النص المفهرس

صفحات 281-300

قلت: وروى عن المغيرة يحيى بن سعيد الأنصارى. وقال الحافظ في التلخيص(١): وأما
حال المغيرة فقد روي الآجرى عن أبى داود أنه قال: المغيرة بن أبى بردة معروف، وقال
ابن عبدالبر: وجدت اسمه في مغازى موسى بن نصير. وقال ابن عبدالحكم: اجتمع عليه
أهل إفريقية أن يؤمروه بعد قتل يزيد بن أبى مسلم فأبى. انتهى. ووثقه النسائى. فعلم
بهذا غلط من زعم أنه مجهول لا يعرف. انتهى كلام الحافظ رحمه الله. (أخبره) الضمير
المرفوع يرجع إلى المغيرة، والضمير المنصوب إلى سعيد بن سلمة (أنه) أى المغيرة (سمع أبا
هريرة) قال الرافعى(٢): رواه بعضهم عن المغيرة عن أبيه عن أبى هريرة، ولا يوهم إرسالاً
في الإسناد، للتصريح فيه بسماع المغيرة من أبى هريرة، يعنى فرواية هذا البعض من المزيد
في متصل الأسانيد (يقول: سأل رجل) وقع في بعض الطرق التي ذكرها الدارقطنى أن اسم
السائل عبدالله المدلجى، وكذا ساقه ابن بشكوال بإسناده. وأورده الطبراني فيمن اسمه
عبد. وتبعه أبو موسى فقال: عبد أبو زمعة البلوى الذي سأل النبي صَلّر عن ماء البحر.
قال ابن منيع: بلغنى أن اسمه عبد. وقيل: اسمه عبيد بالتصغير. وقال السمعاني في
الأنساب(٣): اسمه العركى، وغلط في ذلك، وإنما العركى وصف له وهو ملاح السفينة.
قال أبو موسى: وأورده ابن مندة في من اسمه عركى، والعركى هو الملاح وليس هو اسما . .
والله أعلم. كذا في تلخيص الحبير(٤).
قلت: وكذا وقع في رواية الدارمى(٥)، ولفظه: قال: ((أتى رجل من بنى مدلج إلى
رسول الله پچ، فقال: يا رسول الله إنا نرکب البحر) الملح وهو مالح ومر، وريحه منتن.
زاد الحاكم(٦): نريد الصيد (ونحمل معنا القليل من الماء) بقدر الاكتفاء. لفظ الحاكم
والبيهقي(٧): (فيحمل أحدنا معه الإِداوة وهو يرجو أن يأخذ الصيد قريبا، فربما وجده
(١) تلخيص الحبير ١/ ١٠.
(٢) وقاله الحافظ في التلخيص ١/ ١٠.
(٣) الأنساب ((العَرَكی)).
(٤) تلخيص الحبير ١ / ١٠.
(٥) الدارمى ١٨٥/١-١٨٦.
(٦) المستدرك ١ / ١٤١ -١٤٣.
(٧) المستدرك ١٤١/١ -١٤٣ والكبرى للبيهقي ٣/١ وما بعدها، ومعرفة السنن والآثار ١ /١٥١ وما.
بعدها .
- ٢٨١ -

كذلك وربما لم يجد الصيد حتى يبلغ من البحر مكانا لم يظن أن يبلغه، فلعله يحتلم أو
يتوضأ، فأن اغتسل أو توضأ بهذا الماء فلعل أحدنا يهلكه العطش، فهل ترى في ماء البحر
أن نغتسل به أو نتوضأ به إذا خفنا ذلك؟ فقال: اغتسلوا منه وتوضؤا به)). ولفظ
الدارمى(١): ((ويحمل معنا من العذب، فان نحن توضأنا به خشينا على أنفسنا، وإن نحن
آثرنا بأنفسنا وتوضأنا من البحر وجدنا في أنفسنا من ذلك فخشينا أن لا يكون طهور!)). (فان
توضأنا به) أى بالماء القليل الذي نحمله (عطشنا) بكسر الطاء لقلة الماء وفقده (أفنتوضأ
بماء البحر؟).
فان قيل: كيف شكوا في جواز الوضوء بماء البحر؟ قلنا: يحتمل أنهم لما سمعوا قوله
وَ لجر: ((لا تركب البحر إلا حاجا أو معتمرًا أو غازيا في سبيل الله، فان تحت البحر نارًا،
وتحت النار بحرًّا)). أخرجه أبو داود(٢) وسعيد بن منصور في سننه عن ابن عمرو مرفوعًا ظنوا
أنه لا يجزىء التطهير به. وقد روى موقوفًا على ابن عمر بلفظ: ((ماء البحر لا يجزىء من
وضوء ولا جنابة. ان تحت البحر نارًا ثم ماء ثم نارًا، حتى عد سبعة أبحر وسبع أنيار))(٣).
وروى أيضا عن عبدالله بن عمرو بن العاص أنه لا يجزىء التطهير به. ولا حجة في أقوال
الصحابة إذا عارضت المرفوع والإِجماع. وحديث ابن عمر المرفوع قال أبو داود: رواته
مجهولون. وقال الخطابى(٤): ضعفوا إسناده. وقال البخارى: ليس هذا الحديث بصحيح.
وقال أبو بكر بن العربى(٥): إنما توقفوا عن ماء البحر لأحد وجهين: إما لأنه لا يشرب،
وإما لأنه طبق جهنم، وما كان طبق سخط لا يكون طريق طهارة ورحمة. (فقال رسول الله
{َ*) في جوابه (هو) أى البحر ويحتمل في إعرابه أربعة أوجه:
الأول: أن يكون هو مبتدأ والطهور مبتدأ ثان خبره ماءه، والجملة خبر المبتدأ الأول.
الثاني: أن یکون هو مبتدأ، خبره: الطهور، وماؤه بدل اشتمال.
والثالث: أن يكون هو ضمير الشأن، والطهور ماؤه مبتدأ وخبر."
والرابع: أن يكون هو مبتدأ، والطهور خبر وماؤه فاعله، قاله ابن دقيق العيد.
(١) الدارمى ١٨٦/١ وفيه: ((من العذب لشفاهنا)).
٦
(٢) أبو داود (٢٤٨٩) وأيضاً أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٣٣٤.
(٣) ذكره ابن حبان في الباب (٨٦) والبيهقي في السن الكبرى ٣٣٤/٤.
(٤) معالم السنن ٣٥٩/٣.
(٥) عارضة الأحوذي ٨٨/١.
- ٢٨٢ -

(الطهور ماؤه) بفتح الطاء هو المصدر واسم ما يتطهر به أو الطاهر المطهّر، كما في
القاموس(١). وههنا بمعنى المطهّر، لأنهم سألوه عن تطهير مائه لا عن طهارته، وضمير ماؤه
ليقتضى أنه أريد بالضمير في قوله: هو الطهور، البحر. إذ لو أريد به الماء لما احتيج إلى
قوله: ماؤه، إذ يصير في معنى: الماء طهور ماؤه. وفي بعض لفظ للدارمى(٢): فإنه الطاهر
ماؤه (الحل) هو مصدر حل الشىء ضد حرم. ولفظ الدارمى والدار قطنى(٣): الحلال
(ميتته) بفتح الميم مامات فيه من حيوان البحر، ولا يكسر ميمه، والحل عطف على الطهور
ماؤه، ووجه إعرابه ما تقدم في الجملة السابقة .
والحديث فيه مسائل :
الأولى: أن ماء البحر طاهر ومطهر.
والثانية: أن جميع حيوانات البحر أى مالا يعيش إلا بالبحر حلال، وبه قال مالك
والشافعي وأحمد، قالوا: ميتات البحر حلال. وهى ما خلا السمك حرام عند أبى حنيفة،
وقال: المراد بالميتة السمك كما في حديث: ((أحل لنا ميتتان: السمك والجراد)). ويجىء
تحقيقه في موضعه إن شاء الله تعالى.
والثالثة: أن المفتى إذا سئل عن شىء وعلم أن للسائل حاجة إلى ذكر ما يتصل
بمسئلته استحب تعليمه إياه، لأن الزيادة في الجواب بقوله ((الحل ميتته)) لتتميم الفائدة،
وهى زيادة تنفع لأهل الصيد، وكان السائل منهم، وهذا من محاسن الفتوى.
قال الحافظ ابن الملقّن: إنه حديث عظيم، أصل من أصول الطهارة، مشتمل على
أحكام كثيرة وقواعد مهمة. قال الماوردي في الحاوى: قال الحميدى: قال الشافعي: هذا
الحديث نصف علم الطهارة.
وحديث الباب أخرجه الترمذي (٤)، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي(٥) وابن
ماجه(٦) ومالك في الموطأ(٧) وابن خزيمة(4) وابن حبان(٩) والدارمى(١٠) وابن الجارود(١١) والحاكم(١٢)
(١) القاموس المحيط ((طهر)).
(٢) الدارمى ١٨٦/١.
(٣) الدار قطنى ٣٤/١، ٣٥، والدارمى ١٨٦/١ (٨) ابن خزيمة (١١١).
(٩) الإِحسان (١٢٣١).
(٤) الترمذي (٦٩).
(٥) النسائي ٥٠/١، ١٧٦.
(١٠) الدارمى ١٨٦/١.
(١١) المنتقى ٢٥، ٢٦.
(٦) ابن ماجه (٣٨٦).
(٧) الموطا (٤٠).
(١٢) المستدرك ١٤١/١ ومابعدها.
- ٢٨٣ -

والدارقطنى (١) والبيهقى (٢). قال الحافظ (٣): وصححه البخاري فيما حكاه عنه الترمذي.
وتعقبه ابن عبدالبر بأنه لو كان صحيحا عنده لأخرجه في صحيحه. وهذا مردود، لأنه لم
يلتزم الاستيعاب، ثم حكم ابن عبدالبر مع ذلك بصحته لتلقى العلماء له بالقبول، فرده
من حيث الإِسناد وقبله من حيث المعنى، وقد حكم بصحة جملة من الأحاديث لا تبلغ
درجة هذا ولا تقاربه. ورجح ابن مندة صحته. وصححه أيضا ابن المنذر وأبو محمد
البغوى. انتهى. وقال البيهقي في المعرفة (٤): هذا حديث أودعه مالك بن أنس في كتاب
الموطأ، وأخرجه أبو داود وجماعة من أئمة الحديث في كتبهم محتجين به. وقال أبو عيسى
الترمذى (٥): سألت محمد بن إسمعيل البخارى عن هذا الحديث، فقال: هو حديث
صحيح. قال البيهقي (٦): وإنما لم يخرجه البخارى ومسلم في الصحيحين لا ختلاف وقع
في اسم سعيد بن سلمة، والمغيرة بن أبى بردة، ولذلك قال الشافعي: في إسناده من لا
أعرفه، وقد تابع عبدالرحمن بن إسحاق وإسحاق بن إبراهيم المزنى مالكا على روايته عن
صفوان بن سليم، ثم قال: وقد أقام إسناده مالك بن أنس عن صفوان بن سليم، وتابعه
على ذلك الليث بن سعد عن يزيد عن الجلاح أبى بشير، ثم عمرو بن الحارث عن الجلاح
كلاهما عن سعيد بن سلمة عن المغيرة بن أبى بردة. ثم يزيد بن محمد القرشى عن
المغيرة بن أبى بردة عن أبى هريرة عن النبي ◌َّهِ، فصار الحديث بذلك صحيحا كما قال
البخاري في رواية أبى عيسى عنه، والله أعلم. انتهى .
قال الزيلعى(٧): وأما المغيرة بن أبى بردة فقد روى عنه يحيى بن سعيد ويزيد بن
محمد القرشى، إلا أن يحيى بن سعيد اختلف عليه فيه، فتلخص بأن المغيرة بن أبى بردة
روى عنه ثلاثة: يحيى بن سعيد ويزيد بن محمد وسعيد بن سلمة، وأن سعيد بن سلمة
روى عنه صفوان بن سليم والجلاح، وبطلت دعوى من ادعى انفراد سعيد عن المغيرة
وانفراد صفوان عن سعيد، انتهى.
(١) الدار قطنى ٣٤/١-٣٧.
(٢) السنن الكبرى ٣/١ وما بعدها، ومعرفة السنن والآثار ١٥١/١ وكذا في مسند الشافعي ٧.
(٣) تلخيص الحبير ١ /٩-١٠.
(٤) معرفة السنن والآثار ١٥١/١ والسنن الكبرى له ٣/١.
(٥) الترمذي في العلل المفرد كما في التهذيب ٤ /٤٢.
(٦) معرفة السنن والآثار ١٥٢/١ ومابعدها والسنن الكبرى ٣/١-٤ متفرقة.
(٧) نصب الراية ١ /٩٦.
- ٢٨٤ -

قال الزيلعي(١): قال ابن مندة: اتفاق صفوان والجلاح يوجب شهرة سعيد بن
سلمة، واتفاق يحيى بن سعيد وسعيد بن سلمة عن المغيرة يوجب شهرته، فصار الإِسناد
مشهورا، وبهذا يرتفع جهالة عينهما. وفي كتاب النسائي توثيقهما، فزالت جهالة الحال
أيضا. ولهذا صححه الترمذي(٢)، وحكى عن البخارى تصحيحه(٣). انتهى كلامه.
وفي الباب عن جابر رواه ابن ماجة(٤) وابن حبان(٥) والحاكم(٦) وأحمد والدار قطنى(٧)،
وعن على أخرجه الحاكم(٨) والدار قطنى(٩)، وعن أنس أخرجه عبدالرزاق في مصنفه(١٠)
والدارقطنى في سننه (١١) وعن ابن عباس أخرجه الدارقطنى (١٢) والحاكم(١٣)، وعن عبدالله بن
عمرو أخرجه الدارقطنى(١٤) والحاكم (١٥)، وعن أبى بكر الصديق رواه الدارقطنى (١٦)، وعن
ابن الفراسى أخرجه ابن ماجه(١٧)
(١) نصب الراية ١ /٩٨.
. (٢) الترمذي في جامعه ١٠١/١.
(٣) في العلل المفرد كما في التهذيب ٤٢/٤.
(٤) ابن ماجه (٣٨٨).
(٥) الإِحسان (١٢٣٢).
(٦) المستدرك ١٤٣/١.
(٧) الدار قطني ١/ ٣٤.
(٨) المستدرك ١٤٢/١.
الدار قطني ١ / ٣٥.
(٩)
(١٠) مصنف عبدالرزاق (٣٢٠).
(١١) الدار قطني ٣٥/١.
(١٢) الدار قطني ١ /٣٥.
(١٣) المستدرك ١ /١٤٢، ١٤٣.
(١٤) الدار قطني ١ / ٣٥.
(١٥) المستدرك ١٤٣/١.
(١٦) الدار قطني ١ /٣٥.
(١٧) ابن ماجه (٣٨٧).
- ٢٨٥ -

