النص المفهرس
صفحات 121-140
-١٢١- وَمَنْ سَقَهُ صَغِيراً لا يَعْرِفُ حَلَاَلَهُ مِنْ حَرَاءِهِ كَنَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِنَةِ الْبَالِ ». ٣٦٦٤ - حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا إِسْمَاعِيلُ - يَعنى ابنَ جَعْفَرِ - عن دَاوُدَ ابنِ بَكْرِ بنِ أَبِى الْفُرَاتِ عن مُمَّدٍ بِنِ المُفْكَدِرِ عن ◌َايِرِ بِنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ قَلَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((مَا أَسْكَرَ كَثِرُهُ فَقَلِيُ حَرَامٌ)). - ( ومن سقاه صغيراً) أى صبياً (لا يعرف حلاله من حرامه) الجملة صفة الصغير. والحديث سكت عنه المنذرى . (ما أسكر) أى أى شىء أسكر وإن لم يكن مشروباً (كثيره فقليله حرام) قال الملقى: قال الدميرى: قال ابن المنذر: أجمعت الأمة على أن خمر العلب إذا غلت ورمت بالزبد أنها حرام وأن الحد واجب فى القليل منها والكثير ، وجمهور الأمة على أن ما أسكر كثيره من غير خمر العنب أنه يحرم كثيره وقليله، والحد فى ذلك واجب . وقال أبو حنيفة وسفيان وابن أبى ليلى وابن سيرين وجماعة من فقهاء الكوفة: ما أسكر كثيره من غير عصير العنب فما لا يسكر منه حلال ، وإذا سكر أحد منه دون أن يتعمد الوصول إلى حد السكر فلا حد عليه انتهى . وأخرج النسائى والبزار وابن حبان والدارقطنى عن سعد بن أبى وقاص (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قليل ما أسكر كثيره . وفى الباب عن على رضى الله عنه عند الدارقطنى، وعن ابن عمر غير حديثه المتقدم عند الطبرانى ، وعن خوات بن جبير عند الدارقطنى والحاكم والطبرانى ، وعن زيد بن ثابت عند الطبرانى ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص عند الدارقطنى والله أعلم . قال المنذرى : وأخرجه الترمذى وابن ماجه . -١٢٢- ٣٦٦٥ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسَلمَةَ الْقَعْغَيُّ عن مَالِكٍ عن ابنِ شِهَبٍ عن أبى سَلَمَةً عن عَائِشَةَ قَالَتْ: ((سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم عن البقع ، فقال: ((كُلُّ شَرَابٍ أُسْكّرَ فَهُوَ حَرَامٌ)). - وقال الترمذى حسن غريب من حديث جابر. هذا آخر كلامه وفى إسناده داود بن بكر بن أبى الفرات الأشجعى مولاهم المدنى ، سئل عنه يحيى بن معين فقال ثقة ، وقال أبو حاتم الرازى: لا بأس به ليس بالمتين . هذا آخر كلامه . وقد روى هذا الحديث من رواية على بن أبى طالب وسعد بن أبى وقاص وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعائشة وخوات بن جبير، وحديث سعد ابن أبى وقاص أجودهما إسعاداً، فإن النسائى رواه فى سننه عن محمد بن عبد الله ابن عمار الموصلى وهو أحد الثقات عن الوليد بن كثير، وقد احتج به البخارى ومسلم فى الصحيحين عن الضحاك بن عثمانٍ، وقد احتج به مسلم فى صحيحه عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن عامر بن سعد بن أبى وقاص وقد احتج الهخارى ومسلم بهما فى الصحيحين فقال أبو بكر البزار وهذا الحديث لا نعلمه روى عن سعد إلا من هذا الوجه ورواه عن الضحاك وأسنده جماعة عنه منهم الدراوردى والوليد بن كثير ومحمد بن جعفر بن أبى كثير المدنى. هذا آخر كلامه . وتابع محمد بن عبد الله بن عمار أبو سعيد عبد الله بن سعيد الأشج ، وهو ممن اتفق البخارى ومسلم على الاحتجاج به . (عن البتع ) بكسر الموحدة وسكون المثناة وقد تفتح وهى لغة يمانية وهو نبيذ العل كما فى الرواية الآتية ( كل شراب أسكر فهو حرام) هذا حجة القائلين بالتعميم من غير فرق بين خمر العنب وغيره لأنه صلى الله عليه وسلم لما سأله السائل عن البقع قال ((كل شراب أسكر فهو حرام فعلمنا أن المسألة إنما وقعت على ذلك الجنس من الشراب وهو الهتح ودخل فيه كل ما كان فى معناه مما يسمى شراباً . - ١٢٣- قال أبُو دَاوُدَ: قَرَأْتُ عَلَى يَزِيدَ بنِ عَبْدِ رَبِِّ الْمُرْجُسِيِّ حَدِّفَكَمُ مُمَدُ بنُ حَرْبٍ عن الزُّبَيْدِىِّ عن الزغْرِىِّ بِهِذَا الْدِيثِ بِإِسْنَادِهِ. زَادَ: وَالْبِشْعُ نَبِذُ الْعَلِ كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَشْرَ بُونَهُ . قال أبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحَدَ بنَ حَفْبَلٍ يَقُولُ: لا إلهَ إلاَّ اللهُ مَا كَانَ - مسكراً من أى نوع كان . فإن قال أهل الكوفة إن قوله صلى الله عليه وسلم كل شراب أسكر يعنى به الجزء الذى يحدث عقبه السكر فهو حرام فالجواب أن الشراب اسم جنس فيقتضى أن يرجع التحريم إلى الجنس كله ، كما يقال هذا الطعام مشبع والمساء مرو ، يريد به الجنس ، وكل جزء منه يفعل ذلك الفعل ، فاللقمة تشبع العصفور وما هو أكبرمنها يشبع ما هو أكبر من العصفور ، وكذلك جنس الماء يروى الحيوان على هذا الحد فكذلك النبيذ : قال الطبرى : يقال لهم أخبرونا من الشربة التى يعقبها السكر أهى التى أسكرت صاحبها دون ما تقدمها من الشراب أم أسكرت باجتماعها مع ما تقدم ، وأخذت كل شربة بحظها من الإسكار ، فإن قالوا إنما أحدث له السكر الشربة الآخرة التى وجد خبل العقل عقبها قيل لهم وهل هذه التى أحدثت له ذلك إلا كبعض ما تقدم من الشربات قبلها فى أنها لو انفردت دون ما قبلها كانت غير مسكرة وحدها، وأنها إنما أسكرت باجتماعها واجتماع عملها حدث عن جميعها السكر كذا فى النيل . قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه (الجرجسى) بضم الجيمين بينهما راء ساكنة ثم مهملة موضع بحمص (عن الزهرى) عن أبى سلمة عن عائشة (زاد) أى يزيد بن عبد ربه (سمعت أحمد ابن حنبل) فى توثيق يزيد بن عبد ربه (لا إله إلا الله) هذه كلمة التوحيد - - ١٢٤- [ مَا كَانَ أَكْيَسَ يَزِيدَ الْجُرْجُسِيُّ وَمَا أَقْبَتَهُ مَا كَانَ] أَثْبَتَهُ مَا كَانَ فِيهِمْ مِثْلُهُ - يَعْنى فى أَهْلِ يِصٍ - بَعَنِى الْجِرْجُسِيِّ. ٣٦٦٦ - حدثنا مَنَّادُ بنُ السَّرِىِّ أخبرنا عَبْدَةُ عن مُمَّدٍ - يَعْنى ابنَ إِسْحَاقَ - من يَزِيدَ بنِ أَبِى حَمِيبٍ عن مَرْتَدِ بنِ عَبْدِ اللهِ الْيَزَنِّ مِن دَبْلَمِ الْخِيَرِىِّ قال: ((سَأَلْتُ النَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم فَقُلْتُ: يَرَ سُولَ اللهِ أَنَا بِأَرْضِ بَارِدَةٍ نُعَلِجُ فِيهاَ عَمَلاَ شَدِيداً وَإِنَّا نَتَّخِذُ شَرَابًا مِنْ هذَا الْقَمْحِ نَتَقَّوَّى بِهِ عَلَى أَعْمَلِنَا وَلَى بَرْدٍ بِلَادِنَاَ. قال: هَلْ يُسْكِرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قال: فَاجْتَنِبُوهُ. قال فَقُلْتُ [قُلْتُ]: فإِنَّ النَّاسَ غَيْرُ قَرِكِيِهِ. قال : فإنْ لَمْ يَتْرُكُوهُ فَقَاتِلُونٌمْ)). - بمنزلة الخلف وهذا غاية توثيق من أحمد ليزيدبن عبد ربه (ما كان فيهم مثله) أى ما كان فى أهل حمص مثل يزيد فى العثبت والإتقان. وكذا وثقه ابن معین والله أعلم . (عن موتد بن عبد الله اليزنى ) بفتح التحتانية والزاى بعدها نون أبو الخير المصرى ثقة فقهه من الثالثة ( عن ديلم) بفتح أوله ( الخميرى) بكسر أولة نسبة إلى حمير كدرهم موضع غربى صدعاء اليمين وأبو قبيلة ( بأرض باردة ) أى ذات برد شديد (نعالج) أى نمارس ونزاول (عملا شديداً) أى قويا يحتاج إلى نشاط عظيم ( من هذا القمح) بفتح أوله أى الحنطة (لنقوى به على أعمالها وعلى برد بلادنا) قال الطبى. وإنما ذكر هذه الأمور الداعية إلى الشرب وأتى بهذا ووصفه به لمزيد البيان ، وأنه من هذا الجنس، وليس من جنس ما يتخذ منه المسكر كالعدب والزبيب مبالغة فى استدعاء الإجازة ( فقلت فإن الناس غير تاركيه) فكأنه وقع لهم هناك نهى عن سالكهه (فإن لم يتركوه) أى - -١٢٥- ٣٦٦٧ - حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيمَةَ عن خَلِدٍ من عَاصِمِ بنِ كَلَيْبٍ عن أَبِى بُرْدَةَ عن أَبِى مُوسَ قال: ((سَأَلْتُ النّبيّ صلى اللهُ عليه وسلم عن شَرَابٍ مِنَ الْعَلِ، فقال: ذَاكَ الْبِشْعُ. قُلْتُ: وَهُنْتَبَذُ [ يَنْتَبِذُونَ - يُلْبَذُونَ ] مِنَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ. قَالَ [فقال]: ذَلِكَ الِزْرُ، ثُمَّ قال: أَخْبِرْ قَوْمَكَ أَنّ كُلِّ مُسْكِرٌ حَرَامٌ )). ٣٦٦٨ - حدثنا مُوسَ بنُ إِسْمَاعِيلَ قال أخبرنا ◌َادٌ عن محمّدٍ بنِ إسْحَاقَ عن يَزِيدَ بنِ أَبِى حَبِيبٍ عن الْوَلِيِدِ بنِ عَبْدَةَ عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍ و ((أَنَّ نَبِىِّ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم نَهَى عن الخمرِ وَالمَيْسِرِ وَالْكُوبَةِ وَالْغُبَيْرَاءِ وقال: كُلُّ مُسْكِرِ حَرَامٌ )). - ويستحلوا شربه. قال المنذرى : فى