النص المفهرس
صفحات 161-180
الأصل ولم يقم دليل على ذلك انتهى ففي حديث جابر وأثر عمر بن الخطاب وابنه عبدالله بن
عمر وابن عباس وغير ذلك من الآثار التي تقدمت آنفا دلالة واضحة على أن خروج الدم من
غير السبيلين لا ينقض الطهارة سواء كان سائلا، أو غير سائل وهو قول أكثر العلماء كما عرفت
أسماءهم.
وذهب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وأبو يوسف وأحمد بن حنبل واسحاق وجماعة من
السلف الصالحين إلى أن الدم من نواقض الوضوء، وقيدوه بالسيلان ولهذه الجماعة دلائل ..
منها: ما أخرجه الدار قطني(*) في سننه عن يزيد بن خالد عن يزيد بن محمد عن عمر بن
عبدالعزيز عن تميم الداري قال: قال رسول الله وَ ظافر : الوضوء من كل دم سائل.
قال الدار قطني: وعمر بن عبدالعزيز لم يسمع من تميم ولا رأه ويزيدان مجهولان.
ومنها: ما أخرجه ابن عدي في الكامل(١) في ترجمة أحمد بن الفرح عن بقية ثنا شعبة عن
محمد بن سليمان بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن عبدالرحمن بن ابان بن عثمان بن عفان
عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله وَ له: الوضوء من كل دم سائل.
قال ابن عدي: هذا حديث لانعرفه إلا من حديث أحمد بن الفرج هذا، هو ممن لا يحتج
بحديثه ولکن یکتب، فإن الناس مع ضعفه قد احتملوا حديثه.
قال ابن أبي حاتم في كتاب العلل: أحمد بن الفرج كتبنا عنه، ومحله عندنا الصدق، ذكره
الزيلعي المخرج(٢).
وقال الذهبي في الميزان: (٣) أحمد بن الفرج الحمصي بقية أصحاب بقية ضعفه محمد بن
عوف الطائي، ثم ذكر قول بن عدي وابن أبي حاتم.
ومنها: ما أخرجه الدار قطني(٤) من حديث أبي هريرة مرفوعا ليس في القطرة ولا في
القطرتين من الدم وضوء إلا أن تكون دما سائلا وإسناده ضعيف جدا فيه محمد بن الفضل بن
عطية وهو متروك.
(٥) الدار قطني ١ / ١٥٧.
(١) الكامل ١٩٣/١.
(٢) نصب الراية ٣٧/١، ٣٨.
(٣) ميزان الاعتدال ١٢٨/١.
(٤) الدار قطني ١ / ١٥٧.
- ١٦١ -
ومنها: ما أخرجه البيهقي في الخلافيات عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلهيعاد
الوضوء من سبع من أقطار البول والدم السائل ونوم المضطجع، الحديث.
وسنده واح جدا فیه سهیل بن عفان والجارود بن يزيد وهما ضعيفان
ومنها: ما أخرجه ابن ماجة في سننه(١) في الصلاة عن إسماعيل بن اسماعيل بن عياش عن
ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: قال رسول الله#: من أصابه قيء أو
رعاف، أقلس، أو مذي، فلينصرف، فليتوضأ ليبن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم.
قال الدار قطني(٢) الحفاظ من أصحاب ابن جريج يروونه عن ابن جريج عن أبيه عن
النبي 8* مرسلا، قال ابن عدي في الكامل (٣): في ترجمة إسماعيل بن عياش هكذا أي مرسلا
رواه ابن عياش مرة، ومرة قال عن ابن جريج عن أبيه عن عائشة، وكلاهما غير محفوظين، قال
وبالجملة فاسماعيل بن عياش ممن يكتب حديثه، ويحتج به في حديث الشاميين فقط. وأما
حديثه في الحجازين فلا يخلو من ضعف، أما موقوف فيرفعه أو مقطوع فيوصله أو مرسل
فيسنده أو نحو ذلك.
قال الحازمي في الناسخ والمنسوخ: وإنما وثق إسماعيل بن عياش في الشامیین، دون
غيرهم، لأنه كان شاميا، ولكل أهل بلد اصطلاح في كيفية الأخذ من التشدد والتساهل وغير
ذلك، والشخص اعرف باصطلاح أهل بلده، فلذلك يوجد في أحاديثه عن الغرباء من
النكارة، فما وجدوه من الشاميين احتجوا به، وما كان من الحجازيين والكوفيين وغيرهم تركوه
انتھی .
ورواه البيهقي في سننه(٤) من جهة ابن عدي، وحكى كلامه المذكور ثم اسند البيهقي
إلى أحمد بن حنبل أنه قال: حديث ابن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي ملكيه عن عائشة
أن النبي و # قال: ((من قاء أو رعف)). الحديث إنما رواه ابن جريج عن أبيه ولم يسنده، ليس
فيه عائشة وإسماعيل بن عياش ما رواه عن الشاميين، فصحيح وما رواه عن أهل الحجاز
فلیس بصحیح انتهى كلام أحمد.
(١) سنن ابن ماجة (١٢٢١).
(٢) سنن الدار قطني ١٥٤/١.
(٣) الكامل ٢٩٣/١.
(٤) السنن الكبرى ١ /١٤٢.
- ١٦٢ -
ثم أخرجه البيهقي(١) من جهة الدار قطني بسنده عن عبدالرزاق عن ابن جريج عن أبيه
عن النبي وسط مرسلاً، وقال: هذا هو الصحيح عن ابن جريج، وكذلك رواه محمد بن عبدالله
الأنصاري وأبو عاصم النبيل وعبدالوهاب بن عطاء وغيرهم، کما رواه عبدالرزاق ورواه.
إسماعيل بن عياش مرة هكذا مرسلا كما رواه غيره ثم اسند إلى الشافعي، قال ليست هذه
الرواية ثابتة عن النبي ول# وان صحت فيحمل على غسل الدم لاعلى وضوء الصلاة انتهى كذا
في نصب الراية(٢).
ومنها: ما رواه الدار قطني(٣) من حديث أبي بكر الداهري عن حجاج عن الزهري عن
عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَل: ((إذا قاء أحدكم أو رعف وهو
في الصلاة أو أحدث فلينصرف، فليتوضأ، ثم ليجيء فليبن علي مامضى)).
والحديث معلول بأبي بكر الداهري، قال أحمد: ليس بشيء وقال ابن حبان: يضع
الحدیث وكذبه بعضهم .
ومنها: ما أخرجه الدار قطني(٤) أيضا عن طريق عمرو القرشي أبي خالد الواسطي، عن
أبي هاشم عن زاذان عن سلمان قال: رأني النبي وَط1، وقد سال من أنفي دم فقال: ((أحدث
وضوءاً)).
قال ابن القطان في كتابه: قال إسحاق بن راهوية: عمرو بن خالد أبوخالد الواسطي
يضع الحديث، وقال ابن معين: كذاب، وقال وكيع وأبو زرعة: إنه كان يضع .
ورواه ابن حبان في كتاب الضعفاء: عن يزيد بن عبدالرحمن بن خالد الدالاني عن أبي
هاشم به، وأعلّه بالدالاني، وقال: انه كثير الخطأ، لا يحتج به إذا وافق، فكيف إذا انفرد.
