النص المفهرس

صفحات 21-40

بالأردية :
١٥ - التحقيقات العلى بإثبات فرضية الجمعة في القرى. مطبوع
١٦ - هداية النجدين إلى حكم المعانقة والمصافحة بعد العيدين. مطبوع
١٧ - فتوى ردّ تعزيه دارى. مطبوع.
١٨ - الكلام المبين في الجهر بالتأمين والرد على القول المتين. مطبوع.
١٩ - تنقيح المسائل (مجموعة فتاواه). مطبوع.
٦.٠
- ٢١ -

1 .

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا لشرائع إسلامه، وكرَّمنا باتباع سنة نبيه. فنسأله سؤال
متضرع ومتخاشع أن ينفعنا بما علمنا منها، وأن يرزقنا العمل بها. وأشهد أن لا إله الا الله
وحده لا شريك له، له الحمد والثناء، وأقول بالقلب والجنان: إن الله هو الفرد الواحد
الصمد، له ملكوت السموات والأرض والعظمة والكبرياء، أحمده ولا يستحق الحمد على
الحقيقة سواه، وأعتقد التقصير في كل ما فعله العبد من شكر نعمه ونواه. وأشهد أن سيدنا
ومولانا محمدا عبده ورسوله، الذي أوضح سبيل الهداية لمن أراد أن يسلكها، وأظهر كنوز
السعادة لمن أحب أن يملكها، وهو أفضل المرسلين، وخاتم النبيين، الموعود بالدرجات
العلى، المخصوص بالشفاعة العظمى، في يوم عظيم، يوم يقول فيه كل رسول: ((نفسي
نفسي))، ويقول ربنا تبارك وتعالى لحبيبه: ((سَلْ تُعْطَ، سل تعط))(١). صلى الله عليه صلاة
زاكية مادار القمران، وسلَّم عليه سلاما وافرا متكاثرا ماتعاقب المَلَوان في البوادي
والعُمران، وعلى أصحابه النجباء الأمناء الذين بايعوه بالصدق واليقين، وبذلوا سعيهم
لإقامة الدين المتين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى سائر من حمل لواء الشريعة الغراء،
ونشر بجهده وحده علم السنة البيضاء، خصوصا على المحدثين البررة الكرام، الحاذقين
المهرة العظام، الذين قال فيهم رسول الله صل#: ((لا يزال طائفة من أمتي منصورين، لا
يضرهم من خَذَلهم حتى تقوم الساعة))(٢).
أما بعد، فيقول عبده الراجى رحمة ربه القوى، الداعي من خالقه الأعلى أن يجعله
من مقتفي آثار المصطفى، خادم أحاديث النبي الأبرّ، أبو الطيب محمد بن أمير بن علي بن
حیدر، المدعو بشمس الحق العظيم آبادي، شكر الله سعيه وأعظم له الأيادي، وخذل له
الأعادي، وجعل ما عمله مقبولا عند الحاضر والبادي، غفر الله له ولأسلافه، وجعله
وجعلهم من ورثة جنات النعيم، اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم:
(١) قطعة من حديث الشفاعة الطويل برواية أنس بن مالك، أخرجه البخاري ومسلم.
(٢) أخرجه مسلم في الفتن: باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، من حديث ثوبان .
- ٢٣ -

إن السنن للإِمام الحافظ شيخ الإسلام والمسلمين أبي داود السجستاني كتاب دقيق،
صعب على الطالبين حلّ مغلقاته، وكان السلف رضوان الله عليهم أجمعين قد كتبوا عليه
شروحا وحواشي، مابين مطول ومتوسط ومختصر، لكن ما يوجد الآن عند عامة الناس من
شروحه ما يحلّ الرموز ويفتح الغموض، فأردتُ أن أشرحه شرحا كاملا على جميع أحاديثه،
يحل رموزه، ويفتح كنوزه، ويوضح ماخفى على الراغبين. وبالغتُ في إيضاح الكتاب
وتوجيهه رجاء أن أندرج في سلك من قال رسول الله ◌َّر فيهم: ((نضر الله امرأ سمع
مقالتي، فوعاها، فأدَّاها كما سمعها))(١) أخرجه أصحاب الصحاح. واخترت نسخة
اللؤلؤى، لأنها كانت مشهورة في ديارنا، ومروجة في عصرنا. وسميت هذا الشرح المبارك
بـ ((غاية المقصود في حل سنن أبي داود)). والرغبة إلى الله سبحانه أن ينفعنا به وإخواني،
ويُخْلِصَ نيتي، ويُتِمَّ أمنيتي، ويُبرئني عن الرياء وسوء الأعمال، ويحفظني من الشيطان عدو
الله المتعال.
(١) حديث صحيح، رواه جماعة من الصحابة بألفاظ متقاربة، وقد جمع طرقه وأسانيده ودرسها
دراسة تفصيلية الشيخ عبدالمحسن حمد العباد في بحث قيم له، فراجعه.
- ٢٤ -

