النص المفهرس

صفحات 321-340

-٣٢١-
٤٢٣١ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحِ عن عَنْبَةً عن يُونُسَ من الزُّهْرِيِّ
قال: ((وَسُلاَحٌ قَرِيبٌ مِنْ خَيْبَرَ )).
- ويلتجؤا (إلى المدينة) أى مدينة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لمحاصرة العدو
إياهم أو يفر المسلمون من الكفار ويجتمعون بين المدينة. وسلاح وهو موضع قريب
من خيبر أو بعضهم دخلوا فى حصن المدينة وبعضهم ثبتوا حواليها احتراماً عليها
قاله القارى . وقال الشيخ عبد الحق الدهلوى : الظاهر أن هذا إخبار عن حال
المسلمين زمن الدجال حين يأرز الإسلام إلى المدينة المطهرة أو يكون هذا فى
زمان آخر (أبعد مسالحهم) بفتح الميم جمع مسلحة وأصله موضع السلاح ثم
استعمل للثغر وهو المراد ها هنا أى أبعد ثغورهم هذا الموضع القريب من خيبر
القريب من المدينة على عدة مراحل ، وقد يستعمل لقوم يحفظون الثغور
من العدو .
قال ابن الأثير فى النهاية : المسالح جمع المسلح والمسلحة القوم الذين يحفظون
الثغور من العدو، وسموا مسلحة لأنهم يكونون ذوى سلاح أو لأنهم يسكنون
المسلحة وهى كالثغر والمرقَب يكون فيه أقوام يرقبون العدو لئلا يطرقهم على غفلة
فإذا رأوه أعلموا أصحابهم ليتأهبوا له انتهى .
وفى المصباح المنير: الثغر من البلاد الموضع الذى يخاف منه مجوم العدو فهو
كالثلمة فى الحائط يخاف مجوم السارق منها ، والجمع ثغور مثل فلس وفلوس
(سلاح) بفتح السين . قال فى المرقاة: وقد ضبط برفعه مضموماً على أنه اسم
مؤخر والخبر قوله أبعد ، وفى نسخة برفعه منوناً وفى أخرى بكسر الحاء. ففى
القاموس: سلاح كسحاب وقطام موضع أسفل خيبر. وقال ابن الملك سلاح
هو منون فى نسخة ومبنى على الكسر فى أخرى، وقيل مبنى على الكسر فى -
(٢١ - عون المعبود ١١)

- ٣٢٢-
٤٢٣٢ - حدثنا سُلَيْانُ بنُ حَرْبٍ وَحُمَّدُ بنُ عِيسَى قالاَ أخبرنا ◌َّاهُ
ابنُ زَيْدٍ عن أَيُّوبَ عن أبى قِلاَبَةَ عن أَبِى أَسْمَاءِ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قالَ
رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((إِنَّ اللّهَ تَعَالَى زَوَى لِىَ الْأَرْضَ، أَوْ قالَ :
إِنَّ رَبِى زَوَى لِىَ الْأرْضَ فَأُرِيتُ [فَرَأَيْتُ] مَشَارِقَها وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ مُلْكَ
أُمَِّ سَيَبْلُغُ مازُوِىَ لِ مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكْزَيْنِ الْأَرَ وَالْأبْيَضَ، وَإِنَّى
- الحجاز غير منصرف فى بنى تميم . والمعنى أبعد تغورهم هذا الموضع القريب من
خيبر وهذا يدل على كمال التضييق عليهم وإحاطة الكفار حواليهم قاله القارى .
قال المزى : حديث جرير بن حازم الأزدى البصرى عن عبيد الله بن عمر عن
نافع عن ابن عمر أخرجه أبو داود فى الفتن عن ابن وهب عن جرير انتهى .
قلت وفيه مجهول لأن أباداود قال حدثت ولم يبين من حدث به وأخرجه
الحاكم فى المستدرك والله أعلم .
(زوى لى الأرض ) قال الخطابي: معناه قبضها وجمعها، يقال: انزوى
الشىء إذا انقبض وتجمع (مشارقها) أى الأرض ( ما زوى لى منها) أى
من الأرض .
قال الخطابي : يتوهم بعض الناس أن من هاهنا معناها التبعيض فيقول
كيف شرط هاهنا فى أول الكلام الاستيعاب ورد آخره إلى التبعيض وليس
ذلك على ما يقدرونه وإنما معناه التفصيل للجملة المتقدمة والتفصيل لا يعاقض
الجملة ولا يبطل شيئاً منها، لكنه يأتى عليها شيئاً فشيئاً ويستوفيها جزءاً جزءاً.
والمعنى أن الأرض زويت جملتها له مرة واحدة فرآها ثم يفتح له جزء جزء منها
حتى يأتى عليها كلها فيكون هذا معنى التبعيض فيها .
قال النووى : فيه إشارة إلى أن ملك هذه الأمة يكون معظم امتداده فى -

- ٣٢٣-
سَأَلْتُ رَبِّى تَعَالَى لِأُمَّتِى أَنْ لا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعامَّةٍ وَلا يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ
سِوَى أَنْسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتْهُمْ، وَإِنِّ رَبّى قَالَ لِ: يَا مُمَّدُ إِنِّى إذَا
قَضَيْتُ قَضَاءَ فَإِنَّهُ لا يُرَدُّ وَلا أَهْلِكُمْ بِسَنَّةٍ بِعامَّةٍ وَلا أُسَلِّطْ عَلَيْهِمْ عَدُوَّا
مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِحَ بَيْضَتَهُمْ وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِ أَقْطَارِهَا
- أو قالُ بأَقْطَارِهَا - حتى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضَاً وَحَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ
يُشْبِ بَعْضًا، وَإِنَّا أَخَافُ عَلَى أُمَِّ الْأَعْمَةَ المُضِلِينَ، وَإِذَا وُضِعَ السَّيْفُ
- جهتى المشرق والمغرب وهكذا وقع وأما فى جهتى الجنوب والشمال فقليل بالنسبة
إلى المشرق والمغرب انتهى (الأحمر والأبيض) أى الذهب والفضة .
وفى النهاية فالأحمر ملك الشام والأبيض ملك فارس ، وإنما قال الفارس
الأبيض لبياض ألوانهم ولأن الغالب على أموالهم الفضة، كما أن الغالب على ألوان
أهل الشام الحمرة وعلى أموالهم الذهب انتهى .
قال النووى: المراد بالكنزين الذهب والفضة ، والمراد كنز كسرى
وقيصر ماسكى العراق والشام (أن لا يهلكها ) أى أن لا يهلك الله الأمة
( بسنة) قحط ( بعامة) يعم الكل، وفى رواية مسلم بسعه عامة (فيستميح
بيضتهم ) أى مجتمعهم وموضع سلطانهم ومستقر دعوتهم أى يجعلهم له مباحاً
لا تبعة عليه فيهم ويسبيهم وينهبهم ، يقال أباحه يبيحه واستباحه يستبيحه،
والمباح خلاف المحذور ، وبيضة الدار وسطها ومعظمها أراد عدواً يستأصلهم
ويبلكهم جميعهم كذا فى النهاية (فإنه) أى القضاء (ولا أهلكهم بسنة بعامة)
أى لأهلكهم بقحط يعمهم بل إن وقع خط وقع فى ناحية يسيرة بالنسبة إلى
باقى بلاد الإسلام قاله النووى .
(ولو اجتمع) أى العدو (أقطارها) أى نواحى الأرض (الأئمة المضلين) -