ومنها ما أخرجه الدار قطني(*) أیضا عن عمر بن ریاح ثنا عبدالله بن طاوس عن أبيه عن
ابن عباس قال: كان رسول الله # إذا رعف في صلاته توضأ ثم بنى على صلاته.
قال ابن عدي في الكامل(١): عمر بن رياح مولى ابن طاوس يحدث عن ابن طاوس
(١) السنن الكبرى ١٤٢/١
(٢) نصب الراية ٣٨/١ - ٣٩.
(٣) الدار قطني ١ / ١٥٧ .
(٤) الدار قطني ١ / ١٥٦.
(٥) الدار قطني ١ / ١٥٦ .
(٦) الكامل ١٧٠٨/٥ .
- ١٦٣ -
بالبواطيل، لا يتابعه عليها أحد، واسند عن البخاري انه قال: فيه دجال، وقال ابن حبان:
يروى عن الثقات الموضوعات لا يحل كتب حديث إلا على سبيل التعجب، ذكره الزيلعي(١)،
وفي الميزان(٢): قال الفلاس: دجال، وقال الدار قطني: متروك الحديث.
ومنها: ما أخرجه الدار قطني(٣) أيضا عن سليمان بن أرقم عن عطاء عن ابن عباس قال:
قال رسول الله ور: إذا رعف أحدكم في صلاته فينصرف، فليغسل عنه الدم، ثم ليعد
وضوئه ویستقبل صلاته .
وفيه سليمان بن أرقم، قال الترمذي: متروك، وقال أحمد لا نروى عنه وقال ابن معين:
ليسٍ بشيء، وقال الجوزجاني: ساقط، وقال أبو داود والدار قطني: متروك، وقال أبو زرعة:
ذاهب الحديث، فهذه الدلائل للقائلين بانتقاض الوضوء، ولكن ليس فيها ما يشفي الغليل،
بل كلها مخدوشة معلولة شديدة العلة، ولذا قال الإِمام محمد بن إدريس الشافعي في كتاب
القديم قد بين الله عز وجل ما يكون منه الوضوء، وكيف هو، وسنه النبي ◌َّر، فلما لم ينزل
في الدم كتاب ولم يأت فيه سنة، قلنا كأنه من العفو مع أنا اعتمدنا فيه على الآثار القوية: ذكره
البيهقي في المعرفة .
قلت: ومن أقوى الأدلة في الرخصة حديث جابر المذكور في الباب، وعقيل بن جابر
الراوي عن جابر بن عبدالله وان لم يعرف له راو غير صدقة بن يسار، فانه وثقه ابن حبان
وصحح حديثه هو، وابن خزيمة والحاكم كلهم وعلى مذهب من ذهب إلى أن رواية العدل
بمجرد ها عن الراوي تعدیل له، كما ذكره السخاوي تثبت عدالة عقيل بن جابر فان راويه
صدقة بن يسار من شيوخ مالك وشعبة والسفيانان، ووثقه أحمد وابن معين.
قال العراقي(٤) وغير واحد من الأئمة: ان مجهول العين من له راوي واحد فقط.
قال النووي في مقدمة شرح مسلم(٥): ثم المجهول أقسام، مجهول العدلة ظاهرا وباطنا،
ومجهولها باطنا مع وجودها ظاهرا وهو المستور ومجهول العين، فأما الأول: فالجمهور على أنه لا
يحتج به. وأما الآخران فاحتج بهما كثيرون من المحققين. وأما قول الحاكم: من لم يرو عنه إلا
(١) نصب الراية ٤٢/١.
(٢) ميزان الاعتدال ١٩٧/٣.
(٣) الدار قطني ١٥٢/١ - ١٥٣.
(٤) انظر: فتح المغيث ٢٨٤/١.
(٥) شرح النووي ٢٨/١ .
- ١٦٤ -
راو واحد فليس هو من شرط البخاري ومسلم فمردود غلطه الأئمة فیه باخراجهما حديث
المسيب بن حزن والد سعيد بن المسيب في وفاة أبي طالب لم يرو عنه غير ابنه سعيد وباخراج
البخاري حديث عمرو بن تغلب «اني لأعطي الرجل والذي أدع أحب إليّ» لم يرو عنه غير
الحسن وحديث قيس بن أبي حازم عن مرداس الأسلمي: ((يذهب الصالحون)) لم يرو عنه غير
قيس وباخراج مسلم حديث رافع بن عمرو الغفاري، لم يرو عنه غير عبدالله بن الصامت
وحديث ربيعة بن كعب الأسلمي، لم يرو عنه غير أبي سلمة، ونظائره في الصحيحين لهذا كثيرة
انتهى كلام النووي .
قال السخاوي في فتح المغيث(١): وكذا ذهب ابن خزيمة إلى أن جهالة العين ترتفع برواية
واحد مشهور، وإليه يومي قول تلميذه ابن حبان: العدل من لم يعرف فيه الجهل، إذ التجريح
ضد التعديل، فمن لم يجرح فهو عدل، حتى يتبين جرحه إذا لم يكلف الناس ما غاب عنهم.
وقال في ضابطة الحديث الذي يحتج به ما محصله: انه هو الذي يعرى راويه من أن يكون
مجروحا أو فوقه مجروح أو دونه مجروح أو كان سنده مرسلا أو منقطعا، أو كان المتن منكرا، فهذا
مشعر بعدالة من لم يجرح، فمن لم يرو عنه إلا واحد وبتأيد بقوله في ثقاته: أيوب الأنصاري
عن سعيد بن جبير، وعنه مهدي بن ميمون لا أدري من هو؟ ولا ابن من هو؟ فان هذا منه
يؤيد أنه يذكر في الثقات كل مجهول روى عنه ثقة ولم يجرح ولم يكن الحديث الذي يرويه منکرا
انتھی .
وفيه مذاهب أخر، والمتكفل لهذا البحث الشريف أصول الحديث، وليس هذا محله.
ومع هذا كله فحديث جابر أصح إسنادا وأمثل من روايات المانعين باسرها، وعمل
عمر بن الخطاب وابنه عبدالله وغيرهما من الصحابة والتابعين مؤيد لذلك والله أعلم.
وأما الثياب المتلبسة بالدماء الخارجية من الجراحات هل هي نجسة لابد لها من الغسل؟
أم هي طاهرة وإنما تغسل للاستنظاف؟ فأعلم أن جمهور العلماء القائلين بنجاسة الدم المسفوح
تمسكوا بقول الله عز وجل في سورة البقرة ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾(٢) الآية
وفي سورة المائدة ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ (٣) الآية وفي سورة الأنعام ﴿قل
(١) فتح المغيث ٢١٧/١.
(٢) سورة البقرة ١٧٣ .
(٣) سورة المائدة ٣.
- ١٦٥ -
لا اجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا ان يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير
فإنه رجس﴾(١) الآية وفي سورة النحل ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل
لغير الله به﴾(٢) قالوا: فالدم المسفوح حرام، وكل ما يحرم أكله هو نجس فالدم نجس.