مقدمة
وفيها لوامع
- ٢٥ -

اللمعة الأولى
في ذکر السنن لأبي داود وفضائله
ـة
فاعلم أن علم الحديث بعد كتاب الله الملك العلام أشرف العلوم قدرا وأعظمها
فخرا وشرفا، كيف لا وتخرجه عمن لا ينطق عن الهوى، ان هو إلا وحى يوحى. وكان
المحدثون رضى الله عنهم جمعوا الكلمات النبوية، ودَوَّنوا الأحكام الشرعية، وشرحوا أقوال
النبي الأمين، وميَّزوا بين الغثّ والسمين، جزاهم الله جزاءً موفورا، وسقاهم عينا تسمى
سلسبيلا. وكان من عمدتهم الإِمام الأعظم، السيد المكرم، أستاذ المحدثين، حامل لواء
سيد المرسلين، عديم المثيل في عصره، صاحب الجرح والتعديل في دهره، المجتهد المطلق،
وبالخير والبركات من الله الموفَّق: محمد بن إسماعيل البخاري، أسكنه الله جنة الفردوس
من لطفه الجارى. والسيد المفخّم، السند المحتشم، المجتهد المحقق، والإِمام المدقّق،
فخر المحدثين، عمدة الناقدين: مسلم بن الحجاج النيسابوري، عليه الرحمة من الله
الباري. فجرَّدا الأحاديث الصحيحة، وميّزاها عن الواهية والضعيفة، ليعمل بها.
العاملون، ويسلك عليها السالكون. فأيها الإِخوان، هذه منة وإحسان منهما عليكم، وقد
بسطا السفرة ووضعا عليها ألوانا من الطعام من أقوال النبي بَ لّ وأفعاله وأحواله وتقريره،
فكلوه هنيئا مريئا، فهذا والله ألذّ الأطعمة وأطيبها، وأنفس الفواكه وألطفها، وفي ذلك
فليتنافس المتنافسون، وليرغب الراغبون. ثم مشى طريقهما أصحاب السنن الأربعة،
لازالوا مغموسين في بحار الرحمة، لكن شرائطهم أخف وأقل من شرائط الشيخين.
قال الشيخ محي الدين النووي في شرح صحيح مسلم(١): ((اتفق العلماء على أن
أصح الكتب بعد القرآن الكريم الصحيحان: صحيح البخاري وصحيح مسلم، وتلقاهما
الأئمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما صحيحا وأكثرهما فوائد، وقد صح أن مسلما كان
ممن يستفيد منه ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث، وهذا الترجيح هو المختار الذي
قاله الجمهور)). انتهى .
(١) شرح صحيح مسلم للنووى ١٤/١ (طبعة القاهرة ١٣٤٩هـ).
- ٢٧ -

وقال المحدث المحقق الشيخ الأجل ولى الله بن عبدالرحيم الدهلوى في حجة
الله البالغة(١): ((أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل
· المرفوع صحيح بالقطع، وأنهما متواتران إلى مصنفيهما، وأنه كل من يهوّن أمرهما فهو مبتدع
متبع غير سبيل المؤمنين. والشيخان لا يذكران إلا حديثا قد تناظر فيه مشايخهما وأجمعوا على
القول به والتصحيح له، كما أشار مسلم حيث قال: ((لم أذكر ههنا إلا ما أجمعوا عليه)).
فالشيخان كأساتذتهما كانا يعتنيان بالبحث عن خصوص الأحاديث في الوصل والانقطاع
وغير ذلك حتى يتضح الحال. فالصحيحان والموطأ في الطبقة الأولى.
والطبقة الثانية: كتب لم تبلغ مبلغ الموطأ والصحيحين، ولكنها تتلوها، كان
مصنفوها معروفين بالوثوق والعدالة والحفظ والتبحر في فنون الحديث، ولم يرضوا في كتبهم
هذه بالتساهل فيها اشترطوا على أنفسهم، فتَلَقَّاها من بعدهم بالقبول، واعتنى بها
المحدثون والفقهاء طبقة بعد طبقة، واشتهرت فيما بين الناس، وتعلق بها القوم شرحاً
لغريبها وفحصاً عن رجالها واستنباطاً لفقهها، وعلى تلك الأحاديث بناء عامة العلوم:
كسنن أبى داود، وجامع الترمذي، ومجتبى النسائي. وهذه الكتب مع الطبقة الأولى اعتنى
بأحاديثها رزين في تجريد الصحاح وابن الأثير في جامع الأصول، وکاد مسند أحمد یکون
من جملة هذه الطبقة .
الطبقة الثالثة: مسانيد وجوامع ومصنَّفات صُنَّفت قبل البخاري ومسلم وفي زمانهما
وبعدهما، جمعتْ بين الصحيح والحسن والضعيف، والمعروف والغريب، والشاذ والمنكر،
والخطأ والصواب، والثابت والمقلوب، وكان قصدهم جمع ما وجدوه لا تلخيصه وتهذيبه
وتقريبه من العمل.
فالطبقة الأولى والثانية عليهما اعتماد المحدثين، وأما الثالثة فلا يباشرها للعمل عليها
والقول بها إلا النحارير الجهابذة، الذين يطلعون على أسماء الرجال وعلل الأحاديث، نعم
ربما يؤخذ منها المتابعات والشواهد، وقد جعل الله لكل شىء قدرا)). انتهى كلامه ملخصا
محررا .
وكان الإِمام الحافظ أبو داود السجستاني همُّه جمْعَ الأحاديث التي استدل به الفقهاء
(١) حجة الله البالغة ١٣٣/١-١٣٥ (ط. القاهرة ١٣٥٥هـ)
- ٢٨ -