- ٣٢٤-
فى أُمَِّ لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَلا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتّى تَلْحَقَ
قَبَائِلُ مِنْ أُمَّيِ بالُشْرِ كِينَ وَحتّى تَعْبُدَ قَائِلُ مِنْ أُمَّتِىِ الْأَوْثَانَ، وَإِنَّهُ
سَيَكُونُ فِى أُمَّتِ كَذَّابُونَ ثَلاَثُونَ، كُلُّهُمْ يَزْعُ أَنّهُ ذَبِىٌّ ، وَأَنَا خَمُ
النَّبِيِّينَ، لا نَبِىِّ بَعْدِى. وَلا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّقِ عَلَى الْحَقِّ. قال ابنُ
عِيسَى : ظَاهِرِينَ . ثُمَّ اتَّفَقًا - لا يَضُرُهُمْ مَنْ خَلَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ
اللهِ تَعَلَى )).
- أى الداعين إلى البدع والفسق والفجور (فى أمتى) أى من بعضهم لبعض (لم
يرفع) السيف ( عنها) أى عن الأمة ( إلى يوم القيامة) فإن لم يكن فى بلد
يكون فى بلد آخر وقد ابتدىء فى زمن معاوية وهلم جرا لا يخلو عنه طائفة من
الأمة . والحديث مقتبس من قوله تعالى ( أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس
بعض﴾ (بالمشركين) منها ما وقع بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فى خلافة
الصديق رضى الله عنه ( الأوثان ) أى الأصنام حقيقة ، والله يكون فيما سيأتى
أو معنى ومنه تعس عبد الدينار وعبد الدرهم ( وإنه) أى الشأن ( كذابون)
أى فى دعوتهم النبوة ( ثلاثون) أى هم أو عددهم ثلاثون ( وأنا خاتم النبيين)
بكسر التاء وفتحها والجملة حالية (لا نى بعدى) تفسير لما قبله ( على الحق)
خبر لقوله لا تزال أى ثابتين على الحق علماً وعملا (ظاهرين) أى غالبين على
أهل الباطل ولو حجة . قال الطيبي: يجوز أن يكون خبراً بعد خبر وأن يكون
حالا من ضمير الفاعل فى ثابتين أى ثابتين على الحق فى حالة كونهم غالبين على
العدو ( ثم اتفقا) أى سليمان بن حرب ومحمد بن عيسى (من خالفهم) أى لثباتهم
على دينهم (حتى يأتى أمر الله تعالى) متعلق بقوله لا تزال . قال فى فتح الودود:
أى الريح الذى يقبض عندها روح كل مؤمن ومؤمنة . وفى رواية الشيخين من -

- ٣٢٥ -
٤٢٣٣ - حدثنا محمَّدُ بنُ عَوْفٍ الطَّائِيُ أخبرنا مُمَّدُ بنُ إستَمَاعِيلَ
حدّى أَبِى قَالَ ابْنُ عَوْفٍ وَقَرَأْتُ فِى أَصْلِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثَى ضَعْضَمٌ
عن شُرَيْحٍ عن أبى مَالِكٍ - يَعنى الأشْعَرِىِّ - قالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ
- حديث المغيرة بن شعبة ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله))
وأخرج الحاكم فى المستدرك عن عمر (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق
حتى تقوم الساعة)) قال المناوى: أى إلى قرب قيامها لأن الساعة لا تقوم حتى
لا يقال فى الأرض الله الله انتهى .
قلت : حديث ثوبان هكذا مطولا هو عند المؤلف ، وأما غير المؤلف
فأخرجه مفرقاً فى المواضع، تحديث إن الله زوى لى الأرض فرأيت مشارقها
ومغاربها إلى قوله يكون بعضهم يسبى بعضاً أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه
والترمذى كلهم فى الفتن وقال الترمذى حسن صحيح ، وحديث لا تزال طائفة
من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتى أمر الله على ذلك
أخرجه مسلم فى الجهاد وابن ماجه فى السنة والترمذى فى الفتن وزاد فى أوله إنما
أخاف على أمتى الأئمة المضلين وقال صحيح وأخرجه أبو داود فى الفتن ذكره
المزى فى الأطراف ، وحديث إذا وضع السيف أخرجه أبو داود والترمذى .
(محمد بن اسماعيل ) بن عياش ( حدثنى أبى ) اسماعيل بن عياش ( قال ابن
عوف) أى محمد بن عوف الطائى الحمصى ( وقرأت فى أصل اسماعيل ) أى فى
كتاب اسماعيل (قال) اسماعيل (حدثنى ضمضم) بن زرعة (عن شريح) بن
عبيد الحضرمى ( عن أبى مالك يعنى الأشعرى) قال المزى فى الأطراف :
واختلف فى اسمه فقيل الحارث بن الحارث ، وقيل عبيد ، وقيل عمرو ، وقيل
كعب بن عاصم، وقيل عبيد الله، وقيل كعب بن كعب، وقيلى عامر بن الحارث
ابن هانى بن كلثوم نزل الشام انتهى . والمعنى أن هذا الحديث روى ابن عوف -

