النص المفهرس
صفحات 21-40
- ٢١ - - وأما قولهم إنه معارض للاجماع الذى عليه المفسرون فهذه دعوى من غير بينة ، فإن المفسرين بأجمعهم لم يجمعوا على خلاف معنى حديث العباس رضى الله عنه وذهاب بعض المفسرين المتأخرين بل من المتقدمين أيضاً إلى خلاف ذلك لا يفيد الإجماع، وقد جمع بين الروايتين أى رواية المسافة بقدر مسيرة خمس مائة عام كما فى حديث أبى هريرة وغيره وبين رواية العباس هذه الحافظ البيهقى فى كتاب الأسماء والصفات ، فقال بعد إخراج رواية أبى هريرة ما نصه: هذه الرواية فى مسيرة خمسمائة عام اشتهر فيما بين الناس وروينا عن ابن مسعود من قوله مثلها - = الذى فى السماء، قال ياحصين أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين ينفعانك. قال فلما أسلم حصين قال يارسول الله علمنى الكلمتين اللتين وعدتنى، قال : قل اللهم ألهمنى رشدى ، وأعدنى من شر نفسي)). وقد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه شهد للجارية بالإيمان حيث أقرت بأن الله فى السماء، وحديثها فى صحيح مسلم . وثبت عنه فى الصحيح (( أنه جعل يشير بأصبعه إلى السماء - فى خطبته فى حجة الوداع وينكسها إلى الناس ويقول اللهم اشهد)) وكان مستشهداً بالله حينئذ لم يكن داعياً حتى يقال: السماء قبلة الدعاء. وفى الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن أبى نعيم قال سمعت أبا سعيد الخدرى يقول (( بعث على بن أبى طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمين بذهيبة فى أديم مقروظ لم تحصل من ترابها فقسمها بين أربعة نفر بين عيينة بن بدر والأفرع ابن حابس ، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة بن علاثة وإما عامر بن الطفيل ، فقال رجل من أصحابه: كنا أحق بهذا من هؤلاء ، فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم ، فقال ألا تؤمنونى، وأنا أمين من فى السماء، يأتينى خبر السماء صباحاً ومساء)). وسيأتى إن شاء الله حديث أبى الدرداء : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( ربنا الله الذى فى السماء، تقدس اسمك، أمرك فى السماء والأرض كما رحمتك فى السماء - الحديث)) رواه أبو داود فى الطب . = - ٢٢ - - ويحتمل أن يختلف ذلك باختلاف قوه السير وضعفه وخفته وثقله فيكون بسير القوى أقل وبسير الضعيف أكثر انتهى . وقال ابن القيم : وأما اختلاف مقدار المسافة فى حديثى العباس وأبى هريرة فهو مما يشهد بتصديق كل منهما للآخر وأن المسافة تختلف تقديرها بحسب اختلاف السير الواقع فيها ، فسير البريد مثلا يقطع بقدر سير ركاب الإبل سبع مرات وهذا معلوم بالواقع ، فما يسيره الإبل سيراً قاصداً فى عشرين يوماً بقطعه البريد فى ثلاثة. حيث قدر النبى صلى الله عليه وسلم بالسبعين أراد به السير السريع سير البريد وحيث قدر بالخمس مائة أراد به الذى يعرفونه سير الإبل - = وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبى قابوس ــ مولى لعبد الله ابن عمرو بن العاص - عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء)) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ، وسيأتى فى كتاب الأدب . وفى صحيح ابن حبان عن أبى عثمان النهدى عن سلمان الفارسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( إن ربكم حى كريم ، يستحى من عبده إذا رفع يديه إليه أن بردهما صفراً)). وقد روى الترمذى والبيهقى من حديث حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن أبى رزين العقيلى قال قلت ((يا رسول الله أين كان ربنا تبارك وتعالى قبل أن يخلق السموات والأرض ؟ قال كان فى عماء مافوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق العرش ثم استوى عليه)) هذا لفظ البيهقى، وهذا الإسناد محعه الترمذى فى موضع وحسنه فى موضع . فصححه فى الرؤيا : أخبرنا الحسن بن على الخلال حدثنا يزيد بن هارون حدثنا شعبة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه أبى رزين العقيلى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءاً من النبوة وهى= - ٢٣ - - والركاب فكل منهما يصدق الآخر ويشهد بصحته (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ انتهى. وقد جاءت فى صفة حملة العرش ألوان ذكرها البيهقى فأنى يصح الإجماع والله أعلم . قال الحافظ ابن القيم فى تهذيب السنن : أما حملكم فيه على ابن إسحاق نجوابه أن ابن إسحاق بالموضع الذى جعله الله من العلم والأمانة . قال على بن المدينى حديثه عندى صحيح ، وقال شعبة ابن إسحاق أمير المؤمنين فى الحديث ، وقال أيضاً هو صدوق. - = على رجل طائر ما لم يحدث بها فإذا حدث بها وقعت قال وأحسبه قال لا تحدث بها إلا لبيباً أو حبيباً)) قال الترمذى هذا حديث حسن صحيح. قال ابن القطان: فيلزمه تصحيح الحديث الأول أو الاقتصار على تحسين الثانى يعنى لأن الإسناد