التي زادها .
الأوزاعي هي: إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغتسلي. وفي زيادة ابن عيينة
وزيادة الأوزاعي وحديث محمد بن عمرو فيها وهم وهو أحد منهم بما لم يذكره أحد
سواه، وكما أشار المؤلف إلى وهم حديث محمد بن عمر وأشار إليه غيره من الأئمة أيضا، قال
(١) هدي الساري، وانظر التهذيب ٣١٦/٤، ٢١٥
(٢) شرح معاني الآثار ٩٨/١.
(٣) مسلم (٣٣٤)، النسائي ١٨٣/١.
(٤) معرفة السنن والآثار.
- ٤١ -

أبو عبد الرحمن النسائي(١): وقد روى هذا الحديث غير واحد، ولم يذكر أحد منهم ما ذكر ابن
أبي عدي. وقد صرح ابن القطان أيضا بضعفه كما ستعرف. وفي بلوغ المرام(٢): واستنكره أبو
حاتم .
٢٨٦ - حدثنا محمد بن المثنى، نا محمد بن أبي عدي: عن محمد - يعني ابن
عمرو - قال: ثني ابن شهاب: عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش،
أنها كانت تستحاض فقال لها النبي رعدية: ((إذا كان دم الحيضة فإِنه دم أسود
يعرف، فإذا كان ذلكِ فَأَمْسِكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما
هو عرق)».
قال أبوداود: قال ابن المثنى: ثنا به ابن أبي عدي من كتابه هكذا ثم حدثنا به بَعْدُ
حفْظاً، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت
أب فاطمة كانت تستحاض، فذكر معناه.
قال أبو داود: وقد روى أنس بن سيرين عن ابن عباس في المستحاضة قال: إذا
رأت الدم الْبَحْرَانيَّ فلاتصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة فلتغتسل وتصلي، قال
مكحول: إن النساء لاتخفي عليهن الحيضة، إن دمها أسود غليظ، فإذا ذهب
ذلك وصارت صفرة رقيقة فإنها مستحاضة فلتغتسل ولتصلي
قال أبوداود: وروى حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن القعقاع بن حكيم عن
سعيد بن المسيب في المستحاضة ((إذا أقبلت الحيضة تركت الصلاة، وإذا أدبرت
اغتسلت وصلت)) وروى سمى وغيره عن سعيد بن المسيب. تجلس أيام اقرائها،
وكذلك رواه حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب.
قال أبوداود: وروى يونس عن الحسن ((الحائض إذا مد بها الدم تمسك بعد
حيضتها يوماً أو يومين فهي مستحاضة)) وقال التيمي عن قتادة: ((إذا زاد على أيام
حيضها خمسة أيام فلتصلي)) قال التيمي: فجعلت أنقص حتى بلغت يومين،
(١) النسائي ١/ ١٨٥.
(٢) بلوغ المرام ص ٢٨.
- ٤٢ -

فقال: ((إذا كان يومين فهو من حيضها)) وسئل ابن سيرين عنه فقال: النساء أعلم
بذلك.
[٢٨٦]- (حدثنا محمد بن المثنى) أبو موسى ثقة (نا محمد بن أبي عدي) هو محمد بن
ابراهيم بن أبي عدي أبو عمرو البصري، عن ابن عون وحميد الطويل وجماعة، وعنه يحيى بن
معين وأحمد بن حنبل وعمرو بن علي وطائفة. وثقه النسائي وأبو حاتم وابن سعد. وفي الميزان (٠،
ان أبا حاتم قال: لا يحتج به، فينظر في ذلك. وأبو حاتم عنده عنت، كذا في مقدهة الفتح(٢).
(عن محمد يعني ابن عمرو) زاد النسائي(٣) وهو ابن علقمة بن وقاص، انتهى. وهو الليثي أبو
عبدالله المدني أحد أئمة الحديث قال الحافظ في مقدمة الفتح(٤): هو مشهور من شيوخ مالك،
صدوق تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه. انتهى. روى عن أبيه عمرو وعبدالرحمن وخلق،
وعنه مالك وشعبة والسفيانان وموسى بن عقبة. وثقه النسائي وعلى بن المديني، وقال ابن
عدي: أرجو أنه لا بأس به، وقال أبو حاتم(*): صالح الحديث، ويكتب حديثه، وهو شيخ،
وذكره ابن حبان في الثقات(٦)، وقال: كان يخطيء. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: ليس
بالقوي، ولينه يحيى بن سعيد القطان كذا في التهذيب(٧) وإسعاف المبطأ(٨) والخلاصة(٩).
(قال: ثني ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش) تقدمت ترجمتهم مراراً
(قال: إنها كانت تستحاض) وجاءت النبي ور فقالت: إني امرأة أستحاض فلا اطهر، أفادع
الصلاة؟ كما سلف (فقال لها النبي: إذا كان) تامة (دُ الحيضة فإنه) أي الدم (دم أسود) في
لمعات التنقيح شرح مشكاة المصابيح للشيخ عبد الحق الدهلوي الحنفي: لاشك أنه باعتبار
الأغلب، فإنه قد يكون دم الحيض غير أسود، فتعسر اعتباره انتهى.
قلت: الاعتبار للأكثر، فيكف يتعسر اعتباره. وأخرج الطبراني في الكبير عن ابن عباس
(١) میزان الاعتدال ٦٤٧/٣
(٢) هدى الساري ص ٤٤١.
(٣) النسائي ١ /١٨٥.
(٤) هدى الساري ص ٤٤١ .
(٥) الجرح والتعديل ٣١/٨.
(٦) الثقات ٢٧٧/٧ .
(٧) التهذيب ٣٧٥/٩، ٣٧٧.
(٨) إسعاف المبطأ ص ٢٦.
(٩) الخلاصة ص ٣٥٤.
- ٤٣ -

