النص المفهرس

صفحات 121-140

- ١٢١-
٥١٩٠ - حدثنا أَبُو بَكْرِ بنِ أَبِى شَيْبَةَ أخبرنا أَبُو خَالِدٍ وَابنُ نُصَبْرِ
عن الْأَجْلَحِ عن أَبِى إِسْحَقَ عنِ الْبَرَاء قال قال رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
((مَمِنْ مُْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانٍ فَيَتَصَفَحَنِ إِلاَّ غُفِرَ لَهُمَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَرِقَ)).
- ويتصاحبون بالكلام ومذاكرة العلم وغيره مدة مديدة ثم إذا صلوايتصا فحون
فأين هذا من السنة المشروعة ، ولهذا صرح بعض علمائنا بأنها مكروهة من
البدع المذمومة انتهى كلامه.
قلت: والذى قاله على القارى هو الحق والصواب ، وقول النووى خطأ .
وتقسيم البدع إلى خمسة أقسام كما ذهب إليه الإمام ابن عبد السلام وتبعه عليه
الإمام النووى أنكر عليه جماعة من العلماء المحققين ومن آخرم شيخنا القاضى
العلامة بشير الدين القنوجى رحمه الله فإنه رد عليه رداً بالغاً .
قلت : وكذا المصافحة والمعانقة بعد صلاة العيدين من البدع المذمومة
المخالفة للشرع والله أعلم .
قال المنذرى: فى إسناده اضطراب وفى إسناده أبو بلج، ويقال أبو صالح
يحيى بن سليم ويقال يحيى بن أبى الأسود الفزارى الواسطى ويقال الكوفى .
قال ابن معين ثقة، وقال أبو حاتم الرازى لا بأس به ، وقال البخارى وفيه
نظر، وقال السعدى غير ثقة، وضعفه الإمام أحمد، وقال وروى حديثاً مفكراً
هذا آخر كلامه. وبلج بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وبعدها جيم انتهى
كلام المنذرى .
( قبل أن يفترقا) أى بالأبدان وبالفراغ عن المصافحة .
قال المنذرى: وأخرجه الترمذى وابن ماجه ، وقال الترمذى حسن غريب
من حديث أبى إسحاق عن البراء. هذا آخر كلامه .. وفى إسناده الأجلح
واسمه يحيى بن عبد الله أبو حجية الكندى. قال ابن معين ثقة وقال مرة صالح -

- ١٢٢ -
٥١٩١ - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حمادٌ أنبأنا [حدثنا] ◌ُحَيْد
عن أَنَسٍ بِنِ مَالِكٍ قال: ((لَمَ جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ عَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه
وسلم: قَدْ جَاءَكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ وَهُمْ أوَّلُ مَنْ جَاءَ بِالْمُصَافَحَةِ ».
- ومرة ليس به بأس. وقال ابن عدى يعد فى شيمة الكوفة وهو عندى مستقيم
الحديث صدوق ، وقال أبو زرعة الرازى ليس بقوى ، وقال أبو حاتم الرازى
ليس بقوى كان كثير الخطأ مضطرب الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به ،
وقال الإمام أحمد روى غير حديث منكر ، وقال السعدى الأجلح مفتر ، وقال
ابن حبان كان لا يدرى ما يقول يجعل أبا سفيان أبا الزبير ويقلب الأسامى انتهى
كلام المنذرى ..
(قد جاءكم أهل اليمن الخ) قال المنذرى: رجال إسناده اتفق البخارى ومسلم
على الاحتجاج محمديتهم سوى حماد بن سلمة فإن مسلماً انفرد بالاحتجاج محديثه.
وقد أخرج البخارى فى الصحيح عن قتادة قال ((قلت لأنس بن مالك
أ كانت المصافحة فى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال نعم)) .
وقد أخرج البخارى ومسلم حديث كعب بن مالك وفيه ((دخلت المسجد
فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام إلىّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى
صاغنى وهنانى .
وقال البخارى وصافح حماد بن زيد بن المبارك بيديه . وقال غيره المصافحة
حسنة عند عامة العلماء ، وقد استحسنها مالك بعد كزاهته وهى مما تثبت الود
وتأكد المحبة، واستشهد بموقع فعل طلحة عند كعب بن مالك وسروره بذلك
وقوله لا أنساها لطلحة ، وذكر ما رواه قتادة عن أنس أن المصافحة كانت فى
أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم قال وهم الحجة والقدوة الذين يلزم اتباعهم انتهى
كلام المنذرى .