واحد . قال فإن قيل لعله حسن الأول لأنه من رواية حماد بن سلمة، وصحح الثانى لأنه من رواية شعبة ، وفضل ما بينهما فى الحفظ بين . قلنا قد صحح من أحاديث حماد بن سلمة مالا يحصى ، وهو موضع لا نظر فيه عنده ولا عند أحد من أهل العلم فإِنه إمام وكان عند شعبة من تعظيمه وإجلاله ماهو معلوم. وروى البيهقى عن الحاكم عن الأصم عن محمد بن إسحاق الصنعانى حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا جرير بن حازم عن أبى يزيد المدينى (( أن عمر بن الخطاب مر فى ناس من أصحابه فلقيته عجوز واستوقفته فوقف عليها فوضع يده على منكبيها حتى قضت حاجتها ، فلما فرغت قال له رجل حبست رجالات قريش على هذه العجوز. قال ويحك ، تدرى من هذه، هذه عجوز سمع الله عز وجل شكواها من فوق سبع سموات ، والله لو استوقفتنى إلى الليل لوقفت عليها إلا أن آتى صلاة ثم أعود عليها )). قال البيهقى: وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو عبد الله محمد بن على الجوهرى= - ٢٤ - - وقال على بن المدينى أيضاً لم أجد له سوى حديثين مفكرين وهذا فى غابة الثناء والمدح إذ لم يجد له على كثرة ما روى إلا حديثين منكرين. وقال على أيضاً سمعت ابن عيينة يقول ما سمعت أحداً يتكلم فى ابن إسحاق إلا فى قوله فى القدر ، ولا ريب أن أهل عصره أعلم به ممن تكلم فيه بعدهم . وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم سمعت الشافعى يقول: قال الزهرى لا يزال بهذه الحرّة علم ما دام بها ذلك الأحول يريد ابن إسحاق . وقال يعقوب بن شيبة: سألت يحيى بن معين كيف ابن إسحاق قال ليس بذاك، قلت : ففى نفسك من حديثه شىء ؟ قال لا كان صدوقاً . - = حدثنا إبراهيم بن الهيثم حدثنا محمد بن كثير المصيعى قال سمعت الأوزاعى يقول ((كنا - والتابعون متوافرون - نقول: إن الله تعالى فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته )) . وقال البخارى فى الصحيح قال أبو العالية ((استوى إلى السماء ارتفع ، فسوى خلقهن )). وقال مجاهد ((استوى علا). وقال أبو الحسن على بن محمد الطبرى من كبار أصحاب أبى الحسن الأشعرى ((والله فى السماء فوق كل شىء ، مستو على عرشه بمعنى أنه عال عليه، ومعنى الاستواء الاعتلاء، كما تقول : استويت على ظهر الدابة، واستويت على السطح بمعنى علوته، واستوت الشمس على رأسى واستوى الطير على قمة رأسى بمعنى علا ، يعنى علا فى الجو فوجد فوق رأسى فالقديم سبحانه عال على عرشه ، لا قاعد ولا قائم ولا مماس ولا مباين عن العرش )) هذا كلامه حكاه عنه البيهقى . قال : وروى الحسن بن محمد الطبرى عن أبى عبد الله تقطويه النحوى قال أخبرنى أبو سليمان قال ((كنا عندابن الأعرابى فأتاه رجل فقال يا أبا عبد الله ما معنى (الرحمن على العرش استوى) قال: إنه مستو على عرشه كما، أخبر. فقال الرجل: إنمامعنى استوى استولى فقال له ابن الأعرابي: ما يدريك العرب لا تقول : استولى فلان = - ٢٥ - - وقال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول لو كان لى سلطان لأمّرت ابن إسحاق على المحدثين . وقال ابن عدى: قد فتشت أحاديث ابن إسحاق الكثير فلم أجد فى أحاديثه شيئاً أن يقطع عليه بالضعف وربما أخطأ أو وهم كما يخطىء غيره، ولم يتخلف فى الرواية عنه الثقات والأئمة وهو لا بأس به . وقال أحمد بن عبد الله العجلى ابن إسحاق ثقة . وقد استشهد مسلم بخمسة أحاديث ذكرها لابن إسحاق فى صحيحه . وقد روى الترمذى فى جامعه من حديث ابن إسحاق حدثنا سعيد بن عبيد - = على الشىء حتى يكون له فيه مضاد ، فأيهما غلب قيل قد استولى عليه والله تعالى لامضادله ، فهو على عرشه كما أخبر)). وقال يحي بن إبراهيم الطليطلى فى كتاب سير الفقهاء حدثنى عبد الملك بن حبيب عن عبد الله بن المغيرة عن الثورى عن الأعمش عن إبراهيم قال ((كانوا يكرهون قول الرجل ياخيبة الدهر وكانوا يقولون الله هو الدهر ، وكانوا يكرهون قول الرجل: رغم أنفى الله. وإنما يرغم أنف الكافر)) قال ((وكانوا يكرهون قول الرجل: لا والذى خاتمه على فمى، وإنما يختم على فم الكافر ، وكانوا يكرهون قول الرجل : والله حيث كان ، أو : إن الله بكل مكان . قال أصبغ : وهو مستو على عرشه ، وبكل مكان علمه وإحاطته)) . وقال ابن عبد البر فى التمهيد والاستذكار قال مالك ((الله فى السماء وعلمه فى کل مکان )) وقال القاضى أبو بكر بن الطيب المالكى الأشعرى فى رسالته المشهورة التى سماها ((رسالة الحيدة)): ((وأن الله سبحانه شاء مريد كما قال تعالى (فعال لما يريد) وقال ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقال (إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) وأن الله مستو على عرشه ومستول على جميع خلقه، كما قال تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى) بغير مماسة ولا كيفية ولا مجاورة)). = - ٢٦ - - ابن السباق عن أبيه عن سهل بن حنيف قال ((كنت ألقى من المذى شدة فأكثر الاغتال منه)) الحديث . قال الترمذى: هذا حديث صحيح لا نعرفه إلا من حديث ابن إسحاق ، فهذا حكم قد تفرد به ابن إسحاق فى الدنيا وقد صمخه الترمذى . فإن قيل فقد كذبه مالك فقال أبو قلابة الرقاشى حدثنى أبو داود سليمان ابن داود قال: قال يحيى بن القطان: أشهد أن محمد بن إسحاق كذاب، قلت: وما يدريك؟ قال: قال لى وهيب، فقلت لوهيب: وما يدريك؟ قال: قال لى مالك بن أنس فقلت لمالك وما يدريك؟ قال: قال لى هشام بن عروة ، قال - = وقال حافظ المغرب إمام السنة فى وقته ، أبو عمر يوسف بن عبد البر فى كتابيه التمهيد والاستذكار فى شرح حديث مالك عن ابن شهاب عن الأغر وأبى سلمة عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا - الحديث)). قال أبو عمر - وهذا لفظه فى الاستذكار - فيه دليل على أن الله عز وجل فى السماء على العرش من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية فى قولهم : إن الله تعالى فى كل مكان وليس على العرش ، والدليل على صحة ما قاله أهل الحق فى ذلك قول الله عز وجل ( الرحمن على العرش استوى) وقوله ( ثم استوى إلى السماء وهى دخان ) وقوله تعالى ( إذاً لا بتغوا إلى ذى العرش سبيلا ) وقوله: ( إليه يصعد الكلم الطيب) وقوله: ( فلما تجلى ربه للجبل) وقال: ( أأمنتم من فى السماء أن يخسف بكم الأرض) وقال ( سبح اسم ربك الأعلى) وهذا من العلو ، وكذلك قوله: ( العلى العظيم) و (الكبير المتعال) و(رفيع الدرجات ذو العرش)( يخافون ربهم من فوقهم). وقال جل ذكره: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه) وقوله ( تعرج الملائكة والروح إليه) وقوله لعيسى ( إنى متوفيك ورافعك إلى) وقوله : ( بل رفعه الله إليه ). ١ -- ٢٧ - - قلت لهشام وما يدريك ؟ قال حدث عن امرأتى فاطمة بنت المنذر ودخلت عليها [أُدخلت علىّ] وهى بنت تسع وما رآها رجل حتى لقيت الله. قبل هذه الحكاية وأمثالها هى التى غرّت من اتهمه بالكذب، وجوابها من وجوه أحدها أن سليمان بن داود راويها عن يحمي هو الشاذ كونى وقد اتهم بالكذب فلا يجوز القدح فى الرجل بمثل رواية الشاذ كونى . الثانى أن فى الحكاية ما يدل على أنها كذب فإنه قال أدخلت على وهى بنت تسع وفاطمة أكبر من هشام بثلاث عشرة سنة ولملها لم تزف إليه إلا وقد زادت على العشرين ولما أخذ عنها ابن إسحاق كان لها نحو بضع وخمسين سنة - = وقال (فالذين عندربك يسبحون له بالليل والنهار) وقال (ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ) وقال (ليس له دافع، من اللّه ذى المعارج) والعروج هو الصعود. وأما قوله : ( أأمنتم من فى السماء) فمعناه من على السماء ، يعنى على العرش ، وقد تكون ((فى)) بمعنى ((على)) ألا ترى إلى قوله تعالى (فسيحوا فى الأرض ) أى على الأرض. وكذلك قوله (لأصلبنكم فى جذوع النخل) أى على جذوع النخل . وهذا كله يعضده قوله تعالى (تعرج الملائكة والروح إليه) وما كان مثله مما تلونا من الآيات فى هذا الباب . فهذه الآيات وغيرها كلها واضحة فى إبطال قول المعتزلة . وأما ادعاؤهم المجاز فى الاستواء، وقولهم (استوى)) بمعنى استولى. فلا معنى له . لأنه غير ظاهر فى اللغة. ومعنى الاستيلاء فى اللغة المغالبة. والله لا يغلبه ولا يعلوه أحد . وهو الواحد الصمد. ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته ، حتى يكون اتفاق من الأمة أنه أريد به المجاز إذ لاسبيل إلى اتباع ما أنزل إلينامن ربنا إلا على ذلك وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه مالم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم. ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شىء من العبادات . وجل الله أن يخاطب عباده فى كتابه العربى إلا بما يفهمه العرب فى معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين . = - ٢٨ - - الثالث أن هشامً إنما نفى رؤيته لها ولم يقف سماعه منها، ومعلوم أنه لا يلزم من انتفاء الرؤية انتفاء السماع. قال الإمام أحمد: لعله سمع منها فى المسجد أو دخل عليها حدثته من وراء حجاب فأى شىء فى هذا وقد كانت امرأة قد كبرت وأسفت . وقال يعقوب بن شيبة : سألت ابن المدينى عن ابن إسحاق قال حديثه عندى صحيح ، قلت فكلام مالك فيه ؟ قال مالك لم يجالسه ولم يعرفه وأى شىء حدث بالمدينة . قلت : فهشام بن عروة قد تكلم فيه قال الذى قال هشام ليس - = والاستواء فى اللغة معلوم مفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشىء، والاستقرار ١ والتمکن فيه. قال أبو عبيدة: فى قوله تعالى ﴿ استوى) قال: علا. وتقول العرب: استويت فوق الدابة ، واستويت فوق البيت . قال أبو عمرو : الاستقرار فى العلو . وبهذا خاطبنا الله عز وجل فى كتابه . فقال ( لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه﴾ وقال ﴿ واستوت على الجودى﴾ وقال ﴿فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك ﴾. وقال الشاعر: فأوردتهم مأسفاً قعره وقد حلق النجم اليمانى فاستوى وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد أن معناه: استولى. لأن النجم لا يستولى. وقد ذكر النضر بن شميل - وكان ثقة مأموناً جليلا فى علم الديانة واللغة - قال حدثنى الخليل - وحسبك بالخليل - قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابى - وكان من أعلم من رأيت - فإذا هو على سطح، فسلمنا، فرد علينا السلام ، وقال لنا: استووا . فبقينا متحيرين. ولم ندر ماقال . فقال لنا أعرابى إلى جنبه: أمركم أن ترتفعوا . قال الخليل: هو من قول الله عز وجل ﴿ ثم استوى إلى السماء وهى دخان﴾ فصعدنا إليه. وأما من نزع منهم بحديث عبد الله بن واقد الواسطى بإسناده عن ابن عباس (( الرحمن على العرش استوى: استولى على جميع بريته، فلا يخلو منه مكان)) = بـ ٢٩ - - بحجة لعله دخل على امرأته وهو غلام فسمع منها فإن حديثه يستبين فيه الصدق يروى مرة حدثنى أبو الزناد ومرة ذكر أبو الزناد ويقول حدثنى الحسن بن دينار عن أيوب عن عمرو بن شعيب فى سلف وبيع وهو أروى الناس عن عمروبن شعيب . وأما قولكم إنه لم يصرح بسماعه من يعقوب بن عتبة فعلى تقدير ثبوب العلم بهذا الغفى لا يخرج الحديث عن كونه حسناً، فإنه قد لقى يعقوب وسمع منه وفى الصحيح قطعة من الإحتجاج بعدسنة المداس كأبى الزبير عن جابر وسفيان عن عمرو بن دينار ونظائره كثيرة لذلك. - = فالجواب أن هذا حديث منكر ونقلته مجهولون ضعفاء، وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول. فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا من الحديث ، لو عقلوا أو أنصفوا أما سمعوا الله عز وجل يقول ﴿ وقال فرعون ياهامان ابن لى صرحاً لعلى أبلغ الأسباب أسباب السموات، فأطلع إلى إله موسى ، وإنى لأظنه كاذباً﴾ فدل على أن موسى كان يقول إلهى فى السماء، وفرعون يظنه كاذباً. وقال أمية بن أبى الصلت : فسبحان من لا يقدر الخلق قدره ومن هو فوق العرش فرد موحد لعزته تعنو الوجوه وتسجد مليك على عرش السماء مهيمن قال أبو عمر بن عبد البر وإن احتجوا بقوله تعالى ﴿ وهو الذى فى السماء إله وفى الأرض إله) وبقوله ( وهو الله فى السموات وفى الأرض) وبقوله ﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم - الآية). قيل لهم لا خلاف بيننا وبينكم وبين سائر الأمة: أنه سبحانه ليس فى الأرض دون السماء . فوجب حمل هذه الآية على المعنى الصحيح المجمع عليه. وذلك أنه سبحانه فى السماء إله معبود من أهل السماء ، وأنه سبحانه فى الأرض إله معبود مستحق للعبادة من أهل الأرض . وكذلك قال أهل العلم بالتفسير وظاهر التنزيل يشهد أنه على العرش . والاختلاف فى ذلك ساقط . وأسعد الناس به من ساعده الظاهر . == - ٣٠ - - وأما قولكم تفرد به يعقوب بن عتبة ولم يرو عنه أحد من أصحاب الصحيح فهذا ليس بعلة باتفاق المحدثين ، فإن يعقوب ثقة لم يضعفه أحد ، وكم من ثقة قد احتج به وهو غير مخرج عنه فى الصحيحين ، وهذا هو الجواب عن تفرد محمد ابن جبير عنه فإنه ثقة . وأما قولكم أن ابن إسحاق اضطرب فيه فقد اتفق ثلاثة من الحفاظ عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار على وهب بن جرير عن أبيه عن ابن إسحاق - = وأما قوله ( وفى الأرض إله) فالاجماع والاتفاق قد بين المراد : أنه معبود من أهل الأرض . فتدبر هذا فإنه قاطع . ومن الحجه أيضاً على أنه تبارك وتعالى على العرش فوق السموات : أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر ، أو نزلت بهم شدة ، رفعوا أيديهم ووجوههم إلى السماء، فيستغيثون ربهم تبارك وتعالى. وهذا أشهر عند العامة والخاصة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته . لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للأمة التى أراد مولاها عتقها . فاختبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلم إن كانت مؤمنة أم لا . فقال لها (( أين الله فأشارت إلى السماء. ثم قال لها: من أنا قالت: رسول الله. قال: اعتقها فإنها مؤمنة) . فا كتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم برفعها رأسها إلى السماء ، واستغنى بذلك عما سواه. هذا لفظ أبى عمر فى الاستذكار . وذكره فى التمهيد أطول منه . وقال البيهقى أخبرنا أبو عبدالله الحافظ وأبو سعيد بن أبى عمرو حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا هرون بن سليمان حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله قال « بين سماء الدنيا والتى تليها خمسمائة عام ، وبين كل سماء خمسمائة عام ، وبين السماء السابعة والكرسى خمسمائة عام، وبين الكرسى وبين الماء خمسمائة عام ، والكرسى فوق الماء . واللهعز وجل فوق الكرسى ويعلم ما