إسناده محمد بن إسحاق بن يسار وقد تقدم الكلام عليه . ( ذاك البتع) بكسر موحدة وسكون فوقية وقد يحرك ( وينتبذ من الشعير والذرة) بضم الذال المعجمة وتخفيف الراء حب معروف وأصله ذروا وذرى والهاء عوض، ذكره الجوهرى (قال ذلك المزر) بكسر فسيكون نبيذ يتخذ من الذرة أو من الحنطة أو الشعير كذا فى المجمع (أخبر قومك أن كل مسكر حرام) سواء كان من العسل أو الشعير أو الذرة أو غير ذلك . قال المنذرى: وقد أخرجه البخارى ومسلم بنحوه من حديث سعيد بن أبى بردة عن أبيه . (عن عبد الله بن عمرو) أورد المزى هذا الحديث فى مسند عبد الله بن عمرو ابن العاص ثم قال: هكذا رواه أبو الحسن بن العبد وأبو عمرو البصرى وغير واحد عن أبى داود وهو الصواب. ووقع فى رواية اللؤلؤى عن عبد الله بن - - ١٢٦ - قال أَبُر دَاوُدَ: قال ابنُ سَلاَّمٍ أَبُو عُبَيْدٍ: الْغُبَيْرَاءِ الشّكْرَ كَةُ تُعْلَ مِنَ الذِّرَةِ شَرَابٌ يَعْمَلُهُ الْبَةُ . ٣٦٦٩ - حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُور قال أخبرنا أَبُو شِهَبٍ عَبْدُ رَبِِّ ابْنُ نَافِعِ عِنْ الْسَنِ بِنِ عَمْ و الفُقَّيِْيِّ عَنْ الْكَمْ بِنِ عُقَيْبَةَ عنْ شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ عن أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: ((نَعَى رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم عن كُلِّ مُكِرٍ وَمُفْتِرٍ)). - عمر وهو وم (نهى عن الخمر والميسر) أى القمار (والكوبة) بضم أوله فى النهاية قيل هى الفرد ، وقيل الطبل أى الصغير ، وقيل البربط . وقال الخطابى فى المعالم: السكوبة تفسر بالطبل ، ويقال بل هو الفرد،ويدخل فى معناه كل وتر ومزهر ونحو ذلك من الملاهى انتهى (والغبيراء) بالتصغير ضرب من الشراب يتخذه الحبش من الذرة والمعنى أنها مثل الخمر التى يتعارفها الناس لافضل بينهما فى التحريم (سكركة) قال فى النهاية هو بضم السين والكاف وسكون الراء هو الخبراء، وهو نوع من الحمور يتخذ من الذرة، وهى خمر الحبشة ، وهو لفظ حبشى فعربت وقيل السقرقع . قال المنذرى: الوليد بن عبدة بالعين المهملة المفتوحة وبعدها باء بواحدة مفتوحة أيضاً . قال أبو حاتم الرازى : هو مجهول ، وقال أبو يونس فى تاريخ المصريين : وليد بن عبدة مولى عمرو بن العاص روى عنه يزيد بن أبى حبيب والحديث معلول ، ويقال عمرو بن الوليد بن عبدة وذكرله هذا الحديث وذكر أن وفاته سنة مائة ، وهكذا وقع فى رواية الهاشمى عبد الله بن عمر ، والذى وقع فى رواية ابن العهد عن أبى داود عبد الله بن عمرو وهو الصواب . (الفقيمى) بضم الفاء وفتح القاف منسوب إلى فقيم بطن من تميم ، قاله - -١٢٧- - السيوطى (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر) قال القارى فى المراة : بكسر التاء المخففة . قال فى النهاية : المفتر هو الذى إذا شرب أحى الجسد وصار فيه فتور وهو ضعف وانكسار، يقال أفتر الرجل فهو مفتر إذا ضعفت جفونه وانكسر طرفة فإما أن يكون أفتره بمعنى فتره أى جعله فاتراً وإما أن يكون أفتر الشراب إذا فتر شاربه أقطف الرجل إذا قطفت دابته ، ومقتضى هذا سكون الفاء وكسر المثناة الفوقية مع التخفيف . قال الطيبي: لا يبعد أن يستدل به على تحريم البنج والشعثاء ونحوهما مما يفتر ويزيل العقل ، لأن الحلة وهى إزالة العقل مطردة فيها . وقال فى مرقاة الصعود : يحكى أن رجلا من العجم قدم القاهرة وطلب الدليل على تحريم الحشيشة، وعقد لذلك مجلس حضره علماء العصر فاستدل الحافظ زين الدين العراقى بهذا الحديث فأعجب الحاضرين انتهى . وقال فى السبل : قال المصنف : أى الحافظ ابن حجر من قال إنها أى الحشيشة لا تسكر وإنما تخدر فهى مكابرة فإنها تحدث ما يحدث الحمر من الطرب والنشأة قال: وإذا سلم عدم الإسكار فهى مفترة . وقد أخرج أبو داود: ((أنه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر». قال الخطابي : المفتر كل شراب يورث الفتور والرخوة فى الأعضاء والخدر فى الأطراف وهو مقدمة السكر ، نهى عن شربه لئلا يكون ذريعة إلى السكر. وحكى العراقى وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيشة، وأن من استحلها كفر. قال ابن تيمية : إن الحشيشة أول ما ظهرت فى آخر المائة السادسة من الهجرة- -١٢٨- - حين ظهرت دولة التتار ، وهى من أعظم