ودارت فيهم، وبنى عليها الأحكام علماءُ الأمصار، فصنّف سننه وجمع فيها الصحيح
والحسن واللين الصالح للعمل، وما ذکر في سننه حدیثا أجمع الناس على تزكه، وما كان
منها ضعيفا صرَّح بضعفه، وما كان فيه علّة بيَّنها بوجه يعرفها الخائض في هذا الشأن،
وترجم على كل حديث بما قد استنبط منه عالم وذهب إليه ذاهب، ولذا قال بعض الأئمة:
إنّ کتابه کاف للمجتهد .
قال الإِمام الحافظ أبو سليمان الخطّاب في معالم السنن شرح سنن أبي داود(١):
((واعلموا رحمكم الله تعالى أن كتاب السنن لأبي داود - رحمه الله - كتاب شريف، لم يُصنَّف
في علم الدين كتاب مثله، وقد رُزِق القبولَ من كافة الناس، فصار حَكَما بين فِرْقَ العلماء
وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فلكلِّ منه وِرْد ومنه شِرْب، وعليه مُعوَّل أهل
العراق وأهل مصر وبلاد المغرب وكثير من أقطار الأرض. فأما أهل خراسان فقد أولع
أكثرهم بكتابى محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج، ومن نحا نحوهما في جمع
الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد، إلا أن كتاب أبي داود أحسن رَصْفًا وأكثر فقها،
وكتاب أبي عيسى أيضا كتاب حسن، والله يغفر لجماعتهم، ويحسن على جميل النية فيما
سعوا له مثوبتهم برحمته .
ثم اعلموا أن الحدیث عند أهله علی ثلثة أقسام: حدیث صحیح، وحديث حسن،
وحديث سقيم. فالصحيح عندهم ما اتصل سنده وعدلت نقلته. والحسن منه ما عرف
مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر أهل الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء
ويستعمله عامة الفقهاء. وكتاب أبى داود جامع لهذين النوعين من الحديث. فأما السقيم
منه فعلى طبقات: شرها الموضوع، ثم المقلوب يعنى ما قلب اسناده، ثم المجهول. وکتاب
أبى داود خلی منها وبریء من جملة وجوهها، فان وقع فيه شىء من بعض أقسامها لضرب
من الحاجة تدعوه إلى مثلها فإنه يبينَّ أمره، ويذكر علته، ويخرج من عهدته. ويحكى لنا عن
أبي داود رحمه الله أنه قال: ((ما ذكرتُ في كتابى حديثا اجتمع الناس على تركه)). هذا آخر
كلام الخطّابِ.
وقال الحافظ عبدالعظيم المنذري في مختصره(٢): ((حكى أبو عبدالله محمد بن
(١) معالم السنن ١٠/١-١١ (ط. القاهرة ١٣٦٧هـ)
(٢) مختصر سنن أبى داود للمنذرى ٨/١.
- ٢٩ -

إسحاق بن مندة الحافظ أن شرط أبي داود والنسائي إخراج حديث أقوام لم يُجمعَ على
ترکهم، إذا صح الحدیث باتصال السند من غیر قطع ولا إرسال)). انتهى.
وقال الإِمام أبو داود في رسالته إلى أهل مكة(١) - شرَّقها الله تعالى -: ((فإنكم
سألتموني أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب السنن أهى أصح ما عرفت في الباب،
ووقفتُ علی جمیع ما ذکرتم، فاعلموا أنه کله کذلك، إلا أن یکون قد روى من وجهين:
أحدهما أقوى إسناداً، والآخر صاحبه أقدم في الحفظ، فربما كتبت ذلك. وإذا أعدتُ
الحديث في الباب من وجهين أو ثلثة مع زيادة كلام فيه، وربما فيه كلمة زائدة على
[الأحاديث وربما اختصرت](٢) الحديث الطويل لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من
سمعه، ولا يفهم موضع الفقه منه، فاختصرته لذلك.
وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى، مثل سفيان الثوري ومالك
والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم فيه، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره. فإذا لم
يكن مسند غير المراسيل ولم يوجد المسند فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة.
وليس في كتاب السنن الذي صنّفتُه عن رجل متروك الحديث شىء، وإذا كان فيه
حدیث منکر بيّنتُ أنه منکر، وليس علىَّ نحوه في الباب غيره. وما کان في کتابی من حديث
فيه وهن شديد فقد بيَّنته، ومنه مالا يصح سنده. ومالم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضها
أصح من بعض(٣). وهو كتاب لا يرد عليك سنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
(١) رسالة أبى داود إلى أهل مكة ٢٢ -٣٥ (ط. بيروت ١٤٠١ هـ). وقد لخص المؤلف هنا
الرسالة كلها، وتوجد مقتطفات هذه الرسالة في معظم كتب المصطلح لابن الصلاح فمن
بعده. والمؤلف (العظيم آبادي) أول من نشر معظمها هنا سنة ١٣٠٤هـ، ثم نقلها الشيخ
طاهر الجزائري في ((توجيه النظر)) ص ١٥٣ فما بعدها، وكذا نشر بعضها الشيخ محمود
خطاب السبكى في كتابه ((المنهل العذب المورود)) ١٧/١ فما بعدها، وجاء بعده الشيخ محمد
زاهد الكوثرى فنشرها في القاهرة سنة ١٣٦٩ هـ نشرة سيئة. ثم نشرها نشرة علمية محققة
الشيخ محمد لطفى الصباغ، في بيروت سنة ١٣٩٤هـ، إلا أنه لم يطلع على مقدمة ((غاية
المقصود)) هذه التي نشر فيها معظم الرسالة لأول مرة، كما ترى.
(٢) مابين المعقفين ساقط، استدركته من الرسالة المطبوعة .
(٣) عقب الذهبى على هذا بقوله: ((فقد وفى - رحمه الله - بذلك بحسب اجتهاده، وبينَ ما
ضعفه شديد، ووهنه غير محتمل، وكاسر عن ما ضعفه خفيف محتمل، فلا يلزم من سكوته
=
- ٣٠ -