-٣٢٦ -
عليه وسلم: ((إِنَّ اللهَ أَجَارَ كُمْ مِنْ ثَلاَثِ خِلاَلٍ: أَنْ لا يَدْعُوَ عَلَيْكُ.
نَبِيُّكُمْ فَتَهْلِكُوا جَمِيعاً، وَأَنْ لا يَظْهَرَ أَهْلُ الْبَاطِلِ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ، وَأَنْ
لا تَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَاَلَةٍ »
- أولا عن محمد بن اسماعيل عن أبيه اسماعيل عن ضمضم كل منهم بالتحديث
والسماع ، وروى ابن عوف ثانياً عالياً بدرجة عن كتاب اسماعيل قال حدثنى
ضمضم، فلابن عوف فى هذا الحديث إسنادان عن محمد بن اسماعيل عن أبيه عن
ضمضم وعن كتاب اسماعيل عن ضمضم ، لكن قال المناوى محمد بن اسماعيل عن
أبيه. قال أبو حاتم لم يسمع من أبيه .
وقال المنذرى: أبوه تكلم فيه غير واحد ، وقال الحافظ فى التلخيص فى
إسناده انقطاع وله طرق لا يخلو واحد منها من مقال، وقال فى موضع آخر سنده
حسن فإنه من رواية ابن عياش عن الشاميين وهى مقبوله وله شاهد عند أحمد
رجاله ثقات لكن فيه راو لم يسم . وقال فى تخريج المختصر اختلف فى أبى مالك
راوى هذا الحديث من هو ، فإن فى الصحب ثلاثة يقال لكل منهم أبو مالك
الأشعرى أحدهم راوى حديث المعارف وهو مشهور بكنيته وفى اسمه خلاف ،
الثانى الحارث بن الحارث مشهور باسمه أكثر ، الثالث كعب بن عاصم مشهور
باسمه دون كفيته . وذكر المزى هذا الحديث فى ترجمة أبى مالك الأشعرى
الأول ، وذكره الطبرانى فى ترجمة الثانى. قال الحافظ : وصح لى أنه الثالث
انتهى كلام المناوى .
(إن الله أجاركم) حماكم ومنعكم وأنقذكم ( من ثلاث خلال ) خصال ،
الأولى (أن لا يدعو عليكم نبيكم) كمادعا نوح على قومه (فتهلكوا) بكسر
اللام (جميعاً) أى بل كان النبى كثير الدعاء لأمته ( و) الثانية ( أن لا يظهر)
أى لا يغلب (أهل) دين (الباطل) وهو الكفر (على) دين (أهل الحق) -

- ٣٢٧ -
٤٢٣٤ - حدثنا عُمَّدُ بنُ سُلَيْمَانُ الْأُنْبَارِىُّ قَالَ أخبرنا عَبْدُ الرَّحْمنِ
عن سُفْيَنَ عن مَنْصُورٍ من رِبْعِيِّ بنِ حِرَاشِ عِنْ الْبَرَاءِ بنِ نَجِهَةً عن
عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ عن النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ: ((تَدُورُ [يَدُورُ]
رَحَى الْإِسْلاَمِ يِخَمْسٍ [لِخَمْسٍ ] وَثَلاَئِينَ، أَوْ سِتٍ وَثَلَائِينَ، أَوْ سَبْجِ
وَثَلَائِينَ، فَإِنْ يَهْلِكُوا فَسَبِيلُ مَنْ مَلَكَ، وَإِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ يَقُمْ لَهُمْ
- وهو الإسلام بحيث يمحقه ويطفى. نوره (و) الثالثة (أن لا تجتمعوا على ضلالة)
وفيه أن إجماع أمته حجة وهو من خصائصهم . والحديث تفرد به أبو داود
وفيه انقطاع وكلام كما تقدم . وأخرجه أيضاً الطبرانى والله أعلم .
( تدور رحى الإسلام بخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين )
إعلم أن العلماء اختلفوا فى بيان معنى دوران رحى الإسلام على قولين: الأول
أن المراد منه استقامة أمر الدين واستمراره، وهذا قول الأكثرين، والثانى
أن المراد معه الحرب والقتال وهذا قول الخطابى والبغوى. قال العلامة الأردبيلي
فى الأزهار شرح المصابيح قال الأكثرون المراد بدوران رحى الإسلام استمرار
أمر النهوة والخلافة واستقامة أمر الولاة وإقامة الحدود والأحكام من غير فتور
ولا فطور إلى سنة خمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين من الهجرة
بدليل قوله صلى الله عليه وسلم فى آخر الحديث مما مضى . وقال الخطابى فى المعالم
والشيخ فى شرح السنة : المراد بدوران رحى الإسلام الحرب والقتال وشبهها
بالرحى الدوارة بالحب لما فيها من تلف الأرواح والأشباح انتهى .
فإن قلت: إرادة الحرب من دوران رحى الإسلام أظهر وأوضح من إرادة
استقامة أمر الدين واستمراره لأن العرب يكنون عن الحرب بدوران الرحى .
قال الشاعر :
فدارت رحانا واستدارت رحام *