واختلفوا في الدم غير المسفوح، فالشافعي ومن وافقه حرم جميع الدماء سواء كان مسفوحا
أو غير مسفوح وقال جماعة من السلف وأبو حنيفة إنما الحرام هو الدم المسفوح لا غيره.
أما الشافعي رحمه الله تعالى فإنه تمسك بظاهر قوله عز وجل ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم
ولحم الخنزير﴾ وهذه الآية تشتمل الدم المسفوح وغيره.
وأبو حنيفة رحمه الله تمسك بآية سورة الأنعام ﴿إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا﴾ فصرح
بانه لم يجد شيئا من المحرمات إلا هذه الأمور، فالدم الذي لا يكون مسفوحا وجب أن لا يكون
محرما بمقتضى هذه الآية، فاذن هذه الآية خاصة وقوله ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ عام
والخاص مقدم على العام.
وأجابه الشافعي بأن قوله ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما﴾ وليس فيه دلالة على تحليل
غير هذه الأشياء المذكورة في الآية، بل على انه تعالى ما بين له إلا تحريم هذه الأشياء وهذا لا
ينافي أن يبين له بعد ذلك تحريم ما عداها، فلعل قوله تعالى ﴿إنما حرم عليكم الميتة﴾ نزلت
بعد ذلك فکان ذلك بيانا لتحريم الدم، سواء كان مسفوحا أو غير مسفوح إذا ثبت هذا،
وجب الحكم بحرمة جميع الدماء ونجاستها وأي دم وقع في الماء والثوب، فإنه ينجس ذلك
المورد قاله الفخر الرازي .
قلت: ما ذهب إليه أبو حنيفة هو مطابق للآثار، أخرج ابن جرير(٣): حدثنا ابن المثنى ثنا
حجاج بن منهال ثنا حماد عن يحيى بن سعيد عن القاسم عن عائشة رضى الله عنها انها كانت
لا ترى بأسا بالدم الذي يكون أعلى القدر، وقالت إنما نهى عن الدم السافح مختصر.
وأخرج ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب ثنا محمد بن سعيد بن سابق ثنا عمرو يعني
ابن قيس عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن الطحال، فقال: كلوه عنه فقالوا :
إنه دم فقال إنما حرم عليكم الدم المسفوح.
(١) سورة الأنعام ١٤٦.
(٢) سورة النحل ١١٥ .
(٣) تفسير الطبري، وانظر: تفسير ابن كثير ٧/٢.
- ١٦٦ -
فقال ابن كثير(١): قال حماد عن عمران بن حدير قال سألت أبا مجلز عن الدم وما يتلطخ
من الذبيح من الرأس، وعن القدر يرى فيها الحمرة، فقال: إنما نهى الله عن الدم المسفوح
وقال قتادة: حرم من الدماء ما كان مسفوحا فأما اللحم فما خالطه من الدم، فلا بأس به،
وکذا قاله سعيد بن جبير انتھی.
وهو المختار عند شيخنا العلامة المحدث الدهلوي أدام الله برکاته وقد ثبت ان أهل
الكتاب كانوا يشربون الدم المسفوح ((فنزل القرآن بتحريمه أخرج ابن أبي حاتم حدثنا علي بن .
الحسين ثنا محمد بن عبدالملك بن أبي الشوارب ثنا بشيربن شريح عن أبي غالب عن أبي أمامة
وهو صدي بن عجلان قال: بعثني رسول الله رَله إلى قومي، أدعوهم إلى الله ورسوله،
واعرض عليهم شرائع الإسلام فأتيتهم، فبينما نحن كذلك إذا جاءوا بقصعة من دم،
فاجتمعوا عليها يأكلونها، فقالوا هلم ياصدي فكل قال: قلت ويحكم إنما أتيتكم من عند من
يحرم هذا عليكم، فأقبلوا عليه قالوا وما ذاك فتلوت عليهم هذه الآية: ﴿حرمت عليكم الميتة
والدم﴾ الآية انتهى.
وكل ما روى في شرب دم النبي ◌َّ فإسناده ضعيف، لا يخلو من مقال، وما صح منه
فوالله أعلم لاجل طهارة دم النبي # كما ذهب بعض السلف إلى طهارة بوله {# وفي بعض
الروايات في ذلك انكاره # على شرب دمه كما ستعرف.
فمنها: ما أخرجه ابن حبان في كتاب الضعفاء(٢): من حديث نافع أبي هرمز عن عطاء
عن ابن عباس قال: حجم النبي ◌َ# غلام لبعض قريش، فلما فرغ من حجامته أخذ الدم:
فذهب به من وراء الحائط، فنظر يمينا وشمالا فلما لم ير أحدا تحسا دمه حتى فرغ ثم اقبل فنظر
في وجهه، فقال: ويحك ما صنعت بالدم؟ قلت: غيبته من وراء الحائط، قال أين غيبته؟ قلت
يارسول الله نفست على دمك أن أهريقه في الأرض فهو في بطني، قال اذهب فقد احرزت
نفسك من النار.
((ونافع)) قال ابن حبان: روى عن عطاء نسخة موضوعة، وذكر منها هذا الحديث، وقال
يحيى بن معين كذاب.
ومنها: ما رواه أبو نعيم في معرفة الصحابة من حديث سالم أبي هند الحجام قال حجمت
رسول اللـه ◌َ﴾، فلما فرغت شربته، فقلت يارسول الله: شربته فقال ويحك يا سالم، أما
(١) تفسير ابن كثير ٧/٢.
(٢) المجروحين لابن حبان ٥٩/٣.
- ١٦٧ -
علمت ان الدم حرام، لا تعد.
وفي إسناده أبو الحجاف وفيه مقال.
ومنها: ما أخرجه البزار وابن أبي خيثمة والبيهقي في شعب الإيمان والسنن(١) من طريق بُرَيه بن
عمر بن سفينة عن أبيه عن جده ان رسول الله # احتجم، ثم قال له خذ هذا الدم، (فادفنه
من الدواب والطير والناس، فتغييت به، فشربته، ثم سألني أو قال فأخبرته فضحك).
ومنها: ما أخرجه البزار والطبراني والحاكم والبيهقي(٢) وأبو نعيم في الحلية(٣) من حديث
عامر بن عبدالله بن الزبير عن أبيه قال: احتجم النبي ◌َّ فأعطاني الدم فقال: اذهب فغيبه،
فذهبت فشربته، فأتيت النبي ◌َّله فقال: ما صنعت؟ قلت: غيبته قال: لعلك شربته؟ قلت:
شربته .
زاد الطبراني فقال من أمرك أن تشرب الدم؟ ويل لك من الناس وويل للناس منك.
ومنها: ما رواه الطبراني والدار قطني من حديث أسماء بنت أبي بكر نحوه، وفيه لا تمسك
النار.
وفيه على بن مجاهد وهو ضعيف.