-١٢٣ -
١٣ - باب فى المعانقة
٥١٩٢ - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حَمَّاءٌ أنبأنا أبُو الْحْسَيْن
- يَعْنِى خَالِدَ بنَ ذَ كْوَانَ - عن أيُوبَ بنِ بُشَيْرِ بنِ كُمْبِ الْعَدَوِىِّ عن
رَجُلٍ مِنْ عَنَزَةَ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِ ذَرٍ حَيْثُ سِهرَ [سُبِّرَ] مِنَ الشَّامِ: ((إِنِّى
أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عنْ حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم،
قالَ: إِذاً أُخْبِرُكَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ سِرًّا، قُلْتُ: إِنَّهُ لَيْسَ بِسِرّ، هَلْ
كَنَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يُصَافِحُكُمْ إِذَا لَفِيْتُمُوهُ؟ قَالَ:
مَا لَقَّيْتُهُ قَطُّ إلَّ صَافَحَنِى وَبَعَثَ إِلَىَّ ذَاتَ يَوْمٍ وَلَمْ أَكُنْ فِى أَهْلِي، فَأَ
جِئْتُ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَىَّ، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ عَلَى سَرِيرِهٍ، فَالْتَزَمَنِى،
فَكَنَتْ تِلْكَ أَجْوَدَ وَأَجْوَدَ )).
( باب فى المعانقة)
( عن أيوب بن بشير ) بالتصغير (عن رجل من عنزة) بعين مهملة فنون
فزاى مفتوحات قبيلة شهيرة (حيث سير من الشام) بصيغة المجهول من التسيير
يقال سيره من بلده أخرجه وأجلاه. والمعنى حين أخرج أبو ذر من الشام ،
وكان أبو ذر يسكن الشام بدمشق وكان معاوية إذ ذاك عامل عثمان عليها
فاختلف هو ومعاوية فى الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله،
قال معاوية نزلت فى أهل الكتاب ، وقال أبو ذر نزلت فينا وفيهم ، فكان
بينه وبينه، فكتب معاوية إلى عثمان بشكوه فطلب عثمان أبا ذر بالمدينة،
وهذا هو سبب خروجه من الشام وقصته مذكورة فى صحيح البخارى ( قال إذاً)
بالتنوين ( فلماجئت) أى رجعت إلى أهلى (أخبرت) بصيغة المجهول (وهو)-

- ١٢٤ -
- أى رسول الله صلى الله عليه وسلم (على سريره) قال ابن الملك: قد يعبر بالسرير
عن الملك والنعمة فالسرير هنا يجوز أن يكون المراد به ملك النبوة ونعمتها ،
وقيل هو السرير من جريد النخل يتخذه كل أحد من أهل المدينة وأهل مصر
للنوم فيه وتوقياً من الهوام انتهى.
قال القارى: والمعتمد ما قيل كما لا يخفى (فالتزمنى) أى عانقتى (فكانت
تلك ) أى تلك الفعلة وهى التزامه قاله فى فتح الودود. وقيل أى الالتزام لأن
المصدر يذكر ويؤنث (أجود) أى من المصافحة فى إفاضة الروح والراحة
أو أحسن من كل شىء ، وينصره عدم ذكر متعلق أفعل ليعم ، ويؤيده
تأكيده مكرراً بقوله وأجود كذا فى المرقاة .
قال المنذرى: رجل من عنزة مجهول . وذكر البخارى هذا الحديث فى
تاريخه الكبير وقال مرسل انتهى. وأخرج أحمد فى مسندة من طريق بشربن
المفضل عن خالد بن ذكوان حدثنى أيوب بن بشير عن فلان المنزى وفيه
((فقلت يا أبا ذر إنى سائلك عن بعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
إن كان سراً من سر رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أحدثك قلت ليس بسر
ولكن كان إذا لقى الرجل يأخذ بيده وصافه قال على الخبير سقطت لم يلقنى قط
إلا أخذ بيدى غير مرة واحدة وكانت تلك آخرمن أرسل إلىّ فأتيته فى مرضه
الذى توفى فيه فوجدته مضطجعا فأكهبت عليه فرفع يده فالتزمنى صلى الله
عليه وسلم )) .

- ١٢٥ -
١٤ - باب فى القيام
٥١٩٣ - حدثنا حَفْصُ بنُ عَرَ أخبرنا شُعْبَهُ عن سَعْدٍ بِنِ إِبْرَاهِيمَ
عن أَبِىِ أُمَامَةً بِنِ سَهْلٍ بنِ حُنَيْفٍ عن أَبِى سَعِدٍ الْخُذْرِىِّ((أَنَّ أَهْلَ
قُرَيْظَةٌ لَمَا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ [ النَِّىُّ] صلى اللهُ
( باب فى القيام )
قد أورد المؤلف فى هذا الباب حديثين دالين على جواز القيام ثم ترجم بعد
عدة أبواب بلفظ باب الرجل يقوم للرجل يعظمه بذلك وأورد فيه حديثين
يدلان على النهى عن القيام ، فكأنه أراد بصفيعه هذا الجمع بين الأحاديث
المختلفة فى جواز القيام وعدمه بأن القيام إذا كان للتعظيم مثل صنيع الأعاجم
فهو منهى عنه، وإذا كان لأجل العلم والفضل والصلاح والشرف والود والمحبة
فهو جائز .
وقال النووى فى الأذكار : وأما إكرام الداخل بالقيام فالذى تختاره أنه
مستحب لمن كان فيه فضيلة ظاهرة من علم أو صلاح أو شرف أو ولاية ونحو
ذلك، ويكون هذا القيام للبر والإكرام والاحترام لالرياء والإعظام ، وعلى
هذا استمر عمل السلف والخلف، وقد جمعت فى ذلك جزء جمعت فيه الأحاديث
والآثار وأقوال السلف وأفعالهم الدالة على ما ذكرته، وذكرت فيه ما خالفها ،
وأوضحت الجواب عنه ، فمن أشكل عليه من ذلك شىء ورغب فى مطالعته
رجوت أن يزول إشكاله انتهى كلامه .
قلت : وقد نقل تلك الرسالة الشيخ ابن الحاج فى كتابة المدخل ، وتعقب
على كل ما استدل به النووى رحمه الله ورد كلامه ، فعليك بمطالعة المدخل
وفتح البارى .
( أن أهل قريظة) بالتصغير وهم جماعة من اليهود (على حكم سعد) أى ..