-٣٢٨-
سَبْعِينَ عَمَاَ. قالَ قُلْتُ: أَعْمً بَقَ أَوْ عِمَأَ مَضَى؟ قَالَ: مِأَ مَضَى »
- فتكيف اختار الأكثرون الأول دون الثانى .
· قلت . لا شك أن العرب يكنون عن الحرب بدوران الرحى لكن إذا
كان فى الكلام ذكر الحرب صراحة أو إشارة ، وليس فى الحديث ذكر
الجرب أصلا .
قال التور بشتى رحمه الله: إنهم يكنون عن اشتداد الحرب بدوران الرحى
ويقولون دارت رحى الحرب أى استتب أمرها ولم تجدهم استعملوا دوران الرحى
فى أمر الحرب من غير جريان ذكرها أو الإشارة إليها ، وفى هذا الحديث لم
يذكر الحرب وإنما قال رحى الإسلام فالأشبه أنه أراد بذلك أن الإسلام
يستهب أمره ويدوم على ما كان عليه المدة المذكورة فى الحديث.
ويصح أن يستعار دوران الرحى فى الأمر الذى يقوم لصاحبه ويستمر له ، فإن
الرحى توجد على نعت الكمال مادامت دائرة مستمرة ، ويقال فلان صاحب
دارتهم إذا كان أمرهم يدور عليه، ورحى الغيث معظمه، ويؤيد ما ذهبنا إليه
ما رواه الحربى فى بعض طرقه تزول رحى الإسلام مكان تدور ثم قال : كأن
تزول أقرب لأنها تزول عن ثبوتها واستقرارها. وكلام التوربشتى هذا ذكره
القارى فى المرقاة .
وقال ابن الأثير فى النهاية : يقال دارت رحى الحرب إذا قامت على ساقها ،
٠٤:٠
وأصل الرحى التى يطحن بها ، والمعنى أن الإسلام يمتد قيام أمره على سنن
الاستقامة ، والبعد من إحداثات الظلمة إلى تقضى هذه المدة التى هى بضع
و ثلاثون اشهى .
ثم اعلم أن اللام فى قوله خمس للوقت أو بمعنى إلى. قال الأردبيلي: واللام
فى الخمس للوقت كما لو قال أنت طالق لرمضان أى وقته .

-٣٢٩ -
[ قال أبُو دَاوُدَ: مَنْ قَالَ: خِرَاشٍ. فَقَدْ أَخْطَأَ].
-- قال الله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس) وقيل بمعنى إلى لأن حروف
الجارة يوضع بعضها موضع بعض انتهى. قلت كون اللام فى الخمس بمعنى إلى هو
الأظهر كما لا يخفى .
فإن قلت: قد ذكر فى الحديث انتهاء مدة دوران رحى الإسلام ولم يذكر
فيه ابتداء مدته فمن أى وقت يراد الابتداء .
قلت: يجوز أن يراد الابتداء من الهجرة أو من الزمان الذى بقيت فيه من
عمره صلى الله عليه وسلم خمس سنين أو ست سنين .
قال فى جامع الأصول : قيل إن الإسلام عند قيام أمره على سنن الاستقامة
والبعد من إحداثات الظلمة إلى أن ينقضى مدة خمس وثلاثين سنة، ووجهه أن
يكون قد قاله وقد بقيت من عمره صلى الله عليه وسلم خمس سنين أو ست فإذا
انضمت إلى مدة خلافة الخلفاء الراشدين وهى ثلاثون سنة كانت بالغة ذلك
المبلغ ، وإن كان أراد سنة خمس وثلاثين من الهجرة ، ففيها خرج أهل مصر.
وحصروا عثمان رضى الله عنه، وإن كانت سنة ست وثلاثين ففيها كانت وقعه
الجمل، وإن كانت سنة سبع وثلاثين ففيها كانت وقعة الصفين انتهى .
(فإن يهلكوا فسبيل من هلك وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاماً)
إعلم أنهم لما اختلفوا فى المراد بدوران رحى الإسلام على القولين المذكورين
اختلفوا فى بيان معنى هذا الكلام وتفسيره أيضاً على قولين ، فتفسير هذا
الكلام على قول الأكثرين هكذا ، فقوله فإن يهلكوا يعنى بالتغيير والعبديل
والتحريف والخروج على الإمام وبالمعاصى والمظالم وترك الحدود وإقامتها ، وقوله
فسبيل من هلك أى فسبيلهم فى الهلاك بالتغيير والتبديل والوهن فى الدين سبيل
من هلك من الأمم السالفة والقرون الماضية فى الهلاك بالتغيير والتبديل والوهن -

- ٣٣٠ -
- فى الدين وقوله وإن يقم لهم دينهم أى لعدم التغيير والتبديل والتحريف والوهن
يقم لهم سبعين عاماً .
وعلى قول الخطابى والشيخ معناه، فإن يهلكوا بترك الحرب والقتال
فسبيلهم سبيل من هلك بذلك من الأمم السالفة والقرون الماضية ، وإن يقم لهم
دينهم بإقامة الحرب والقتل والقتال يقم لهم سبعين عاماً. هكذا قرر الأردبيلي
رحمه الله، وليس الهلاك فيه على حقيقتة بل سمى أسباب الهلاك والاشتغال بما
یؤدی إلیه هلا كا .
فإن قلت: فى هذا الكلام موعدان: الأول: أنهم إن يهلكوا فسبيلهم
سبيل من هلك، والثانى أنهم إن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاماً ، وهذان
الموعدان لا يوجدان معاً بل إن وجد الأول لا يوجد الثانى ، وإن وجد الثانى
لا يوجد الأول ، فأى من هذين الموعدين وجد ووقع .
قلت : قال القارى فى المرقاة : قد وقع المحذور فى الموعد الأول ولم يزل ذلك
كذلك إلى الآن انتهى .
قلت : لا شك فى وقوعه فقد ظهر بعد انقضاء مدة الخلفاء الراشدين ما ظهر
وجرى ما جرى ، فلما وقع ما فى الموعد الأول ارتفع الموعد الثانى كما لا يخفى
على المتأمل.
فإن قلت : قال الخطابى يحتمل أن يكون المراد بالدين هنا الملك قال ويشبه
أن يكون أراد بهذا ملك بنى أمية وانتقاله عنهم إلى بنى العباس، وكان ما بين
استقرار الملك لبنى أمية إلى أن ظهرت دعاة الدولة العباسية بخراسان وضعف
أمر بنى أمية ودخل الوهن فيه نحواً من سبعين سنة ، فعلى قول الخطابى هذا
يظهر أن الموعد الثانى قد وقع .
قلت : قول الخطابى هذا ضعيف جداً بل باطل قطعاً، ولذلك تعقب عليه من
وجوه .