(٤٢) باب الوضوء بالنبيذ
٨٤ - حدثنا هناد وسليمان بن داود العتكي، قالا: حدثنا شريك، عن أبى
فزارة، عن أبى زيد، عن عبدالله بن مسعود، أن النبي ◌َليّ قال له ليلة الجن
((مَا فِي إِدَاوَتِكَ؟)) قال: نبيذ، قال ((تْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ)) .
قالَ سليمان بن داود عن أبي زيد أو زيد: كذا قال شريك، ولم يذكر هناد ليلة
الجن .
(باب الوضوء بالنبيذ) بفتح النون وكسر الباء، ما يعمل من الأشربة من التمر
والزبيب والعسل والحنطة والشعير. نبذت التمر والعنببه: إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذا،
وأنبذته: اتخذته نبيذا، سواء كان مسكرا أو لا. ويقال للخمر المعتصر من العنب نبيذ،
كما يقال لنبيذ خمر، قاله ابن الأثير في النهاية(١).
[ ٨٤](حدثنا هناد) بفتح الهاء وتشديد النون هو ابن السرى بن مصعب التميمى الدارمى
الحافظ، روى عن ابن عيينة وأبى الأحوص وخلق، وعنه أصحاب السنن ومسلم وجماعة .
وثقه النسائي (وسليمان بن داود العتكى) هو أبو الربيع البصرى الحافظ، وثقه ابن معين
وأبو حاتم. والعتكى: بفتحتين إلى العتيك بطن من الأزد (قالا: حدثنا شريك) بن
عبدالله بن أبى شريك النخعى أبو عبدالله الكوفى، عن زياد بن علاقة وسلمة بن كهيل
وسماك، وعنه ابن المبارك وهشيم وعلى بن حجر وخلق. قال ابن معين: ثقة يغلط. وقال
العجلى: ثقة. قال يعقوب بن سفيان: ثقة سىء الحفظ (عن أبى فزارة) بفتح الفاء والزاء
المنقوطة. قال الحافظ المنذرى(٢): أبو فزارة قيل: هو راشد بن كيسان، وهو ثقة أخرج له
مسلم. وقيل: إن أبا فزارة رجلان. وراوی هذا الحدیث رجل مجهول ليس هو راشد بن
كيسان، وهو ظاهر كلام الإِمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه، فإنه قال: أبو فزارة في
حديث ابن مسعود رجل مجهول. وذكر البخارى أبا فزارة العبسى : راشد بن كيسان، وأبا
فزارة العبسى غير مسمى، فجعلهما اثنين - انتهى. وأجاب عنه الزيلعي (٣) المخرّج،
فقال: وفي كل هذا نظر، فإنه قد روى هذا الحديث عن أبى فزارة جماعة، فرواه عنه
(١) النهاية ((نبذ)).
(٢) مختصر سنن أبي داود ٨٣/١.
(٣) نصب الراية ١٣٨/١-١٣٩.
- ٢٨٦ -

شريك كما أخرجه أبو داود(١) والترمذي(٢)، ورواه عنه سفيان(٣) والجراح بن مليح كما أخرجه
ابن ماجة (٤)، ورواه عنه إسرائيل كما أخرجه(٥) البيهقي(٦) وعبد الرزاق في مصنفه(٧)، ورواه
عنه قيس بن الربيع كما أخرجه عبدالرزاق(٨). والجهالة عند المحدثين تزول برواية اثنين
فصاعدًا، فأين الجهالة بعد ذلك إلا أن يراد جهالة الحال. هذا، وقد صرح ابن عدى(٩)
بأنه راشد بن كيسان، فقال: مدار هذا الحديث على أبى فزارة عن أبى زيد، وأبو فزارة:
اسمه راشد بن كيسان وهو مشهور. وحكى عن الدارقطنى أنه قال: أبو فزارة في حديث
النبيذ اسمه راشد بن كيسان. وقال ابن عبدالبر في كتاب الاستيعاب: أبو فزارة العبسى
راشد بن کیسان ثقة عندهم.
(عن أبى زيد) قال الترمذي في جامعه(١): وأبو زيد رجل مجهول عند أهل
الحديث، لا نعرف له رواية غير هذا الحديث. وقال المنذرى(١١): وأبو زيد هو مولى
عمروبن حريث، ولا يعرف له اسم. قال الزيلعي(١٢): قال ابن حبان في كتاب الضعفاء:
أبو زيد شیخ یروی عن ابن مسعود لیس یدری من هو، ولا یعرف أبوه ولا بلده ومن کان
بهذا النعت، ثم لم يرو إلا خبرا واحدا خالف فيه الكتاب والسنة والإجماع والقياس استحق
مجانبة ما رواه. وقال ابن أبى حاتم في كتابه العلل(١٣): سمعت أبا زرعة يقول: حديث
أبى فزارة بالنبيذ ليس بصحيح، وأبو زيد مجهول. وذكر ابن عدى(١٤) عن البخارى قال:
(١) أبو داود في هذا الحديث.
(٢) الترمذي (٨٨).
(٣) سفيان عن أبي فزارة هو الثوري، عبد الرزاق في مصنفه (٦٩٣) والبيهقي في الكبرى ٩/١.
(٤) ابن ماجه (٣٨٤).
(٥) نصب الراية: ١٣٨/١ ((أخرجهما)).
(٦) إسرائيل عن أبي فزارة لم أجده عند البيهقي بل هو عند عبدالرزاق.
(٧) عبدالرزاق (٦٩٣).
(٨) قيس بن الربيع عن أبي فزارة، عبدالرزاق في مصنفه (٦٩٣) والبيهقي في الكبرى ٩/١.
(٩) السنن الكبرى ١٠/١.
(١٠) الترمذي ١٤٧/١ .
(١١) مختصر سنن أبى داود ١ /٨٣.
(١٢) نصب الراية ١٣٨/١.
(١٣) العلل ١٧/١.
(١٤) السنن الكبرى ١٠/١ والمعرفة ١٦٨/١.
- ٢٨٧ -

أبو زيد الذي روى حديث ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ مجهول لا يعرف بصحبة عبدالله،
ولا يصح هذا الحديث عن النبي ◌َّر، وهو خلاف القرآن. وقال ابن عدى(*): أبو زيد
مولى عمرو بن حريث مجهول. وقال ابن عبدالبر: وأبو زيد مولى عمرو بن حريثٍ مجهول
عندهم لا يعرف بغير رواية أبى فزارة، وحديثه عن ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ منكر لا
أصل له، ولا رواه من یوثق به ولا یثبت. انتھی .
(عن عبدالله بن مسعود) رضى الله عنه (أن النبي ( # قال له) أى لعبدالله بن
مسعود (ليلة الجن) هى الليلة التي جاءت الجن رسول الله وَير وذهبوا به إلى قومه ليتعلموا
منه الدين وأحكام الإِسلام (ما في إداوتك؟) بالكسر إناء صغير من جلد يتخذ للماء،
وجمعها: أداوى (قال) عبدالله: في إداوتى (نبيذ) وقد مر الكلام فيه آنفا (قال) رسول الله
والحر: (تمرة طيبة) أى النبيذ ليس إلا تمرة وهى طيبة، ليس فيها ما يمنع التوضىء (وماء
طهور) بفتح الطاء أى مطهر. زاد الترمذي(١): ((قال: فتوضأ منه)). وفي مسند أحمد بن
حنبل: ((فتوضأ منه وصلى)).
وقد ضعف المحدثون حدیث أبی زید بثلاث علل :
أحدهما: جهالة أبی زید.
والثاني: التردد في أبى فزارة هل هو راشد بن كيسان أو غيره.
والثالث: أن ابن مسعود لم يشهد مع النبي وَّ ليلة الجن. قال المنذرى(٢): قال أبو
أحمد الكرابيسى: ولا يثبت في هذا الباب من هذه الرواية حديث. بل الأخبار الصحيحة
عن عبدالله بن مسعود ناطقة بخلافه.
واختلف العلماء في التوضىء بالنبيذ، فقال الشافعى وأحمد وإسحاق وأكثر الأئمة :
لا يجوز التوضىء به. قال الترمذي (٣): وقول من يقول لا يتوضأ بالنبيذ أقرب إلى الكتاب
وأشبه، لأن الله تعالى قال: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدا طيبا﴾(٤). وعند أبى حنيفة
وسفيان الثورى جاز الوضوء به إذا لم يوجد ماء. وهذا قول ضعيف. قال أبو بكر بن
(٥) السنن الكبرى ١ /١٠.
(١) الترمذي (٨٨).
(٢) مختصر سنن أبى داود ١ / ٨٢-٨٣.
(٣) الترمذي ١٤٨/١.
(٤) سورة النساء ٤٣، وسورة المائدة ٦ .
- ٢٨٨ -
.