هذه الروايات كلها ذكرها الحافظ في التلخيص(٤) وقال: وروينا في جزء الغطريف ثنا أبو
خليفة ثنا عبدالرحمن بن المبارك ثنا سعد أبو عاصم مولى سليمان بن على عن كيسان مولى
عبدالله بن الزبير أخبرني سلمان الفارسي أنه دخل على رسول الله صل#، فإذا عبدالله بن الزبير
معه طست یشرب ما فيه، فقال له رسول الله چار: ما شانك يا ابن أخي؟ قال اني احببت أن
يكون من دم رسول الله ◌َّ# في جوفي، فقال ((ويل لك من الناس، وويل للناس منك لا
تمسك النار إلا قسم اليمين)).
ورواه الطبراني وأبونعيم في الحلية(٥) من حديث سعد أبي عاصم به وأخرج سعيد بن
منصور عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن عمر بن السائب أنه بلغه أن مالكا والد أبي
سعيد الخدري لما جرح النبي ◌َّلل مص جرحه حتى القاه، ولاج أبيض فقيل له مجه، فقال،
(١) السنن الكبرى ٧ /٩٧.
(٢) السنن الكبرى ٩٧/٧.
(٣) حلية الأولياء ٣٣٠/١.
(٤) تلخيص الحبير ٣٠/١ - ٣١.
(٥) انظر مجمع الزوائد، وحلية الأولياء ٣٣٠/١.
- ١٦٨ -
لا والله لا أمجه أبدا، ثم أدبر فقاتل، فقال النبي له من أراد ان ينظر إلى رجل من أهل
الجنة، فلينظر إلى هذا، فاستشهد، انتهى كلامه.
وأخرجه ابن السكن وابن أبي عاصم والبغوي من وجه اخر ذكره الحافظ في الإصابة(*)
فبكل ما ذكرنا تثبت حرمة الدم المسفوح على الاتفاق وغير المسفوح على الاختلاف وثبوت
نجاسة الدم المسفوح فرع لثبوت حرمته فمتى ثبت الحرمة ثبتت النجاسة.
وأما أهل الظاهر فقالوا: ليس بين الحرمة والنجاسة ملازمة حتى يقال ان كل ما هو
حرام، فهو نجس، بل ثبوت النجاسة للأشياء المحرمة أمر توقيفي، لا تثبت إلا ببيان
الشارع، فالدم سواء كان مسفوحا أو غير مسفوح والخمر والخنزير وغير ذلك من المحرمات
القطعية طاهر عندهم، نعم دم الحيض عندهم نجس لقيام الأدلة على ذلك صريحا.
قلنا: أهل الظاهر وان كانوا من الأئمة الكبار والكملاء الأخيار لكن ذهابهم إلى طهارة
الأشياء المحرمة وإلى أمثالها من المسائل المفضي إلى العجب، بل يقال لهم ان نجاسة تلك
الأشياء موجبة لحرمتها لأن الله تبارك وتعالى قال (أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ فمعناه انه تعالى
حرم لحم الخنزير، لكونه نجسا فهذا يقتضي أن النجاسة علة التحريم.
وأخرج مسلم في كتاب الشعر(١) عن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضى الله عنه ان رسول
الله ﴾ قال: من لعب بالنرد شیر فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه. ولأبي داؤد وابن ماجة
فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه فالتنفير لمجرد لمس لحمه ودمه لا يكون إلا لكون نجاسة
الخنزير.
وأما نجاسة الميتة فثبتت بالأحاديث.
منها: ما أخرجه مسلم في كتاب الطهارة (٣) من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد
الله بن عبدالله عن ابن عباس قال: تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت فمر بها رسول الله
* فقال: هلا أخذتم اهابها فدبغتموه به؟ فقالوا: انها ميتة: فقال: إنما حرم أكلها.
وفي رواية لمسلم(٤) عن سفيان عن عمرو عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله صلاته:
(٥) الإصابة ٣٤٦/٣.
(١) مسلم ١٥/١٥.
(٢) أبو داود (٤٩٣٩)، وابن ماجة (٣٧٦٣).
(٣) مسلم ٥١/٤.
(٤) المصدر نفسه ٥٢/٤.
- ١٦٩ -
مرّ بشاة مطروحة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة فقال النبي و # الا اخذوا إهابها فدبغوه،
فانتفعوا به .
وأخرج مسلم(*) أيضا عن زيد بن أبي حبيب أن أبا الخير حدثه قال رأيت على ابن وعلة
السبائي فروا فمسسته فقال: تمسه مالك، قد سألت عبدالله بن عباس قلت: أنا نكون
بالمغرب، ومعنا البربر والمجوس، توتي بالكبش قد ذبحوه، ونحن لا نأكل ذبائحهم، ويأتوننا
بالسقاء يجعلون فيه الودك فقال ابن عباس: قد سألنا رسول الله وَّر عن ذلك فقال: ((دباغة
طهورة» .
وفي لفظ له(١) فيأتينا المجوس بالاسقية فيها الماء والودك، فقال: اشرب، فقلت ارائي،
تراه؟ فقال ابن عباس: سمعت الحديث.
وأخرج أبو داود والنسائي(٢) وابن حبان والدار قطني(٣) واللفظ لأبي داود عن العالية بنت
سبيع انها قالت: كان لي غنم أحد، فوقع فيها الموت فدخلت على ميمونة فذكرت ذلك لها،
فقال لي ميمونة: لو أخذت جلودها فانتفعت بها، فقال: أو يحل ذلك؟ قالت: نعم، مر علي
رسول اللـه * رجال من قريش يجرون شاة لهم مثل الحمار، فقال لهم رسول الله وَّلي لو أخذتم
اهابها؟ فقالوا انها ميتة، فقال: ((يطهرها الماء والقرظ)) وصححه ابن السكن والحاكم قاله
الحافظ. وأخرج ابن حبان(*) وصححه عن سلمة بن المحبق قال قال رسول الله ومظاهر: ((دباغ
جلود الميتة طهورها)).
وأخرجه أبو داود(١) ولفظه عنه أن رسول الله ## في غزوة تبوك أتى على بيت فإذا قربة
معلقة فسال الماء فقالوا يارسول الله انها ميتة، فقال: دباغها طهورها.
وفي الباب عن عائشة مرفوعا أخرجه أبو داود(١) ومالك(٨) ففي هذه الروايات دليل واضح
على أن الدواب بعد الموت تكون نجسة وإلا لم يرددوه بقولهم انها ميتة بعد أن قال لهم رسول الله
(٥) المصدر نفسه ٤ /٥٣.
(١) المصدر نفسه ٥٣/٤.
(٢) أبو داود (٤١٣٦)، النسائي ١٧٥/٧.
(٣) الدار قطني ١ / ٤٥ .
(٥) صحيح ابن حبان عن عائشة (١٢٨٧).
(٦) أبو داود (٤١٢٥).
(٧) المصدر نفسه .
(٨) الموطأ (١٠٧٤).
- ١٧٠ -
: ((هلا أخذتم إهابها))، وأصرح من هذا قوله رسله: الا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به،
وقوله: ((يطهرها الماء والقرظ))، وقوله: دباغهه طهورها.
ومن الأدلة الدالة على نجاسة الميتة حديث ميمونة ان فارة وقعت في سمن فماتت فسئل
النبي # عنها، فقال القوها، وما حولها وكلوه، أخرجه البخاري وغيره(١) وأخرج أبو داود(٢)
عن أبي هريرة قال: قال رسول اللـه * ((إذا وقعت الفارة في السمن فان كان جامدا فالقوها
وما حولها، وان كان مائعا فلا تقربوه)).