-١٢٦ -
عليه وسلم فَجَاء عَلَى ◌ِمَارٍ أَقْمَرَّ، فَقَالَ النِّىُّ صلى اللهُ عليه وسلم: قُومُوا إلَى
سَيْدِّكُمْ أَوْ إِلَى خَيْرِ كُمْ، فَجَاءَ حَتَّى قَدَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم)
- ابن معاذ لكونهم من حلفاء قومه (أرسل إليه) أى رسولا (أقر) أى أبيض
(فقال النبى صلى الله عليه وسلم) أى للأنصار كما فى رواية الشيخين (قوموا
إلی سیدکم أو إلى خير كم) شك من الراوى .
قال القارى فى المرقاة: قيل أى لتعظيمه، ويستدل به على عدم كراهته
فيكون الأمر للاباحة ولبيان الجواز، وقيل معناه قوموا لإعانته فى النزول عن
الحمار إذا كان به مرض وأثر جرح أصاب أكمله يوم الأحزاب، ولو أراد تعظيمه
لقال قوموا لسيدكم ومما يؤيده تخصيص الأنصار والتنصيص على السيادة المضافة
وأن الصحابة رضى الله عنهم ما كانوا يقومون له صلى الله عليه وسلم تعظيماً له
مع أنه سيد الخلق لما يعلمون من كراهيته لذلك على ما سيأتى. انتهى
كلام القارى .
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
وأخرج الترمذى عن عائشة رضى الله عنها قالت (( قدم زيد بن حارثة المدينة ،
ورسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيتى فأتاه ، فقرع الباب ، فقام إليه النبي صلى الله
عليه وسلم جر ثوبه فاعتنقه وقبله » وقال حديث حسن .
وأخرج أيضاً بإسناد على شرط مسلم عن أنس قال: (( لم يكن شخص أحب
إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له ، لما يعلمون
من كراهيته لذلك)) قال الترمذى هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه .
وأخرج أيضاً من حديث سفيان - وهو الثورى - عن حبيب بن الشهيد عن
أبی مجاز قال (( خرج معاوية، فقام عبد الله بن الزبير وابن صفوان حین رأوه فقال
اجلسا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول( من سره أن يتمثل له الرجال ==

-١٢٧ -
٥١٩٤ - حدثنا محمّدُ بنُ بَشَّارِ أخبرنا محمَّدُ بنُ جَعْفَرِ عن شُعْبَةَ بِهَذَا
الحدِيثِ قالَ: ((فَمَا كَانَ قَرِيِباً مِنَ المَسْجِدِ قَالَ لِلْأَنْصَارِ: قُومُوا إِلَى
سَيِدِّكُمْ)).
- قلت: أراد بما سيأنى حديث أنس رضى الله عنه قال ((لم يكن شخص
أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما
يعلمون من كراهيته لذلك)) رواه الترمذى وقال هذا حديث حسن صحيح .
ولقد أصاب من قال إن معداه قوموا لإعانته فى النزول عن الحمار ، فقد وقع
فى مسند عائشة عند أحمد بلفظ ((قوموا إلى سيدكم فأنزلوه)) قال الحافظ سنده
حسن ، قال وهذه الزيادة تخدش فى الاستدلال بقصة سعد على مشروعية القيام
المتنازع فيه انتهى كلام الحافظ . والمراد بالقيام المتنازع فيه القيام للتعظيم .
قال المنذرى: وأخرجه البخارى والنسائى. والأقر هو الشديد البياض
والأنثى قراء انتهى كلام المنذرى .
-
= قياماً فليتبوأ مقعده من النار)) قال هذا حديث حسن.
حدثنا هناد حدثنا أبو أسامة عن حبيب بن الشهيد عن أبى مجلز عن معاوية عن
النبى صلى اللهعليه وسلم مثله .
وهذا الإسناد على شرط الصحيح قال : وفى الباب عن أبى أمامة .
وفيه رد على من زعم أن معناه أن يقوم الرجل للرجل فى حضرته وهو قاعد ،
فإن معاوية روی الخبر لما قاما له حين خرج .
وأما الأحاديث المتقدمة فالقيام فيها عارض للقادم . مع أنه قيام إلى الرجل للقائه
لا قياماً له ، وهو وجه حديث فاطمة .
فالمذموم : القيام للرجل . وأما القيام إليه للتلقى إذا قدم : فلا بأس به . وبهذا
تجتمع الأحاديث . والله أعلم.

- ١٢٨ -
٥١٩٥ - حدثنا الحسنُ بنُ عَلِّ وَابنُ بَشَّارٍ قَالاَ أخبرنا عُثمانُ بنُ
عُمَ قالَ أنبأنا إِسْرَائِلُ عن مَيْسَرَةَ بنِ حَبِيبٍ عن المِنْهَلِ بنِ عَمْرٍو عن
عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عن أُمِّ المؤْمِنِينَ عَائِشَةَ أَنّا قَالَتْ: ((مَارَأَنْتُ أَحَداً
كَانَ أَشْبَةَ سَمْنَاً وَدَلاً وَهَدْيَاً [وَهَدْيَا وَدَلاً] وقالَ الحَسَنُ: حَدِيثَاً وَكَلاَمَاً،
وَلَمْ يَذْ كُرِ الحَسَنُ السَّمْتَ وَالْهَدْىَ وَالدَّلَّ يِرَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
مِنْ فَطِقَةَ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَا، كَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَامَ إِلَيْهَاَ فَأَخَذَ بِيَدِهَا
- (ما رأيت أحداً كان أشبه سمتاً) بفتح فسكون ( ودلا) بفتح دال وتشديد
لام (وهدياً) بفتح فسكون ، قال فى فتح الودود هذه الألفاظ متقاربة المعانى
فمعناها الهيئة والطريقة وحسن الحال ونحو ذلك انتهى .
وفسر الراغب الدل بحسن الشمائل ( وقال الحسن) هو ابن على شيخ -
قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
وحكى عن شعبة قال: سألت عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة فقال : يعرف
وينكر . هذا آخر كلامه .
وهذا الحديث يرويه شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن صفوان
بن عسال .
وفى نفس الحديث: ما يدل على أنه منكر جداً، فإن فيه ((أنهم سألوه عن
تسع آيات بينات؟ فقال لهم: لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا
النفس التي حرم الله إلا بالحق - إلى آخره)) والآيات التسع التى أرسل بها موسى
إلى فرعون : إنما كانت آيات نبوته ، ومعجزات صدقه، كالعصا ، واليد ، وباقى الآيات
ولهذا قال تعالى ( ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ، فاسأل بنى إسرائيل
إذ جاءهم . فقال له فرعون: إنى لأظنك ياموسى مسحوراً. قال لقد علمت : ما أنزل
هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر ، وإنى لأظنك يافرعون مثبوراً ) :
فهذه آيات النبوة قبل نزول آيات الحكم والشرع . وهذا بين بحمد الله تعالى.