العربى في عارضة الأحوذي(١): هذه زيادة على ما في كتاب الله عز وجل، والزيادة عندهم
على النص نسخ، ونسخ القرآن عندهم لا يجوز إلا بقرآن مثله أو بخبر متواتر. ولا ينسخ
الخبر الواحد إذا صح، فكيف إذا كان ضعيفًا مطعونا فيه؟ انتهى .
وضعف الطحاوى(٢) أيضا حديث عبدالله بن مسعود، واختار أنه لا يجوز به الوضوء
لا في سفر ولا في حضر، وقال: إن حديث ابن مسعود روی من طرق لا تقوم بمثلها حجة،
وقد قال عبدالله بن مسعود: إنى لم أكن ليلة الجن مع النبي پڼ، ووددت أنی کنت
معه(٣). وسئل أبو عبيدة هل كان أبوك ليلة الجن مع النبي وَلا؟ فقال: لا(٤). مع أن فيه
انقطاعا، لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه ولم نعتبر فيه اتصالا ولا انقطاعا، ولكنا احتججنا
بكلام أبى عبيدة لأن مثله في تقدمه في العلم ومكانه من أمره لا يخفى عليه مثل هذا من
أموره، فجعلنا قوله حجة فيه. قال: وقد أجمع الناس على أنه لا يجوز الوضوء به مع وجود
الماء، فكذلك هو عند عدم الماء. وحديث ابن مسعود الذي فيه التوضیء بنبيذ التمر إنما
فیه أن رسول الله ټ توضأ به وهو غير مسافر، لأنه خرج من مكة یریدهم، فهو في حكم
استعماله له بمكة، فلو ثبت ذلك جاز الوضوء به في حال وجود الماء، فلما أجمعوا على خلاف
ذلك ثبت طرحهم لهذا الحديث، وهو النظر عندنا - انتهى كلام الطحاوى بتلخيص.
وحديث الباب أخرجه أحمد بن حنبل والترمذي (٥) وابن ماجة(٦).
(قال سليمان بن داود: عن أبى زيد) أى بإضافة لفظ أبى إلى زيد (أو زيد) أى بلا
إضافته (كذا قال شريك) أى الشاك فيه شريك، وأما هناد فقال في روايته عن شريك: أبا
زيد، بلا شك (ولم يذكر هناد) في رواية (ليلة الجن) وإنما ذكرها سليمان.
(١) عارضة الأحوذي ٣٠/١.
(٢) شرح معاني الآثار ١/ ٩٤-٩٦.
(٣) مسلم ((الجهر بالقراءة)) والسنن الكبرى ١١/١ والمعرفة ٦٨/١
(٤) الدار قطنى ٧٦/١ والسنن الكبرى ١٠/١، ١١ والمعرفة ١٦٨/١.
(٥) الترمذي (٨٨).
(٦) ابن ماجه (٣٨٤).
- ٢٨٩ -

٨٥ - حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، عن داود، عن عامر، عن
علقمة، قال: قلت لعبد الله بن مسعود: من كان منكم مع رسول الله ◌َّر ليلة
الجن؟ فقال: ما کان معه منا أحد.
[٨٥](حدثنا موسى بن إسمعيل) التميمى البصرى، ثقة (حدثنا وهيب) بن خالد
الباهلى أبوبكر البصرى، أحد الأئمة الحفاظ. قال ابن سعد: ثقة حجة کثیر الحديث (عن
داود) بن أبى هند القشيرى أبو بكر المصرى، عن سعيد بن المسيب وأبى عثمان النهدى
وجماعة، وعنه شعبة والثورى وحماد بن سلمة وخلق. وثقه أحمد والعجلى وأبو حاتم
والنسائى (عن عامر بن شراحيل الحميرى الشعبى الكوفى، عن أبي هريرة وعائشة وجرير
وابن عباس وجماعة، قال: أدركت خمسمائة من الصحابة. روى عنه ابن سيرين والأعمش
وشعبة وخلائق. قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين وأبو زرعة وغير واحد: الشعبى
ثقة. وقال أبو مجلز: ما رأيت فيهم أفقه من الشعبى. وقال العجلى: مرسل الشعبى
صحيح. وقال ابن عيينة: كانت الناس تقول: ابن عباس في زمانه والشعبى في زمانه.
(عن علقمة) بن قيس بن عبدالله الكوفى، أحد الحفاظ مخضرم، عن أبى بكر وعمر
وعثمان وعلى وحذيفة وطائفة، وعنه إبراهيم النخعى وسلمة بن كهيل وجماعة. قال على بن
المدينى: أعلم الناس بابن مسعود علقمة والأسود وهو من رجال الكتب الستة. (قال:
قلت لعبدالله بن مسعود: من كان منكم مع رسول الله وّيّ ليلة الجن؟ فقال) ابن
مسعود: (ما كان معه) أى مع النبي ◌َّ (منا أحد).
أخرج المؤلف هذا الحديث مختصرًا لم يذكر القصة، وأخرجه مسلم في كتاب الصلاة
من صحيحه(١)، والترمذي في تفسير سورة الأحقاف من جامعه(٢) مطولا .
ومقصود المؤلف من إيراد هذا الحديث إثبات الضعف لحديث أبى زيد المتقدم. قال
النووى في شرحه لمسلم(٣): هذا صريح في إيطال الحديث المروى في سنن أبى داود وغيره
المذكور فيه الوضوء بالنبيذ، وحضور ابن مسعود معه # ليلة الجن، فإن هذا الحديث
صحيح وحديث النبيذ ضعيف باتفاق المحدثين. وقال الإِمام جمال الدين الزيلعى(٤): قال
(١) مسلم في الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن ٤ /١٦٧ .
(٢) الترمذي في التفسير، باب ما جاء في سورة الأحقاف.
(٣) شرح مسلم ١٦٩/٤.
(٤) نصب الراية ١٣٩/١.
- ٢٩٠ -