ثم أخرج أبو داود وهذا المتن من سند آخر (٣). وأما الدليل على نجاسة الخمر فما أخرجه
الشيخان(٤) واللفظ للبخاري أن أبا ثعلبة الخشني قال: أتيت النبي وَ # فقلت: يارسول الله،
إنا بأرض أهل الكتاب، افتأكل في آنيتهم فقال النبي ◌َّطاهر: أما ذكرت انك بأرض أهل الكتاب
فلا تأكلوا في آنيتهم، إلا ان تجدوا بدا، فان لم تجدوا بدا فاغسلوها وكلوا فيها.
وأخرج أحمد وأبو داود(٥) واللفظ له في كتاب الأطعمة: حدثنا نصر بن عاصم ثنا محمد بن
شعيب قال: انا عبدالله بن العلاء بن زبير عن أبي عبيدالله مسلم بن مشكم عن أبي ثعلبة
الخشني أنه سأل رسول الله وسلم قال: انا نجاوز أهل الكتاب، وهم يطبخون في قدورهم
الخنزير، ويشربون في آنيتهم الخمر، فقال رسول الله صل#: «ان وجدتم غيرها فكلوا فيها
واشربوا، وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء وكلوا وأشربوا)). وإسناده صحيح،
وأخرج أيضا(١): عن جابر قال: كنا نغزو مع رسول الله وَّرَ، فنصيب من آنية المشركين
واسقيتهم، فنستمتع بها، فلا يعيب ذلك عليهم .
قال الحافظ في الفتح (٧): وفي رواية البزار فنغسلها ونأكل فيها.
وأخرج الترمذي في أبواب الأطعمة(٨) عن أبي ثعلبة الخشني أيضا، ولفظه: قال سئل
(١) البخاري ١٢٦/٧ والترمذي (١٨٥٩) والنسائي ١٧٨/٧ كلهم عن ميمونة مثله.
(٢) أبو داود (٣٨٤٢).
(٣) المصدر نفسه (٣٨٤٣).
(٤) البخاري ١١١/٧ ومسلم ٧٩/١٣ والترمذي (١٤٩١) وابن ماجه (٣٢٠٧).
(٥) المسند ١٩٥/٤ وأبو داود (٣٨٣٩).
(٦) أبو داود (٣٨٣٨).
(٧) فتح الباري ٩/ ٦٣٣.
(٨) الترمذي (١٨٥٩).
- ١٧١ -
رسول الله ◌َ﴿ عن قدور المجوس؟ فقال: أنقوها غسلا، واطبخوا فيها.
ففي هذه الروايات كلها أن رسول الله وَلل نهى عن استعمال آنية المجوس وأهل الكتاب،
لأكلهم الخنزير، وشربهم الخمر، فآنيتهم نجسة لا تصلح لاستعمال المسلمين إلا بعد غسلها،
وانقائها، لأن النهي عن إستعمالها والأمر بغسلها، ورحضها لا يكون إلا لنجاسة آنيتهم التي
شربت فيها الخمور، وأكلت فيها اللحوم المحرمة، وإذا عرفت هذا كله، حصحص
لك: ان القاعدة المذكورة، وهي الملازمة بين الحمرة والنجاسة هي قاعدة صحيحة وجدنا
صحتها بالاستقراء التام وتتبع الأمثال، وما قالته الظاهرية هو قول باطل، وتلك الروايات
المذكورة تشهد على بطلان دعواهم.
وأما الدم فإنه وان کان في حدیث عمار ما يدل على نجاسته، لكن ليس عليه اعتمادي،
لكونه ضعيفا غير قابل للتمسك، کما سيأتي بل أقول: ان الآية الكريمة مسوقة لبیان بعض ما
حرمه الله تعالى على عباده وبين العلة في واحد منها بقوله: ﴿فإنه رجس﴾ فعلمنا ان هذه العلة
مشتركة في سائر المحرمات، ثم وجدنا أيضا بعد التتبع هذه العلة لأكثر المحرمات في الأحاديث
الصحيحة، فقلنا بأن النجاسة في الأشياء هي المانعة لحلتها إلا ما خصه الشارع ببيان علة
أخری فیه.
فإن قلت: هذه القاعدة منقوضة بالطين، فإنه مع كون أكله حراماً ليس بنجس بل هو
طاهر مطهر وكذا رأينا الهرة هي محرمة، وسورها ليس بنجس، فلو كانت الحرمة مستلزمة
للنجاسة لكان سورها أيضا نجسا لاختلاط لعابها بالماء.
قلت: حرمة أكل الطين لم تثبت، وكل ما روى في هذا الباب ضعيف جدا لا يقوم في
مقام الاحتجاج.
قال الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة (١): حديث، ((أكل الطين حرام على كل مسلم))
اسنده الديلمي عن انس مرفوعاوساق أيضا بلا سند عن جابر مرفوعا: أكل الطين يورث
النفاق وعن علي مرفوعا: أكل الطين وقلم الأظفار بالأسنان من الوسواس وفي ذلك تصنيف
لأبي القاسم ابن مندة، ولكن قال البيهقي: إنه روى في تحريمه أحاديث لاتصح منها شيء
وتبعه غيره في ذلك، وهو كذلك ومن الوامي، فيه ما عند الدار قطني في الأفراد عن حديث
يحيى بن هاشم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا: يا حميراء لا تأكلي الطين فإنه
(١) ص ٨٠.
- ١٧٢ -
یصفر اللون واسنده الديلمي عن هشام ولفظه: یا حیراء لا تأکلي الطین فان فيه ثلاث خصال
يورث الداء ویعظم البطن ویصفر اللون. انتهى كلامه. قلت: وحديث أنس وجابر أخرجهما
ابن عدي، والأول في سنده عبدالقدوس بن عبدالقاهر، والثاني فيه جعفر بن أحمد بن علي،
وحديث عائشة فيه يحيى بن هاشم، وكلهم من الكذابين والواضعين، وفي هذا الباب روايات
كثيرة لکن منها مخدوشة مطروحة مكذوبة، ومنها ضعيفة منکرة، أو رد کلها الشيخ جلال الدین
السيوطي في اللالي المصنوعة(١) وأطال الكلام فيها بكلام حسن، ومن أقلها ضعفا: رواية
الطبراني: حدثنا محمد بن نوح الجند يسابوري ثنا يحيى بن يزيد الأهوازي ثنا محمد بن
الزبرقان أبو همام ثنا سليمان عن التيمي عن أبي عثمان عن سلمان مرفوعا، من أكل الطين فإنما
أعان على قتل نفسه، وفیه یحیی بن یزید وهو مجهول لا يعرف.