أن النبي ◌َّ قال: للحائض دفعات، ولدم الحيض ريح يعرف به، فإذا ذهب قرؤ الحيض
فلتغتسل أحداكن، ثم لتغتسل عنها الدم. وفيه حسين بن عبد الله بن عبيدالله بن عباس،
قال ابن عدي: وهو ممن يكتب حديثه. كذا في مجمع الزوائد(١). وروى الدار قطني(٢) من
طريق عمرو بن عون أنا حسان بن إبراهيم الكرماني أنا عبد الملك عن العلاء قال: سمعت
مكحولا يقول عن أبي أمامة الباهلي مرفوعا: دم الحيض أسود خائر تعلوه حمرة، ودم المستحاضة
أصفر رقيق. وفي لفظ له (٣): دم الحيض لا يكون إلا دما أسود عبيطا تعلوه حمرة، ودم
المستحاضة رقيق تعلوه صفرة. قال الدار قطني: والعلاء هو ابن كثير ضعيف الحديث،
ومکحول لم يسمع من أبي أمامة شيئا. انتهى. وفي تاريخ العقيلي عن عائشة باسناد ضعيف
قالت: دم الحيض أحمر بحراني، ودم الاستحاضة كغسالة اللحم. انتهى (يعرف) فيه .
احتمالان: الأول بضم حرف المضارعة التحتانية وسكون العين المهملة وفتح الراء مشتق من
المعرفة، قال ابن رسلان: أي تعرفه النساء. قال شارح المصابيح هذا دليل التميز انتهى. قال
الشوكاني(٤): وهذا يفيد أن الرواية يعرف بضم حرف المضارعة وفتح الراء انتهى. قال الطيبي
ثم عبدالحق الدهلوي : أي تعرفه النساء باعتبار لونه وثخانته، كما تعرفه باعتبار عادته
: انتهى. وقال الأمير اليماني(٥): وقيل بفتح الراء أي تعرفه النساء انتهى.
والثاني بضم حرف المضارعة وكسر الراء، أي له عرف ورائحة. كذا في سبل السلام شرح
بلوغ المرام(٦) للأمير اليماني. كأنّه اختار هذه الرواية، وهو مشتق من العرف بفتح العين
وسكون الراء. قال الجوهري في الصحاح (٧) ومحمد بن أبي بكر الرازي في مختار الصحاح(4):
العرف: الريح طيبة كانت أو منتنة، يقال: ما أطيبَ عَرْفَه، وفي المثل: لا يعجز مسك السوء
عن عرف السوء انتهى: وفي القاموس(٩): العرف: الريح طيبة أو منتنة، وأكثر استعماله في
(١) مجمع الزوائد ١/ ٢٨٠
(٢) الدار قطني ٢١٨/١.
(٣) الدار قطني ٢١٨/١.
(٤) نيل الأوطار ٣١٧/١.
(٥) سبل السلام ١/ ٩٩
(٦) المصدر نفسه.
(٧) الصحاح (ع رف) ٤ / ١٤٠٠، ١٤٠١.
(٨) مختار الصحاح (ع رف) ص ٤٢٦.
(٩) القاموس (عرف) ١٧٨/٣.
- ٤٤ -

الطيبة، ولا يعجز مسك السوء عن عرف السوء، يضرب للئيم لا ينفك عن قبيح فعله. انتهى
وقول بعض شراح المشكاة إن العرف هو الرائحة الطيبة لا المنتنة ترده تصريحات أئمة اللغة
وفي النيل(١): وقد روى بكسر الراء أي رائحة تعرفها النساء: انتهى. وقال الشيخ
الدهلوي : والصواب أنه مشتق من المعرفة، وكلامه هذا ينفي الاشتقاق من العرف. قلت:
بل كلام الطيبي وابن رسلان والشوكاني أيضا يدل على أنهم رأوا الاحتمال الأول أقوى، كما
رأى الأمير اليماني الاحتمال الثاني أولى، ويؤيد الاحتمال الثاني حديث ابن عباس المتقدم آنفا.
والله أعلم. (فإذا كان ذلك) بكسر الكاف أي: كان الذم دما أسود (فأمسكي عن الصلاة،
فإذا كان الآخر) بفتح الخاء، أي الذي ليس بتلك الصفة (فتوضيء) أي بعد الاغتسال من
الحيض. وفيه دلالة على وجوب الوضوء على المستحاضة لكل صلاة (وصلي، فإنما هو) أي
الدم غیر صفة السواد (عرق) أي دم عرق.
والحديث فيه دلالة على أنه يعتبر التمييز بصفة الدم، فإذا كان متصفا بصفة السواد فهو
حيض، وإلا فهو استحاضة. قال في سبل السلام(٢): وهذا الحديث فيه رد المستحاضة إلى
صفة الدم بأنه إذا كان بتلك الصفة فهو حيض، وإلا فهو استحاضة. وقد تقدم أنه وشاخر قال
لها: إنما ذلك عرق، فإذا أقبلت حيضتك فدعى الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلى.
ولا ینافیه هذا الحدیث فإنه يكون قوله ((إن دم الحيض أسود يعرف)) بيانا لوقت إقبال الحيضة
وإدبارها، فالمستحاضة إذا ميزت أيام حيضها أما بصفة الدم أو بإتيانه في وقت عادتها إن كانت
معتادة عملت بعادتها، ففاطمة هذه يحتمل أنها كانت معتادة، فيكون قوله ((فإذا أقبلت
حيضتك)) أي بالعادة أو غير معتادة، فيراد بإقبال حيضتها بالصفة، ولا مانع من اجتماع
المعرفتين في حقها وحق غيرها. انتهى كلامه.
وقال الشيخ تقي الدين في شرح عمدة الأحكام(٣): واختار بعضهم في قوله («ولیس
بالحيضة)) كسر الهاء، أي الحالة المألوفة المعتادة، والحيضة بالفتح المرّة من الحيض. وقوله ((فإذا
أقبلت)) تعليق الحكم بالإقبال والإِدبار، فلابد أن يكون معلوما لها بعلاقة، تعرفها، فان كانت
مميزة ردت إلى التمييز، فإقبالها بُدوّا الدم الأسود، وإدبارها إدبار ما هو بصفة الحيض، وان
كانت معتادة وردت إلى العادة فإقبالها وجود الدم في أول أيام العادة، وإدبارها انقضاء أيام
(١) نيل الأوطار ٣١٧/١.
(٢) سبل السلام ٩٩/١.
(٣) إحكام الأحكام ١١٧/١.
- ٤٥ -

العادة وقد ورد في حديث فاطمة ما يقتضي الرد إلى التمييز. وقالوا: إن حديثها في المميزة،
وحمل قوله ((فإذا أقبلت الحيضة)) المألوفة التي هي بصفة الدم المعتاد، وأقوى الروايات في الرد
إلى التميز الرواية التي فيها دم الحيض أسود. انتهى .
(قال أبو داود: قال ابن المثنى) محمد أبو موسى (ثنا به) بالحديث المذكور (ابن أبي عدي
من كتابه هكذا) أي من غير ذكر عائشة بين عروة وفاطمة. وفي سنن الدار قطني(١): قال
الحسين بن إسماعيل: قال أبو موسى: هكذا حدثناه ابن أبي عدي من أصل كتابه، وفي لفظ
له (٢): قال ابن مبشر قال أبو موسى ثنا ابن أبي عدي بهذا إملاء من كتابه. (ثم حدثنا به بعد)
ذلك (حفظا، قال: حدثنا محمد بن عمرو عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: إن
فاطمة كانت تستحاض فذكر معناه) وقال النسائي (٣): قال محمد بن المثنى: حدثنا ابن أبي
عدي هذا من كتابه، وأخبرنا محمد بن المثنى قال: حدثنا بن أبي عدي عن حفظه، قال:
حدثنا محمد بن عمرو عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت
تستحاض، فقال لها رسول الله ئية: إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي
عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي، وصلي. ولفظ الدارقطني(٤): حدثنا ابن مبشر ثنا أبو
موسى ثنا ابن أبي عدي إملاء من كتابه، ثم حدثنا به بعدُ حفظاً نا محمد بن عمرو عن ابن
شهاب عن عروة عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش، فذكر الحديث فتابع علي بن عبدالله
بن مبشر والحسين بن إسماعيل كلاهما أبا داود على رواية عن محمد بن المثنى عن محمد بن أبي
عدي. وأما خلف بن سالم فروى عن محمد بن أبي عدي من غير هذا التفصيل، أخرج
الدارقطني في سننه(٥) حدثنا أبوسهل بن زياد، نا أحمد بن يحيى الحلواني نا خلف بن سالم، ثنا
محمد بن أبي عدي عن محمد بن عمرو عن ابن شهاب عن عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش
أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي : إذا كان دم الحيض دما أسود يعرف فأمسكي عن
الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي، فإنما هو العرق انتهى.
(١) الدار قطني ٢٠٧/١ .
(٢) المصدر نفسه.
(٣) النسائي ١٨٥/١.
(٤) الدار قطني ١ /٢٠٧ .
(٥) المصدر نفسه .
- ٤٦ -