البيهقي في دلائل النبوة(١): قد دلت الأحاديث الصحيحة على أن ابن مسعود لم يكن مع
النبي ◌َّ* ليلة الجن، وإنما كان معه حين انطلق به وبغيره يربهم آثارهم وآثار نيرانهم. قال:
وقد روى أنه كان معه ليلته. ثم قال الزيلعى(٢): فقد تلخص لحديث ابن مسعود سبعة
طرق صرح في بعضها أنه كان مع النبي من 18، وهو مخالف لما في صحيح مسلم(٣) أنه لم يكن
معه. وقد جمع بينهما بأنه لم يكن مع النبي وَل# حين المخاطبة، وإنما كان بعيدا منه .. ومن
الناس من جمع بينهما بأن ليلة الجن كانت مرتين، ففي أول مرة خرج إليهم لم يكن مع النبي
* ابن مسعود ولا غيره كما هو ظاهر حديث مسلم، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى
كما روى ابن أبى حاتم في تفسيره في أول سورة الجن من حديث ابن جريج(٤)، والله
أعلم .
٨٦ - حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبدالرحمن، قال ثنا بشر بن منصور، عن
ابن جريج، عن عطاء أنه كره الوضوء باللبن والنبيذ، وقال: إنّ التيمم أعجب
إلىّ منه.
[٨٦](حدثنا محمد بن بشار) بندار، ثقة (قال: ثنا عبدالرحمن) بن مهدى، إمام حافظ
حجة (قال: ثنا بشر بن منصور) أبو محمد البصرى الزاهد، عن أيوب وعطاء، وعنه
محمد بن عبدالله الرقاشى. قال أبو زرعة: ثقة مأمون. وقال صالح بن أحمد بن حنبل عن
أبيه: ثقة ثقة (عن ابن جريج) هو عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج، فقيه ثقة (عن
عطاء) بن أبى رباح القرشى أحد الأئمة الأعلام، عن أبى هريرة وعائشة وأسامة بن زيد
وأم سلمة وجماعة. وعنه جعفر بن محمد وأيوب وجرير بن حازم. قال ابن سعد: كان ثقة
عالما كثير الحديث انتهت إليه الفتوى بمكة. وقال أبو حنيفة: ما لقيت أفضل من عطاء
(أنه كره الوضوء باللبن والنبيذ)(٥) لأنه لا يصح إطلاق الماء عليهما، وإنما الوضوء بالماء لا
بغيره (وقال) عطاء: (إن التيمم) عند فقد الماء (أعجب) أى أحب (إلىَّ منه) أى من
التوضىء باللبن والنبيذ.
(١) دلائل النبوة للبيهقي ١٤/١، والسنن الكبرى ١٠/١ وما بعدها وابن حبان (١٤١٩).
(٢) نصب الراية ١٤٣/١ -١٤٤.
(٣) مسلم ١٦٩/٤.
(٤) لينظر أول تفسير سورة الجن عند الطبري والقرطبي والسيوطي في الدر المنثور.
(٥) البخاري تعليقا: باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر، وكرهه الحسن وأبو العالية، وقال
عطاء .. الخ (فتح الباري ٢٥٣/١).
- ٢٩١ -

٨٧ - حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال حدثنا أبو خَلْدَةَ، قال:
سألت أبا العالية عن رجل أصابته جنابة وليس عنده ماء وعنده نبيذ أيغتسل
به؟ قال: لا.
[٨٧](حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبدالرحمن) بن مهدى (قال: حدثنا أبو خلدة)
بفتح الخاء وسكون اللام وفتح الدال هو خالد بن دينار التيمى البصرى، عن أنس
والحسن وابن سيرين، وعنه ابن المبارك. وثقه ابن معين والنسائى (قال: سألت أبا العالية)
هو رفيع بضم أوله ابن مهران الرياحى البصرى، مخضرم، إمام من الأئمة، صلى خلف
عمر ودخل علی ابی بکر، روی عن أبیّ وعلی وخلق، وعنه قتادة وثابت وداود بن أبی هند.
قال الحافظ: هو من كبار التابعين، مشهور بكنيته. وثقه ابن معين وغيره، حتى قال أبو
القاسم اللالكائی : مجمع على ثقته إلا أنه کثیر الإرسال عمن أدركه (عن رجل) أی عن
حاله (أصابته جنابة وليس عنده ماء) يغتسل به (وعنده نبيذ أيغتسل؟) بهمزة الاستفهام
(قال) أبو العالية: (لا) يغتسل(١).
(٤٣) باب أيصلى الرجل وهو حاقن
٨٨ - حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا زهير، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عبدالله بن الأرقم، أنه خرج حاجًا، أو معتمراً، ومعه الناس وهو يؤمهم،
فلما كان ذات يوم أقام الصَّلاة صَلاةَ الصُّبح، ثم قال: ليتقدم أحدكم، وذهب
إلى الخلاء، فاني سمعتُ رسول الله وَل﴿ يقول ((إِذَا أُرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَذْهَبَ
الْخْلَاءَ وَقَامَتِ الصَّلَةُ فَلْيَبْدَأُ بِالْخُلَاءِ».
قال أبو داود: روى وهيب بن خالد وشعيب بن إسحق وأبو ضمرة هذا الحديث
عن هشام بن عروة عن أبيه عن رجل حدثه عن عبدالله بن أرقم، والأكثر
الذین رووه عن هشام قالوا کما قال زهیر.
(باب أيصلي الرجل وهو حاقن) هو من يحبس بوله. حقن الرجل بوله: حبسه
وجمعه، فهو حاقن. قال ابن فارس(٢): ويقال لما جمع من لبن وشدَّ: حقين، ولذلك سمى
(١) وانظر الحديث عند الدار قطني ٧٨/١ والسنن الكبرى ٩/١.
(٢) مجمل اللغة (ح ق ن) والمصباح المنير ((حقن)).
- ٢٩٢ -

حابس البول: حاقنا. وأراد المؤلف بلفظ الحقن المعنى الأعم يعنى حبس الغائط والبول،
ولذا أورد في الباب أحاديث من القسمين، أو أراد به المعنى الخاص وهو حبس البول،
وأراد بلفظ الخلاء وبلفظ الأخبثان الواقعين في الحديث أحد فرديهما وهو حبس البول . .
[ ٨٨](حدثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبدالله بن يونس، ثقة (قال: حدثنا زهير)
مصغر هو زهير بن معاوية أبو خيثمة الكوفى، كما صرح بذلك الحافظ ابن عبدالبر - رحمه
الله -. روى عن الأسود بن قيس وزياد بن علاقة وأبى الزبير وسماك بن حرب، وعنه
القطان وابن مهدى. وثقه أبو زرعة وغيره، ومر ترجمته في أوائل الكتاب (ثنا هشام بن عروة
عن أبيه) عروة بن الزبير، إمام حافظ (عن عبدالله بن الأرقم) بن عبد يغوث بن وهب
الزهرى، أسلم عام الفتح، وكتب للنبى وَ ◌ّ، ثم لأبى بكر وعمر، وكان على بيت المال
أيام عمر. قال السائب بن يزيد: ما رأيت أخشى لله منه. وأخرج البغوى عن عبدالله بن
الزبير أن النبي # استكتب عبدالله بن الأرقم وكان يجيب عنه الملوك، وبلغ من أمانته
عنده أنه کان یأمره أن یکتب إلى بعض الملوك فیکتب ویختم ولا يقرؤه لأمانته عنده، روی
عنه أسلم مولى عمر وعبدالله بن عتبة بن مسعود ويزيد بن قتادة، وتوفى في خلافة عثمان
رضى الله عنه (أنه) أى عبدالله بن الأرقم (خرج) من موضعه إلى مكة (حاجا) أى يريد
الحج (أو معتمرًا) أى يريد العمرة، ويجىء تفسيرهما في كتاب الحج ان شاء الله تعالى (ومعه
الناس وهو يؤمّهم) في الصلاة. ولفظ البيهقي في المعرفة: أنه خرج إلى مكة صحبة قوم
فكان يؤمّهم (فلّا كان ذات يوم أقام الصلاة: صلاة الصبح) بدل من الصلاة (ثم قال)
عبدالله: (ليتقدم أحدكم) للإِمامة (وذهب) عبدالله (الخلاء) وهذه الجملة من مقولة
عروة بن الزبير. قال عبدالله في وجه تقديمه لبعض أصحابه مكانه: (فإنى سمعت رسول.
الله (* يقول: إذا أراد أحدكم أن يذهب الخلاء) أى لقضاء الحاجة قبل الذهاب إلى
الصلاة (وقامت الصلاة فليبدأ بالخلاء) فيفرغ نفسه ثم يرجع فيصلى، لأنه إذا صلى قبل
ذلك تشوش خشوعه، واختل حضور قلبه .
والحديث فيه دليل على أنه لا يقوم إلى الصلاة وهو يجد شيئا من الغائط والبول.
(قال أبو داود: روى وهيب بن خالد) الباهلى أحد الحفاظ (وشعيب بن إسحق)
الأموى البصرى، عن هشام وابن جريج، وعنه إبراهيم بن موسى وإسحاق بن راهويه
وداود بن رشيد. قال أحمد: ما أصح حديثه. ووثقه غير واحد (وأبو ضمرة) هو أنس بن
عياض الليثى المدنى، عن هشام وسهيل وصالح بن كيسان، وعنه أحمد والقعنبى
- ٢٩٣ -