- ٣٣١ -
- قال ابن الأثير بعد نقل قوله هذا التأويل كماتراه فإن المدة التى أشار إليها
لم تكن سبعين سنة ولا كان الدين فيها قائماً انتهى.
وقال الأردبهلى بعد نقل كلامه وضعفوه بأن ملك بنى أمية كان ألف شهر
وهو ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر انتهى .
وقال التور بشتى بعد نقل قوله يرحم الله أبا سليمان أى الخطابى فإنه لو تأمل
الحديث كل التأمل وبنى التأويل على سياقه لعلم أن النبى صلى الله عليه وسلم لم
يرد بذلك ملك بنى أمية دون غيرهم من الأمة بل أراد به استقامة أمر الأمة فى
طاعة الولاة وإقامة الحدود والأحكام ، وجعل المبدأ فيه أول زمان الهجرة ،
وأخبرهم أنهم يلبثون على ما هم عليه خمساً وثلاثين أو ستاً وثلاثين أو سبعاً
وثلاثين ثم يشقون عصا الخلاف فتفرق كلمتهم ، فإن هلكوا فسبيلهم سبيل من
قد هلك قبلهم وإن عاد أمرهم إلى ما كان عليه من إيثار الطاعة ونصرة الحق
يتم لهم ذلك إلى تمام السبعين.
هذا مقتضى اللفظ ولو اقتضى اللفظ أيضاً غير ذلك لم يستقم لهم ذلك القول
فإن الملك فى أيام بعض العباسية لم يكن أقل استقامة منه فى أيام المروانية ، ومدة
إمارة بنى أمية من معاوية إلى مروان بن محمد كانت نحواً من تسع وثمانين سنة
والتواريخ تشهد له مع أن بقية الحديث ينقض كل تأويل يخالف تأويلنا هذا ،
وهى قول ابن مسعود .
( قلت) أى يا رسول الله (أما بقى أو مما مضى) يريد أن السبعين تتم لهم
مستأنفة بعد خمس وثلاثين أم تدخل الأعوام المذكورة فى جملتها ( قال ممامضى)
يعنى يقوم لهم أمر دينهم إلى تمام سبعين سنة ، من أول دولة الإسلام لا من
انقضاء خمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين إلى انقضاء سبعين.
قال المزى فى الأطراف: حديث البراء بن ناجية الكاهلى ويقال المحاربى -

- ٣٣٢ -
٤٢٣٥ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ صَالحِ أخبرنا عَنْبَسَةِ حدَّثَنِى يُؤنسُ عن
ابنِ شِهَبٍ قَال حدَّتنى ◌ُحَيْدُ بنُ عَبْدِالرَّحْمنِ أَنَّ أَبَ هُريْرَةَ قَال قال رَسُولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم: ((يَتَقَرَبُ الزَّمَانُ، وَيَنْقُصُ الْعِلْمُ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ،
وَيُدْقَى الشّعْ، وَيَكْثُرُ اْهَرْجُ. قِيلَ: يَارَسُولَ اللهِ أَيَّةُ [ أَيَّهُ - أَمَ ] هُوَ؟
قالَ : الْقَتْلُ الْقَعْلُ » .
- عن ابن مسعود أخرجه أبو داود فى الفتن عن محمد بن سلمان الأنبارى عن ابن
مهدى عن سفيان عن منصور عن ربعى بن حراش عنه به انتهى . قلت : هذا
حديث إسناده صحيح والله أعلم .
( يتقارب الزمان ) قد يراد به اقتراب الساعة أو تقارب أهل الزمان بعضهم
من بعص فى الشر والفتنة أو قصر أعمار أهله أو قرب مدة الأيام والليالي حتى
تكون السنة كالشهر .
قال الإمام أبو سليمان الخطابى: معناه قصر زمان الأعمار وقلة البركة فيها ،
وقيل هو دنو زمان الساعة ، وقيل قصر مدة الأيام والليالى على ما روى أن
الزمان بتقارب حتى يكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم
كالساعة والساعة كاحتراق السفعة انتهى .
قال البيضاوى : يحتمل أن يكون المراد بتقارب الزمان تسارع الدول إلى
الانقضاء والقرون إلى الانقراض ، فيتقارب زمانهم وتتدافى أيامهم .
وقال ابن بطال: معناه والله أعلم تقارب أحواله فى أهله فى قلة الدين حتى
لا يكون فيهم من يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر لغلبة الفسق وظهور أهله
(وينقص العلم) أى فى ذلك الزمان بموت العلماء الأعيان (وتظهر الفتن) أى ب

-٣٣٣-
٢ - باب النهى عن السعى فى الفتنة
٤٢٣٦ - حدثنا عُثمانُ بنُ أَبِى شَيْبَةَ أخبرنا وَكِيمٌ عن عُثْنَ الشَّدَّم.
قالَ حدَّتنى مُئِلُ بنُ أَبِى بَكْرَةَ عن أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه
وسلم: ((إنَّ سَتَكُونُ فِتْنَةٌ يَكُونُ المُضْطَجِعُ فِيهَا خَيْراً مِنَ الْجَالِسِ،
وَ الْجَالِسُِ خَيْراً مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَاتُمُ خَيْراً مِنَ الْتَاشِى، وَالْمَائِ خَيْراً مِنَ السَّاعِىِ
- ويترتب عليها المحن (ويلقى الشح) فى قلوب أهله أى على اختلاف أحوالهم حتى
يبخل العالم بعلمه والصانع بصفعته والغنى بماله، وليس المراد وجود أصل الشح
لأنه موجود فى جبلة الإنسان إلا من حفظه الله، ولذا قال تعالى: ﴿ومن يوق
شح نفسه فأولئك هم المفلحون) ( ويكثر الهرج) بفتح الهاء وسكون الراء
وبالجيم (أية هو) أى الهرج أى شىء ( قال) أى النبى صلى الله عليه وسلم .
قال المزى: والحديث أخرجه البخارى فى الأدب وفى الفتن ، ومسلم فى القدر ،
وأبو داود فى الفتن.
( باب النهى عن السعى فى الفتنة)
(إنها) أى القصة ( ستكون) أى ستوجد وتحدث وتقع (المضطجع
فيها) أى فى الفتنة ( من الجالس) لأنه يرى ويسمع ما لا يراه ولا يسمعه
المضطجع ، فيكون أقرب من عذاب تلك الفتنة بمشاهدته ما لا يشاهده المضطجع
(والجالس) فى الفتنة يكون ( خيراً من القائم) لأنه يرى ويسمع ما لا يراه ولا
يسمعه الجالس، ويمكن أن يكون المراد بالجالس هو الثابت فى مكانه غير متحرك
لما يقع من الفتنة فى زمانه، والمراد بالقائم ما يكون فيه نوع باعث وداعية
لكنه متردد فى إثارة الفتنة (والقائم) فى الفتنة أى من بعيد متشرف عليها أو القائم
بمكانه فى تلك الحالة (من الماشى) أى من الذاهب على رجله إليها (من الساعى) -