فإذا لم تثبت الأخبار في ذلك فكيف يصح الاستدلال بها؟ : نعم ان ثبت لقلت ان الحرمة
فيه للاضرار لا للنجاسة لأن هذه العلة مبينة في تلك الأخبار، وهي قوله: ((إنما أعان على قتل
نفسه)). وقوله: ((يورث الداء))، وقوله: ((يصفر اللون))، وقد توجد هذه العلة في سائر السموم
فالحرمة في الأشياء المحرمة ليست إلا لنجاستها، أو لاضرارها وهاتان العلتان قد استنبطتا من
كلام الشارع ولا أقول من قبل نفسي، فإني أعوذ بالله من أن اتقول على الشارع بما لم يقل.
واما الهرة فهي مع كونها محرمة ما جعلها نجسة بل أمر بطهارة سورها فليس هذا إلا رخصة
من الشارع لأنها من متاع البيت فيعسر التحرز منها، ويعلم من سياق الأحاديث، ان الناس
كانوا يتحرزون من سورة الهرة، لكونها محرمة، فرخصهم الشارع، لأجل مشقتهم من تجنبها
لما سلف من حديث كبشة ابنة كعب بن مالك، وكانت تحت ابن أبي قتادة أن أبا قتادة دخل
عليها، فسكبت له وضوءا فجاءت هرة تشرب، فاصغى لها الأناء حتى شربت، قالت كبشة :
فرآني أنظر إليه، فقال اتعجبين يا ابنة أخي!؟ فقلت: نعم فقال ان رسول الله وَ لي قال: ((إنها
ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات)).
وسلف أيضا من حديث داود بن صالح عن أمه أن مولاتها ارسلته بهريسة إلى عائشة،
فوجدتها تصلي، فاشارت إلى أن ضعيها فجاءت هرة فأكلت منها، فلما انصرفت أكلت من
حيث أكلت الهرة، فقال: أن رسول الله﴾ قال: ((أنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين
عليكم، الحديث، اخرجهما المؤلف أبو داود وغيره.
(١) اللائي المصنوعة ٢٥١/٢ - ٢٥٣.
- ١٧٣ -
ولفظ الطبراني في معجمه الصغير(*)عن أنس بن مالك قال: خرج رسول الله مَظهر إلى
أرض المدينة - يقال لها بطحان فقال: يا أنس أسكب لي وضوءا فسكبت له، فلما قضى رسول
الله * حاجته أقبل إلى الإناء وقد أتى هر، فولغ في الإناء فوقف له رسول الله ﴾ وقفة،
حتى شرب الهر، ثم سألته فقال: يا أنس: ان الهر من متاع البيت، لن يقذر شيئاً ولن
ينجسه.
ولفظ ابن خزيمة في صحيحه(١) عن عائشة أن رسول الله * قال: انها ليست بنجس
هي كبعض أهل البيت يعني الهرة.
فكل هذه الروايات ينادي بأعلى النداء بأن طهارة الهرة إنما جعلت من الشارع لكونها من
الطوافین بمنزلة الخدم، فلا یمکن الاجتناب منها، وکذا حكم الفارة وغیرها ان اكلت من
الطعام أو دخلت في المائع ما لم تمت فيه، كما أخرجه البخاري(٢): حدثنا الحميدي ثنا سفيان
ثنا الزهري أخبرني عبيد الله بن عتبة أنه سمع ابن عباس يحدثه عن ميمونة أن فارة
وقعت في سمن، فماتت فسئل النبي ﴿ عنها، فقال: ((القوها وحولها وكلوه)).
وأخرج أيضا(٢) عن عبدالعزيزبن عبدالله ثنا مالك عن أبي شهاب عن عبيدالله بن
عبدالله عن ابن عباس عن ميمونة قالت: سئل النبي و # عن فارة سقطت في سمن فقال:
القوها وما حولها وكلوه.
قال الحافظ في الفتح(٤): واستدل بقوله فماتت على أن تأثيرها في المائع إنما يكون بموتها
فيه، فلو وقعت فيه وخرجت بلا موت لم يضره ولم يقع في رواية مالك التقييد بالموت، فيلزم من
لا يقول يحمل المطلق على المقيد أن يقول بالتأثير، ولو خرجت، وهي في الحياة وقد التزمه ابن
حزم فخالف الجمهور أيضا. انتهى .
وإنما اطلنا الكلام مع انه ليس هذا محله، لأن الحاجة كانت إليه شديدة فلم نرض بتركه.
وإذا عرفت هذا كله فأعلم ان دم الحيض والنفاس، وجميع الدماء المسفوحة كلها نجسة،
كثيرة كانت أو قليلة، الادماء الشهداء ودماء الجراحات، ولو كانت مسفوحة كثيرة، ودم
(*) المعجم الصغير ٢٢٨/١ وذكره الحافظ في التلخيص ٤٣/١.
(١) صحيح ابن خزيمة ٥٤/١ .
(٢) البخاري ١٢٦/٧.
(٣) المصدر نفسه ١٢٦/٧ .
(٤) فتح الباري ٩ / ٦٧٠ .
- ١٧٤ -
الاستحاضة وسائر الدماء غير المسفوحة فإن هذه الدماء كلها طاهرة معفو عنها صاحبها.
أما الدليل على نجاسة الدماء المسفوحة فما تقدم من انها محرمة، وكل ما هو حرام فهو
نجس.
وأما الدليل على نجاسة دم الحيص والنفاس، فلأنهما دمان مسفوحان. قال أهل اللغة
السفح الصب، يقال سفح الدم سفحا وسفح هو سفوحا، إذا سال، وأنشد أبو عبيد لكثير:
أقول ودمعي واكف عند رسمها عليك سلام الله والدمع يسفح.
ذكره الفخر الرازي وفي المصباح: (١): سفح الرجل الدم، والدمع سفحا من باب نفع
صبه، وربما استعمل لازما فقيل: سفح الماء إذا أنصب، فهو مسفوح انتهى.
ولأن الادلة صرحت بنجاسة دم الحيض، وكذا النفاس. أخرج البخاري في صحيحه في
باب غسل الدم(٢) من طريق يحيى عن هشام حدثتني فاطمة عن أسماء قالت: جاءت امرأة
النبي * فقالت أرأيت احدانا تحيض في الثوب كيف تصنع؟ قال: تحته ثم تقرصه بالماء
وتنضجه وتصلي فيه .
وأخرج في باب غسل دم المحيض (٣) من طريق مالك عن هشام عن فاطمة بنت المنذر عن
أسماء بنت أبي بكر أنها قالت سألت امرأة رسول الله ټ# فقالت: يارسول الله أرأيت احدانا
إذا أصاب ثوبها الدم من الحیض كيف تصنع؟ فقال رسول الله الر: إذا أصاب ثوب احداكن .
الدم من الحيضة، فلتقرصه. الحديث.
وأخرج في باب هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه (٤) من طريق مجاهد قالت عائشة: ما
كان لاحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم، قالت بريقها، فقصعته
بظفرها.
ولفظ الدارمي (٥) عن طريق عطاء عن عائشة قالت كان يكون لاحدانا الدرع فيه تحيض،
وفيه تجنب، ثم ترى فيه القطرة من دم حيضها، فتقصعه بريقها.
(١) المصباح المنير ٢٧٨/١ (سفح).
(٢) البخاري ٦٦/١.
(٣) المصدر نفسه ٨٤/١.