المنكرات وهى شر من الخمر من بعض الوجوه ، لأنها تورث نشأة ولذة وطربًا كالخمر وتصعب الطعام عليها أعظم من الخمر، وإنما لم يتكلم فيها الأئمة الأربعة لأنها لم تكن فى زمنهم . وقد أخطأ القائل : حرموها من غير عقل ونقل وحرام تحريم غير الحرام وأما البنج فهو حرام . قال ابن تيمية : إن الحد فى الحشيشة واجب. قال ابن البيطار: إن الحشيشة وتسمى القنب يوجد فى مصر مسكرة جداً إذا تناول الإنسان منها قدر درهم أو درهمين، وقبائح خصالها كثيرة وعد منها بعض العلماء مائة وعشرين مضرة دينية ودنيوية ، وقبائح خصالها موجودة فى الأفيون ، وفيه زيادة مضار . قال ابن دقيق العيد فى الجوزة: إنها مسكرة، ونقله عنه معاخر علماء الفريقين واعتمدوه انتهى . وقال ابن رسلان فى شرح السنن: المفتر بضم الميم وفتح الفاء وتشديد المثناة فوق المكسورة ويجوز فتحها ويجوز تخفيف التاء مع الكسر هو كل شراب يورث الفتور والخدر فى أطراف الأصابع وهو مقدمة السكر، وعطف المفتر على المسكر يدل على المغايرة بين السكر والتقتير، لأن العطف يقتضى التغاير بين الشيئين ، فيجوز حمل المسار على الذى فيه شدة مطربة وهو محرم يجب فيه الحد ويحمل المفتر على النبات كالخشيش الذى يتعاطاه السفلة . قال الرافعى : إن النبات الذى يسكر، وليس فيه شدة مطربة يحرم أكله ولا حد فية . قال ابن رسلان: ويقال إِن الزعفران بسكر إذا استعمل مفرداً بخلاف ما إذا استهلك فى الطعام وكذا البنج شرب القليل من مائه يزيل العقل وهو - - ١٢٩ - - حرام إذا زال العقل لكن لا حد فيه انتهى كلامه ملخصاً . وقال العلامة الأردبيلى فى الأزهار شرح المصابيح ناقلا عن الإمام شرف الدين إن الجوز الهندى والزعفران ونحوهما يحرم الكثير منه لأضراره لالكونه مسكراً ، وكذلك القريط وهو الأفيون انتهى. وقال العلامة أبو بكر بن قطب القسطلانى فى تكريم المعيشة: إن الحشيشة ملحقة بجوز الطيب والزعفران والأفيون والبنج وهذه من المسكرات المخدرات . قال الزركشى : إن هذه الأمور المذكورة تؤثر فى متعاطيها المعنى الذى يدخله فى حد السكران، فإنهم قالوا السكران هو الذى اختل كلامه المنظوم، وانكشف سره الممكتوم . وقال بعضهم : هو الذى لا يعرف السماء من الأرض . وقيل والأولى أن يقال إن أريد بالإسكار تغطية العقل فهذه كلها صادق عليها معنى الإسكار وإن أريد بالإسكار تغطية العقل مع الطرب فهى خارجة عنه، فإن إسكار الخمر تتولى منه النشأة والنشاط والطرب والعربدة والحمية، والسكران بالحشيشة ونحوها يكون مما فيه ضد ذلك ، فتقرر من هذا أنها لا تحرم إلا لمضرتها العقل، ودخولها فى المفتر المنهى عنه، ولا يجب الحد على متعاطيها ، لأن قياسها على الخمر مع الفارق، وهو انتفاء بعض الأوصاف لا يصح انتهى. وفى التلويح : السكر هو حالة تعرض للانسان من امتلاء دماغه من الأبخرة المتصاعدة إليه، فيعطل معه عقله المميز بين الأمور الحسنة والقهيحة انتهى . وفى كشف الكبير: قيل هو سرور يغلب على العقل بمباشرة بعض (٩ - عون المعبود ١٠) - ١٣٠ - - الأسباب الموجبة له فيمتنع الإنسان عن العمل بموجب عقله من غير أن يزيله وبهذا بقى السكران أهلا للخطاب انتهى . وقال السيد الشريف الجرجانى فى تعريفاته: السكر غفلة تعرض بغلبة السرور على العقل بمباشرة ما يوجبها من الأكل والشرب . والسكر من الخمر عند أبى حنيفة رحمه الله: أن لا يعلم الأرض من السماء وعند أبى يوسف ومحمد والشافعى أن يختاط كلامه، وعند بعضهم أن يختلط فى مشيه بحركة انتهى . وفى القاموس: فتر جسمه فتوراً لانت مفاصله وضعف ، والفدار كغراب ابتداء النشوة، وافتر الشراب فتر شاربه انتهى . وفى المصباح : وخدر العضو خدراً من باب تعب استرخى فلا يطيق الحركه وقال فى النهاية فى حديث عمر أنه رزق الماس الطلاء فشربه رجل فتخدر أى ضعف وفتر كما يصيب الشارب قبل السكر إنتهى. وسيجىء حديث عمر رضى الله عنه . وفى رد المختار عن الخانية فى تعريف السكران أنه من يختلط كلامه ويصير غالبه الهذيان . وقال الشيخ زكريا بن محمد القزوينى فى كتابه عجائب المخلوقات والحيوانات وغرائب الموجودات : الزعفران يقوى القلب ويفرح ويورث الضحك والزائد على الدرهم سم قاتل انتهى . ونقل عن الإمام أحمد بن حنبل أنه كان يكتب على جام أبيض بزعفران للمرأة التى عسر عليها ولادتها، وكانت المرأة تشربه، كما