ثم اعلم أن حديث محمد بن عمرو هذا أخرجه النسائي(١). قال ابن دقيق العيد(٢) بعد
أن عزاه إلى النسائي: رجاله رجال مسلم. ورواه الدار قطني(٣) والبيهقي(٤) وابن حبان(٥).
والحاكم(٦) وقال: صحيح على شرط مسلم. وصححه ابن حزم وابن الصلاح. كذا في البدر
المنير.
وقال ابن القطان(٧): هذا الحديث منقطع، لأنه انفرد به محمد بن عمرو عن الزهري عن
عروة، ورواه عن محمد بن عمرو محمد بن أبي عدي مرتين: أحدهما من كتابه هكذا، والثانية
زاد فيه عائشة بين عروة وفاطمة، وهذا متصل، ولكن لما حدث به من كتابه هكذا منقطعا ومن
حفظه متصلا فزاد عائشة أورث ذلك نظرا فيه، وقد جاء في سنن أبي داود مصرحا به أنه أخذه
من عائشة لا من فاطمة. وروى أبو داود من حديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن
بكير بن عبدالله عن المنذر بن المغيرة عن عروة أن فاطمة حدثته أنها سألت رسول الله والصلاة،
لكن المغيرة مجهول. قاله أبو حاتم الرازي. والحديث عند غير أبي داود معنعن لم يقل فيه ((إن
فاطمة حدثته)). قال: وكذلك حديث سهيل بن أبي صالح عن الزهري عن عروة حدثتني
فاطمة أنها أمرت أسماء أو أسماء حدثتني أنها أمرت فاطمة أن تسأل رسول الله # فهو مشكوك
فيه في سماعه من فاطمة، قال: وفي متن الحديث ما أنکر علی سهیل، وعُدّ مما ساء حفظه فيه
وظهر أثر تغييره عليه، وذلك لأنه أحال فيه على الأيام، قال نأمرها أن تقعد الأيام التي كانت
تقعد، قال: والمعروف في قصة فاطمة الإحالة على الدم وعلى القرء. تم كلام ابن القطان .
وأجاب عنه ابن القيم(٨)، فقال: هذا كله عنت ومناكرة من ابن القطان. أما قوله ((إنه
منقطع)) وليس كذلك، فإن محمد بن أبي عدي مكانه من الحفظ والاتقان لا يجهل، وقد حفظه
وحدث به مرة عن عروة عن فاطمة، ومرة عن عائشة عن فاطمة، وقد أدرك كلتيهما، وسمع
منهما بلا ريب، ففاطمة بنت عمّه، وعائشة خالته، فالانقطاع الذي رمى به الحديث مقطوع
(١) النسائي ١٨٣/١.
(٢) إحكام الأحكام ١١٧/١ .
(٣) الدار قطني ٢٠٧/١.
(٤) السنن الكبرى ٣٢٥/١.
(٥) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (١٣٤٥).
(٦) المستدرك ١/ ١٧٤ .
(٧) تهذيب السن ١٨١/١ - ١٨٢.
(٨) تهذيب السنن ١ /١٨٢ - ١٨٣.
- ٤٧ -

دائره وقد صرح بأن فاطمة حدثته.
وقوله (انا المغيرة جهله أبو حاتم)) لا يضره ذلك، فإن أبا حاتم الرازي يجهل رجالا وهم
ثقات معروفون، وهو مشدّد في الرجال، وقد وثق المغيرة جماعة وأثنوا عليه وعرفوه.
وقوله «الحدیث عند غیر أبي داود معنعن» وان ذلك لا يضره، ولا سيما على أصله في زيادة
الثقة، وقد صرح سهیل عن الزهري عن عروة قال: حدثتني فاطمة، وحمله على سهيل، وان
هذا مما ساء حفظه فیه دعوى باطلة، وقد صحّح مسلم وغيره حدیث سهیل.
وقوله ((إنه أحال فيه على الأيام، والمعروف الاحالة على القرء والدم)) كلام في غاية الفساد،
فإن المعروف الذي في الصحيح إحالتها على الأيام التي كانت تحسبها حيضها، وهي القرء
بعينها، فأحدهما يصدق الآخر، وأما إحالتها على الدم ينظر فيه، ولم يروه أصحاب الصحيح،
وإنما رواه أبو داود والنسائي، وسأل عنه ابن أبي حاتم أباه فضعفه، وقال: هذا منكر،
وصححه الحاكم. انتهى كلام الحافظ بن القيم.
وعلى كل حال لا ريب أن محمد بن عمرو مع كونه صدوقاً قدوهم، وتفرد بهذا اللفظ بین
أصحاب الزهري، ولم یذکر أحد من أصحابه ما ذكره، كما أشار إليه المؤلف أبو داود، وصرح
به النسائي، ولذا استنكره أبو حاتم، وقد علّل الأمير اليماني في السبل(١) للاستنكار بأنه من
حدیث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده، وجده لا يعرف. وتبعه الشوكاني في النيل(٢) من
إشعار به. وهذا وهم من العلامة الأمير اليماني، فان هذا المتن ليس من طريق عدي بن ثابت
عن أبيه، بل هو من طريق محمد بن أبي عدي عن محمد بن عمرو، وإنما روی عدي بن ثابت
مننا آخر کما سيجيء في باب من قال تغتسل من طهر إلى طهر، من طريق شريك عن أبي
اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي وشر في المستحاضة تدع الصلاة أيام
أقرائها، ثم تغتسل وتصلي، والوضوء عند كل صلاة.
(قال أبو داود: روی أنس بن سیرین) هو أخو محمد مولى أنس البصري، روی عن ابن
عباس وابن عمر وجندب بن سفيان، وعنه همام وشعبة وأبان وابن عون، وثقه يحيى بن معين
(عن ابن عباس في المستحاضة قال: إذا رأت الدم البحراني) بفتح الباء قال الجوهري(٣):
(١) سبل السلام ١٠٢/١
(٢) نيل الأوطار ٣٢٢/١.
(٣) الصحاح (ب ح () ٥٨٥/٢
- ٤٨-