[باسناد صالح](١) إلا وهو فیه، إلا أن یکون کلام استخرج من الحدیث، ولا یکاد یکون
هذا. ولا أعلم شيئا بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلموا من هذا الكتاب، ولا يضر رجلا
أن لا يكتب من العلم - بعدما يكتب هذا الكتاب - شيئا، وإذا نظر فيه وتدبّره وتفهّمه
حينئذ يعلم مقداره .
وأما هذه المسائل - مسائل الثوري ومالك والشافعي - هذه الأحاديث أصولها.
ويعجبني أن يكتب الرجل مع هذه الكتب من رأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم،
ويكتب أيضا مثل جامع سفيان الثوري، فإنه أحسن ماوضع الناس من الجوامع .
والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهو عند كل من كتب
شيئا من الحديث، إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس، والفخر بها أنها مشاهير، فإنه
لا يحتج بحديث غريب، ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم،
ولو احتج رجل بحديث غريب وحديث من يُطعَن فيه لا يحتج بالحديث الذي قد احتج
به، إذا كان الحديث غريبا شاذا. فأما الحديث المشهور المتصل الصحيح فليس يقدر أن
يرده عليك أحد. قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الغريب من الحديث. وقال يزيد
بن أبى حبيب: إذا سمعت الحديث فانْشُده كما تنشد الضالّة، فإن عُرف وإلّ فدَعْه.
وإن من الأحاديث في كتاب السنن ما ليس بمتصل، وهو مرسل ومدلَّس، وهو - إذا
لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث - على معنى أنه متصل، وهو مثل: الحسن عن
جابر، والحسن عن أبي هريرة، والحكم عن المقسم عن ابن عباس. وليس بمتصل، وسماع
الحكم عن مقسم أربعة أحاديث. وأما أبو إسحاق عن الحارث عن على، فلم يسمع أبو
إسحاق من الحارث إلا أربعة أحاديث ليس فيها مسند واحد. وما في كتاب السنن من هذا
- والحالة هذه - عن الحديث أن يكون حسنا عنده)). (انظر سير أعلام النبلاء ٢١٤/١٣).
ولعله يردّ بذلك على ابن الصلاح الذي قال في مقدمته (ص٣٣): «فعلى هذا ما وجدناه في
كتابه مذكورا مطلقاً وليس في واحدٍ من الصحيحين، ولا نصَّ على صحته أحد ممن يميز بين
الصحيح والحسن عرّفناه بأنه من الحسن عند أبى داودٌ. والحق أن ما سكت عليه أبو داود
منه ما هو ضعيف، ومنه ماهو حسن، يحكم عليه بالنظر في إسناده. هذا الذي قاله النووي
والعراقي وابن حجر وغيرهم من المحققين.
(١) زيادة من الرسالة .
- ٣١ -

النحو فقليل. ولعل ليس في كتاب السنن للحارث الأعور الا حديث واحد، وإنما كتبته
باخرة. وربما كان في الحدیث مالم يثبت صحة الحدیث منه إذ كان يخفى ذلك علىّ، فربما
تركت الحديث اذا لم أفقهه، وربما كتبته [وبيَّنته](١) اذا لم أقف عليه، وربما أتوقف عن مثل
هذه، لأنه ضرر على العامة أن يُكشَف لهم كل ما كان من هذا الباب فيها مَضَى من عيوب
الحديث، لأن علم العامة يقصر عن مثل هذا.
وعدد كتبى(٢) هذه السنن ثمانية عشر جزءا مع المراسيل، منها جزء واحد مراسيل.
وما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من المراسيل منها مالا يصح، ومنها ما يُسنَد
عند غيره وهو متصل صحيح. ولعل عدد الأحاديث التي في کتبی من الأحاديث قدر أربعة
آلاف حديث وثماني مائة حديث، ونحو ستمائة حديث من المراسيل(٣). فمن أحب أن يميز
هذه الأحاديث مع الألفاظ، فربما يجىء الحديث من طريق، وهو عند العامة من حديث
الأئمة الذين هم مشهورون، غير أنه ربما طلب اللفظة التي تكون لها معان كثيرة وممن
عرفت، وقد نقل من جمیع هذه الكتب ممن عرفت، فربما يجىء الاسناد فيعلم من حديث
غيره أنه متصل(٤)، ولا يتنبه السامع إلا بأن يعلم الأحاديث، فيكون له فيه معرفة فيقف
علیه، مثل ما يروى عن ابن جريج قال: أخبرتُ عن الزهري، ویرویه البرساني عن ابن
جريج عن الزهري، فالذي يسمع يظن أنه متصل، ولا يصح بينهم(٥). وإنما تركنا ذلك
لأن أصل الحديث غير متصل، وهو حديث معلول، ومثل هذا كثير. والذي لا يعلم
يقول: قد تركت حديثا صحيحا من هذا، وجاء بحديث معلول. وإنما لم أصنّف في كتاب
السنن إلا الأحكام، ولم أصنّف في الزهد وفضائل الأعمال وغيرها. فهذه أربعة آلاف
والثمانمائة كلها في الأحكام، فأما أحاديث كثيرة صحاح من الزهد والفضائل وغيرها في غير
هذا فلم أخرُّجها)). انتهى ملخصا.
(١) زيادة من الرسالة. ويلاحظ أن في النسخة المطبوعة منها أيضا سقطا وتحريفا.
(٢) كذا في الأصل ونسخة الرسالة الخطية. وفي المطبوعة: ((كتب)).
(٣) بلغ عددها في المطبوع ٥٢٧٤ حديثا ماعدا المراسيل وفيه الأحاديث الزائدة على رواية
اللؤلؤي أيضا.
(٤) كذا في الأصل ونسخة الرسالة الخطية، وفي المطبوعة: ((غير متصل)). وهو الذي يناسب
المعنى .
(٥) في الرسالة : ((بتة)).
- ٣٢ -