صرح به الزرقانى فى شرح المواهب، وفيه دلالة واضحة على أن الإمام أحمد لا يرى السكر فى الزعفران وإلا كيف يجوز له الكتابة بزعفران لأجل شربها . - ١٣١ - - قال الحافظ ابن القيم فى زاد المعاد : قال الخلال : حدثنى عبد الله بن أحمد قال رأيت أبى يكتب المرأة إذا عسر عليها ولادتها فى جام أبيض أو شىء نظيف يكتب حديث ابن عباس رضى الله عنه: ((لا إله إلا الله الحليم الكريم)» إلى آخر الحديث . قالى الخلال : أنبأنا أبو بكر المروزى أن أبا عبد الله جاءه رجل فقال : يا أبا عبد الله تكتب لامرأة قد عسر عليها ولدها منذ يومين ، فقال قل له يجىء بجام واسع وزعفران ورأيته يكتب لغير واحد . قال ابن القيم : وكل ما تقدم من الرقى فإن كتابته نافعة . ورخص جماعة من السلف فى كتابة بعض القرآن وشربه ، وجعل ذلك من الشفاء الذى جعل الله فیه انٹھی . والحافظ ابن القيم أيضاً لايرى السكرفى الزعفران وأنه لا يذكر فى زاد المعاد شيئاً من هذه الأدوية التى فيها سكر، وقد قرن الزعفران بالعسل المصفى ، فقال فى بيان الفضة هى من الأدوية المفرحة الدافعة من الهم والغم والحزن وضعف القلب وخفقانه ، وتدخل فى المعاجين الكبار، وتجتذب بخاصيتها ما يتولد فى . القلب من الأخلاط الفاسدة خصوصاً إذا أضيفت إلى العسل المصفى والزعفران انتهى . والأئمة الحنفية فيه كلام على طريق آخر ، فقال الشامى فى رد المحتار ، وقال محمد : ما أسكر كثيره فقليله حرام وهو نجس أيضاً انتهى . أقول الظاهر أن هذا خاص بالأشربة المائعة دون الجامد كالبنج والأفيون فلا يحرم قليلها بل كثيرها المسكر ، وبه صرح ابن حجر المكى فى التحفة وغيره وهو مفهوم من كلام أمتنا لأنهم عدوها من الأدوية المباحة وإن حرم السكر منها بالاتفاق ولم نر أحداً قال بنجاستها ولا بدجاسة زعفران مع أن كثيره - - ١٣٢- - مسكر، ولم يحرموا أ كل قابله أيضاً، ويدل عليه أنه لا يحد بالسكر منها بخلاف الما ئعة فانه يحد ويدل عليه أيضا قوله فى غرر الأفكار وهذه الأشربة عند محمد وموافقيه كالخمر بلا تفاوت فى الأحكام، وبهذا يفتى فى زماننا خص الخلاف بالأشربة . والحاصل أنه لا يلزم من حرمة الكثير المسكر حرمة قليلة ولا نجاسته مطلقاً إلا فى المائعات لمعنى خاص بها ، أما الجامدات فلا يحرم منها إلا الكثير المسكر ولا يلزم من حرمته نجاسته كالسم القاتل فإنه -رام مع أنه طاهر انتهى كلام الشامى . وقال فى الدر المختار: ويحرم أكل البنج والحشيشة هى ورق القنب والأفيون لأنه مفسد العقل . قال الشامى : البنج بالفتح نبات يسمى شهكران يصدع ويسبت ويخلط العقل كما فى التذكرة للشيخ داود . والمسبت الذى لا يتحرك . وفى القهستانى : هو أحد نوعى شجر القنب حرام لأنه يزيل العقل وعليه الفتوى بخلاف نوع آخرمنه فإنه مباح كالأفيون لأنه وإن اختل العقل به لا يزول وعليه يحمل مافى الهداية وغيرها من إباحة البنج كما فى شرح اللباب . أقول هذا غير ظاهر لأن ما يخل العقل لا يجوز أيضاً بلا شبهة فكيف يقال إنه مباح ،ل الصواب أن مراد صاحب الهداية وغيره إباحة قليله للتداوى ومحوه ومن صرح بحرمته أراد به القدر المسكر منه، يدل عليه ما فى غاية البيان عن شرح شيخ الإسلام أ كل قليل السقمونها والبنج مباح للتداوى ، وما زاد على ذلك إذا كان يقعد أو يذهب العقل حرام فهذا صريح فيما قلناه مؤيد لما بحثناه سابقاً من تخصيص ما مر من أن ما أسكر كثيره حرم قليله بالمائمات ، وهكذا يقال فى غيره من الأشياء الجامدة المضرة فى العقل أو غيره ، يحرم تناول القدر - - ١٣٣ - - المضر منها دون القليل النافع، لأن حرمتها ليست لعينها بل لضررها ، وفى أول طلاق البحر من غاب عقله بالبنج والأفيون يقع طلاقه إذا استعمل للهو وإدخال الآفات قصداً لكونه معصية، وإن كان للتداوى فلا احدمها كذا فى فتح القدير، وهو صريح فى حرمة البنج والأفيون لا الدواء . وفى البزازية والتعليل ينادى بحرمته لا للدواء . انتهى كلام البحر . وجعل فى النهر هذا التفصيل هو الحق . والحاصل أن استعمال الكثير المسكر منه حرام مطلقاً كما يدل عليه كلام الغاية، وأما القليل فإن كان اللهو حرم وإن سكر منه يقع طلاقه ، لأن مبدأ : استعماله كان محظوراً، وإن كان للتداوى وحصل منه إسكار فلا . هذا آخر كلام الشامى . ثم قال الشامى: وكذا تحرم جوزة الطيب وكذا العنبر والزعفران كما فى