-١٢٩-
فَقَبَّلَهَا [ وَقَبَّلَهَا ] وَأَجْلَسَهاَ فِى نَجْلِسِهِ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهاَ فَامَتْ إِلَيْهٍ
فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِى تَجْلِسِها ».
١٥ - باب فى قبلة الرجل ولده
٥١٩٦ - حدثنا مُسَدَّدْ أخبرنا سُفْيَانُ عن الزُّهْرِىِّ عن أَبِى سَلَمَةً عن
أَبِ هُرَيْرَةَ ((أَنَّ الْأَفْرَعَ بنَ حَابِسٍ أَبْصَرَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم
وَهُوَ بُقَبِّلُ حُسَيْنَا فَقَالَ: إِنَّ لِ عَشْرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا فَعَلْتُ هُذَا بِوَاحِدٍمِنْهُمْ
- أبى داود (ولم يذكر الحسن) هو ابن على المذكور (من فاطمة ) صلة أفعل
التفضيل أعنى أشبه (كانت) أى فاطمة (إذا دخلت عليه) أى على رسول الله
صلى الله عليه وسلم (قام إليها) أى مستقبلا ومتوجهاً (فقبلها) قال القارى:
أى ما بين عينيها أو رأسها (وكان إذا دخل) أى رسول الله صلى الله عليه وسلم
( فقبلته) أى عضواً من أعضائه الشريفة والظاهر أنه اليد المقيفة. واحتج النووى
بهذا الحديث أيضاً على جواز القيام المتنازع، وأجاب عنه ابن الحاج باحتمال
أن يكون القيام لها لأجل إجلاسها فى مكانه إكراما لها لا على وجه القيام
المنازع فيه، ولاسيما ماعرف من ضيق بيوتهم وقلة الفرش فيها فكانت إرادة
إجلاسه لها فى موضعه مستلزمة لقيامه وأمعن فى بسط ذلك كذا فى فتح البارى.
قال المنذرى: وأخرجه الترمذى والنسائى. وقال الترمذى حسن غريب
من هذا الوجه .
( باب فی قبلة الرجل ولده)
(أبصر) أى رأى (وهو يقبل) بتشديد الموحدة والواو للمحال (إن لى -
( ٩ - عون المعبود ١٤ )

- ١٣٠ -
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: مَنْ لا يَرْحَمٌ لا يُرْحَمُ)).
٥١٩٧ - حدثنا مُوسَ بنُ إسْمَاعِيلَ أخبرنا حمادٌ أخبرنا [أنبأنا]
هِشَمُ بنُ عُرْوَةَ عن عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: ثُمَّ الَ - تَمْنِى النِّيَّ صلى اللهُ
عليه وسلم: ((أَبْشِرِى يَائِةُ فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَنْزَلَ عُذْرَكٍ وَقَرَأُ عَلَيْهَ الْقُرْآنَ
فَقَالَ: أَبَوَاىَ قُومٍِ فَقَيِّلِ رَأْسَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم، فَقَلْتُ:
أَحَدُ اللهَ عَزْ وَجَلَّ لا إِيَّاكُمَا)).
- عشرة من الولد) بفتحتين ويجوزضم أوله وسكون ثانيه بمعنى الأولاد (ما فعلت
هذا) أى التقبيل ( من لا يرحم لا يرحم ) الفعل الأول على البناء للفاعل والثانى
للمفعول، وروى الفعلان مرفوعين على أن تكون ((من)) موصولة ومجزومين
على أن تكون شرطية، ويجوز أن يراد من الرحمة الأولى الشفقة على الأولاد
بقرية ما قبله وأن يراد أعم.
قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى .
(أبشرى) بقطع الهمزة (قد أنزل عذرك) وفى رواية البخارى ((فقد
أنزل الله براءتك)) (وقرأ) أى النبى صلى الله عليه وسلم (عليها) أى على
عائشة (القرآن) أى آيات براءتها من قوله تعالى (إن الذين جاءوا بالإفك) الخ
(فقال أبواى ) أى أبى أبو بكر وأمى أم رومان (قومى فقبلى) بتشديد الموحدة
(لا إيا كما) أى لا أحمد إيا كما .
قال المنذرى: وهو طرف من الحديث وقد أخرجه البخارى ومسلم من هذه
الطريق مختصراً ومطولا .

