النص المفهرس

صفحات 481-500

- ٤٨١-
قال: ◌ُلُوا، وَحَبَسَ الرَّسُولَ وَالْقَصْعَةَ حَتَّى فَرَّغُوا فَدَفَعَ الْقَصْمَةَ الصَّحِيحَةَ
إِلَى الرّسُولِ وَحَبَسَ المَكْسُورَةَ فِى بَيْتِهِ » .
٣٥٥١ - حدثنا مُسَدَّدٌ أخبرنا يَحْتَى عن سُفْيَانَ حدَّتِى فَلَيْتُ الْعَامِرِىُّ
عن جَسْرَةَ بِنْتِ دُجَاجَةَ قَالَتْ قَالَتْ عَائِشَةُ: ((مَا رَأَيْتُ صَانِعَ طَعَامَاً مِثْلَ
صَفِيّةَ صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمٍ طَعَاماً، فَبَعَثَتْ بِهِ فَأَخَذَنِى
وقيل خطاب لمن حضر من المؤمنين ( حتى جاءت قصعتها ) أى قصعة بعض
نسأله التى كان صلى الله عليه وسلم فى بيتها ( ثم رجعنا إلى لفظ حديث مسدد)
هذا من كلام أبى داود ( وحبس الرسول) أى الخادم أى منعه أن يرجع
(والقصعة ) بالنصب عطف على الرسول .
قال فى السبل: والحديث دليل على أن من استهلك على غيره شيئاً كان
مضموناً بمثله، وهو متفق عليه فى المثلى من الحبوب وغيرها ، وأما فى القيمى فقيه
ثلاثة أقوال الأول للشافعى والكوفيين أنه يجب فيه المثل حيواناً كان أو غيره
ولا تجزى القهمة إلا عند عدمه. والثانى أن القيمى يضمن بقيمته .
وقال مالك والحنفية: أماما يكال أو يوزن فمثله، وما عدا ذلك من العروض
فى الحيوانات فالقيمة انتهى .
قال المنذرى: وأخرجه البخارى والترمذى والنسائى وابن ماجه. والتى كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيتها عائشة بنت أبى بكر الصديق رضى الله
عنها. والتى أرسلت إلى النبى صلى الله عليه وسلم الصحفة هى زينب بنت
جحش ، وقيل أم سلمة ، وقيل صفية بنت حيى رضوان الله عليهن . انتهى
كلام المنذرى .
( مثل صفية) أى بنت حيى زوج النبى صلى الله عليه وسلم (فبعثت ) أى
(٣١ - عون المعبود ٩)
١

- ٤٨٢-
أَفْكَلٌ فِكَسَرْتُ الْإِنَاءِ فَقُلْتُ: يَارَسُولَ اللهِ مَا كَفَّارَةُ مَاصَفَعْتُ ؟ قال:
إِنَا مِثْلُ إِنَاءِ، وَطَّعَامٌ مِثْلُ طَعَامٍ».
- صفيه (به) أى بالطعام (أفكل) بفتح الهمزة وإسكان الفاء وفتح الكاف
ثم لام وزنه أفعل ، والمعنى أخذتنى رعدة الأفكل ، وهى الرعدة من برد
أو خوف .
والمراد هنا أنها لما رأت حسن الطعام غارت وأخذتها مثل الرعدة . قاله فى
النيل (فكسرت) بصيغة المتكلم ( إناء مثل إناء الخ) فيه دليل على أن القيمى
يضمن بمثله ولا يضمن بالقيمة إلا عند عدم المثل، وبه احتج الشافعى والكوفيون.
وقال القسطلانى: استشكل هذا بأنه إنما يحكم فى الشىء بمثله إذا كان
متشابه الأجزاء كالدراهم وسائر المثليات ، والقصعة إنما هى من المتقومات .
والجواب ما حكاه البيهقى بأن القصعتين كانتا للنبى صلى الله عليه وسلم فى بيت
زوجتيه ، فعاقب الكاسرة بجعل القصعة المكسورة فى بيتها وجعل الصحيحة
فى بيت صاحبتها ، ولم يكن ذلك على سبيل الحكم على الخصم انتهى. وتعقب
بما وقع فى رواية لابن أبى حاتم بلفظ (( من كسر شيئاً فهو له وعليه مثله)).
قال المنذرى : وأخرجه النسائى وفى إسناده أفلت بن خليفة أبو حسان ويقال
فليت العامرى . قال الإمام أحمد: ما أرى به بأساً . وقال أبو حاتم الرازى :
شيخ . وقال الخطابى : وفى إسناد الحديث مقال .