- ٣٣٤ -
قالَ: يَرَسُولَ اللهِ مَا تَأْمُرُنِى؟ قالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ،
وَمَنْ كَانَتْ لَهُ نَّ فَلْيَلْحَقْ بِفَنَسِهِ، وَمَنْ كَنَّتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ
قالَ : فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَىْءٌ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَلْيَعْدْ إِلَى سَيْفِهِ فَلْيَضْرِبْ
بِحَدِّهٍ عَلَى حَرَّةٍ ثُمْ لِيَنْجُو [ لِمَنْجُ] مَا اسْتَطَاعَ النِّجَاءَ)).
- أى من المسرع إليها ماشياً أو راكباً (قال يارسول الله) أى أبو بكرة ( قال)
أى النبى صلى الله عليه وسلم (إبل) أى فى البرية (له أرض) أى عقار أو مزرعة
بعيدة عن الخلق (( فليلحق بأرضه ) فإن الاعتزال والاشتغال بخويصة الحال
حينئذ واجب لوقوع عموم الفتنة العمياء بين الرجال ( قال ) أى أبو بكرة (فمن
لم يكن له شىء من ذلك) أى فأين يذهب أو كيف يفعل (قال) أى النبى صلى
الله عليه وسلم (فليعمد) بكسر الميم أى فليقصد ( إلى سيفه) أى إن كان له
( فليضرب بهده ) أى جانب سيفه الحاد ( على حرة) فى المصباح الحرة بالفتح
أرض ذات حجارة سود انتهى. وهو كناية عن ترك القتال ، والمعنى فايكسر
سلاحة كيلا يذهب به إلى الحرب ، لأن تلك الحروب بين المسلمين فلا يجوز
حضورها (ثم لينج) بكسر اللام ويسكن وبفتح الياء وسكون النون وضم
الجيم أى ليفر ويسرع هرباً حتى لا تصيبه الفتن (النجاء ) بفتح النون والمد أى
الإسراع قاله القارى .
وفى فتح الودود: الفجاء الخلاص أى ليخرج من بين أهل الفتنة انتهى .
وفى النهاية والفجاء السرعة يقال نجا ينجو نجاء إذا أسرع، ونجا من الأمر إذا
خلص انتهى .
قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم من حديث ابن المسيب وأبى سلمة
عن أبى هريرة بنحوه وأبو بكرة اسمه نفيع بن الحارث كنى بأبى بكرة لأنه -

٠٠٠
-٣٣٥-
٤٢٣٧ - حدثنا يَزِيدُ بنُ خَالِدِ الرَّمْلِيُّ أخبرنا المُفَضِّلُ عن عَبَاشٍ عن
بُكَيرٍ عن بُشْرِ بنِ سَعِيدٍ عن حَُيْنِ بنِ عَبْدِ الرَّحْنِ الْأَنْجَِىِّ أَّهُ سَمِعَ
سَعْدَ بنَ أَبِىِ وَقَأْصٍ مِن النَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم فى هذا الحديثِ قال ((قُلْتُ
يَارَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَىَّ بَيْتِ وَ بَسَطَ يَدَهُ لِيَقْتُلَنِى؟ قالَ فقالَ
رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: كُنْ كَابْنِ آدَمَ ، وَتَلاَ يَزِيدُ ﴿لَئِنْ بَسَطَتَّ
إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى) الآية)).
٤٢٣٨ - حدثنا عَمْرُو بنُ عُمَانَ أخبرنا أبى أخبرنا شِهَبُ بنُ خِراشٍ
عن الْقَاسِ بِنٍ غَزْوَانَ عن إِسْحَاقَ بنِ رَاشِدٍ الْجَزَرِىِّ عن سَالِمٍ قال حدَّثنى
◌َمْرُوُ بنُ وَابِصَةَ الْأَسَدِىُّ عن أَبِهِ وَايِصَةَ عن ابنِ مَسْعُودٍ قَالَ سَمِعْتُ
الدَّيَّ صلى اللهُ عليه وسلم يَقُولُ فَذَ كَرَ بَعْضَ حَدِيثٍ أَبِى بَكْرَةَ قالَ :
- تدلى إلى النبى صلى الله عليه وسلم من حصن الطائف بهكرة، وقول فى إسمه
غير ذلك .
(فى هذا الحديث) المذكور آنفاً (قال) سعد (أرأيت) أى أخبرنى
(كابن آدم ) المطلق ينصرف إلى الكامل وفيه إشارة لطيفة إلى أن ها بيل
المقتول المظلوم هو ابن آدم لا قابيل القاتل الظالم كما قال تعالى فى حق ولد نوح
عليه الصلاة والسلام ( إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ) كذا فى المرقاة
وفى بعض النسخ كابنى آدم، وفى بعض النسح خير ابنى آدم أى فلتستسلم حتى
تكون قتيلا كهابيل ولا تكن قاتلا كقابيل (وتلا) أى قرأ (يزيد) ابن خالد
المذكور . والحديث سكت عنه المعذرى .
(أخبرنا شهاب بن خراش) بكسر المعجمة ثم راء (عن أبيه وابصة) له -