- ١٣١ -
١٦ - باب فى قبلة ما بين العينين
٥١٩٨ - حدثنا أَبُو بَكْرِ بنِ أَبِ شَيْبَةَ أخبرنا عَلِىُّ بنُ مُشْيِرٍ عن
أَجْلَحَ من الشّغِيِّ(( أَنَّ الَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم تَفَّى جَعَقَرَ بنَ أَبِي طَالِبٍ
فالْنَزَمَهُ وَقَبَّلَ مَابَيْنَ عَيْذَيْهِ ».
١٧ - باب فى قبلة الحد
٥١٩٩ - حدثنا أَبُو بَكْرِ بنِ أَبِى شَهْبَةً أخبرنا المُعْتَسِرُ عن إِيَاسِ
ابنِ دَغْفَلٍ قال: ((رَأَيْتُ أَبَ نَضْرَةَ قَبَّلَ خَدَّ الحَسَنِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ [الحسَنِ
ابنِ عَلِيَّ عَلَيْهِمَ السَّلاَمُ ».
( باب فى قبلة ما بين العينين )
( على بن مسهر) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الماء ( تلقى جعفر بن
أبى طالب ) أى استقبله حين قدم من السفر (فالتزمه) أى عائقه.
قال المنذرى: هذا مرسل، وأجلح تقدم الكلام عليه .
( باب فى قبلة الخد)
(عن إياس بن دغفل) بفتح دال مهملة وسكون غين معجعة وفتح فاء
(رأيت أبا نضرة) بدون ومعجمة ساكنة اسمه منذر بن مالك ثقة من الثالثة
(قبل خد الحسن رضى الله عنه) هكذا فى أكثر النسخ وكذا فى أطراف المزى
الحسن غير منسوب ، وفى بعض النسخ الحسن بن على عليهما السلام.
قال المنذرى: إياس بن دغفل الحرانى بصرى تابعى ، وأبو نضرة المنذر بن
مالك بن قطعة العوقى البصرى تابعى ، والحسن هو ابن أبى الحسن البصرى ،
ودغفل هو بفتح الدال وسكون الغين المعجمة وبعدها فاء مفتوحة ولام، ونضرة -

- ١٣٢ -
٥٢٠٠ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ سالِمٍ أخبرنا إِراهِيمُ بنُ يُوسُفَ عن
أَبِيهِ عن أَبِى إِسْحَاقَ عن الْبَرَاءِ قال: ((دَخَلْتُ مَعَ أَبِى بَكْرٍ أَوَّلَ مَا قَدِمَ
المَدِينَةَ فَإِذَا عَائِشَةُ ابْنَتُهُ مُضْطَجِعَةٌ قَدْ أَصَابَتْهَا ◌ُمَّى، فَأَمَاهَا أَبُو بَكْرٍ فَقَلَ
[وقال] لَمَا: كَيْفَ أَنْتٍ يَا بُنَيَّةُ وَقَبَّلَ خَذَّهَا » .
١٨ - باب فى قبلة اليد
٥٢٠١ - حدثنا أحمدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا يَزِيدُ بنُ
أَبِ زِيَادٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّْنِ بنَ أبى لَيْلَى حَدَّتَهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ
حَدَّثَهُ وَذَ كَرَ قِصَّةً قال: فَدَنَوْنَاَ - يَعْنِى مِنَ النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم -
فَقَبَلْنَا بَدَهُ ».
- بفتح النون وسكون الضاد المعجمة وبعدها راء مهملة مفتوحة وتاء تأنيث ،
والعوقة بفتح العين المهملة وبعدها واو مفتوحة وقاف مفتوحة وتاء تأنيث بطن
من عبد القيس .
(أول ما قدم المدينة) ما مصدرية أى أول قدومه المدينة ( قد أصابتها حى)
يضم الحاء وتشديد الميم مقصوراً (يا بنية) تصغير بنت للشفقة ( وقبل خدها)
أى الموجة والمودة، أو مراعاة للسعة قاله القارى .
والحديث سكت عنه المنذرى .
( باب فى قبلة اليد )
( وذكر قصة) قد تقدم ذكر هذه القصة فى كتاب الجهاد ( قدنونا)
أى قربنا ..
قال المنذری: وأخرجهالترمذى وابن ماجه وقال الترمذى حسنلا نعرف -

٠- ١٣٣ -
- إلا من حديث يزيد يعنى ابن أبى زياد هذا آخر كلامه وقد تقدم فى كتاب
الجهاد أتم من هذا .
وقد روى عمرو بن مرة الجلى عن عبد الله بن سلمة وهو أبو العالية الكوفى
وهو بكسر اللام عن صفوان بن عسال رضى الله عنهم أن يهودياً قال لصاحبه
اذهب بنا إلى هذا النبى قال فقبلا بده ورجله ، وأخرجه الترمذى والنسائى
وابن ماجه مطولا ومختصراً ، وأخرجه الترمذى فى موضعين من كتابه وصححه
فى الموضعين قال وفى الباب عن يزيد بن الأسود وابن عمر وكعب بن مالك .
وقال النسائى فى حديث صفوان وهذا حديث مفكر وبشبه أن يكون
إنكار النسائى له من جهة عبد الله بن سلمة فإن فيه مقالا، وقد صنف الحافظ
أبو بكر الأصبهانى المقرى جزأ فى الرخصة فى تقبيل اليد ذكر فيه حديث ابن عمر
وابن عباس وجابر بن عبد الله وبريدة بن الحصيب وصفوان بن عسال وبريدة
العبدى والزارع بن عامر العبدى وذكر فيه آ ثاراً صحيحة عن الصحابة والتابعين
رضى الله عنهم، وذكر بعضهم أن مالكاً أنكره وأفكر ما روى فيه
وأجازه آخرون .
وقال الأبهرى إنما كرهها مالك إذا كانت على وجه التكبر والتعظيم لمن
فعل ذلك به، فأما إذا قبل إنسان يد إنسان أو وجهه أو شيئاً من بدنه ما لم
يكن عورة على وجه القربة إلى الله لدينه أو اعلمه أو لشرفه فإن ذلك جائز ،
وتقبيل يد النبى صلى الله عليه وسلم يقرب إلى الله وما كان من ذلك تعظيما لدنيا
أو لسلطان أو لشبهه من وجوه التكبر فلا يجوز انتهى كلام المنذرى.