وأحمد بن صالح المصرى وخلق. وثقه النسائي وجماعة (هذا الحديث عن هشام بن عروة
عن أبيه عن رجل حدثه) أى حدث الرجل عروة (عن عبدالله بن أرقم) فأدخلوا هولاء
بین عروة وبین عبدالله بن الأرقم رجلا، وروى عن ابن جريج أيضا في بعض الروايات
عنه مثل ما روى وهيب، قاله ابن الأثير في أسد الغابة (١). ورجح البخاري فيما حكاه
الترمذي في العلل المفرد(٢) رواية من زاد فيه: عن رجل. كذا في التلخيص(٣). (والأكثر)
أى أكثر الحفاظ مثل مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وحفص بن غياث ومحمد بن إسحاق
وشجاع بن الوليد وحماد بن زيد ووكيع وأبى معاوية والمفضل بن فضالة ومحمد بن كنانة،
كما صرح به ابن عبدالبر. وزاد الترمذي(٤): يحيى بن سعيد القطان. وزاد ابن الأثير(٥):
شعبة والثورى وحماد بن سلمة ومعمر (الذين رووه) أى حديث عبدالله بن الأرقم (عن
هشام، قالوا) هؤلاء الحفاظ في روايتهم (كما قال زهير) بن معوية بحذف واسطة بين عروة
وعبدالله، وكذا رواه عبدالرزاق(٦) عن ابن جريج عن أيوب بن موسى عن هشام عن
عروة، قال: خرجنا في حج أو عمرة مع عبدالله بن الأرقم الزهرى فأقام الصلاة ثم قال:
صلوا، وذهب لحاجته، فلما رجع قال: إن رسول الله وسلم قال: ((إذا أقيمت الصلاة وأراد
أحدکم الغائط فلیبدأ بالغائط)». فهذا الإِسناد لیشهد بأن رواية زهیر ومالك ومن تابعهما
متصلة لتصريحه بأن عروة سمعه من عبدالله بن الأرقم، وابن جريج وأيوب ثقتان
حافظان، قاله الزرقاني(٧). ورواه أبو الأسود عن عروة عن عبدالله بن الأرقم، قاله ابن
الأثير(٨).
قلت: فأبو الأسود هذا قد تابع هشاما. ورواه أبو معشر عن هشام عن أبيه عن
عائشة. والله أعلم .
(١) أسد الغابة (٢٧٠٩) ١٧٣/٣ -١٧٤.
(٢) وفي سننه (١٤٢).
(٣) تلخيص الحبير ٣٢/١.
(٤) الترمذي ٢٦٢/١.
(٥) أسد الغابة ٣/ ١٧٣ .
(٦) المصنف لعبد الرزاق (١٧٦١).
(٧) شرح الموطا ٣٢٣/١.
(٨) أسد الغابة ١٧٤/٣ .
•
- ٢٩٤ -

وقال المنذرى(١): قيل: إن عبدالله بن أرقم روى عن النبي وَ لَّ حديثًا واحدا،
وليس له في هذه الكتب سوی هذا الحدیث. انتهى.
وحديث الباب أخرجه مالك في الموطأ(٢) والشافعي(٣) عنه وأحمد(٤) وأصحاب
السنن(٥) وابن خزيمة(٦) وابن حبان والحاكم(٨) من رواية عبدالله بن الأرقم.
٨٩ - حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل ومحمد بن عيسى ومسدد المعنى قالوا:
حدثنا يحيى بن سعيد، عن أبى حزرة، قال: حدثنا عبدالله بن محمد، قال
ابن عيسى في حديثه ((ابن أبى بكر)» ثم اتفقوا ((أخو القاسم بن محمد)) قال: كنا
عند عائشة فجىء بطعامها، فقام القاسم يصلى، فقالت عائشة رضى الله
عنها: سمعت رسول الله وَ* يقول: ((لَا يُصَلّى بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ وَلاَ وَهُوَ يُدَافِعُهُ
٤٥ ٥
الأخبثان)) .
[ ٨٩] (حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل) إمام حافظ فقيه (ومحمد بن عيسى) بن نجيح
البغدادي، ثقة مأمون (ومسدد) بن مسرهد، ثقة (المعنى) واحد وإن تغاير ألفاظهم
(قالوا: حدثنا يحيى بن سعيد) القطان الإِمام الحافظ (عن أبى حزرة) بفتح المهملتين بينهما
زاى ساكنة، هو يعقوب بن مجاهد القرشى المدني، يقال: كنيته أبو يوسف، وأما أبو حزرة
فلقب له. روى عن القاسم بن محمد ومحمد بن كعب، وعنه إسمعيل بن جعفر وغيره وثقه
النسائی (قال: حدثنا عبدالله بن محمد) بن أبى بكر الصديق المدني التیمی، روى عن
عائشة، وعنه نافع. وثقه النسائي. وأما في رواية مسلم لفظ ابن أبى عتيق مكان
عبدالله بن محمد. وابن أبى عتيق هذا هو عبدالله بن محمد بن عبدالرحمن بن أبى بكر
(١) مختصر سنن أبي داود ١/ ٨٤.
(٢) الموطا (٣٧٩).
(٣) مسند الشافعي ٥٣ عن مالك وعن غيره ولم يسمه وقال: أخبرنا الثقة عن هشام.
(٤) مسند أحمد ٤٨٣/٣، ٣٥/٤.
(٥) أصحاب السنن: الترمذي (١٤٢) والنسائي (١١٠/٢-١١١) وابن ماجه (٦١٦) والدارمي
١
(٣٣٢/١).
(٦) ابن خزيمة (٦٥/٢).
(٧) موارد الظمآن (٧٤).
(٨) المستدرك ١٦٨/١ وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
- ٢٩٥ -
٠
٠