أنتم عليه)). = - ٣١ - - أنه حدث به عن يعقوب بن عتبة وجبير بن محمد عن أبيه ، وخالفهم أحمد بن سعيد الدمياطى فقال عن وهب بن جرير عن أبيه سمعت محمدبن إسحاق يحدث عن يعقوب بن عتبة عن جبير ، فإما أن تكون الثلاثة أولى ، وإما أن يكون يعقوب رواه عن جبير بن محمد فسمعه منه ابن إسحاق ثم سمعه من جبير نفسه حدث به على الوجهين. وقد قيل إن الواو غلط وأن الصواب عن يعقوب بن عقبة عن جبير بن محمد عن أبيه . = قال : ورواه عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة عن عاصم بن بهدلة عن أبى وائل عن عبد الله بن مسعود قال ((ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام . ثم بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام ، وغلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام ، ثم ما بين السماء السابعة وبين الكرسى مسيرة خمسمائة عام وما بين الكرسى والماء خمسمائة عام والكرسى فوق الماء والله فوق العرش. ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم)). وقال الشافعى - فى كتاب الأم ، ورويناه فى مسنده - أخبرنا إبراهيم بن محمد قال حدثنى موسى بن عبيد قال حدثنى أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة عن عبيد الله بن عبيد بن عمير أنه سمع أنس بن مالك رضى الله عنه يقول (( أتى جبريل النبى صلى الله عليه وسلم بمرآة بيضاء فيها نكتة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما هذه؟ فقال هذه الجمعة فضلت بها أنت وأمتك . والناس لكم فيها تبع : اليهود والنصارى ، ولكم فيها خير وفيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو الله بخير إلا استجيب له. وهو عندنا يوم المزيد . فقال النبى صلى الله عليه وسلم يا جبريل وما يوم المزيد؟ فقال إن ربك اتخذ فى الفردوس وادياً أفيح فيه كثيب من مسك . فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله تبارك وتعالى ما شاء من ملائكته وحوله منابرمن نور عليها مقاعد للنبيين وحف تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزبرجد عليها الشهداء والصديقون . جلسوا من ورائهم على تلك الكثبان ، فيقول الله عز وجل : أنا ربكم قد صدقتكم وعدى فسلونى أعطكم . فيقولون ربنا نسألك رضوانك. فيقول قد رضيت عنكم= - ٣٢ - - وأما قولكم إنه اختلف لفظه فبعضهم قال ليشط به وبعضهم لم يذكر لفظة به، فليس فى هذا اختلاف يوجب رد الحديث ، فإذا زاد بعض الحفاظ لفظة لم ينفها غيره ولم يرو ما يخالفها فإنها لا تكون موجبة لرد الحديث ، فهذا جواب المنتصرين لهذا الحديث . قالوا : وقد روى هذا المعنى عن النبى صلى الله عليه وسلم من غير حديث ابن إسحاق فقال محمد بن عبد الله الكوفى المعروف بمطين حدثنا عبد الله بن - = ولكم ما تمنيتم ولدى مزيد. فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخير. وهو اليوم الذى استوى فيه ربك تبارك وتعالى على العرش . وفيه خلق آدم ، وفيه تقوم الساعة)). قال الشافعى وأخبرنا إبراهيم بن محمد قال حدثنى أبو عمران إبراهيم بن الجعد عن أنس بن مالك شبيهاً به . احتج به الشافعى فى فضل الجمعة وكان حسن القول فى إبراهيم بن محمد شيخه . والحديث له طرق عديدة . ورواه أبو اليمان الحكم بن نافع حدثنا صفوان قال : قال أنس بن مالك رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أنانى جبريل - فذكره)). ورواه محمد بن شعيب عن عمر مولى عفرة عن أنس بن مالك عن النبى صلى الله عليه وسلم . ورواه أبو طيبة عن عثمان بن عمير عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد جمع أبو بكر بن أبى داود طرقه وقال : أبو ظبية اسمه رجاء بن الحرث ثقة وعثمان بن عمير يكنى أبا اليقظان . وقد تواترت الأحاديث الصحيحة التى أجمعت الأمة على صحتها وقبولها : بأن النبى صلى الله عليه وسلم عرج به إلى ربه وأنه جاوز السموات السبع، وأنه تردد بين موسى وبين الله عز وجل مراراً فى شأن الصلاة وتخفيفها وهذا من أعظم الحجج على الجهمية فإنهم لا يقولون عرج به إلى ربه وإنما يقولون عرج به إلى السماء . = - ٣٣ - - الحكم وعثمان فالا حدثنا يحيى عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن عبد الله بن خليفة عن عمر قال. (( أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت: ادع الله أن يدخلفى الجنة فعظم أمر الرب ثم قال إن كرسيه فوق السموات والأرض وإنه يقعد عليه فما يفصل منه مقدار أربع أصابع ثم قال بأصابعه فجمعها ، وإن له أطيطاً كأطيط الرحل » الحديث . = وقد تواترت الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم ((بأن الله عز وجل ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا يقول : هل من تائب وأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ )) رواه بضعة وعشرون صحابياً . وفى مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه من حديث محمد بن المنكدر عن جابر ابن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((بينا أهل الجنة فى نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب تبارك وتعالى قد أشرف عليهم من فوقهم ، فقال السلام عليكم يا أهل الجنة . قال وذلك قوله تعالى ( سلام قولا من رب رحيم ) فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شىء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حق يحجب عنهم ويبقى نوره وبركته عليهم فى ديارهم )) وفى الصحيحين عن أبى موسى قال ((قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال (( إن الله لا ينام ولا ينبغى له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل ، وعمل الليل قبل عمل النهار ، حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه). قال أبو عبد الله الحاكم فى علوم الحديث فى النوع العشرين: سمعت محمد بن صالح ابن هانىء يقول سمعت أبا بكر بن إسحاق بن خزيمة يقول: من لم يقر بأن الله على عرشه قد استوى فوق سبع سمواته فهو كافر به يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وألقى على بعض المزابل حيث لا يتأذى المسلمون ولا المعاهدون بنتن ريح جيفته ، وكان ماله فيئاً لا يرثه أحد من المسلمين ، إذ المسلم لا يرث الكافر . كما قال النبى صلى الله عليه وسلم . = (٣ - عون المعبود ١٣) - ٣٤ - - فإن قيل عبد الله بن الحكم وعثمان لا يعرفان قيل بل هما ثقتان مشهوران عثمان بن أبى شيبة وعبد الله بن الحكم القطوانى وهما من رجال الصحيح. وفى الصحيحين من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لما قضى الله الخلق كتب فى كتاب فهو عنده فوق عرشه إن رحمتى غلبت غضبى)) . وفى لفظ البخاري ((وهو وضع عنده على العرش)). - = وقال بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان عن الضحاك فى قوله تعالى ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم) قال ((هو الله عز وجل على العرش وعلمه معهم )) ذكره البيهقى . وبهذا الإسناد قال مقاتل بن حيان: بلغنا - والله أعلم - فى قوله عز وجل (هو الأول) قبل كل شىء (والآخر) بعد كل شىء ( والظاهر) فوق كل شىء ( والباطن ) أقرب من كل شىء ، وإنما يعنى بالقرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه (وهو بكل شىء عليم ) )) ذكره البيهقى أيضاً. قال : وبهذا الإسناد عن مقاتل بن حيان فى قوله ( إلا هو معهم) يقول ((علمه)) وذلك قوله ( إن الله بكل شىء عليم ) فيعلم نجواهم ويسمع كلامهم ثم ينبهم يوم القيامة بكل شيء وهو فوق عرشه وعلمه معهم . وقال الحاكم: سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانىء يقول سمعت محمد بن نعيم يقول سمعت الحسن بن الصباح البزار يقول سمعت على بن الحسن بن شقيق يقول : سألت عبد الله بن المبارك. قلت ((كيف نعرف ربنا ؟ قال : فى السماء السابعة على عرشه )) . قال الحاكم: وأخبرنا أبو بكر محمد بن داود الزاهد حدثنا محمد بن عبد الرحمن الشامى حدثنى عبد الله بن أحمد بن سيبويه المروزى قال سمعت على بن الحسن بن شقيق يقول سمعت عبد الله بن المبارك يقول (( نعرف ربنا فوق سبع سموات على العرش استوى ، بائن من خلقه ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه هاهنا، وأشار إلى الأرض)). = - ٣٥ - - وفى لفظ له أيضاً: (فهو مكتوب فوق العرش)) ووضع بمعنى موضوع مصدر بمعنى المفعول كنظائره. انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى. وقد أطال الكلام فى ترجمة محمد بن إسحاق الحافظ الذهبى فى ميزان الاعتدال والحافظ فتح الدين بن سيد الناس اليعمرى فى عيون الأثر فى المغازى والسير فعليك بمراجعتهما. - = وقال عبد الله بن سعيد بن كلاب فيما حكاه عنه أبو بكر بن فورك ((وأخرج من النظر والخبر قول من قال : لا هو داخل العالم ولا خارجه فنفاه نفياً مستوياً لأنه لو قيل له : صفه بالعدم ما قدر أن يقول فيه أكثر منه ورد أخبار الله نصاً وقال فى ذلك بما لا يجوز فى خبر ولا معقول وزعم أن هذا هو التوحيد الخالص والنفى الخالص عندهم والإثبات الخالص وهم عند أنفسهم قياسون)) هذا حكاية لفظه . وقال الخطابى فى كتاب شعار الدين : القول فى أن الله تعالى مستو على العرش. هذه المسألة سبيلها التوقيف المحض ولا يصل إليها الدليل من غير هذا الوجه وقد نطق به الكتاب فى غير آية ووردت به الأخبار الصحيحة فقبوله من جهة التوقيف واجب والبحث عنه وطلب الكيفية غير جائز. وقد قال مالك ((الاستواء معلوم والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة )). فمن التوقيف الذى جاء به الكتاب قوله تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) وقال ( ثم استوى على العرش الرحمن ) وقال ( رفيع الدرجات ذو العرش ) وقال ( أأمنتم من فى السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هى تمور ، أم أمنتم من فى السماء أن يرسل عليكم حاصباً؟) وقال ( تعرج الملائكة والروح إليه) وقال ( بل رفعة الله إليه) وقال ( إليه يصعد الكلم الطيب ) وقال حكاية عن فرعون أنه قال ( يا هامان ابن لى صرحاً لعلى أطلع إلى إله موسى) فوقع قصد الكافر إلى الجهة التى أخبره موسى عنها ولذلك لم يطلبه فى طول الأرض ولا عرضها ولم ينزل إلى طبقات الأرض السفلى . فدل ما تلوناه من هذه الآى على أن الله سبحانه فى السماء مستو على العرش ولو كان بكل مكان لم يكن لهذا التخصيص معنى ولا فيه فائدة وقد جرت عادة المسلمين = - ٣٦ - ٤٧٠١ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَفْصِ بنِ عَبْدِ اللهِ أخبرنا أبى حدَّثنى إبْرَاهِيمُ بنُ طَهِفَنَ عن مُوسَىَ بنِ عُقْبَةَ عن حُمَّدٍ بِنِ الْمِنْكَدِرِ عن جَابِرِ ابنِ عَبْدِ اللهِ عن رَسُولِ اللهِ [النَّبِىِّ] صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((أُذِنَ لِ أَنْ أُحَدَّثَ مِن مَلَكٍ مِنْ مَلاَئِكَةَ اللهِ تَعَلَى مِنْ ◌َةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَابَيْنَ شَحْمَةٍ أُذُنِهِ إِلَى عَنِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمَانَّةِ عَمٍ)). - (أذن لى) بالبناء للمفعول، والاذن له هو الله ( أن أحدث) أصحابى أو الناس (عن ملك ) أى عن شأنه أو عن عظم خلقه (إلى عاتقه ) هو ما بين المنكبين إلى أصل العفق ( مسيرة سبع مائة عام ) أى بالفرس الجواد كما فى خبر آخر فما ظنك بطوله وعظم جثته، والمراد بالسبعين التكثير لا التحديد. والحديث إسناده صحيح قاله المنساوى فى التيسير . والحديث أخرجه أيضاً الضياء المقدسى فى المختارة والبيهقى فى كتاب الأسماء والصفات وسكت عنه المنذرى . - = خاصتهم وعامتهم بأن يدعوا ربهم عند الابتهال والرغبة إليه ويرفعوا أيديهم إلى السماء وذلك لاستفاضة العلم عندهم بأن ربهم المدعو فى السماء سبحانه . ثم ذكر قول من فسر الاستواء بالاستيلاء وبين فساده. وقال أبو الحسن الأشعرى فى كتاب مقالات المصلين له فى باب ترجمته باب اختلافهم فى البارى : هل هو مكان دون مكان أم ليس فى مكان أم فى كل مكان وهل حملة العرش ثمانية أملام أم ثمانية أصناف من الملائكة . اختلفوا فى ذلك على سبع عشرة مقالة . ثم قال : وقال أهل السنة والحديث ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرش كما قال ( الرحمن على العرش استوى ). فلا نتقدم بين يدى الله فى القول بل نقول استوى بلا كيف . - ٣٧ - ٤٧٠٢ - حدثنا عَلِيُّ بِنُ تَصْرٍ وَعُمَّدُ بِنُ يُونُسَ النَّسَائِىُّ لَعْنَى قَالاَ أنبأنا عَهْدُ اللهِ بنُ يَزَيدَ المُقْرِئُ أخبرنا حَرْمَلَةُ - يَعنى ابنَ عِمْرَانَ - حدَّثنى أَبُو يُؤنُسَ سُلَيْمُ بنُ جُبَيْرٍ مَوْلَى أَبِى هُرَيْرَةَ قال ((سَمِعْتُ أَبَ هُرَيْرَةَ بَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ كُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَاَ - إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: سَمِيعاً بَصِيراً﴾ قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَضَعُ إِبْهَ مَهُ عَلَى أُذَفِهِ وَالَتى تَلِهَاَ عَلَى عَيْنِهِ [عَيْذَيْهِ] قال أَبُو هُرَيْرَةَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَقْرَأْهَا وَيَضَعُ إِصْبَعَيْهِ [ إِصْبَعَهٍ] . قال ابنُ يُونُسَ قال المُقْرِئُ: يَعَنِى أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ - يَعْنى أَنَّ لِ سَتْعًا وَبَصَراً)). [ قال بُونُسُ قال المُغْرِىُّ: وَهَذَا رَةٌّ عَلَى الْجَهْنِيَّةِ] قال أبُو دَاوُدَ: وَهْذَا رَدٌّ عَلَى الْجَهْفِيَّةِ. - ( والتى تليها) أى على الابهام يعنى السبابة (قال ابن يونس) هو محمد ( قال المقرى) هو عبد الله بن يزيد (وهذا) أى هذا الحديث (رد على الجهمية) لأنه يثبت منه صفة السمع والبصر لله تعالى . - = وأن له وجهاً كما قال ( ويبقى وجه ربك ). وأن له یدین كما قال ( خلقت بيدى ). وأن له عينين كما قال ( تجرى بأعيننا ) . وأنه يجىء يوم القيامة وملائكته كما قال (وجاء ربك والملك صفا صفا). وأنه ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء فى الحديث . ولم يقولوا شيئاً إلا ما وجدوه فى الكتاب أو جاءت به الرواية الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقالت المعتزلة : إن الله استوى على عرشه بمعنى استولى . - ٣٨ - - قال الإمام الخطابى فى معالم السنن: وضعه إصبعيه على أذنه وعينه عند قراءته سميعاً بصيراً معناه إثبات صفة السمع والبصر لله سبحانه لا إثبات العين والأذن لأنهما جارحتان والله سبحانه موصوف بصفاته منفياً عنه ما لا يليق به من صفات الآدميين ونعوتهم ، ليس