وقال المنذري(١): ((قال أبو بكر محمد بن عبدالعزيز: سمعت أبا داود بن الأشعث
بالبصرة - وسئل عن رسالته التي كتبها إلى أهل مكة وغيرها جوابا لهم - فأملى علينا: ((سلام
عليكم، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلى على محمد عبده ورسوله شيد .
أما بعد، عافانا الله وإيّاكم، فهذه الأربعة آلاف والثماني مائة الحديث كلها في الأحكام،
فأما أحاديث كثيرة من الزهد والفضائل وغيرها من غير هذا فلم أخرِّجها، والسلام
علیکم)).
وقال أبو بكر محمد بن بكر بن داسة(٢): سمعت أبا داود يقول: ((کتبت عن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - خمس مائة ألف حديث، انتخبتُ منها ما ضمَّنتُه هذا الكتاب
يعني كتاب السنن، جمعتُ فيه أربعة آلاف وثمان مائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه
ويقاربه. ويكفى الانسان لدينه أربعة أحاديث(٣): قوله صلى الله عليه وسلم ((الأعمال
بالنيات))، والثاني: قوله ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، والثالث: قوله صلى الله
عليه وسلم ((لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه))، والرابع: ((الحلال
بين، والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات)) الحديث. انتهى.
قال الحافظ الخطابي(٤) أيضا: ((وكان تصنيف علماء الحديث قبل زمان أبي داود
الجوامع والمسانيد ونحوهما، فيجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارا.
وقصصا ومواعظ وآدابا، وأما السنن المحضة فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها، ولم
يقدر على تحصيلها على حسب ما اتفق لأبي داود رحمه الله، ولذلك حلَّ هذا الكتاب عند
أئمة الحديث وعلماء الأثر محلّ العجب، فضربت فيه أكباد الإِبل ودامت إليه الرحل)).
قال الخطابي(٥): ((وسمعت ابن الأعرابي يقول، ونحن نسمع منه هذا الكتاب،
فأشار إلى النسخة وهي بين يديه، فقال: ((لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف
(١) مختصر سنن أبى داود ٦/١-٧.
(٢) ذكر هذا القول - قبل المنذري - الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٥٧/٩ بإسناده إليه.
(٣) وردت هذه الكلمة في معظم المصادر التي ترجمت لأبي داود كما سيأتي ذكرها. وقد عقب
الذهبي عليها فقال: ((قوله يكفى الإِنسان لدينه، ممنوع. بل يحتاج المسلم إلى عدد كثير من
السنن الصحيحة مع القرآن)). (انظر: سير أعلام النبلاء ٢١٠/١٣).
(٤) معالم السنن ١ /١١.
(٥) المصدر نفسه ١٢/١-١٣
٣٣٠ -

الذي فيه كتاب الله عز وجل ثم هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شىء من العلم)).
قال أبو سلیمان: ((وهذا كما قال لا شك فيه، قد جمع أبو داود هذا في کتابه من
الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه مالا نعلم متقدمًا سبقه إليه ولا
متاخراً لحِقَه فيه)). انتهى ملخصا.
وقال المنذري(١) أيضا: ((وقال أبو العلاء المحسن الواذارى: رأيت النبي - صلى الله
عليه وسلم - في المنام، فقال: من أراد أن يستمسك بالسنن فليقرأ سنن أبى داود، رحمه
الله)».
(١) مختصر سنن أبي داود ٩/١. وفيه ((الوزارى)) وفي الأصل: ((الوادادى))، وكلاهما تحريف. انظر
الباب ٣٤٥/٣.
- ٣٤ -

اللمعة الثانية
في ترجمة الإِمام الحافظ أبى داود السجستاني رضى الله تعالى عنه
وقد أطنب المحدثون في تواليفهم في ذكر ترجمته وثنائه، ولنذكر ههنا نُبدأً من أحواله
ملتقطا من: خلاصة تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال للإمام العلامة صفي الدين
أحمد بن عبدالله الخزرجي الأنصاري، والإِكمال في أسماء الرجال للشيخ ولي الدين أبي
عبدالله الخطيب، ومعالم السنن للحافظ الخطابي، ومختصر الإِمام المنذري، وتاريخ ابن
خلكان، وبستان المحدثين لشيخ شيخ شيخنا العلامة وحيد عصره عبدالعزيز بن ولى الله
الدهلوى وغيرها من كتب الثقات(١)، فأقول:
هو سليمان بن الأشعث بن إسحق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدی،
أبو داود السجستاني، الإِمام الحافظ العَلَم، أحد حفاظ الحديث وعلله، وفي الدرجة العليا
من النسك والصلاح وعلم الفقه والورع والإتقان، أحد من رحل وطوّف البلاد، وجمع
وصنّف، وسمع بخراسان والعراق والجزيرة والشام والحجاز ومصر. ولد سنة اثنتين
ومائتين، وقدم بغداد مرارا، ثم نزل إلى البصرة وسكنها، وأخذ الحديث عن أحمد بن
(١) انظر ترجمة الإِمام أبى داود في المصادر التالية (مرتبة على التريب الزمني) وفيها المصادر التي ذكرها
المؤلف: الجرح والتعديل (لابن أبى حاتم) ١٠١/١/٢-١٠٢، معالم السنن (للخطاب)
١٠/١-١٣؛ تاريخ بغداد (للخطيب) ٥٥/٩-٥٩؛ طبقات الحنابلة (لابن أبى يعلى)
١٥٩/١-١٦٢؛ تاريخ دمشق (لابن عساكر) ٢٧١/٧ب - ٢٧٤ب (مخطوط)؛ المنتظم (لابن
الجوزى) ٩٧/٥-٩٨؛ اللباب (لابن الأثير) ٥٣٣/١؛ مختصر السنن (للمنذرى) ٥/١-١٢؛
تهذيب الأسماء واللغات (للنووى) ٢٢٥/٢ -٢٢٧؛ وفيات الأعيان (لابن خلكان)
٤٠٤/٢-٤٠٥؛ مرآة الجنان (اليافعي) ١٨٩/٢-١٩٠؛ المختصر في أخبار البشر (لأبي الفداء)
٥٧/٢؛ الإكمال في أسماء الرجال (التبريزي) ٨٠٢-٨٠٣؛ سير أعلام النبلاء (للذهبى)
٢٠٣/١٣-٢٢١؛ تذكرة الحفاظ (للذهبي) ٥٩١/٢-٠٥٩٣ العبر (للذهبى) ٥٤/٢-٥٥؛ طبقات
الشافعية (السبكى) ٢٩٣/٢-٢٩٦؛ البداية والنهاية (لابن كثير) ٥٤/١١-٥٦؛ تهذيب التهذيب
(لابن حجر) ١٦٩/٤-١٧٣؛ طبقات الحفاظ (السيوطى) ٢٦١-٢٦٢؛ خلاصة تذهيب تهذيب
الكمال (الخزرجي) ١٥٠؛ طبقات المفسرين (الداودى) ٢٠١/١-٢٠٢؛ مفتاح السعادة (لطاش
كبرى زاده) ١٣٥/٢-١٣٧؛ شذرات الذهب (لابن العماد) ١٦٧/٢-١٦٨؛ بستان المحدثين
(لعبدالعزيز الدهلوى) ٢٨٢-٢٨٩ .
- ٣٥ -