- ١٣٤ -
١٩ - باب فى قبلة الجسد
٥٢٠٢ - حدثنا عَمْرُوُ بنُ عَوْنِ أنبأنا خَالِدٌ عن حُسَيْنِ عن عَبْدِ
الرَّحْنِ بنِ أَبِى لَّيْلَى عن أُسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ - رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَرِ - قال:
((بَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ وَكَانَ فِيهِ مُزَاٌ بَيْنَا يُضْحِكُهُمْ، فَطَعَنَهُ النَِّىُّ
صلى اللهُ عليه وسلم فى خَاصِرَتِهِ بِعُودٍ، فَقَالَ: أَصْبِرْنى، قالَ: اضْطَبِرْ،
قال: إنَّ عَلَيْكَ فَيَصَاً وَلَيْنَ عَلَىَّ فَيَصٌ، فَرَفَعَ النَّبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم
عِنْ فَيَصِهِ فَاحْتَضَنَهُ وَجَعَلَ مُقَبُّلُ كَشْحَهُ، قالَ : إِنَّا أَرَدْتُ هُذَا
يَرَسُولَ اللهِ ».
( باب فى قبلة الجسد )
(عن أسيد بن حضير) بالتصغير فيهما (رجل) بالجر على أنه بدل من
أسيد أو بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أى هو رجل من الأنصار ( قال بينما
هو) أى أسيد والقائل هو عبد الرحمن بن أبى ليلى ( وكان فيه مزاح) قال
الجوهرى: المزاح بالضم الاسم، وأما المزاح بالكسر فهو مصدر مازحه والمفهوم
من القاموس أنهما مصدران إلا أن الضم مصدر المجرد والكسر مصدر المزيد
كذا فى المرقاة ( قطعفه النبى صلى الله عليه وسلم) أى ضربه على سبيل المزاح
(فى خاصرته) معناه بالفارسية تهى كاء (فقال) أى أسيد (أصبر نى) بفتح
الهمزة وكسر الموحدة أى أقدرنى ومنى من استيفاء القصاص حتى أطعن فى
خاصرتك كما طعنت فى خاصرتى (قال ) أى النبى صلى الله عليه وسلم (اصطبر)
أى استوف القصاص . قال الخطابي: معنى أصبرنى أقدنى من نفسك ومعنى
اصطبر استقد .
قال فى النهاية: إن النبى صلى الله عليه وسلم طعن إنساناً بقضيب مداعبة -

- ١٣٥ -
٢٠ - باب قبلة الرجل
٥٢٠٣ - حدثنا مُمَّدُ بنُ عِيسَ بنِ الطَّعِ أخبرنا مَطَرُ بنُ عَبْدٍ
الرَّْنِ الْأَعْتَقِ حدَّثَنْنِى أُمُّ أَبَانَ بِنْتُ الْوَازِعِ بنِ زَارِعٍ عن جَدِّهَا زَارِعِ
- وكَانَ فِى وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ - قَالَ: ((لَمْ قَدِمْنَا لَدِينَةَ فَجَعَلْنَا نَذَبَدَرُ مِنْ
رَوَاحِلِنَا فَتْقُبِّلُ يَدَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم وَرِجْلَهُ [وَرِ جْلَيْ] وَانْتَظَرَ
المُنْذِرُ الْأَشَجُ حَتّى أَتَى عَيْبَتَهُ فَلَبِسَ تَوْبَيْهِ، ثُمَّ أَتَى النَّيِّ صلى اللهُ عليه
- فقال له أصبرنى قال اصطبر أى أقدنى من نفسك قال استقد يقال اصطبر فلان
من خصمه واصطبر أى اقتص منه واصبره الحاكم أى أقصه من خصمه انتهى
(فاحتضنه) أى اعتنقه وأخذه فى حضنه وهو مادون الإبط إلى الكشح
( وجعل يقبل كشحه) هو ما بين الخاصرة إلى الضلع الأقصر من أضلاع الجنب
كذا فى المرقاة، وقال فى الصراح كشح تهيكاه (قال إنما أردت هذا) أى
ما أردت بقولى أصبرنى إلا هذا التقبيل وما أردت حقيقة القصاص . والحديث
سكت عنه المنذرى .
( باب قبلة الرجل )
بكسر الراء وسكون الجيم.
(أخبرنا مطر) بفتحتين (بن عبد الرحمن الأعلق) بفتح الهمزة وسكون
المهملة وفتح الفون ( وكان) أى زارع (فى وفد عبد القيس) أى فى ما بينهم
ومن جملتهم ( جعلنا نتبادر) أى فى النزول من رواحلنا (وانتظر المنذر الأشج)
قال الذهبى فى التجريد: أشج عبد القيس اسمه المنذر بن الحارث العبدى انتهى.
قال الشيخ عبد الحق الدهلوى فى اللمات شرح المشكاة: روى أنه لما وفد -