الزواجر لابن حجر المكى، وقال فهذه كلها مسكرة ومرادهم بالإسكان هذا تغطية العقل لا مع الشدة المطربة لأنها من خصوصيات المسكر المائع فلاينافى أنها تسمى مخدرة ، فما جاء فى الوعيد على الخمر يأتى فيها لاشتراكهما فى إزالة العقل المقصود للشارع بقاؤه . أقول: ومثله زهر القطن فإنه قوى التفريح يبلغ الإسكار كما فى التذكرة، فهذا كله ونظائره يحرم استعمال القدر المسكر منه دون القليل كما قدمناه فافهم ، ومثله يل أولى البرش وهو شىء مركب من البنج والأفيون وغيرهما ذكر فى التذكرة أن إدمانه يفسد البدن والعقل، ويسقط الشهوتين ، ويفسد اللون ، وينقص القوى وينهك . وقد وقع به الآن ضرر كثير انتهى كلام الشامى . قلت: إذا عرفت هذه الأقاويل للعلماء فاعلم أن الزعفران والعنبر والمسك ليس فى هذه الثلاثة سكر أصلا بل ولا تقتير ولا تخدير على التحقيق . - - ١٣٤ - - وأما الجوز الطيب والبسهاسة والعود الهندى فهذه كلها ليس فيها سكر أيضا وإنما فى بعضها التفقير، وفى بعضها التخدير، ولا ريب أن كل ما أسكر كثيره فقليله حرام سواء كان مفرداً أو مختلطاً بغيره ، وسواء كان يقوى على الإسكار بعد الخلط أو لا يقوى ، فكل هذه الأشياء الستة ليس من جنس المسكرات قطعاً بل بعضها ليس من جنس المفترات ولا المخدرات على التحقيق ، وإنما بعضها من جنس المفترات على رأى البعض ومن جنس المضار على رأى البعض ، فلا يحرم قليله سواء يؤ كل مفرداً أو يستهلك فى الطعام أو فى الأدوية. نعم أن يؤكل المقدار الزائد الذى يحصل به التفتير لا يجوزأكله لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كل مفتر ولم يقل إن كل ما أفتر كثيره فقايله حرام . فنقول على الوجه الذى قاله صلى الله عليه وسلم ولا تحدث من قبلى شيئاً ، فالتحريم للتفقير لا لنفس المفتر فيجوز قليله الذى لا يفتر . وهذه العلماء الذين نقلت عباراتهم لم يتفقوا على أمر واحد ، بل اختلفت أقوالهم، فذهبت الأئمة الحنفية أن ما أسكر كثيره حرم قليله هو فى المائعات دون الجامدات ، وهكذا فى غهره من الأشياء الجامدة المضرة فى العقل أو غيره محرم تناول القدر المضر منها دون القليل النافع لأن حرمتها ليست لعينها بن لضررها فيحرم عندهم استعمال القدر المسكر من الجامدات دون القليل منها . وأما ابن رسلان فصرح بلفظ التمريض فقال ويقال إن الزعفران بسكر . وقال الطيبى: ولا يبعد أن يسعدل به على تحريم البنج. وقال ابن دقيق العيد فى الجوزة إنها مسكرة. وقال الأردبيلي: إن الجوز الهندى والزعفران ونخوهما يحرم الكثير منه الإضراره لا لكونه مسكراً . - -١٣٥ - - وقال أبو بكر بن قطب القسطلانى: الجوز الطيب والزعفران والبغج والأفيون هذه كلها من المسكرات المخدرات. وقال الزركشي: إن هذه الأشياء لا تحرم إلا لمضرتها العقل ودخولها فى المفتر المنهى عنه . وقال القزوينى : الزعفران الزائد على الدرهم سم قاتل . قلت: والصحيح من هذه الأقاويل قول السلامة الأردبيلي والزركشى ، وقد أطنب الكلام وأفرط فيه الشيخ الفقيه ابن حجر المكى فى كتابه الزواجر عن اقتراف الكبائر ، فقال الكبيرة السبعون بعد المائة أ كل المسكر الطاهر كالحشيشة والأفيون والشيكران بفتح الشين المعجمه وهو البنج ، وكالعنبر والزعفران وجوزة الطيب، فهذه كلها مسكرة كما صرح به النووى فى بعضها وغيره فى باقيها ، ومرادهم بالإسكار هنا تغطية العقل لا مع الشدة المطربة لأنها من خصوصيات المسكر المائع، وبما قررته فى معنى الإسكار فى هذه المذكورات على أنه لا بنافى أنها تسمى مخدرة، وإذا ثبت أن هذه كلها مسكرة أو مخدرة، فاستعمالها كبيرة وفسق كالخمر، فكل ماجاء فى وعيد شاربها يأتى فى مستعمل شىء من هذه المذكورات لاشتراكهما فى إزالة العقل المقصود للشارع بقاؤه ، فكان فى تعاطى ما يزيله وعيد الخمر . والأصل فى تحريم كل ذلك ما رواه أحمد فى مسنده وأبو داود فى سننه : (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر)). قال العلماء: المفتر كل ما يورث الفتور والغدر فى الأطراف ، وهذه المذكورات كلها تسكر وتخدر وتفتر . وحكى القرافى وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيشة وذكر الماوردى قولا - - ١٣٦ - - أن النبات الذى فيه شدة مطربة يجب فيه الحد. وصرح ابن دقيق العيد أن الجوزة مسكرة، ونقله عنه المتأخرون من الشافعية