حنبل، ويحيى بن معين، وقتيبة بن سعيد، وعثمان بن أبي شيبة، وعبدالله بن مسلمة،
ومسدَّد بن مسرهد، وموسى بن إسمعيل، والحسن بن عمرو السدوسى، وعمروبن
مرزوق، وعبدالله بن محمد النفيلى، ومحمد بن بشار، وزهير بن حرب، وعبيدالله بن
عمر بن ميسرة، وأبى بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن العلاء، ونصر بن
على، وهنّاد، وحفص بن عمرو، ومسلم بن إبراهيم، ومحمد بن عيسى، وإسحاق بن
سُوَيد، وأبى حفص عمر بن الخطاب، وأحمد بن يونس، وعمروبن محمد، ومحمد بن
آدم بن سليمان، وعيسى بن يونس، ومحمد بن حاتم بن بَزِيع، ويزيد بن خالد بن
عبدالله، وحَيوة بن شريح، وسعيد بن منصور، وخلف بن هشام، وعمرو بن عون،
ووهب بن بقية، وإبراهيم بن خالد، وإبراهيم بن موسى، ومحمد بن عوف الطائی،
وسلیمان بن داود، ومحمد بن کثیر، وموسی بن إسمعیل، وأحمد بن أبي شعيب، وأحمد بن
يونس، والحسن بن علي، وعبيدالله بن معاذ، ومحمد بن سليمان، ومحمد بن المنهال،
وعبدالملك بن شعيب، وجعفربن مسافر، والعباس بن الوليد، وشجاع بن خْلد، وأبى
الوليد الطيالسى، وعبدالرحمن بن المبارك، وغير هؤلاء من أئمة الحديث ممن لا يحصى
كثرة .
قال المنذري(١): قال أحمد بن محمد بن ياسر الهروى: سليمان بن الأشعث
السجزى كان أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله ﴿ وعلمه وعلله وسنده، في أعلى
درجة النسك والعفاف والصلاح والورع، من فرسان الحديث.
وقال أحمد بن محمد بن الليث(٢): جاء سهل بن عبدالله التسترى إلى أبي داود
السجستاني، فقيل: يا أبا داود، هذا سهل بن عبدالله جاءك زائرا، قال فرحّب به
وأجلسه، وقال له سهل: يا أبا داود، لي إليك حاجة، قال: وماهي؟ قال: حتى تقول قد
قضيتُها مع الإِمكان، قال: قد قضيتُها مع الإِمكان، قال: أُخرِجْ إلىَّ لسانكْ الذي حدّثتَ
به أحاديث رسول الله مَ ر حتى أقبِّله، قال: فأخرج إليه لسانه فقبّله. انتهى.
(١) مختصر السنن ٧/١ وانظر: تاريخ بغداد ٥٧/٩، وتهذيب التهذيب ١٧٢/٤، وتهذيب تاريخ
دمشق ٦/ ٢٤٤.
(٢) انظر: مختصر السنن ٨٧/١، ووفيات الأعيان ٤٠٤/٢-٤٠٥، وسير أعلام النبلاء ٢١٣/١٣،
وتهذيب التهذيب ١٧٢/٤ .
- ٣٦ -