(٤) المصدر نفسه ٨٥/١.
(٥) الدارمي ١/ ١٩١.
- ١٧٥ -
وتجيء هذه الروايات في الكتاب في موضعها. وهكذا حكم دم النفاس أيضا لعدم الفارق
بینھما.
وأما طهارة دماء الشهداء فأخرج البخاري وغيره(١) واللفظ له عن جابر بن عبدالله قال
كان النبي وي يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، وفيه وأمر بدفنهم في دمائهم ولم
يغسلوا، ولم يصل عليهم، وفي رواية له عنه قال قال رسول الله وَله: ((ادفنوهم في دمائهم يوم
أحد ولم يغسلهم)).
وأما الدم غير المسفوح فقد تقدم أنه غير محرم فلا يكون نجسا وتقدم أيضا أنه سئل أبو
مجلز عما يتلطخ من اللحم بالدم وعن القدر يرى فيها حمرة الدم فقال: لا بأس به إنما نهى عن
الدم المسفوح. وبه قالت أم المؤمنين عائشة وقتادة وسعيد بن جبير.
وقال ابن عباس في قوله ﴿أو دما مسفوحا﴾ يريد ما خرج من الأنعام وهي احياء، وما
يخرج من الأوداج عند الذبح فإنه غير سائل انتهى.
فإن کان الثوب مختلطا بهذا الدم لا یکون نجسا.
وأما دم الاستحاضة فالقاعدة تستدعي نجاسته، لأنه خرج من أحد السبيلين فليكن
الحكم لهذا، فالدم الحيض، لكن رأينا المستحاضة أنها من المعذورين وأجاز لها الشارع
بالصلاة في حال جريان الدم، فكيف يمكن لها التجنب من الدم الخارج عنها؟ بل تكون بحال
لا يفارقها دم، وتكون ملوثة به، فإن يكن الثوب المتلبس بالدم نجسا في حقها، فلا تستطيع
أداء الصلاة وتكون مكلفة فوق ما تطيق .
أخرج البخاري في باب الاعتكاف للمستحاضة(٢) عن طريق خالد بن عبدالله عن خالد
وهو ابن مهران عن عكرمة عن عائشة أن النبي ◌َّ# اعتكف معه بعض نسائه؟ وهي مستحاضة
ترى الدم فربما وضعت الطست تحتها من الدم.
وزعم عكرمة أن عائشة رأت ماء العصفر فقالت: كان هذا شيء كانت فلانة تجده.
وأخرج(٣) عن طريق يزيد بن زريع عن خالد عن عكرمة عن عائشة قالت: اعتكف مع
(١) البخاري ١١٥/١ والترمذي (١٠٤١) والنسائي ٧٨/٤ عن عبدالله بن ثعلبة وابن ماجه (١٥١٤) عن
جابر، و(١٥١٥) عن ابن عباس نحوه.
(٢) البخاري ٨٥/١.
(٣) المصدر نفسه ١ / ٨٥ و٦٥/٣.
- ١٧٦ -
رسول الله ﴿ امرأة من أزواجه، فكانت ترى الدم والصفرة، والطست تحتها، وهي تصلي.
وأخرج(١) من طريق معتمر عن خالد عن عكرمة عن عائشة أن بعض أمهات المؤمنين
اعتكفت، وهي مستحاضة.
وروى سعيد بن منصور في سننه، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا خالد هو الحذاء
عن عكرمة أن امرأة من أزواج النبي ولو كانت معتكفة. وهي مستحاضة: قال وحدثنا به
خالد مرة أخرى عن عكرمة أن أم سلمة كانت عاكفة وهي مستحاضة، وربما جعلت الطست
تحتها. انتھی.
لكن تكون طهارة ذلك الثوب في حقها لا في غيرها.
وأما دماء الجراحات فإن كانت سائلة ومسفوحة أولا تكون مسفوحة. وعلى كلا التقديرين
هي طاهرة، لأن على التقدير الثاني هو غير مسفوح فلا يكون نجسا، وأيضا لم يقم دليل على
نجاسة الدم غير المسفوح وعلى التقدير الأول فالقاعدة تستدعي نجاسة أيضا لكن قد عفا عنه
الشارع وجعله من المعذورین، وقد تواترت الأخبار في ان المجاهدين في سبيل الله كانوا
يجاهدون ويذوقون آلام الجراحات فوق ما وصفت حتى يكون لأحد خمسون جراحة ولاحد
ستون وسبعون وثمانون وتسعون ومائة وهلم جرا، فلا يستطيع أحد من الناس أن ينكر على
سيلان الدماء من جراحاته وتلويث ثيابهم ومع هذا كله يصلون على حالهم، ولم ينقل عن
رسول الله * أنه أمرهم بنزع ثيابهم المتلبسة بالدماء حال الصلاة، على أنه قد أصيب سعد
رضى الله عنه يوم الخندق فضرب له خيمة في المسجد فكان هو فيه ودمه يسيل في المسجد فما
زال الدم يسيل حتى مات، وتقدمت هذه الرواية.
وقال الشوكاني في سيل الجزار(٢) قد كان الصحابة رضى الله عنهم يخوضون المعارك تتلوث
أبدانهم وثيابهم بالدم ولم ينقل أنهم كانوا يتوضئون لذلك ولا سمع عنهم انه ينقض الوضوء
انتهى كلامه .
ومن الأدلة الدالة على طهارته حديث جابر بن عبدالله الذي أنا بصدد شرحه، أنه مضنی
الأنصاري في صلاته مع حال جريان الدم، وتلويثه به، ولم يقطع صلاته ولم ينكر عليه رسول .
الله ﴾ على فعله ذلك.
(١) صحيح البخاري ٨٥/١.
(٢) السيل الجرار ٩٩/١.
٠٠
- ١٧٧ -
ومن الأدلة أيضا أثر عمر بن الخطاب الذي تقدم، وفيه: أنه صلى صلاة الصبح وجرحه
جري دما .
ومن المعلوم ان الجرح الذي يتلوث به الثياب قطعا ومن المحال أن يفعل عمر رضى الله
عنه مالا يجوز له شرعا، ثم يسكت عنه سائر أصحاب النبي # من غير نكير، فهل هذا الأ
طهارة ثوبه، وان تلوث بالدم فإذا كان الدم السائل على هذا الوصف فيكون غير السائل طاهرا
من باب الأولى لكن طهارة الثوب المتلوث بالدم المسفوح تکون في حق صاحبه خاصة دون
غيره، وأما التلوث بغير المسفوح فلا ينجس أصلا وان كثر تلويثه، هذا ما يفهم من استعمال
الآيات والأحاديث كلها في محلها، ومن كان عنده علم من السنة على خلاف ذلك فهو الأحق
بالاتباع.
فان قلت قد ورد في نجاسة الدم أحاديث فما جوابها؟ قلت؟ نعم، ورد في ذلك أخبار
لكن كلها معلولة .