البحر خلاف البر، يقال: سمي بحرا لعمقه واتساعه، والجمع أبْحُر وبحار وبحور، والبحر:
عمق الرحم، ومنه قيل للدم الخالص الحمرة: باحر وبحراني انتهى. وفي المصباح المنير(١):
البحر معروف، ويقال للدم الخالص الشديد الحمرة باحر وبحراني، وقيل: الدم البحراني
منسوب إلى بحر الرحم، وهو عمقها، وهو مما غير في النسب، لأنه لو قيل بحري لالتبس
بالنسبة إلى البحر انتهى .
قال الخطابي(٢): يريد الدم الغليظ الواسع الذي يخرج من قعر الرحم، ونسب إلى البحر لكثرته
ووسعته، والتبحر: التوسع في الشيء والانبساط فیه انتهى .
والحاصل أن البحراني دم شديد الحمرة، كأنه نسب إلى قعر الرحم أو إلى البحر لكثرته
وسعته. والله أعلم. (فلا تصلى وإذا رأت الطهر ولو ساعة فلتغتسل وتصلي) والمعنى أن
المستحاضة إذا رأت دما شديد الحمرة فلا تصلي وإذا رأت الطهر وهو انقطاع الدم البحراني
فلتغتسل وتصلي، فجعل عبدالله بن عباس رضى الله عنهما علامة دم الحيض خروج الدم
البحراني، وعلامة دم الاستحاضة خروج غير الدم البحراني، ويفسره قول مكحول الآتي.
وقال الداودي (٣): معناه إذا رأت الطهر ساعة ثم عاودها دم فانها تغتسل وتصلي. وقد بوب
البخاري (٤) بقوله: إذا رأت المستحاضة الطهر، وأورد أثر ابن عباس هذا. قال شارحه الحافظ
ابن حجر(٥): أي تميز لها دم العرق من دم الحيض فسمي زمن الاستحاضة طهرا لأنه كذلك
بالنسبة إلى زمن الحيض، ويحتمل أن يريد به انقطاع الدم، والأول أوفق للسياق انتهى .
وهذا الأثر أخرجه الدارمي(٦): أخبرنا محمد بن عيسى ثنا ابن علية أنا خالد عن أنس بن
سيرين قال: استحيضت امرأة من آل أنس، فأمروني، فسألت ابن عباس فقال: أما ما رأت
الدم البحراني فلا تصلي، فإذا رأت الطهر ولو ساعة من نهار فلتغتسل ولتصلي. أخبرنا أبو
النعمان ثنا يزيد بن زريع ثنا خالد عن أنس بن سيرين قال: كانت أم ولد لأنس بن مالك
استحيضت فأمروني أن أستفتي ابن عباس، فسألته فقال: إذا رأت الدم البحراني فلا تصلي،
(١) المصباح المنير (ب ح ر) ٣٦/١.
(٢) معالم السنن ١٨٢/١.
(٣) فتح الباري ٤٢٩/١.
(٤) البخاري ١ /٩٠.
(٥) فتح الباري ٤٢٩/١.
(٦) الدارمي ٢٠٣/١، ٢٠٤ .
- ٤٩ -

فإذا رأت الطهر فلتغتسل ولتصلي قال الحافظ في الفتح(١): وهذا موافق للاحتمال المذكور أولا،
لأن الدم البحراني هو دم الحيض. (قال مكحول) الشامي، إمام ثقة (إن النساء لا تخفي
عليهن الحيضة أن دمها أسود غليظ، فإذا ذهب ذلك وصارت صفرة رقيقة فإنها مستحاضة،
فلتغتسل ولتصلي) وتقدم آنفا حديث الدار قطني(٢) بإسناد ضعيف عن مكحول عن أبي أمامة
مرفوعا: دم الحيض أسود خائر تعلوه حمرة، ودم الاستحاضة أصفر رقيق. وفي لفظ له: دم
الحيض لا يكون إلا دما أسود عبيطا تعلوه حمرة، ودم المستحاضة رقيق تعلوه صفرة.
(قال أبو داود: وروى حماد بن زيد) البصري الحافظ (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري
الإِمام الحافظ (عن القعقاع) بفتح القاف وسکون العین (بن حکیم) المدني، روى عن ابن
عمر وجابر، وعنه يحيى الأنصاري وزيد بن أسلم وسعيد المقبري. وثقه يحيى بن معين
وأحمد بن حنبل (عن سعيد بن المسيب في المستحاضة وإذا أقبلت الحيضة تركت الصلاة وإذا
أدبرت اغتسلت وصلت) أخرج الإمام أبو محمد عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي الحافظ (٢):
أخبرنا يزيد بن هارون أنا يحيى أن القعقاع بن حكيم أخبره أنه سأل سعيدا عن المستحاضة
فقال: يا ابن أخي ما بقي أحد أعلم بهذا مني، إذا أقبلت الحيضة فلتدع الصلاة، وإذا أدبرت
فلتغتسل ولتصل. (وروى سُمَيّ) بضم السين وفتح الميم والياء المشددة، هو مولى أبي بكر بن
عبدالرحمن المخزومي القرشي أبو عبدالله المدني، عن مولاة أبي بكر وسعيد بن المسيب وجماعة،
وعنه مالك وسهيل بن أبي صالح ويحيى بن صالح وهما من أقرانه وعبيدالله بن عمر. وثقه أحمد
وأبو حاتم (وغيره عن سعيد بن المسيب تجلس أيام أقرائها) أخرجه الدارمي (٤): أخبرنا
محمد بن يوسف ثنا سفيان عن سميّ قال: سألت سعيد بن المسيب عن المستحاضة، فقال:
تجلس أيام أقرائها (وكذلك رواه حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سعيد
بن المسيب قال أبو داود: وروى يونس) بن يزيد الأموي، ثقة (عن الحسن: الحائض إذا مد
بها الدم) أي استمر الدم بعد انقضاء مدتها المعمولة (تمسك) المرأة عن الصلاة وغيرها (بعد
حيضتها يوما أو يومين، فهي) بعد ذلك (مستحاضة) أخرج الدارمي(٥): أخبرنا حجاج ثنا حماد
(١) فتح الباري ٤٢٩/١.
(٢) الدار قطني ٢١٨/١ .
(٣) الدارمي ٣٠١/١.
(٤) الدارمي ٣٠٥/١.
(٥) الدارمي ٢١٠/١.
- ٥٠ -

عن يونس عن الحسن قال: إذا رأت الدم فإنها تمسك عن الصلاة بعد أيام حيضها يوما أو
يومين، ثم هي بعد ذلك مستحاضة. وفي لفظ له: عن يونس عن الحسن قال: إذا رأت
الحائض دما عبيطا بعد الغسل بيوم أو يومين فإنها تمسك عن الصلاة يوما ثم هي بعد ذلك
مستحاضة .
(وقال التيمي) هو سليمان بن طرخان التيمي البصري، أحد كملاء التابعين، ثقة إمام
ورع عابد (عن قتادة) بن دعاة، ثقة (إذا زاد على أيام حيضها خمسة أيام فلتصلّ، قال التيمي:
فجعلت أنقص) الأيام التي زادت على أيام حيضها (حتى بلغت يومين، فقال) قتادة مجيبا (إذا
كان) اليوم زائد (يومين فهو من حيضها) فلا تصلي فيه أخرج الدارمي(١): أخبرنا محمد بن
عيسى ثنا معتمر عن أبيه قال: قلت لقتادة: امرأة كانت حيضها معلوما فزادت عليه خمسة أيام
أو أربعة أيام أو ثلاثة أيام، قال: تصلي، قلت: يومين، قال: ذلك من حيضها. وسألت ابن
سيرين، قال النساء أعلم بذلك.
(وسئل ابن سيرين) هو محمد بن سيرين إمام ثقة (عنه) أي عمن يرى ذلك (فقال:
النساء أعلم بذلك) فهن ميّزن دم الحيض عن دم الاستحاضة. وكأن ابن سيرين لم يحبه وأحال
على النساء. وفي صحيح البخاري(٢) تعليقا: قال معتمر عن أبيه قال: سألت ابن سيرين عن
المرأة ترى الدم بعد قرئها بخمسة أيام، قال: النساء أعلم بذلك انتهى. قال الكرماني في شرح
البخاري(٣): قوله ((بعد قرئها)) أي طهرها لا حيضها بقرينة لفظ الدم، والغرض منه أن أقل
الطهر هل يحتمل أن يكون خمسة أيام أم لا؟ انتهى كلام الكرماني، وتبعه القسطلاني(٤).
قلت: ليس المعنى كما ذكره الكرماني، بل ترده رواية الدارمي المتقدمة، وإنما المعنى
الصحيح هو ما ذكر العيني في شرح البخاري(٥) ما نصه: أن ابن سيرين سئل عن امرأة كان
لها حيض معتاد، ثم رأت بعد أيام عادتها خمسة أيام أو أقل أو أكثر، فكيف يكون حكم هذه
الزيادة، فقال ابن سيرين: هي أعلم بذلك، يعني التمييز بين الدمين راجع إليها، فيكون
المرئي في أيام عادتها حيضا، وما زاد على ذلك استحاضة.
(١) الدارمي ٢٠٢/١.
(٢) البخاري ٨٩/١.
(٣) انظر: عمدة القاري ٣٠٨/٣.
(٤) إرشاد الساري ٣٦٢/١.
(٥) عمدة القاري ٣٠٨/٣.
- ٥١ -