وقال الخطابي(١): " أخبرني أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد صاحب أبي العباس
أحمد بن يحيى، قال: قال إبراهيم الحربي: ((لما صنّف أبو داود هذا الكتاب أُلِينَ لأبي دود
الحديث كما ألين لداود الحديد)).
قال أبو سلیمان(٢): حدثني عبدالله بن محمد المِسْكی(٣))، قال: حدثني أبو بكر بن
جابر خادم أبي داود، قال: كنت معه ببغداد، فصلينا المغرب، إذ قرع الباب ففتحته، فإذا
خادم يقول: هذا الأمير أبو أحمد الموفّق يستأذن، فدخلت إلى أبي داود، فأخبرتُه بمكانه،
فأذن له، فدخل وقعد، ثم أقبل عليه أبو داود وقال: ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت؟
قال: خلال ثلاث، قال: وما هى؟ قال: تنتقل إلى البصرة، فتتخذها وطنا لترحل إليك
طلبة العلم من أقطار الأرض، قال: هذه واحدة، هاتِ الثانية، قال: تروى لأولادي
كتاب السنن، قال: نعم، هاتِ الثالثة، فقال: تفرد لهم [مجلسًا] للرواية، فإن أولاد
الخلفاء لا يقعدون مع العامة، فقال: أما هذه فلا سبيل إليها، فإن الناس شريفَهم
ووضيعهم في العلم سواء. قال ابن جابر: فكانوا يحضرون بعد ذلك ويقعدون، ويُضرب
بينهم وبين الناس سِتّر، فيسمعون مع العامة. انتهى .
وفي الإكمال(٤): قال أبو بكر الخلال: أبو داود هو الإِمام المقدّم في زمانه، رجل لم
يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم وبَصَرِه بمواضعه أحد في زمانه. انتهى .
وقال ابن حبان(٥): أبو داود أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وحفظا ونسكا وورعا
وإتقانا)). انتهى.
(١) معالم السنن ١١/١-١٢. وقد ورد قول الحربى هذا في معظم المصادر، انظر: مختصر المنذرى
٥/١، وتذكرة الحفاظ ٥٩١/٢، وسير أعلام النبلاء ٢١٢/١٣، وطبقات الشافعية ٢٩٣/٢،
والبداية والنهاية ٥٥/١١، وتهذيب التهذيب ١٧٢/٤، والمنهج الأحمد للعليمى ١٧٥/١. وقد
نسب هذا القول في بعض هذه المصادر إلى أبى بكر الصاغاني أيضاً.
(٢) معالم السنن ١٠/١، وانظر طبقات الحنابلة ١٦٢/١، وتاريخ دمشق لابن عساكر ٢٧٣/٧ب -
٢٧٤ أ، وسير أعلام النبلاء ٢١٦/١٣، وطبقات الشافعية ٢٩٥/٢-٢٩٦.
(٣) في الأصل: ((السبكى))، وفي معالم السنن: ((المكى)) وكلاهما تصحيف.
(٤) انظر: تاريخ بغداد ٥٧/٩، وسير أعلام النبلاء ٢١١/١٣، وتهذيب التهذيب ١٧٢/٤، وتهذيب
تاريخ دمشق ٦ / ٢٤٤، والإكمال للتبريزي ٨٠٢.
(٥) انظر: سير أعلام النبلاء ٢١٢/١٣، وتهذيب التهذيب ١٧٢/٤، والخلاصة للخزرجي ١٢٧.
- ٣٧ -

وقال الحافظ موسى بن هارون(١): خلق أبو داود في الدنيا للحديث، وفي الآخرة
للجنة، وما رأيتُ أفضل منه.
توفى في البصرة يوم الجمعة منتصف شوال سنة خمس وسبعين ومائتين ودفن بها .
و ((سِجِسْتانى)) - بكسر السين المهملة والجيم، وسكّون السين الثانية - منسوب إلى
سِجِسْتان، الإقليم المعروف بين خراسان وكِرْمان، وقيل: هو منسوب إلى سجستان أو
سجستانة قرية بالبصرة، والأول أكثر وأشهر. ويقال في النسبة إلى سجستان: ((سِجْزی))
أيضا، وقد نسبٍ أبو داود وغيره كذلك، وهو عجيب التغيير في النسب. قاله المنذري وابن
خلكان(٢).
وأخذ الحديث عنه: ابنه أبو بكر عبدالله بن أبي داود، وكان من أكابر الحفاظ
ببغداد، عالماً متفقا عليه، إمام بن إمام، شارك أباه في شيوخه بمصر والشام، وسمع
ببغداد وخراسان وأصبهان وشيراز، وتوفى سنة ست عشرة وثلثمائة، واحتج به ممن صنف
الصحيح أبو على الحافظ النيسابوري، وابن حمزة الأصبهاني.
وأخذ عنه: الحافظ أبو عبدالرحمن النسائى صاحب السنن المشهورة، وعبدالرحمن
النيسابوري، وأحمد بن محمد الخلال، وأبو عيسى الترمذي. وروى عنه السنن: ابن
داسة، واللؤلؤي، وابن الأعرابي، وأبو عیسی الرملى. وروى عنه أحمد بن حنبل فرد
حديث، وكان أبو داود يفتخر بذلك. وأبو الحسن على بن عبد. وروى عنه خلق سواهم.
وعرض كتابه السنن على أحمد بن حنبل فاستجاده واستحسنه.
وأنشد الإِمام الحافظ أبو طاهر السلفي (٣) في حقه:
الإِمام أهليه
لَانَ الحديث وعلمه بكماله
داود
أبى
مثل الذي لان الحديد وسبكه
لنبى أهل
زمانه
داود
(١) انظر: تهذيب تاريخ دمشق ٢٤٤/٦، وسير أعلام النبلاء ٢١٢/١٣، وطبقات الشافعية
٢٩٣/٢، وتهذيب التهذيب ٤ /١٧٢.
(٢) مختصر المنذرى ١١/١-١٢، ووفيات الأعيان ٢٠٥/٢. وانظر: معجم البلدان ١٩٠/٣، وتهذيب
الأسماء واللغات للنووى ٢٢٤/٢، وتذكرة الحفاظ ٢ / ٥٩١.
(٣) انظر: ((مقدمة معالم السنن)) لأبي طاهر السلفى - الملحق بمعالم السنن -١٤٥/٨، وبستان المحدثين
٢٨٧.
- ٣٨ -