والمالكية واعتمدوه . وبالغ ابن العماد فجعل الحشيشة مقيسة على الجوزة، وذلك أنه لما حكى عن القرافى نقلا عن بعض الفقهاء أنه فرق فى إسكار الحشيشة بين كونها ورقاً أخضر فلا إسكار فيها بخلافها بعد التحميص فإنها تسكر ، قال والصواب أنه لا فرق لأنها ملحقة بجوزة الطيب والزعفران والعدبر والأفيون والبنج وهو من المسكرات المخدرات ذكر ذلك ابن القسطلانى انتهى. فتأمل تعبيره بالصواب وجعله الحشيشة التى أجمع العلماء على تحريمها مقيسة على الجوزة تعلم أنه لا مرية فى تحريم الجوزة لإسكارها أو تخديرها . وقد وافق المالكية والشافعية على إسكارها الحنابلة فنص إمام متأخريهم ابن تيمية وتبعوه على أنها مسكرة وهو قضية كلام بعض أئمة الحنفية ، ففى فتاوى المرغيفانى المسكر من البنج ولبن الرماك ، أى أنائى الخيل حرام ، ولا محد شاربه انتهى . وقد علمت من كلام ابن دقيق العيد وغيره أن الجوزة كالبنج ، فإذا قال الحنفية بإسكاره لزمهم القول بإسكار الجوزة . فثبت بما تقرر أنها حرام عند الأئمة الأربعة الشافعية والمالكية والحنابلة بالفص، والحنفية بالاقتضاء لأنها إمامسكرة أو مخدرة . وأصل ذلك فى الحشيشة المقيسة على الجوزة . والذى ذكره الشيخ أبو إسحاق فى كتابه التذكرة والنووى فى شرح المهذب وابن دقيق العيد أنها مسكرة. وقد يدخل فى حدهم السكران بأنه الذى اختل كلامه المنظوم وانكشف سره المكتوم أو الذى لا يعرف السماء من الأرض ولا الطول من العرض ثم - -١٣٧ - - نقل عن القرافى أنه خالف فى ذلك ، فنفى عنها الإسكار وأثبت لها الإفساد ثم رد عليه. وممن نص على إسكارها أيضاً العلماء بالنبات من الأطباء، وكذلك ابن تيمية والحق فى ذلك خلاف الإطلاقين إطلاق الإسكار وإطلاق الإفساد، وذلك أن الإسكار يطلق ويراد به مطلق تغطية العقل، وهذا إطلاق أعم ويطلق ويراد به تغطية العقل مع نشأة وطرب ، وهذا إطلاق أخص وهو المراد من الإسكار حيث أُطلق، فعلى الإطلاق الأول بين المسكر والمخدر عموم مطلق، إذ كل مخدر مسكر وليس كل مسكر مخدراً ، فإطلاق الإسكار على الحشيشة والجوزة ونحوهما المراد منه التخدير، ومن نفاه عن ذلك أراد به معناه الأخص . وتحقيقه أن من شأن السكر بنحو الخمر أنه يتولد عنه النشأة والنشاط والطرب والعربدة والحمية ، ومن شأن السكر بنحو الحشيشة والجوز أنه يتولد عنه أضداد ذلك من تخدير البدن وفتوره ، ومن طول السكوت والغوم وعدم الحمية . وفى كتاب السياسة لابن تيمية أن الحد واجب فى الحشيشة كالخمر، لكن لما كانت جماداً وليست شراباً تنازع الفقهاء فى نجاستها على ثلاثة أقوال فى مذهب أحمد وغيره ، فقيل نجسة وهو الصحيح انتهى . وقال ابن بيطار: ومن القنب الهندى نوع ثالث يقال له القنب ولم أره بغير مصر ويزرع فى البساتين ، ويسمى بالحشيشة أيضاً وهو يسكر جداً إذا تناول منه الإنسان يسيراً قدر درهم أو درهمين، حتى إن من أكثر منه أخرجه إلى حد الرعونة، وقد استعمله قوم فاختلت عقولهم ، وأدى بهم الحال إلى الجنون ، وربما قتلت . وقال الذهبي: الحشيشة كالخمر فى النجاسة والحد وتوقف بعض العلماء عن - - ١٣٨ - - الحد فيها ورأى أن فيها التعزيز لأنها تغير العقل من غير طرب كالبنج وأنه لم يجد للعلماء المتقدمين فيها كلاماً وليس ذلك بل آ كلوها يحصل لهم نشوة واشتهاء كشراب الخمر، ولكونها جامدة مطعومة تنازع العلماء فى نجاستها على ثلاثة أقوال فى مذهب أحمد وغيره، فقيل هى نجسة كالخمر المشروبة وهذا هو الاعتبار الصحيح، وقيل لا لجودها ، وقيل يفرق بين جامدها ومائعها وبكل حال فهى داخلة فيما حرم الله ورسوله من الخمر المسكر لفظاً ومعنى. قال أبو موسى الأشعرى يا رسول الله أفتنا فى شرابين كنا نصفعهما باليمن البتع وهو من العسل ينبذ حتى يشتد، والمزر وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد ، قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطى جوامع الكلم بخواتيمه فقال صلى الله عليه وسلم: ((كل مسكر حرام)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)»، ولم يفرق صلى الله عليه وسلم بين نوع ونوع ككونه مأكولا أو مشروباً على أن الخمر قد تؤكل بالخبز، والحشيشة قد تذاب وتشرب انتهى كلام الذهبى . هذا آخر كلام ابن حجر المكى ملخصاً. قلت قول ابن حجر المكى هذا فيه مبالغة عظيمة، فإنه عد العنبر والزعفران من المسكرات وجعل استعمالهما من الكبائر كالخمر، وهذا كلام باطل وساقط الاعتبار، ولم يثبت قط عن الأئمة القدماء من العلماء بالنبات سكرهما كماسيجى. وقد عرفت معنى السكر من أقوال العلماء، وليس فى تعريف السكر تغطية العقل بنوع ما كمافهمه ابن حجر المكى ، بل بوجه يعطل عقله المميز بين الأمور الحسنة والقبيحة أو مع ذلك يحصل له به الطرب والنشاط والعربدة وغير ذلك. وقوله وبما قررته فى معنى الإسكار فى هذه المذكورات علم أنه لا ينافى أن هذه المذكورات تسمى مخدرة . 