الصديق، وهو غير عبدالله بن محمد بن أبى بكر الصديق (قال ابن عيسى في حديثه: ابن
أبى بكر) أى قال محمد بن عيسى في روايته: عبدالله بن محمد بن أبى بكر، واقتصر يحيى
ومسدد على عبدالله بن محمد فقط، بدون زيادة ابن أبى بكر (ثم اتفقوا) ثلاثهم في
روايتهم وقالوا: (أخو القاسم بن محمد) أى عبدالله بن محمد هو أخو القاسم بن محمد
(قال) عبدالله بن محمد: (كنا عند عائشة فجىء بطعامها) أى عائشة (فقام القاسم) بن
محمد بن أبى بكر الصديق أبو محمد المدنى، أحد الفقهاء السبعة، روى عن عائشة وأبى
هريرة وابن عباس وابن عمر وجماعة، وعنه الزهرى ونافع والشعبى وخلائق. قال مالك:
القاسم من فقهاء الأمة. وقال ابن سعد: كان ثقه عالمًا فقيهًا إماما كثير الحديث. وقال أبو
الزناد: ما رأيت أحدا أعلم بالسنة من القاسم. (يصلى) وفي رواية مسلم عن ابن أبى
عتيق، قال: تحدثت أنا والقاسم عند عائشة حديثًا، وكان القاسم رجلا لحّانة، وكان لأم
ولد، فقالت له عائشة: مالك لا تحدث كما يتحدث ابن أخي هذا؟ أما إنى قد علمت من
أين أتيت هذا، أدَّبَتْه أمه وأنت أدّبَتْك أمك. قال: فغضب القاسم وأصْب عليها، فلما
رأى مائدة عائشة قد أتى بها قام، قالت: أين؟ قال: أصلى، قالت: اجلس، قال: إنى
أصلى، قالت: اجلس (فقالت عائشة رضى الله عنها) إنكارا عليه: (سمعت رسول الله
﴿* يقول: لا يصلى) بالبناء للمجهول وفي رواية مسلم لا صلاة (بحضرة الطعام) أى عند
حضور طعام تتوق نفسه إليه، أى لا تقام الصلاة في موضع حضر فيه الطعام، وهو يريد
أكله. وهو عام للنفل والفرض والجائع وغيره.
وفيه دليل صريح على كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال،
لاشتغال القلب به .
(ولا) يصلى (وهو) أى المصلى (يدافعه) أى المصلى (الأخبثان) فاعل يدافع، وهو
البول والغائط، أى لا صلاة: حاصلة للمصلى حالة يدافعه الأخبثان عنها وهو يدافعهما،
الاشتغال القلب به وذهاب الخشوع. ويلحق به كل ماهو في معناه مما يشغل القلب ويذهب
كمال الخشوع.
وأما الصلاة بحضرة الطعام فيه مذاهب: منهم من ذهب إلى وجوب تقديم الأكل
على الصلاة. ومنهم من قال: إنه مندوب. ومن قيد ذلك بالحاجة. ومن لم يقيد. ويحىء
بعض بيان ذلك ان شاء الله تعالى في موضعه .
والحديث أخرجه مسلم(١) وأحمد بن حنبل(٢).
(١) مسلم (٥٦٠).
(٢) أحمد ٤٣/٦، ٥٤.
- ٢٩٦ -

٩٠ - حدثنا محمد بن عيسى، قال حدثنا ابن عياش، عن حبيب بن صالح،
عن يزيد بن شريح الحضرمي، عن أبى حى المؤذن، عن ثوبان، قال: قال
رسول اللَّهِ وَّه («ثَلاَثٌ لَا يَحِلُّ لَأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُنَّ: لَا يُؤْمُ رَجُلٌ قَوْماً فَيَخُصُّ نَفْسَهُ
بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ، فَانْ فَعَلَ فَّقَدْ خَانَهُمْ، وَلاَ يَنْظِرُ فِي قَعْرِ بَيْتٍ قَبْلَ أنْ يَسْتَأْذِنَ،
فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ دَخَلَ، وَلاَ يُصَلِّ وَهُوَ حَقِنْ حَتَّى يَتَخَفْفَ)).
[٩٠] (حدثنا محمد بن عيسى) بن نجيح البغدادي، ثقة (قال: حدثنا ابن عياش) هو
إسمعيل بن عياش الحمصى. وثقه أحمد وابن معين والبخاري وابن عدى في أهل الشام،
وضعفوه في الحجازيين. وقال يزيد بن هارون: ما رأيت أحفظ من إسماعيل ما أدرى ما
الثورى (عن حبيب بن صالح) الطائى أبى موسى الحمصى، عن عبد الرحمن بن سابط
ويحيى بن جابر، وعنه بقية وحريز بن عثمان. قال أبو زرعة: مشهور في بلده بالعلم
والفضل، قال أبو داود: شیوخ حریز كلهم ثقات (عن یزید بن شریح) مصغر، روى عن
عائشة وثوبان، وعنه أبو الزاهرية. وثقه ابن حبان (الحضرمى) بفتح أوله والراء وسكون
المعجمة إلى حضرموت بلد بأقصى اليمن وقبيلة، قاله السيوطى. قلت: والمراد ههنا
النسبة الى القبيلة. (عن أبى حيّ) بفتح الحاء وتشديد الياء (المؤذن) هو شداد بن حى أبو
حی الحمصى الشامى، روى عنه شرحبيل بن مسلم ويزيد. وثقه ابن حبان (عن ثوبان)
مولى النبي مسر، لازمه سفرا وحضرا، ثم نزل الشام، له مائة وسبعة وعشرون حديثا،
روی عنه خالد بن معدان وجبیر بن نفیر ورشدین بن سعد (قال: قال رسول الله الآيات :
ثلاث) أى ثلاث خصال بالإِضافة، ثم حذف المضاف إليه، ولهذا جاز الابتداء بالنكرة
(لا يحل لأحد) من الناس (أن يفعلهن) المصدر المنسبك من أن والفعل فاعل يحل، أى لا
يجل فعلهن بل يحرم، قاله العزيزى. (لا يؤم رجل) أى ولا امرأة نساء، ويؤم بالضم خبر
في معنى النهى (قوما فيخص) قال في التوسط: هو بالضم للعطف وبالنصب للجواب،
وقال العزيزى في شرح الجامع: هو منصوب بأن المقدرة، لوروده بعد النفى على حدّ ﴿لا
يقضى عليهم فيموتوا﴾(١). (نفسه بالدعاء) وفي رواية الترمذي(٢) بدعوى (دونهم) قال
العزيزى: أى في القنوت خاصة، بخلاف دعاء الافتتاح والركوع والسجود والجلوس بين
(١) سورة فاطر ٣٦.
(٢) الترمذي (٣٥٧).
- ٢٩٧ -