واعلم أن المؤلف أورد في هذا الباب خمسة آثار: الأول أثر ابن عباس رضى الله عنه، وهو
يدل على الاعتبار بالتمييز نصا وصريحا. والثاني أثر مكحول، وهو يدل على ذلك أيضا.
والثالث أثر سعيد بن المسيب. والرابع أثر الحسن. والخامس أثر قتادة. وهذه الآثار الثلاثة كما
تحتمل الاعتبار بالعادة أيضا، وعلى كل حال يصدق على كل من الآثار الخمسة قول المؤلف
((باب إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة،)) فإن إقبال الحيضة كما تعرف النساء بالتمييز تعرف
بالعادة أيضا، وسلف بيان ذلك بأتم وجه. وأما قول الحسن وقتادة إنما تمكث يومين بعد
حيضتها المعروفة فلعله بناء على الاحتياط، وإنا لم نجد مأخذ هذا القول من أين قالاه. ثم لا
يخفي عليك أن ليومين الزائدين عند الحسن هل يعتبر ان قبل انقضاء أكثر مدة الحيض عنده
وهو عشرة أيام، أو بعد انقضاء أكثر مدته؟ فالظاهر هو الأول، لما أخرج الدارمي(١): أخبرنا
محمد بن عيسى ثنا هشيم ثنا يونس عن الحسن قال: تمسك المرأة عن الصلاة في حيضتها
سبعا، فان طهرت فذاك، وإلا أمسكت ما بينها وبين العشرة، فان طهرت فذاك، وإلّ
اغتسلت وصلّت، وهي مستحاضة. انتهى .
٢٨٧ - حدثنا زهير بن حرب وغيره، قالا: نا عبد الملك بن عمرو، نا زهير بن
محمد، عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه
عمران بن طلحة، عن أمه حَمْنَةَ بنت جحش قالت: كنت أُسْتَحَاضُ حَيْضةً كثيرة
شديدة، فأتيت رسول الله ژ# أستفتيه وأخبره، فوجدته في بیت أختی زينب بنت
جحش، فقلت: يارسول الله، إني امرأة أستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى
فيها قد منعتني الصلاة والصوم؟ فقال: ((أنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ فإنه يُذْهِبُ الدَّمَ))
قالت: هو أكثر من ذلك، قال: ((فَاتَّخِذِي ثَوْباً)) فقالت: هو أكثر من ذلك، إنما
أثجُّ ثجًّا، قال رسول الله وَله: ((سَآمُرُكِ بأمرين أيَّهُمَا فَعَلْتِ أَجْزَاً عَنْكِ مِنَ الْآخَرِ،
فَإِنْ قَوِيتِ عليهما)) قال لها: ((إنما هذه رَكْضَةٌ من رَكَضَاتِ الشيطان فَتَحَيَّضِي سِتّةً
أيّامٍ أَو سَبْعَةَ أَيَّامٍ في علم الله تعالى، ثم اغْتَسِلي حَتّى إذَا رأيت أنكِ قد طَهُرْت
واسْتَنْقَاتٍ فصلي ثلاثاً وعشرين ليلة أو أربعاً وعشرين ليلة وأيامها وصومي؛ فإن
ذلك يجزئك، وكذلكِ فافعلي كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن، ميقات
(١) الدارمي ٢٠٩/١.
- ٥٢ -

حيضهن وطهرهن، فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلي
وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم
تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي؛ وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إن
قدرت على ذلك)) قال رسول الله وسلم: ((وهذا أعجب الأمرين إلي)).
قال أبوداود: رواه عمرو بن ثابت عن ابن عقيل فقال: قالت حمنة: هذا أعجب
الأمرين إليَّ، لم يجعله قول النبي ◌َّ جعله كلام حمنة.
قال أبوداود: كان عمرو بن ثابت رافضياً وذكره عن يحيى بن معين قال أبوداود :
سمعت أحمد يقول: حديث ابن عقيل في نفسي منه شيء.
[٢٨٧]- (حدثنا زهير بن حرب) بن شداد الحرشي الحافظ، روى عن سفيان بن عينية
وهشيم وحفص بن غياث وجرير بن عبدالحميد وجماعة. وعنه البخاري ومسلم وأبو داود وابن
ماجة. قال النسائي : ثقة مأمون، وقال يعقوب بن شيبة: زهير أثبت من أبي بكر بن أبي شيبة .
وأخرج الترمذي(١) هذا الحديث عن محمد بن بشار عن عبدالملك (وغيره) هكذا في جميع النسخ
الحاضرة، وقال الحافظ جمال الدين المزي في تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف(٤): وفي رواية أبي
الحسن بن العبد(٣) عن زهير بن حرب وأبي جعفر محمد بن أبي سمينة جميعا عن عبدالملك
(قالا: نا عبدالملك بن عمرو) أبو عامر العقدي البصري الحافظ، عن عمروبن ذر وأفلح بن
حميد وقرة بن خالد وجماعة، وعنه يحيى بن معين وأحمد وإسحاق. قال النسائي: ثقة مأمون.
وأخرج الدار قطني(٤) من طريق الحسن بن أبي الربيع الجرجاني ثنا أبو عامر العقدي. وأخرج
البيهقي في المعرفة(٥) من طريق العباس بن محمد الدوري قال: حدثنا أبو عامر عبدالملك بن
عمرو العقدي (نا زهير بن محمد) التيمي أبو المنذر الخراساني، روى عن زيد بن أسلم وابن
المنكدر وسهيل بن أبي صالح وعمروبن شعيب، وعنه عبدالرحمن بن مهدي وأبو عاصم
والوليد بن مسلم. قال أحمد بن حنبل: كان زهير الذي روى عنه أهل الشام آخر فإن رواية
(١) الترمذي (١٢٨).
(٢) تحفة الأشراف ٢٩٣/١١ .
(٣) وهو الشيخ الإمام أبو الحسن علي بن عبد المعروف بابن العبد الراوي عن أبي داود، وهو الخامس من
الرواة عن أبي داود سوى الأربعة المشهور. ويروى الشيخ عابد السندي من طريق صالح الفلافي رواية
أبي الحسن بن العبد عن أبي داود، وهو أعلى أسانيده في هذا الكتاب. والله أعلم (المؤلف).
(٤) الدار قطني ٢١٤/١.
-
- ٥٣