فمنها ما أخرجه المؤلف في باب الاعادة من النجاسة يكون في الثوب(١) حدثنا محمد بن
یحی بن فارس نا أبو معمر نا عبدالوارث حدثتنا أم یونس بنت شداد قالت حدثتني حماتي أم
جحدر العامرية أنها سألت عائشة عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال: كنت مع رسول الله
وَ *، وعلينا شعارنا، وقد القينا فوقه كساء، فلما أصبح رسول الله ولي أخذ الكساء، فلبسه،
ثم خرج فصلى الغداة، ثم جلس فقال رجل: يارسول الله : هذه لمعة من دم فقبض رسول
اللـه * على ما يليها، فبعث بها مصرورة في يد الغلام، فقال اغسلي هذا واجففيها، وأرسلي
بها إليّ، فدعوت بقصعتي فغسلتها ثم أجففتها، فأحرتها إليه فجاء رسول الله # بنصف
النهار، وهي عليه انتهى .
ففيه أم يونس وأم جحدرية العامرية وهما مجهولتان، وأيضاً ليس فيه ما يدل على خلاف
ما قلن بل الحديث يدل على نجاسة دم الحيض فقط، كما يظهر ذلك من سؤال أم جحدرية
وجواب عائشة لها.
وفي رواية أوردها الشعراني في كشف الغمة: وكثيرا ما كان ◌َر يخرج، وعليه الملاءة التي
يتغطى بها هو وأهله فيجد فيها لمعة من دم الحيض فذكر الحديث
ومنها: ما أخرجه الدار قطني(٢) في سننه من حديث ثابت بن حماد عن علي بن زيد عن
(١) أبو داود (٣٨٨).
(٢) الدار قطني ١ / ١٢٧
١٧٨
سعيد بن المسيب عن عمار قال: مربي رسول الله له وأنا أسقي راحلة لي في ركوة إذ تنخمت
فأصابت نخامتي ثوبي أقبلت اغسلها فقال ياعمار: ما نخامتك، ولا دموعك إلا بمنزلة الماء
الذي في ركوتك، إنما يغسل الثوب من خمس: من البول، والغائط، والمني، والدم، والقيء.
قال الدار قطني : لم يروه غير ثابت بن حماد وهو ضعيف جدا، ورواه ابن عدي في الكامل
وقال: لا أعلم روى هذا الحديث عن علي بن زيد غير ثابت بن حماد وله أحاديث في أسانيدها
الثقات يخالف فيها، وهي مناكير ومقلوبات .
قال الحافظ في التلخيص(١): والحديث أخرجه البزار، وأبو يعلى الموصلي في مسنديهما
والبيهقي والعقيلي في الضعفاء، وأبو نعيم المعرفة، وفيه ثابت بن حماد عن علي بن زيد بن
جدعان، وضعفه الجماع المذكورون كلهم، إلا أبا يعلي، بثابت بن حماد واتهمه بعضهم
بالوضع .
وقال اللالكائي: اجمعوا على ترك حديثه، وقال البزار لا نعلم لثابت إلا هذا الحديث.
وقال الطبراني: تفرد به ثابت بن حماد، ولا يروى عن عمار إلا بهذا الإِسناد.
وقال البيهقي(٢) هذا حديث باطل، إنما رواه ثابت بن حماد وهو متهم بالوضع انتهى كلام
الحافظ.
وفي الميزان(٣) تركه الأزدي وغيره، وأخرجه الطبراني في معجمه الکبیر بسند آخر ثنا
الحسين بن إسحاق التستري ثنا علي بن بحر ثنا إبراهيم بن زكريا العجلي ثنا حماد بن سلمة
عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب به سندا ومتنا.
قال الحافظ: وإبراهیم ضعيف، وقد غلط فيه انما یرویه ثابت بن حماد.
وفي الميزان(٤) إبراهيم بن زكريا أبو اسحق العجلي البصري ضرير، قال أبو حاتم: حديثه
منکر، قال ابن عدي: حدث بالبواطیل. وقد ذكر ابن حبان إبراهيم بن زكريا فقال: یروی
عن مالك، وأبي بكر بن عياش، وعنه إبراهيم بن راشد ومحمد بن عبيد الله القرشي ويأتي عن
مالك بأحاديث موضوعة انتهى كلام الذهبي.
(١) تلخیص الحبیر ٣٢/١ -٣٣
(٢) السنن الكبرى ١٤/١.
(٣) ميزان الاعتدال ٣٦٣/١.
(٤) المصدر نفسه ٣١/١
- ١٧٩ -
ومنها: ما أخرجه الدار قطني في سننه(١) عن روح بن غطيف عن الزهري عن أبي سلمة
عن أبي هريرة عن النبي ◌َ له قال: ((تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم)).
وفي لفظ له(٢): إذا كان في الثوب قدر الدرهم من الدم غسل الثوب واعيدت الصلاة.
والحديث أخرجه العقيلي أيضا وقال: حدثني آدم قال: سمعت البخاري يقول هذا
الحديث باطل وروح هذا منكر الحديث انتهى .
وکل من قال البخاري فیه منكر الحديث فهو على اصطلاحه لايحل الاحتجاج به. قال
الذهبي في الميزان(٣) في ترجمة سلمان بن داود اليمامي صاحب يحيى بن أبي كثير أن البخاري
قال: من قلت فيه: منكر الحديث، فلا يحل رواية حديثه انتهى.
وقال ابن حبان: هذا حديث موضوع لاشك فيه لم يقله رسول الله ، ولكن اخترعه
أهل الكوفة، وكان روح بن غطيف يروي الموضوعات عن الثقات.
وأخرج الخطيب(٤) من طريق أبي عامرة عن نوح بن أبي مريم عن يزيد الهاشمي عن
الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا نحوه وفيه: نوح بن أبي مريم أبو عصمة المروزي،
قال مسلم وغيره متروك الحديث وقال البخاري منكر الحديث قال ابن حبان: هو جامع كل
شيء إلا الصدق، وقال النسائي ليس بثقة ولا مأمون، وقال الحاكم وضع الحديث في فضائل
القرآن .
وقال البيهقي في المعرفة : أما حديث روح بن غطيف عن الزهري عن أبي سلمة عن
أبي هريرة مرفوعا، فإنه لم يثبت وقد انكره عليه عبدالله بن المبارك ويحيى بن معين وغيرهما من
الحفاظ انتهى.
فلم يصح في نجاسة دم غير المسفوح، ولا في تقديره شيء عن رسول الله ێے، بل كل
الدم النجس تجب ازالتها قليلا كان، أو كثيرا وهذا هو الحق. وبه قال الإمام الشافعي نقل
عنه البيهقي في المعرفة بقوله: أخبرنا أبو سعيد ثنا أبو العباس أخبرنا الربيع قال قال الشافعي
في الدم: إذا كان لمعة مجتمعة وجب غسلها، وان كانت أقل من موضع دينار أو فلس، لأن
النبي ◌َ أمر بغسل دم الحيض، وأقل ما يكون دم الحيض في المعقول، اللمعة وإذا كان يسيرا
(١) سنن الدار قطني ٤٠١/١ والسنن الكبرى ٢/ ٤٠٤.
(٢) المصدر نفسه ٤٠١/١.
(٣) ميزان الاعتدال ٢٠٢/٢.
(٤) تاريخ بغداد ٣٣٠/٩.
- ١٨٠ -