-١٣٦-
ومسلم فقالَ لَهُ: إِنَّ فِكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَ اللهُ: الِلْمُ وَالْأَنَةَ، قالَ :
يَارَسُولَ اللهِ أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا أَمِ اللهُ جَبَآَنِى عَلَيْهِمَا؟ قال: بَلِ اللهُ جَبَلَكَ
عَلَيْهِمَا، قال: الْخْدُ لِهِ الَّذِى جَبَلَنِى عَلَى خَلَّتَبْنِ [ خَصْلَتَيْنِ - خُلُقَيْنِ ]
يُحِبُهُمَا اللهُ وَرَسُولُهُ)).
- عبد القيس تبادروا من رواحلهم وسقطوا عنها على الأرض وفعلوا ما فعلوا
وقررهم النبى صلى الله عليه وسلم على ذلك ، والذى كان رأسهم ومقدمهم اسمه
الأشج نزل أولا فى منزل له واغتسل ولبس الثياب البيض ثم دخل المسجد فصلى
فيه ركعتين ودعا فقصد إلى النبى صلى الله عليه وسلم خاضعاً خاشعاً بتأنى ووقار،
فلما رأى الفي صلى الله عليه وسلم هذا الأدب أثنى عليه وقال إن فيك خلتين إلى
آخره انتهى (عيبته) بفتح عين سهلة ثم مثداة تحتية ساكنة ثم موحدة مفتوحة
مستودع الثياب ( فقال) أى النبى صلى الله عليه وسلم (له) أى للمنذر الأشج
(خلتين) أى خصلتين ( الحلم والأناة) رويا مرفوعين ومنصوبين الحلم بكسر
الخاء تأخير مكافأة الظالم ، والمراد به هنا عدم استعجاله وتراخيه حتى ينظر فى
مصالحه، والأناة على وزن القناة هو التثبت والوقار كذا فى شرح المشارق لابن
الملك ( جيانى) أى خلقنى. وفى الحديث دليل على جواز تقبيل الأرجل.
قال المنذرى: وأخرج هذا الحديث أبو القاسم البغوى فى معجم الصحابة
وقال ولا أعلم لزارع غيره، وذكر أبو عمرو التمرى أن كنيته أبو الزارع وأن له
ابعاً يسمى الزارع وبه كان يكنى وأن حديثه عند البصريين وأن حديثه
هذا حسن .

- ١٣٧ -
٢١ - باب فى الرجل يقول جعانى الله فداك
٥٢٠٤ - حدثنا مُوسَ بِنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا حمادٌ ح. وأخبرنا مُلٌ
أخبرنا هِشَامٌ عن ◌َّادٍ - يَعْنِيَنِ ابْنَ أَبِى سُلِيمَانَ - عن زَيْدِ بنِ وَهْبٍ عن
( باب فى الرجل يقول جعلني الله فداك)
فدى بالكسر مقصور ويفتح أيضاً لكنه مرجوح على ما نقله الأزهرى
عن الفراء بأن الكسر مع القصر هو الراجح والفتح مرجوح .
وقال أبو على القالى: قال الفراء إذا فتحوا الفاء قصروا فقالوا فَدى لك
وإذا كسروا الفاء مدوا وربما كسروا الفاء وقصروا فقالوا م فدى لك.
وأيضاً قال أبو على سمعت الأخفش يقول لا يقصر الغداء بكسر الفاء إلا
للضرورة وإنما المقصور هو المفتوح. وقال الجوهرى: الفداء إذا كسر أوله يمد
ويقصر وإذا فتح فهو مقصور انتهى .
ويراد من هذه الجملة الدعاء على النوعين ، أحدهما حفظ الإنسان وإخلاصه
عن الغائبة ببذل المال عنه. قاله الراغب كما فى قوله تعالى ﴿ وعلى الذين يطيقونه
فدية طعام مسكين) أى على الذين يطيقونه أن يحفظوا ويخلصوا أنفسهم عن
النائبة أى تكليف الصوم أو عذاب عدم الصوم ببذل المال عنهم وهو إطعام
المسكين، فكان معنى الجملة أن الله جعلنى أن أحفظك عن النوائب ببذل
المال عنك
-
قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
وقد أخرجا فى الصحيحين عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه (( أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر. فقال: إن عبداً خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة
الدنيا ، وبين ماعنده، فاختار ما عنده ، فبكى أبو بكر ، وقال : فديناك بآبائنا
وأمهاتنا - الحديث)).

- ١٣٨ -
أَبِى ذَرّ قال قال القَبِىُّ صلى اللهُ عليه وسلم: ((يَا أُبَا ذَرٌّ، فَقُلْتُ: لَبَيْكَ
وَسَعْدَيْكَ بَرَسُولَ اللهِ وَأَنَ فِذَاكَ [فِدَاوُكَ] ».
- والثانى إقامة الشىء مقام الشىء فى دفع المكاره. قاله أبو البقاء كما فى قوله
تعالى (وفديناه بذبح عظيم) أى أقمنا ذبحاً عظيماً مقام إسماعيل فى دفع المكروه
يعنى الذبح عنه، فكان معنى الجملة أن الله يحفظك عن المكاره وجعلنى قائماً
مقامك فى دفعها عنك ويعرض لى ما يعرض لك من النوائب والمكاره فى
عوضك ، وهذا المعنى هو الصريح فى المقصود، تقول العرب فداك أبى وأمى أى
أبى وأمى ينوبان معابك فى دفع المكروه عنك. وأنشد الأصمعى النابغة:
وما أمر من مال ومن ولد
مهلا فداء لك الأقرام كلهم.
أى الأقوام كلهم وجميع الأموال والأولاد ينوبون مدابك فى دفع المكاره
عنك ويعرض لهم فى عوضك ما يعرض لك من النوائب والمكاره وأنت تسلم
وتحفظ منها .
وقد ترجم البخارى باب قول الرجل فداك أبى وأمى ، وباب قول الرجل
جملى الله فداءك انتهى .
قال الحافظ: أى هل يباح أو يكره ، وقد استوعب الأخهار الدالة على
الجواز أبو بكر بن أبي عاصم وجزم بجواز ذلك فقال للمرء أن يقول ذلك
لسلطانه ولكبيره ولذوى العلم ولمن أحب من إخوانه غير محظور عليه ذلك،
بل يثاب عليه إذا قصد توقيره واستعطافه، ولو كان ذلك محظوراً لنهى النبى
صلى الله عليه وسلم قائل ذلك ولا أعلمه أن ذلك غير جائز أن يقال لأحد غيره -
= وهذا كان بعد إسلام أبى قحافة، فإنه خطب بهذه الخطبة قبيل وفاته صلى الله
عليه وسلم بقليل .
وهذا أصح من حدیث الزبير وأولى أن يؤخذ به منه . والله أعلم .