أصحابنا عنه مستقيمة عند عبدالرحمن بن مهدي وأبي عامر العقدي، وأما رواية عمرو بن
سلمة التنيسي فبواطيل . وقال أبو حاتم: في حفظه سوء، وحديثه بالشام أنكر من حديثه
بالعراق. وقال العجلي والبخاري والنسائي نحو ذلك. وقال ابن عدي: لعل أهل الشام
أخطأوا عليه، فإن روايات أهل العراق عنه تشبه المستقيمة، وأرجو أنه لا بأس به، واختلف
فيه الرواية عن يحيى بن معين، وهو يحسب أحاديث من روى عنه. وأفرط الحافظ بن عبدالبر
فقال: إنه ضعيف عند الجميع، وتعقبه صاحب الميزان(١) بأن الجماعة احتجوا به، وهو كما قال.
كذا في مقدمة الفتح(٢). وتابع زهيرا هذا ابن جريج، كما أخرجه ابن ماجة(٣) عن محمد بن يحيى
ثنا عبد الرزاق أنا ابن جريج عن عبدالله بن محمد بن عقيل، وتابعه شريك كما أخرجه ابن
ماجة(٤) أيضا: حدثنا أبوبكر بن أبي شيبة ثنا يزيد بن هارون أنبأ شريك عن عبدالله بن
محمد، وتابعه عبيدالله بن عمرو الرقي، كما أخرجه الدارقطني في سننه(٥): حدثنا محمد بن
محمد بن مالك الاشكافي ثنا الحارث بن محمد ثنا زكريا بن عدي ثنا عبيدالله بن عمرو عن
ابن عقيل، وتابعه إبراهيم بن يحيى محمد، كما أخرجه الدار قطني(٦) والبيهقي(٧) من طريق
الربيع بن سليمان أنا الشافعي نا إبراهيم بن أبي يحيى عن عبدالله بن محمد. فهؤلاء أربعة قد
تابعوا زهير بن محمد علي روايته عن عبدالله بن محمد بن عقيل (عن عبدالله بن محمد بن
عقيل) بفتح العين، ابن أبي طالب الهاشمي المدني، روى عن أبيه وخاله محمد بن الحنفية،
وعنه الثوري وابن عيينة وابن عجلان. قال أبو حاتم: لين، وقال النسائي: ضعيف، وقال
ابن خزيمة: لا أحتج به، وقال ابن حبان: رديء الحفظ، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين
عندهم، وقال أبو زرعة: يختلف عنه في الأسانيد، وقال الفسوي: في حديثه ضعف وهو
صدوق، وقال محمد بن عثمان العبسي الحافظ: سألت علي بن المديني عنه فقال: كان ضعيفا.
وقال البخاري في تاريخه : كان أحمد وإسحاق يحتجان به. وقال الترمذي في سننه(٨): هو
(١) ميزان الاعتدال ٢ /٨٥.
(٢) هدى الساري ص ٤٠٣.
(٣) ابن ماجة (٦٢٧).
(٤) ابن ماجة (٦٢٧).
(٥) الدار قطني ١ /٢١٥ .
(٦) المصدر نفسه .
(٧) السنن الكبرى ٣٣٢/١.
(٨) الترمذي ٩/١ باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور.
- ٥٤ -

صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد بن إسماعيل
البخاري يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم والحميدي يحتجون بحديث
عبدالله بن محمد بن عقيل، قال محمد: وهو مقارب الحديث انتهى. وقال ابن عدي: روى
عنه جماعة من المعروفين الثقات، وهو خير من ابن سمعان، ويكتب حديثه. قال الذهبي(*):
وحديثه في مرتبة الحسن.
قلت: وهذا القول أقرب إلى الصواب، وبالغ ابن القيم فقال: هو ثقة صدوق لم يتكلم
فيه بجرح أصلا انتهى. وكذا بالغ ابن مندة حيث قال: أجمعوا على ترك حديث ابن عقيل.
انتهى. فهذا في طرف والله أعلم. (عن إبراهيم بن محمد بن طلحة) بن عبيدالله التيمي
المدني، عن عمه عمران وأبي أسيد وأبي هريرة، وعنه سعد بن إبراهيم وعبدالرحمن بن حميد
وطلحة بن يحيى. وثقه العجلي. وهو من رجال مسلم.
قال بعض المحدثين: إبراهيم بن محمد بن طلحة قديم لا أدري سمع منه ابن عقيل أم
لا ، وهذه علة أخرى للحديث. وأجيب بأن إبراهيم بن محمد بن طلحة مات سنة عشر ومائة
عن أربع وسبعين فيما قاله أبو عبيدالقاسم بن سلام وعلي بن المديني وخليفة بن خياط، وهو
تابعي، سمع عبدالله بن عمرو جابر بن عبدالله وأنس بن مالك والربيع بنت معوّذ، فكيف
ينكر سماعه من إبراهيم بن محمد بن طلحة لقدمه؟ وأين ابن طلحة من هؤلاء في القدم؟ وهم
نظراء شيوخه في الصحبة، وقريب منهم في الطبقة، فينظر في صحة هذا القول. (عن عمه
عمران بن طلحة) بن عبيدالله التيمي المدني. وذكر ابن مندة ما يدل على أن عمران ولد في
حياة النبي رير فإنه أخرج بسند ضعيف عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: سمى رسول الله
وَ*، ابني موسى وعمران، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى(١) وكذا في الاصابة(٢) وقال في أسد
الغابة(٣): قيل انه ولد في عهد النبي وص* وقدم عمران البصرة إلى علي بن أبي طالب بعد
الجمل، فكلّمه في أملاك أبيه، فردّها إليه. قال محمد بن سعد في الطبقة الأولى من أهل
المدينة: عمران بن طلحة بن عبيدالله وأمه حمنة انتهى. وقال الحافظ في التقريب: (٤) ذكره
(*) الميزان ٢ /٤٨٥.
(١) الطبقات الكبرى ٢١٤/٣.
(٢) الإصابة ٨٢/٣.
(٣) أسد الغابة ١٣٨/٤.
(٤) التقريب ٨٣/١.
:
- ٥٥ _