بذى جوارح ولا بذى أجزاء وأبعاض ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) انتهى. ورد عليه بعض العلماء فقال قوله لا إثبات العين والأذن الخ ليس من كلام أهل التحقيق وأهل التحقيق يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ولا يبتدعون لله وصفاً لم يرد به كتاب ولا سنة، وقد قال تعالى ﴿ولتصنع على عينى ﴾ وقال ( تجرى بأعيننا). - = وقال بعد ذلك فى حكاية قول أهل السنة والحديث : هذه حكاية قول جملة أصحاب الحديث وأهل السنة . جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة : الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يردون من ذلك شيئاً . وأنه تعالى إله واحد أحد فرد صمد لا إله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولداً . وأن محمداً عبده ورسوله . وأن الجنة حق والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من فى القبور. وأن الله تعالى على عرشه كما قال ( الرحمن على العرش استوى ). وأن له يدين بلا كيف كما قال ( خلقت بيدى) ( بل يداه مبسوطتان). وأن له عينين بلا كيف كما قال ( تجرى بأعيننا). وأن له وجهاً كما قال ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ). ثم ذكر مذهب عبد الله بن سعيد بن كلاب فقال : كان يقول إن القرآن كلام الله - وساقه إلى أن قال - وأنه مستو على عرشه كما قال وأنه تعالى فوق كل شىء هذا كله لفظه فى المقالات . - ٣٩ - .- وقوله ليس بذى جوارح ولا بذى أجزاء وأبعاض كلام مبتدع مخترع لم يقله أحد من السلف لا نفياً ولا إثباتاً بل يصفون الله بما وصف به نفسه ويسكتون عما سكت عنه ولا يكيفون ولا يمثلون ولا يشبهون الله بخلقه فمن شبه الله بخلقه فقد كفر، وليس ماوصف الله به نفسه ووصفه به رسوله تشبيهاً . وإثبات صفة السمع والبصر الله حق كما قرره الشيخ انتهى كلامه . قلت : ماقاله هو الحق وما قال الخطابى فهو ليس من كلام أهل التحقيق . وعليك أن تطالع كتاب الأسماء والصفات للبيهقى ، وإعلام الموقعين ، واجتماع الجيوش، والكافية الشافية، والصواعق المرسلة، وتهذيب السنن كلها لابن القيم رحمه الله، وكتاب العلو للذهبى ، وغير ذلك من كتب المتقدمين والمتأخرين والحديث سكت عنه المنذرى . فائدة قال الحافظ ابن حجر فى فتح البارى: أخرج أبو القاسم اللالكائى فى كتاب السنة عن أم سلمة أنها قالت الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإقرار به إيمان والجحود به كفر)). ومن طريق ربيعة بن أبى عبدالرحمن أنه سئل كيف استوى على العرش فقال ((الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول وعلى الله الرسالة وعلى - = وقال أبو الحسن الأشعرى رحمه الله أيضاً فى كتاب الموجز: وإن قالوا : أفتزعمون أن الله فى السماء قيل له قد نقول إن الله عال فوق العرش مستو عليه والعرش فوق السماء ولا نصفه بالدخول فى الأمكنة ولا المباينة لها . وأما قوله تعالى (وهو الذى فى السماء إله وفى الأرض إله ) فإن معناه أنه إله أهل الأرض وإله أهل السماء . وقد جاءت الأخبار أن الله تبارك وتعالى ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة فكيف = - ٤٠ - - رسوله البلاغ وعلينا التسليم)) وأخرج البيهقى بسند جيد عن الأوزاعى قال كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله على عرشه ونؤمن بماوردت به السنة من صفاته . وأخرج الثعلبى من وجه آخر عن الأوزاعى أنه سئل عن قوله تعالى ثم استوى على العرش فقال هو كما وصف نفسه . وأخرج الويهقى بسند جيد عن عبد الله بن وهب قال كنا عند مالك فدخل رجل فقال ياأبا عبد الله ( الرحمن على العرش استوى) كيف استوى فأطرق مالك فأخذته الرحضاء ثم رفع رأسه فقال الرحمن على العرش استوى كما وصف به نفسه ولا يقال كيف وكيف عنه مرفوع وما أراك إلا صاحب بدعة أخرجوه . وفى رواية عن مالك والإقرار به واجب والسؤال عنه بدعة . وأخرج البيهقى من طريق أبى داود الطيالسى قال كان سفيان الثورى وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا يحددون ولا يشبهون - = يكون فيها وهو ينزل إليها. كما جاءت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أن الله تبارك وتعالى ينزل إلى سماء الدنيا)). فهذا الذى استقر عليه مذهب أبى الحسن فى كل كتبه كالموجز والمقالات والمسائل ورسالته إلى أهل الثغر والإبانة أن الله فوق عرشه مستو عليه ولا يطلق عليه لفظ المباينة لأنها عنده من لوازم الجسم والله تعالى منزه عن الجسمية . فظن بعض أتباعه أن نفيه للمباينة نفى للعلو والاستواء بطريق اللزوم فنسبه إليه وقال عليه ما هو قائل بخلافه وهذا بين لكل منصف تأمل كلامه وطالع كتبه . وفى كتاب السنة أعبد الله بن أحمد - من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما قال ((تفكروا فى كل شىء ولا تفكروا فى ذات الله فإن بين =