- ١٣٩ -
٢٢ - باب فى الرجل يقول أنعم الله بك عيناً
٥٢٠٥ - حدثنا سَلَمةُ بنُ شَبِيبٍ أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن
قَتَادَةَ أُوْ غَيْرِهِ أَنَّ عِزَانَ بنَ حُصَيْنِ قال: ((كُنَاَ نَقُولُ فِى الْجَاهِلَّةِ:
أَنْعَمَ اللهُ بِكَ عَيْنَا وَأَنْسِمْ صَبَحَاً، فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلاَمُ نُهِيفاً مِنْ ذَلِكَ. قالَ
- وكذا أخرجه البخارى فى الأدب المفرد فى الترجمة . قال الطبرانى: فى هذه
الأحاديث دليل على جواز قول ذلك انتهى .
( فقلت لبيك وسعيدك) يجىء معناه فى باب الرجل بنادى الرجل فيقول
لبيك ( وأنا فداك ) وفى بعض النسخ فداؤك ، وفى نسخة المعذرى جعلنى الله
فداك مكان وأنا فداك . قال فى مجمع البحار بكسر فاء وفتحها مداً وقصراً ،
وقال الحافظ فى فتح البارى تحت قوله فاغفر فدى لك ما اقتفينا . قال المازري :
لا يقال الله فداء لك لأنها كلمة تستعمل عند توقع مكروه لشخص فيختار شخص
آخر أن يحل به دون ذلك الآخر ويفديه، فهو إما مجاز عن الرضا كأنه قال
نفسى مهذولة لرضاك ، أو هذه الكلمة وقعت خطاباً لسامع الكلام انتهى .
وفى الحديث دليل جواز قول جعلني الله فداك أو أنا فداؤك . والحديث سكت
عنه المنذرى .
( باب فى الرجل يقول أنعم الله بك عيناً)
(عن قتادة أو غيره) شك من الراوى (أنعم الله بك عيناً) أى أقر بك
عين من تحبه أو أقر عينك بمن تحبه كذا فى القاموس .
قال فى المرقاة : أنعم الله بك عيناً الباء زائدة لتأكيد التعدية، والمعنى
أقر الله عينك بمن تحبه ، وعيناً تمييز من المفعول أو بما تحبه من النعمة ، ويجوز
كونه من أنعم الرجل إذا دخل فى النعيم ، فالباء للتعدية وقيل الباء للسببية أى -

- ١٤٠-
عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ مَعْمٌَ: يُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: أَنْعَمّ اللهُ بِكَ عَيْنَاً،
ولا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: أَنْعَ الَّهُ عَيْنَكَ)).
- أنعم الله بسببك عيناً أى عين من يحبك انتهى (وأنعم) قال القارى فى المرقاة
بقطع همز وكسر عين، وفى نسخة بهمز وصل وفتح عين من النعومة (صباحاً)
تمهيز أو ظرف، أى طاب عيشك فى الصباح (فلما كان الإسلام) أى وجد
(نهينا) بصيغة المجهول (قال معمر يسكره أن يقول الرجل الخ) قال فى فتح
الودود ما حاصله: إن الظاهر أن مهنى النهى على أنه من تحية الجاهلية ، ولكن
كان المشهور عند أهل الجاهلية أنعم الله يك عيناً، فإذا تغير ذلك ما بقى له حكم
تحية الجاهلية اتهى.
قال المنذرى : هذا منقطع، قتادة لم يسمع من عمران بن حصين انتهى .
وقال الإمام ابن الأثير فى النهاية : وفى حديث مطرف لا تقل نعم الله بك
عيناً فإن الله لا يَذْعم بأحد عيناً ولكن قل أنعم الله بك عيناً. قال الزمخشرى:
الذى منسع منه مطرف صحيح فصيح فى كلامهم ، وعيناً نصب على التمييز من
الكاف والهاء للتعدية، والمعنى نعمك الله عيناً أى نتم عينك وأقرها، وقد
يحذفون الجار ويوصلون الفعل فيقولون نعمَك الله عيناً، وأما أنعم الله بك عيناً
فالباء فيه زائدة لأن الهمزة كافية فى التعدية تقول نعم زيد عيداً وأنعمه الله عهداً،
ويجوز أن يكون من أنهم إذا دخل فى النعيم فُتَعدى بالباء. قال ولعل مطرفاً
خيل إليه أن انتصاب المميز فى هذا الكلام عن الفاعل فاستعظمه تعالى الله أن
يوصف بالجواس علواً كبيراً كما يقولون نعمت بهذا الأمر عيناً والباء للتعدية،
حسب أن الأمر فى نعم الله بك عيناً كذلك انتهى كلامه.