اللمعة الثالثة
في نسخ السنن واختلافها
فاعلم أنه روى هذا السنن عن الإمام أبى داود أربعة حفاظ من تلامذته(١)، ولهذا
نُسَخ السنن التي توجد في ديار العرب وغيره قديما وحديثا متعددة.
النسخة الأولى المروّجة في ديارنا الهندية وبلاد المشرق المفهومة من السنن لأبي داود
عند الإطلاق: نسخة اللؤلؤى، وهو الإِمام الحافظ أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو
اللؤلؤى البصرى(٢)، روى عن أبى داود هذا السنن في المحرم سنة خمس وسبعين ومائتين،
وروايته من أصح الروايات، لأنها من آخر ما أملى أبو داود، وعليها مات. وأخذ عن
اللؤلؤى: الإِمام أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، والحافظ أبو عبدالله
الحسين بن بكر بن محمد الوراق يعرف بالهراس. و ((اللؤلؤی)) منسوب الى بيع اللؤلؤ.
(١) قال ابن كثير في ((اختصار علوم الحديث)) (ص٤١): ((الروايات عن أبى داود لكتابه السنن كثيرة
جداً» .
وقد صدق ابن كثير، فقد روى السنن غير هؤلاء الأربعة أيضا. وقد اطلعنا على أسماء خمسة
آخرين منهم، ذكرهم الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٣ /٢٠٥-٢٠٦، وتذكرة الحفاظ ٢٩١/٢،
والسبكى في طبقات الشافعية ٢٩٣/٢، وابن حجر في تهذيب التهذيب ٤ /١٧٠ وهم:
أ - أبو الحسن على بن الحسن بن العبد الأنصارى (ت ٣٢٨هـ)، انظر ترجمته في: تاريخ بغداد
٣٨٢/١١. وفي روايته من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ماليس في رواية اللؤلؤى (انظر:
المنهل العذب المورود ١٩/١). وورد في آخر مخطوطة رسالة أبى داود (= ص ١٣ من المطبوعة) نص
ينقل عن أبى الحسن الأنصارى هذا، يقول فيه: ((سمعت كتاب السنن من أبى داود ست مرار،
بقيت من المرة السادسة بقية)).
ب- أبو الطيب أحمد بن ابراهيم بن عبد الرحمن الأشناني، انظر ترجمته في: تاريخ بغداد ٤ /١٦ .
ج - أبو عمرو أحمد بن علي بن الحسن البصري .
د- أبو أسامة محمد بن عبد الملك الرؤَّاس، قال عنه الذهبي: ((راوي السنن بفواتات))."
هـ - أبو سالم محمد بن سعيد الجلودي. ولم أقف على تراجم هؤلاء الثلاثة فيما بين يدي من المصادر.
(٢) توفى اللؤلؤي سنة ٣٣٣هـ. انظر: تذكرة الحفاظ ٨٤٥/٣.
- ٣٩ -

النسخة الثانية: نسخة ابن داسة، وهى مشهورة في ديار المغرب، وتقارب نسخته
نسخة اللؤلؤى، وإنما الاختلاف بينهما بالتقديم والتأخير دون الزيادة والنقصان. وهو
الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن بكر بن محمد بن عبدالرزاق بن داسة التمار البصري(١).
قال بعض العلماء: رواية ابن داسة أكمل الروايات. أخذ عنه الإِمام أبو سليمان الخطابي،
وأبو محمد عبدالله بن عبدالمؤمن القرطبي من قدماء شيوخ ابن عبدالبر. وقال: قرأته
بالبصرة على أبي بكر بن داسة سنة خمس وأربعين وثلاثمائة. وأبو على الحسن بن محمد
الروذباري، وأبو عمر أحمد بن سعيد بن حزم، وأبو حفص عمر بن عبدالملك الخولاني،
والإِمام أبو على الحسن بن داود السمرقندي. وروى عنه بالإِجازة أبو نعيم الأصبهاني.
قال على القارىء في شرح شفاء قاضى عياض: داسة بمهملتين وتخفيف الثانية عند
الجمهور بصری، وهو أحد رواة أبي داود. انتهى .
النسخة الثالثة: نسخة الرملى، ونسخته تقارب نسخة ابن داسة. وهو الإِمام
الحافظ أبو عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرملى(٢) ورّاق أبى داود، وروى عنه الحافظ
أبو عمر أحمد بن دُحَيم بن خليل، قال: ثنا أبو عيسى الرملي سنة سبع عشرة وثلاثمائة .
و((الرَّمْلى)) - بفتح الراء وسكون الميم وكسر اللام - منسوب إلى الرَّمْلة، مدينة بَقْلَسْطِين
ومحلة بسرخس.
النسخة الرابعة: نسخة ابن الأعرابي. وهو الإمام الحافظ أبو سعيد أحمد بن
محمد بن زياد بن بشر المعروف بابن الأعرابي(٣)، روى عنه: أبو إسحق إبراهيم بن على بن
محمد بن غالب التمار، وأبو عمر أحمد بن سعيد بن حزم، وأبو حفص عمر بن عبدالملك
الخولاني. وليس في رواية ابن الأعرابي من روايته عن أبي داود كتاب الفتن والملاحم،
والحروب، والخاتم، وسقط عنه من كتاب اللباس نحو نصفه، وفاته من كتاب الوضوء
والصلاة أوراق كثيرة. قال الشيخ العلامة أبو الضياء عبد الرحمن بن على بن عمر الديبع
الشيباني تلميذ السخاوي في ثبته: ((وزاد بعضهم: وفاتَه أيضا من كتاب النكاح)).
(٣) توفي ابن داسة سنة ٣٤٦هـ. انظر ترجمته في: النجوم الزاهرة ٣١٨/٣، وشذرات الذهب
٠٣٧١/٢
(١) توفى الرملى سنة ٣٢٠ هـ.
(٢) توفى ابن الأعرابى سنة ٣٤٠ هـ. انظر: تذكرة الحفاظ ٨٥٢/٣.
- ٤٠ -