-٣٣٦-
((قَتْلَاَهَا كُلُّهُمْ فِى النَّارِ. قالَ فيهِ قَلْتُ مَتَى ذَاكَ مَا ابْنَ مَسْعُودٍ ؟ قالَ :
رِلْكَ أَيَّامُ الْهَرْجِ حَيْثُ لا يَأْمَنُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ. قَلْتُ: فَا تَأْمُرُ فِى إِنْ
أَدْرَ كْبِي ذَلِكَ الزَّمَانُ؟ قال: تَكُفُّ لِسَانَكَ وَيَدَكَ وَتَكُونُ حِلْسَ مِنْ
أَخْلاَسِ بَيْتِكَ . فَلْمَا قُتِلَ عُنْانُْ طَارَ قَلْبِ مَطَارَهُ فَرَ كِبْتُ حَتِّ أَتَيْتُ
دِمَشْقَ فَلَقِيتُ خُرَيْمَ بنَ فَتِكٍ فَحَدَّثْتُهُ فَحَلَفَ بِاللهِ الَّذِى لا إلهَ إلَّ هُوَ
◌َسَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم كَمَا حَدَّ ◌َذِهِ ابنُ مَسْعُودٍ)).
- محبة وهو بفتح الواو وبعد الألف باء موحدة مكسورة وصاد مهملة مفتوحة
وتاء تأنيث قاله المنذرى .
(قتلاها) جمع قتيل والضمير للفتنة ( كلهم فى النار) قال القاضى رحمه الله
المراد بقتلاها من قتل فى تلك الفتنة وإنما هم من أهل النار لأنهم ما قصدوا
بتلك المقاتلة والخروج إليها إعلاء دين أو دفع ظالم أو إعانة محق ، وإنما كان
قصدهم التباغى والتشاجر طمعاً فى المال والملك كذا فى المرقاة (أيام الهرج) بفتح
فسكون الفتنة ( وتكون حلساً من أحلاس بيتك) أحلاس البيوت ما يبسط
تحت حر التياب فلا تزال ملقاة تحتها، وقيل الحاس هو الكساء على ظهر البعير
تحت القتب والبرذعة شبهها به للزومها ودوامها، والمعنى الزموا بيوتكم والتزموا
سكوتكم كيلا تقعوا فى الفتنة التى بها دينكم يفوتكم (فلما قتل) قائله هو وابصة
(طار قلبى مطاره ) أى مال إلى جهة يهواها وتعلق بها، والمطار موضع الطيران
كذا فى الجمع (خريم) بالتصغير.
قال المنذرى: فى إسناده القاسم بن غزوان وهو شبه مجهول ، وفيه أيضاً
شهاب بن خراش أبو الصلت الجرشى ، قال ابن المبارك ثقة ، وقال الإمام أحمد
وأبو حاتم الرازى لا بأس به، وقال ابن حبان كان رجلا صالحاً وكان ممن يخطئ -

-٣٣٧ -
٤٢٣٩ - حدثنا مُسَدَّدٌ أخبرنا عَبْدُ الْوَارِثِ بنُ سَعِيدٍ عن محمّدٍ بِنِ
جُهَدَةً عن عَبْدِ الرَّحْنِ بنِ ثَرْوَانَ عن هُزَيْلٍ عن أبى مُوسَ الْأَشْعَرِىِّ
قال قال رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((إِنَّ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ فِعْنَا كَقِطَع
الَّيْلِ المُظْلِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنَاً وَيُمْسِى كَافِراً، وَيُمْسِى مُؤْمِنَا وَيُضِْحُ
كَافِراً. الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائمِ، وَالْتَاشِى فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِ فَكَسِّرُوا
قِيَّكُمُ وَقَطِّمُوا أَوْتَرَكُمُ وَاضْرِ بُوا سُيُوفَكُمُ بالْحِجَارَةِ، فإنْ دُخِلَ - يَعنى
عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمُ فليَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَىْ آدَمَ ».
- كثيراً حتى خرج عن حد الاحتجاج به عند الاعتبار ، وقال ابن عدى وفى
بعض رواياته ما ينكر عليه انتهى كلام المنذرى .
( محمد بن جحادة) بضم الجيم وتخفيف المهملة ثقة من الخامسة (إن بين
يدى الساعة) أى قدامها من أشراطها (فتناً) أى فتنا عظاماً ومحفاً جساماً
(كقطع الليل المظلم) بكسر القاف وفتح الطاء ويسكن أى كل فتنة كقطعة
من الليل المظلم فى شدتها وظلمتها وعدم تبين أمرها .
قال الطيبى رحمه الله: يريد بذلك التباسها وفظاعتها وشيوعها واستمرارها
(فيها) أى فى تلك الفتن (ويصبح كافراً) الظاهر أن المراد بالإصباح والإمساء تقلب
الناس فيها وقت دون وقت لا بخصوص الزمانين فكأنه كناية عن تردد أحوالهم
وتذبذب أقوالهم وتنوع أفعالهم من عهد ونقض وأمانة وخيانة ومعروف ومفكر
وسنة وبدعة وإيمان وكفر ( القاعد فيها خير من القائم ، والماشى فيها خير من
الساعى) أى كما بعد الشخص عنها وعن أهلها خير له من قربها واختلاط أهلها
لما سيؤل أمرها إلى محاربة أهلها، فإذا رأيتم الأمر كذلك (فكروا قسيكم) -
(٢٢ - عون المعبود ١١ )

-٣٣٨ -
٤٢٤٠ - حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّالِسِىُّ أخبرنا أَبُو عَوَانَةً عن رَقَبَةَ بنِ
مَصَّْةَ عن ◌َوْنِ بنِ أَبِى جُحَيْفَةَ عن عَبْدِ الرَّْنِ - يَعنى ابنَ سَمُرَةَ - قال
((كُنْتُ آخِذًا بِيَدَ ابنٍ مُمَرَ فى طَرِبِقٍ مِنْ طُرُقِ المَدِينَةِ إِذْ أَتَى عَلَى رَأْسٍ
مَنْصُوبٍ فقالَ: شَقِىَ قَاتِلُ هذَا، فَلَمّا مَضَى قال: وَمَا أُرَى هُذَا إلَّا قَدْ شَقِىَ،
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَقُولُ: مَنْ مَشَى إِلَى رَجُلٍ مِنْ أُمِّى
لِيَقْتُهُ فَلْيَقُلْ هَكَذا، فالْقَاتِلُ فِى النّارِ، وَلَقْتُولُ فِى الَّْةِ ».
- بكسرتين وتشديد التحتية جمع القوس وفى العدول عن الكسر إلى التكسير
مبالغة لأن باب التفعيل للتكثير (وقطعوا ) من التقطيع (أوتاركم) جمع
وتر بفتحتين .
قال القارى: فيه زيادة من المبالغة إذلا منفعة لوجود الأوقار مع كسر القسى
أو المراد به أنه لا ينتفع بها الغير (واضربوا سيوفكم بالحجارة) أى حتى تنكسر
أو حتى تذهب حدتها ، وعلى هذا القياس الأرماح وسائر السلاح (فإن دخل)
بصيغة المجهول ونائب الفاعل قوله ( على أحد منكم) من بيانية ( فليكن)
أى ذلك الأحد (كثير ابنى آدم ) أى فليستسلم حتى يكون قتيلا كمابيل
ولا يكون قاتلا كقابيل .
قال المنذرى : وأخرجه الترمذى وابن ماجه ، وقال الترمذى حسن غريب ،
وعبد الرحمن بن ثروان هذا تكلم فيه بعضهم ووثقه يحيى بن معين واحتج
به البخارى .
(عن رقبة) بقاف وموحدة مفتوحتين (عن عون بن أبى جحيفة ) بضم
الجيم وفتح الحاء المهملة ( على رأس منصوب) لصله رأس ابن الزبير رحمه الله
( فقال) أى ابن عمر (فليقل هكذا) أى فليفعل هكذا ، وفى بعض النسخ يعنى