1 - ١٣٩ جب - قلت: لم يثبت قط أن كل المذكورات بأجمعها فيها سكر ، وثبت فى محله أن السكر غير الخدر فإطلاق السكر على الخدر غير صحيح ، فإن الخدر هو الضعف فى البدن والفتر الذى يصيب الشارب قبل السكر كما صرح به ابن الأثير فى النهاية فأنى يصح القول بأن هذه المذكورات تسمى مسكرة ومخدرة. وقوله: والأصل فى تحريم كل ذلك ما رواه أحمد وأبو داود إلى آخره. : قلت: إنا نسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن كل مسكر ومفتر ، بل ونهى عن كل مخدر أيضاً ، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن ما أسكر كثيره فقليله منه حرام ، وما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن ما أفتر كثيره فقلوله منه حرام أو ماخدّر كثيره فقليله منه حرام، وليس المسكر والمخدر والمفتر شيئاً واحداً، والذى يسكر فكثيره وقلوله سواء فى الحرمة ، والذى يفتر أو يخدر فلا يحرم منهما إلا قدر التفتير أو قدر التخدير. ويؤيده ما أخرجه أبو نعيم كمافى كنز العمال عن الحكم بن عتيبة عن أنس . ابن حذيفة صاحب البحرين قال (( كتبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الناس قد اتخذوا بعد الحمر أشربة تسكرهم كما تسكر الخمر من التمر والزبيب يصنعون ذلك فى الدماء والفقير والمزفت والحنتم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كل شراب أسكر حرام ، والمزفت حرام، والفقير حرام ، والحنتم حرام ، فاشربوا فى القرب وشدوا الأوكية ، فاتخذ الفاس فى القرب ما يسكر ، فبلغ النبى صلى الله عليه وسلم فقام فى الناس فقال إنه لا يفعل ذلك إلا أهل النار ، ألا إن كل مسكر حرام ، وكل مفتر وكل مخدر حرام ، وما أسكر كثيره فقليله حرام . وفى رواية لأبى نعم عن أنس بن حذيفة (( ألا إن كل مسكر حرام وكل مخدر حرام وما أسكر كثيره حرم قليله وماخمر العقل فهو حرام انتهى )» فانظر - - ١٤٠ - - رحمك الله تعالى وإياى بعين الإنصاف أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((ألا إن كل مسكر حرام، وكل مفتر وكل مخدر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام» فالنبي صلى الله عليه وسلم صرح أولا بالحرمة على كل من المسكر والمفترو المخدر ثم عقّبَ بقوله ((إن ما أسكر كثيره فقليله حرام)) وما قال أن ما أفتر كثيره فقدوله حرام أو ما خدّر كثيره فقليله حرام ، والسكوت عن البيان فى وقت الحاجة لا يجوز، فذكر النبى صلى الله عليه وسلم حرمة هذه الأشياء الثلاثة فى وقت واحد، ثم فى ذكره لحرمة قليل من المسكر وعدم ذكره لحرمة قليل من المفتر والمخدر أبين دليل وأصرح بيان على أن حكم قليل من المفتر وحكم قليل من المخدر غير حكم قليل من المسكر ، فإن قليلا من المسكر يحرم ، وقليلا من المخدر والمفتر لا يحرم والله أعلم . وقوله إن الإسكار يطلق ويراد به مطلق تغطية العقل وهذا إطلاق أعم . قلت : إن أراد بتغطية العقل ضعف العقل وفتر الأعضاء واسترخائها فهو يسمى مخدراً ولا يسمى بمسكر، وإن أراد بتغطية العقل مخامرة العقل بحيث لا يستطيع الإنسان العمل بموجب عقله ولا يتميز بين الأمور الحسنة والقبيحة فهو يسمى مسكراً ولا يسمى مخدراً . وقوله فعلى الإطلاق الأول بين المسكر والمخدر عموم مطلق . قلت: إذا ثبت أن المسكر غير المخدر فلا يقال بينهما عموم مطلق ، فإن النعاس مقدمة النوم، فمن نس لا يقال له إنه نائمٌ فليس كل مخدر مسكراً كما ليس كل مسكر مخدراً ، ويؤيده ما أخرجه ابن راهويه كما فى كنز العمال عن سفيان بن وهب الحولانى، قال: كنت مع عمر بن الخطاب بالشام فقال أهل الذمة إِنك كلفتنا وفرضت علينا أن نرزق المسلمين العسل ولا تجده ، فقال عمر إن المسلمين إذا دخلوا أرضاً فلميوطنوا فيها اشتد عليهم أن يشربوا الماء القراج - ب