العجلي في ثقات التابعين انتهى. وفي الخلاصة(*) هو من أولاد الصحابة، سماه النبي وَّية.
روى عن أبويه، وعنه إبراهيم بن محمد ومعاوية بن إسحاق بن طلحة. وثقه ابن سعد
انتھی .
ثم اعلم أن جمهور الرواة قالوا ((عمران بن طلحة)) إلا ابن جريج فإنه قال: ((عمر بن
طلحة)) قال الترمذي(١): والصواب عمران بن طلحة. قال ابن حزم: عمر بن طلحة الذي
رواه إبراهيم بن محمد بن طلحة عنه غير مخلوق، لا يعرف لطلحة ابن اسمه عمر. وردّه
الحافظ أبو الفتح ابن سيد الناس اليعمري، فقال: أما عمر بن طلحة الذي ذكره فلم يسق
الحديث من طريقة بل من طريق عمران بن طلحة، وقد نبّه الترمذي(٢) على أنه لم يقل ((عمر))
في هذا الإِسناد أحد من الرواة إلا ابن جريج، وأن غيره يقول ((عمران))، وهو الصواب.
انتھی .
وههنا اختلاف آخر، قال الدار قطني في كتاب العلل: اختلف على عبدالله بن محمد بن
عقيل في هذا الحديث، فرواه أبو أيوب الإِفريقي عن عبدالله بن عمر عن عبدالله بن
محمد بن عقيل عن جابر قال. ووهم فيه، وخالفه عبيدالله بن عمر وهو الرقي، وابن جريج،
وعمروبن ثابت، وزهير بن محمد، وإبراهيم بن أبي يحيى، فرووه عن ابن عقيل عن
إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عمران بن طلحة عن أمه حمنة بنت جحش انتهى .
قال ابن القيم(٣): ورواه ابن ماجة في سننه(٤) عن محمد بن يحيى عن عبدالرزاق عن ابن
جريج عن ابن عقيل عن إبراهيم بن محمد عن عمه عمر بن طلحة عن أم حبيبة، وكذلك
رواه الترمذي، وقال: إن ابن جريج قال ((عمر بن طلحة))، قال: ورواه عبيدالله بن عمرو
الرقي وشريك، وذكر أنهما قالا ((عمران بن طلحة)). ورواه الترمذي من طريق زهير بن محمد
فقال: ((عمران بن طلحة))، وقد تقدم في كلام الدار قطني أن ابن جريج قال فيه («عمران بن
طلحة))، وهو الصواب. فوقع الغلظ من ((عمران بن طلحة)) إلى ((عمر بن طلحة)). انتهى.
(عن أمه حمنة بنت جحش) حمنة بفتح الحاء وسكون الميم وفتح النون الأسدية أخت أمّ المؤمنين
(*) خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص: ٢٩٥ .
(١) الترمذي ٨٥/١.
(٢) المصدر نفسه .
(٣) تهذيب السنن ١٨٥/١.
(٤) ابن ماجة (٦٢٢).
- ٥٦ -

زينب واخوتها. قال أبو نعيم: حمنة بنت جحش بن رياب تكني أم حبيبة. وقال ابن مندة:
حمنة بنت جحش وقِيْل حبيبة. قال أبو عمر(١): حمنة بنت جحش كانت تستحاض هي وأختها
أم حبيبة بنت جحش، وهي أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين زوج النبي #، وكانت حمنة
زوج مصعب بن عمير، فقتل عنها يوم أحد، فتزوجها طلحة بن عبيدالله، وكانت من
المهاجرات، وشهدت أحدا، فكانت تسقي العطش وتجمل الجرحى وتداويهم. روت عن
النبي ټێ ، وروی عنها ابنها عمران بن طلحة.
قال ابن الأثير (٢): قد جعل ابن مندة حمنة هي حبيبة، وجعل أبو نعيم أم حبيبة كنية حمنة،
وجعلها أبو عمر ابن عبدالبر اثنتين، فطلبت في الكنى. فأما أبو نعيم فلم يذكر في الكنى ما
يدل أنها هي ولا غيرها، وأما أبو عمر فإنه كشف الأمر وصرح بأنهما اثنتان، فقال(٣): أم حبيبة،
ويقال أمّ حبيب ابنة جحش بن رياب الأسدي أخت زينب بنت جحش وأخت حمنة وأم
حبيبة، كانت تحت عبدالرحمن بن عوف، وكانت تستحاض، وأهل السير يقولون: إن
المستحاضة حمنة، والصحيح عند أهل الحديث أنهما كانتا تستحاضان جميعا. قال: وقد قيل
إن زينب بنت جحش استحيضت، ولا يصح.
وقال ابن ما كولا: زينب أم المؤمنين كانت عند رسول الله #، وأم حبيبة كانت عند
عبدالرحمن بن عوف، وكانت مستحاضة، وحمنة بنت جحش كانت عند طلحة بن عبيد الله
وهي صاحب الاستحاضة فابن ماكولا قد وافق أبا عمر ابن عبدالبر. كذا في أسد الغابة (٤).
وقال ابن حجر(٥) وهي كانت تستحاض، كما أخرجه أبو داود والترمذي، فذكر حديث
الاستحاضة، وروى عاصم الأحول عن عكرمة عن حمنة أنها استحيضت، وخالفه أبو
إسحاق الشيباني وأبو بشر عن عكرمة قال: كانت أم حبيبة تستحاض، فجمع بعضهم
الاختلاف بأن كلامنهما كانت تستحاض، وقد قيل: إن زينب أيضا كانت من المستحاضات،
حتى قيل: إن بنات جحش كلهن كن ابتلين بذلك. وأنكر الواقدي أن تكون حمنة
استحیضت أصلا. انتهى.
(١) الاستيعاب ٤ /٢٧١.
(٢) أسد الغابة ٤٢٨/٥.
(٣) الاستيعاب ٤ /٤٤٢.
(٤) أسد الغابة ٤٢٨/٥.
(٥) الإصابة ٤ /٢٧٥ .
٥٧ _

والصحيح ما قال ابن عبدالبر وابن ماكولا، والعلم عند الله تعالى. (قالت: كنت
أستحاض حيضة كثيرة) بفتح الحاء بمعنى الحيض، وهو مصدر استحاض على حدّ أنبته الله
نباتا، ولا يضره الفرق في اصطلاح العلماء بين الحيض والاستحاضة، إن الكلام وارد على
أصل اللغة (شديدة، فأتيت رسول الله (ميسال أستفتيه) عما نزل بي (وأخبره) الواو لمطلق الجمع،
وإلا كان حقها أن تقول: فأخبره وأستفتيه (فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، فقلت:
يارسول الله) * (إني امرأة أستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها) في الحالة المذكورة،
وما استفهامية (قد منعتني الصلاة والصوم) بالنصب، وفاعل ((منعتني)) الحيضة، وهذه الجملة
مستأنفة مبينة لما ألجأها إلى السؤال، ويمكن أن يجعل حالا من الضمير المجرور في قولها
(«فيها))، وإنما قالته ذلك زعما منها أن جريان الدم مطلقا ((فيها))، وإنما قالته ذلك زعما منها أن
جريان الدم مطلقا يمنع الصلاة والصوم، ولا حد للحيض. قاله بعض العلماء. (فقال) النبي
** (أنعت) أي أصِف (لك الكرسف) أي أصف لك القطن بكونه مذهبا للدم، فاستعمليه
وتحشي به فرجك، لعل ذلك ينقطع. والكرسف بضم الكاف وسكون الراء وضم السين
القطن (فإنه يُذهِب الدم) من الإِذهاب، أي يمنع خروجه إلى ظاهر الفرج (قالت: هو أكثر
من ذلك) أي الدم أكثر من أن ينقطع بالقطن لا شتداده وفوره، (قال: فاتخذي ثوبا) أي إن
لم يكف القطن فاستعملي الثوب مكانه .
وفي رواية الترمذي(١) وغيره بعد قوله ((فانه يذهب الدم)) هكذا: قالت هو أكثر من ذلك،
قال فلتجمي، قال: هو أكثر من ذلك، قال: فاتخذي ثوبا، قالت: هو أكثر من ذلك، إنما
أثج ثجا، (فقالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجا) بالمثلثة وتشديد الجيم أي أصب صبا،
والثجّ جرى الدم والماء جريا شديدا، لازم ومتعد، يقال: ثججتُ الماء والدم إذا أسكبته أي
صيبته، وعلى هذا فالمفعول محذوف، أي أثج الدم ثجًّا، وعلى الأول إضافة الجري إلى نفسها
للمبالغة، على معنى أن النفس جعلت كأن كلها دم ثجاج، وهذا أبلغ في المعنى، وقد
استعمل الثج في الحلب في الإِناء يقال حلب فيه ثجا، واستعمل مجازا في الكلام، يقال
للمتكلم مِنْجاج بكسر الميم. والحاصل أنها قالت إنه يسيل دمي سيلانا فاحشا، ومنه قوله
تعالى ﴿ماءً تجَّاجاً﴾(١) أي كثيرا. (قال رسول الله وَله: سآمرك بأمرين أيّهما) قال أبو البقاء
(١) الترمذي (١٢٨).
(٢) سورة النبأ ١٤.
- ٥٨ -