-٣٣٩-
قال أبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ الثَّوْرِىُّ عن ◌َوْنٍ عن عَبْدِ الرَّْنِ بنِ ثُمَيْرٍ أَوْ
سُمْرَةَ، وَرَوَاهُ لَيْثُ بنُ أَبِى سُلَمِ عِن عَوْنٍ عن عَبْدِ الرَّْنِ بنِ مُثَيْرَةَ .
قال أبُو دَاوُدَ : قال لِ الْسَنُ بنُ عَلِيَّ حدثنا أَبُو الْوَلِدِ - يَحِْى بِهَذَا
الْحَدِيثِ عن أَبِى عَوَانَةَ، وقال: هُوَ فى كِتَبى ابنُ سَبْرَةَ وَقالُوا: مَمُرَّةً ،
وَقَالُوا: سُمَيْرَةَ. هُذَا كَلاَمُ أَبِى الْوَلِيدِ .
- فليمد عنقه وهو تفسير لقوله هكذا يعنى من مشى إلى رجل لقتله فليمد ذلك
الرجل عنقه إليه ليقتله لأن القاتل فى النار والمقتول فى الجنة ، فمد العنق إليه
سبب لدخول الجنة .
(قال أبو داود الخ) غرض المصنف رحمه الله من هذا الكلام بيان الاختلاف
فى اسم والد عبد الرحمن ( رواه الثورى عن عون عن عبد الرحمن بن سمير
أو سميرة) أى روى بالشك بين سمير مصغراً وبين سميرة مصغراً مع التاء (ورواه
ليث بن أبى سليم عن عون عن عبد الرحمن بن سميرة) أى روى ليث بلفظ سميرة
مصغراً مع التاء ولم يشك كما شك النورى (وقال هو فى كتابى ابن سبرة الخ) يعنى
قال أبو الوليد إن اسم والد عبد الرحمن فى كتابى سبرة بفتح السين المهملة وفتح
الموحدة ، وقال بعضهم سمرة بفتح السين وضم الميم ، وقال بعضهم سميرة بالتصغير
مع التاء .
قال المنذرى: وحكى أبو داود اختلاف الرواة فى اسم والد عبد الرحمن بن
سمير أو سميرة وسبرة وسمرة، وذكر البخارى فى تاريخه الكبير عبد الرحمن هذا
وذكر الخلاف فى اسم أبيه وقال حديثه فى الكوفيين، وذكر له هذا الحديث
مقتصراً منه على المسند . وقال الدارقطنى: تفرد به أبو عوانة عن رقبة عن عون
ابن أبى جحيفة عنه يعنى عن عبد الرحمن بن سمير انتهى كلام المنذرى . -

-٣٤٠ -
٤٢٤١ - حدثنا مَُدَّدٌ أخبرنا حَّادُ بنُ زَيْدٍ عن أَبِى عِمْرَانَ الْجُوْبِىِّ
عن المُثَمَّتِ بنِ طَرِيفٍ عن عَبْدِ اللهِ بنِ الصَّامِتِ عن أَبِ ذَرَّ قَالَ قَالَ لِ
رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((يَا أَبَ ذَرٌّ، قُلْتُ: لَبِّيْكَ يَرَسُولَ اللهِ
وَسَعْدَيْكَ. فَذَ كَرَ الحديثَ قالَ فِيهِ: كَيْفٌ أَنْتَ إِذَا أَصَابِ النَّاسَ مَوْتٌ
- ( عن المشعث) بتشديد بعدها مثلثة ويقال منبعث بسكون النون وفتح
الموحدة وكسر المهملة ثم مثلثة كذا فى التقريب (فذكر الحديث) أورد البغوى
فى المصابيح عن أبى ذر قال ((كنت رديفاً خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم
يوماً على حمار فلما جاوزنا بيوت المدينة قال كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة
جوع تقوم عن فراشك ولا تبلغ مسجدك حتى يجهدك الجموع ؟ قال : قلت الله
ورسوله أعلم ، قال تعفف يا أبا ذر، قال كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة موت
يبلغ البيت العبد حتى أنه يباع القبر بالعبد ، قال قلت الله ورسوله أعلم ، قال تصبر
يا أبا ذر، قال كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة قتل تغمر الدماء أحجار الزيت؟
قال قلت الله ورسوله أعلم، قال تأتى من أنت منه ، قال قلت وألبس السلاح؟
قال شاركت القوم إذاً ، قلت فكيف أصنع يا رسول الله ، قال إن خشيت أن
يبهرك شعاع السيف فالق ناحية ثوبك على وجهك ليبوء بإنمك وإنمه)) قال
صاحب المشكاة والعلامة الأردبيلى فى الأزهار شرح المصابيح: الحديث رواه
أبو داود. وقال ميرك: وأخرجه الحاكم فى المستدرك وقال سميح على شرط
الشيخين انتهى .
قلت : حديث أبى ذر باللفظ الذى ساقه البغوى فى المصابيح وعزاه مخرجوه
إلى أبى داود ليس فى النسخ التى بأيدينا من رواية اللؤلؤى فلعله من رواية غير
اللؤلؤى ولم أقف على ذلك والله أعلم .
( إذا أصاب الناس موت ) أى بسبب القحط أو وباء من عفونة هواء -