السجدتين والتشهد. وقال في التوسط: معناه تخصيص نفسه بالدعاء في الصلاة والسكوت
عن المقتدين. وقيل: نفيه عنهم ((كارحمنى ومحمدا ولا ترحم معنا)) وكلاهما حرام، أو الثاني
حرام فقط لما روى أنه كان يقول بعد التكبير: ((اللهم نقنى من خطاياى ... الحديث)).
والدعاء بعد التسليم يحتمل كونه كالداخل وعدمه (فان فعل) أى خص نفسه بالدعاء (فقد
خانهم) لأن كل ما أمر به الشارع أمانة وتركه خيانة (ولا ينظر) بالرفع عطف على يؤم (في
قعر) بفتح القاف وسكون العين (بيت) قال في المصباح(*): قعر الشىء نهاية أسفله والجمع
قعور، مثل فلس وفلوس، ومنه جلس في قعر بيته كناية عن الملازمة. انتهى . والمراد ههنا
داخل البيت (قبل أن يستأذن) أهله. فيه تحريم الاطلاع في بيت الغير بغير إذنه (فان فعل)
أى اطلع فيه بغير إذن (فقد دخل) أى ارتكب إثم من دخل البيت (ولا يصلى) أحد بكسر
اللام المشددة، وهو فعل مضارع، والفعل في معنى النكرة، والنكرة إذا جاءت في معرض
النفى تعم، فيدخل في نفى الجواز صلاة فرض العين والكفاية كالجنازة والسنة، فلا يحل
شىء منها (وهو حَقِن) بفتح الحاء وكسر القاف قال ابن الأثير(١): الحاقن والحقن بحذف
الألف بمعنى)). قال: والحاقن، هو الذي حبس بوله، كالحاقب للغائط. والحاقب: من.
احتاج إلى الخلاء فلم يتبرز فانحصر غائطه (حتى يتخفف) بمثناة تحتية مفتوحة ففوقيته،
أى يخفف نفسه بخروج الفضلة .
والحديث أخرجه الترمذي في الصلاة(٢)، وقال: حديث ثوبان حديث حسن. وقد
روى هذا الحديث من معاوية بن صالح عن السفر بن نسير عن يزيد بن شريح عن أبى
أمامة عن النبي وَله. وروى هذا الحديث عن يزيد بن شريح عن أبى هريرة عن النبي
﴿* وكان حديث يزيد بن شريح عن أبى حىّ المؤذن عن ثوبان في هذا أجود إسنادا وأشهر.
انتهى. وأخرجه ابن ماجة(٣) الجملة الأولى في الصلاة، والجملة الثالثة في الطهارة، ولم
يذكر الجملة الثانية، قاله المزى في الأطراف(٤).
(*) المصباح المنير ((قعر)).
(١) النهاية في غريب الحديث ((حقن)).
(٢) الترمذي (٣٥٧) وقال في باب ما جاء إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء: وفي
الباب عن عائشة وأبى هريرة وثوبان وأبى أمامة (٠٢٦٣/١).
(٣) ابن ماجه (٦١٩) (٩٢٣).
(٤) تحفة الأشراف (٢٠٨٩) ١٣٢/٢.
- ٢٩٨ -

٩١ - حدثنا محمود بن خالد السلمی، قال حدثنا أحمد بن على، ناثور عن
يزيد بن شريح الحضرمى، عن أبى حي المؤذن، عن أبى هريرة، عن النبي
وَلَّه قال: ((لَا يَجِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالَّيُوُمِ الآخِرِ أنْ يُصَلِي وَهُوَ حَقِنُ حَتَّى
يَتَخَفَّفَ)) ثم ساق نحوه على هذَا اللفظ، قَال: وَّلاَ يَحَلُّ لِرَجُل يُؤْمِنُ باللهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَوْمَّ قَوْماً إلا باذْنِهِمْ، وَلاَ يَخْتَصُّ نَفْسَهُ بِدَعوةٍ دُونَهُمْ، فإنْ فَعَلَ
فَقَدْ خَانَهُمْ)).
قال أبو داود: وهذا من سنن أهل الشام لم يشركهم فيها أحد.
[٩١] (حدثنا محمود بن خالد) بن يزيد الدمشقى، عن أبيه والوليد بن مسلم وطائفة،
وعنه أبو داود وابن ماجة والنسائي، ووثقه (السلمى) بفتح المهملة واللام إلى سلمية،
مدينة بالشام، وكان محمود إمام مسجدهم فنسب إليهم (قال: حدثنا أحمد بن على)
النميرى بضم النون، ويقال: النمرى بفتحتين، إمام مسجد سلمية، عن أرطاة بن المنذر
وثور، وعنه محمود بن خالد فقط، قال أبو حاتم: أرى أحاديثه مستقيمة. وقال الذهبي في
الميزان(١): قال محمد بن الحسين الأزدى: هو متروك. وقال الحافظ: هو صدوق، وضعفه
الأزدى بلا حجة (نا ثور) هو ابن يزيد الكلاعى، أبو خالد الحمصى الشامى. وثقه ابن
معين، وكان يرى القدر (عن يزيد بن شريح الحضرمى) الحمصى الشامى. وثقه ابن
حبان (عن أبى حي المؤذن) الشامى (عن أبى هريرة عن النبي وَّر قال: لا يحل لرجل
يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلى وهو) أى المصلى (حقن) تقدم تفسيره مرارًا (حتى
يتخفف) أى يخفف نفسه بخروج الفضلة (ثم ساق) أى أحمد بن على (نحوه) أى نحو
حديث حبيب بن صالح المتقدم ذكره، وذلك أن ليزيد بن شريح تلميذين: أحدهما
حبيب بن صالح، والآخر أحمد بن على. فرواية أحمد بن على عن يزيد بن شريح نحو
رواية حبيب بن صالح (على هذا اللفظ) المشار إليه هو ما ذكره بقوله: (قال) أى أحمد بن
على في روايته: (ولا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤم قوما إلا بإذنهم) وهذا صريح
في أنه لا يجوز للزائر أن يؤم صاحب المنزل، بل صاحب المنزل أحق بالإِمامة من الزائر،
وإذا أذن له فلا بأس أن يؤمهم (ولا يختص) وفي بعض نسخ الكتاب: لا يخص (نفسه
بدعوة) أى دعاء (دونهم. فان فعل فقد خانهم). وخلاصة المرام أن بين رواية حبيب بن
(١) ميزان الاعتدال ١٢٠/١.
- ٢٩٩ -

صالح وأحمد بن على تفاوتا في اللفظ لا في المعنى، إلا أن في حديث أحمد بن على جملة
ليست هى في رواية حبيب بن صالح، وهى قوله: ((ولا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر
أن يؤم قوما إلا بإذنهم))، وفي رواية حبيب جملة ليست هى في رواية أحمد بن على، وهى
قوله: ((ولا ينظر في قعر بيت قبل أن يستأذن، فان فعل فقد دخل)). وباقى ألفاظهما متقاربة
في اللفظ ومتحدة في المعنى والله أعلم.
وهذه الأحاديث فيها كراهة الصلاة بحضرة الطعام ومع مدافعة الأخبثين. وهذه
الكراهة عند أكثر العلماء إذا صلى كذلك وفى الوقت سعة، وأما إذا ضاق الوقت بحيث لو
أكل أو دافع الأخبثين خرج الوقت صلى على حاله محافظة على حرمة الوقت، ولا يجوز
تأخيرها. وحكى أبو سعيد المتولى عن بعض الأئمة الشافعية أنه لا یصلى بحاله، بل یأکل
ويتطهر وان خرج الوقت. قال النووي: وإذا صلى على حاله وفي الوقت سعة فقد ارتكب
المكروه، وصلاته صحيحة عندنا وعند الجمهور، لكن يستحب إعادتها ولا يجب. ونقل
القاضى عياض عن أهل الظاهر أنها باطلة .
وحديث أبى هريرة تفرد به المؤلف(١).
(قال أبو داود: وهذا) أى حديث أبى هريرة (من سنن) أى طرق (أهل الشام) أى
رواة هذا الحديث كلهم شاميون (لم يشركهم) أى أهل الشام (فيها) أى في تلك الرواية
(أحد غير أهل الشام. وحاصله أن في إسناد هذا الحديث من أوله إلى آخره شاميين سوى
أبى هريرة، ليس فيه أحد غير أهل الشام.
(١) بل رواه ابن ماجه عنه (٦١٨) ولفظه: ((لا يقوم أحد إلى الصلاة وبه أذى)) أما حديث أبى أمامة
فقد رواه ابن ماجه (٦١٧): ((نهى رسول الله وَالر أن يصلي الرجل وهو حاقن)).
- ٣٠٠ -