في إعرابه(١): إنه بالنصب لا غير، والناصب له فعلت انتهى. وفي نسخة المنذري(٢): فأيهما
زيادة الفاء (فعلت أجزأ عنك من الآخر، فان قويتِ عليهما) أي على الأمرين بأن تقدر على
أن تفعل أيهما شئت (قال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان) الركضة بفتح وسكون
الكاف ضرب الأرض بالرجل في حال العدو. قال الخطابي(٣) وابن الأثير(٤): أصله الضرب
بالرجل والإصابة بها كما تركض الدابة وتصاب بالرجل أراد الإضرار بها والأذى، يعني أن
الشيطان قد وجد به طريقا إلى التلبيس عليها في أمر دينها وطهرها وصلاتها، حتى أنساها ذلك
عادتها، وصار في التقدير كأنه ركضة نالتها من ركضاته. وإضافة النسيان في هذا الأمر إلى
فعل الشيطان كما في قوله تعالى ﴿فأنساه الشيطان ذكر ربه﴾(٥) انتهى. وفي سبل السلام(٦):
ولا ينافي ما تقدم من أنه عرق، لأنه يحمل على أن الشيطان ركضه حتى انفجر، والأظهر أنها
ركضة من حقيقة، إذ لا مانع عن حملها عليه (فتحيضي) بفتح التاء الفوقية والحاء المهملة والياء
المشددة، يقال: تحيّضت المرأة أي قعدت أيام حيضها عن الصلاة والصوم، أي اجعلي نفسك
حائضة. قال في النهاية(٧): تحيّضت إذا قعدت من أيام حيضها تنتنظر انقطاعها، أراد عُدّي
نفسكِ حائضا وافعلي ما تفعل الحائض (ستة أيام أو سبعة أيام). قال النووي(٨): أو للتقسيم،
ستة إن اعتادتها أو سبعة إن اعتادتها، أو لعلّها شكت هل عادتها ستة أو سبعة، فقال لها: ستة
إن لم تذكري عادتك، أو سبعة إن ذكرت أنها عادتك، أو لعل عادتها كانت مختلفة، فقال:
ستة في شهر الستة، وسبعة في شهر السبعة. انتهى.
وقال الخطابي في المعالم(١): ويشبه أن يكون ذلك منه وهو على غير وجه التحديد من الستة
والسبعة، لكن علي معنى اعتبار حالها من هي مثلها وفي مثل سنها من نساء أهل بيتها، فان
كانت عادة مثلها أن تقعد ستا قعدت ستا، وإن سبعا فسبعا. وفيه وجه آخر، وذلك أنه قد
(١) إعراب الحديث النبوي.
(٢) مختصر السنن ١٨٤/١ .
(٣) معالم السنن ١٨٦/١.
(٤) النهاية (ركض) ٢٥٩/٢.
(٥) سورة يوسف ٤٢.
(٦) سبل السلام ١٣٥/١.
(٧) النهاية ١/ ٤٦٩ .
(٨) المجموع ٣٥٧/٢.
(٩) معالم السنن ١٨٢/١.
- ٥٩ -

يتحمل أن تكون هذه المرأة قد ثبت لها فيما تقدم أيام ستة أو سبعة، إلا أنها قد نسيتها، فلا
تدري أيتهما كانت، فأمرها أن تتحرى وتجتهد وتبني أمرها على ما تيقّنّتْه عن أحد العددين،
ومن ذهب إلى هذا استدل بقوله ((في علم الله)) أي فيما علم الله من أمرك من ستة أو سبعة.
انتهى كلام الخطابي.
وقال عبدالحق الدهلوي في لمعات التنقيح: ليس ((أو)) للشك ولا للتخيير، بل المراد
اعتبري ما وافقك من عادات النساء المماثلة لك المشاركة لك في السن والقرابة والمسكن، فكأنها
كانت مبتدأة فأمرها باعتبار غالب عادة النساء، كذا اختار الطيبى فى توجيهه، ومنهم من ذهب
إلى أن ((أو)) للشك من بعض الرواة، وإنما يكون النبي ﴾﴾ قد ذكر أحد العددين اعتبارا
بالغالب من حال نساء قومها .
وقال الثوربشتي: ويحتمل أنها أخبرته بعادتها قبل أن يصيبها ما أصابها، ومنهم من قال:
إن ذلك من قول النبي ®، وقد خيرها بين كل واحد من العددين، لأنه العرف الظاهر والأمر
الغالب من أحوال النساء. انتهى .
والحديث استدل به من قال: إنها ترجع المستحاضة إلى الغالب من عادة النساء (في علم
الله تعالى) قال ابن رسلان: أي في علم الله من أمرك من الست أو السبع، أي هذا شيء
بينك وبين الله، فإنه يعلم ما تفعلين من الإتيان بها أمرتك به أو تركه. وقيل ((في علم الله))
أي حكم الله تعالى، أي بما أمركت فهو حكم الله تعالى وقيل: ((في علم الله)) أي أعلمك
الله من عادة النساء من الست أو السبع. انتهى. وقال البيضاوي: معناه على قول التخيير
فيما علم الله من أمرك من ستة أو سبعة انتهى. وفي اللمعات: من قال: إن ((أو)) للشك فله
أن يقول: معناه الله أعلم بماقال النبي # (ثم اغتسلي حتى إذا رأيت انك قد طهرت) أي
مضت الأيام المذكورة وصرتٍ طاهرة في حكم الشرع (واستنقأت) أي بالغت في التنقية، قال
السيوطي: قال أبو البقاء: كذا وقع في هذه الرواية بالألف، والصواب: استنقيت، لأنه من
نقي الشيء وأنقيته إذا نظفته، ولا وجه فيه للالف ولا للهمزة، انتهى. وقال في المغرب الهمزة
فيه خطأ، وقال بعض العلماء: النسخ كلها بالهمزة مضبوطة، ففي تخطيئة الهمزة تخطئة
للحافظ الضابطين مع إمكان حمله على الشذوذ. والله أعلم (فصلى) فهذا أول الأمرين المأمور .
بهما (ثلاثا وعشرين ليلة) إن كانت أيام الحيض سبعا (أو أربعا وعشرين ليلة وأيامها) إن كانت
أيام الحيض ستا (وصومي) ما شئت من فريضة وتطوع (فان ذلك يجزئك) بضم الياء من
الإِجزاء أي يكفيك، يقال: أجزأني الشيء أي كفاني، ويروي بالياء في آخره، قال في
٤ ٦٠ -