- ٤٨٣-
٥٧ - باب المواشى تفسد زرع قوم
٣٥٥٢ - حدثها أَحْمَدُ بنُ عُمَّدِ بنِ نَبِتٍ الْمَرْوَزِئُّ أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ
أنبأنا مَعْمَرٌ عن الزُّهْرِىِّ عن حَرَامِ بنِ مُحَيِّصَةَ عن أَبِيهِ ((أَنَّ نَاقَةٌ لِلْبَرَاء
ابنِ عَزِبٍ دَخَلَتْ حَائِطَ رَجُلٍ فَأَفْسَدَتْهُ [فَأَفْسَدَتْ] هَلَيْهِمْ، فَقَضَى
رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم عَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ حِفْظَهَا بِالنََّرِ وَعَلَى أَهْلِ
الَوَاشِىِ حِفْظَهَا بِالَّيْلِ » .
٣٥٥٣ - حدثنا ◌َجُودُ بنُ خَالِدٍ أخبرنا الْفِرْبَابِيُّ من الْأَوْزَاعِيِّ عن
الزُّهْرِىُّ عن حَرَامِ بِنِ مُحَيِّصَةَ الْأَنْصَارِىِّ عن الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قال ((كَانَتْ
( باب المواشى تفسد زرع قوم )
(حائط رجل) أى بستانه. فى النهاية: الحائط البستان إذا كان عليه حائط
وهو الجدار (على أهل الأموال حفظها) أى حفظ الأموال. قال فى شرح السنة:
ذهب أهل العلم إلى أن ما أفسدت الماشية بالنهار من مال الغير فلا ضمان على أهلها
وما أفسدت بالليل ضمنه مالكها ، لأن فى العرف أن أصحاب الحوائط والبساتين
يحفظونها بالنهار ، وأصحاب المواشى بالليل، فمن خالف هذه العادة كان خارجاً
عن رسوم الحفظ ، هذا إذا لم يكن مالك الدابة معها ، فإن كان معها فعليه ضمان
ما أتلفته سواء كان راكبها أو سائقها أو قائدها أو كانت واقفة، وسواء أتلفت
بيدها أو رجلها أو فمها ، وإلى هذا ذهب مالك والشافعى ، وذهب أصحاب
أبى حنيفة رحمه الله إلى أن المالك إن لم يكن معها فلا ضمان عليه ، ليلا كان
أو نهاراً انتهى. قال المنذرى: وأخرجه النسائى.
(عن حرام بن محمصة) بتشديد الياء المكسورة وقيل بإسكانها

- ٤٨٤-
لَهُ [لَنَ ] نَقَةٌ ضَارِيَةٌ فَدَخَلَتْ حَائِطَ فَأَفْسَدَتْ فِيِهِ، فَكُلُمَ رَسُولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم فِيهاَ فَقَضَى أَنَّ حِفْظَ الْوَائِطِ بالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهاَ، وَأَنَّ
حِفْظَ الْمَاشِيَةِ بِالَّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنّ ◌َلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ
ماشِيَتُهُمْ بِالّيْلِ ».
آخر كتاب البيوع
- ( ضارية ) بالتحتية أى معتادة لرعى زرع الناس فكلم) بصيغة المجهول من
باب التفعيل (وأن على أهل الماشية الخ) أى وإن ما أفسدت المواشى بالليل مضمون
على أهلها .
قال المنذرى : وأخرجه النسائى .
هذا آخر كتاب البيوع .

- ٤٨٥ -
بسم الله الرحمن الرحيم
أول كتاب القضاء
١ - باب فى طلب القضاء
٣٥٥٤ - حدثنا نَصْرُ بنُ عَلِىّ أخبرنا فُضَيلُ بنُ سُلَيْنَ حدثنا عَمْرُو
ابنُ أَبِى ◌َمْرٍوٍ عن سَعيدٍ المْبُرِىِّ من أَبِى حُرِيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه
وسلم قالَ: ((مَنْ وُلَِّ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّنِ ».
(أول كتاب القضاء)
بالمد الولاية المعروفة، وهو فى اللغة مشترك بين إحكام الشىء والفراغ منه،
ومنه ( فقضاهن سبع سماوات) بمعنى إمضاء الأمر، ومنه (وقضينا إلى
بنى إسرائيل) وبمعنى الختم والإلزام، ومنه (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه)
وفى الشرع إلزام ذى الولاية بعد الترافع، وقيل هو الإكراه بحكم الشرع فى
الوقائع الخاصة لمعين أو جهة، والمراد بالجهة كالحكم لبيت المال أو عليه . كذا
فى السبل. وقال الشربينى فى الإقفاع: القضاء بالمدكقباء وهو لغة إمضاء الشىء
وإحكامه، وشرعاً فصل الخصومة بين خصمين فأكثر بحكم الله تعالى انتهى .
وقال العينى فى رمز الحقائق: هو فى اللغة الإتقان والإحكام ، وفى الشرع هو
فصل الخصومات . قاله الشارح . والأولى أن يقال هو قول ملزم يصدر عن
ولاية عامة انتهى .
( باب فى طلب القضاء)
(من ولى القضاء) على بناء الفاعل بالتخفيف أى تصدى للقضاء وتولا . -
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
هذا رواه النسائى من حديث ابن أبى ذئب عن عثمان بن محمد الأخسى عن سعيد=

- ٤٨٦-
٣٥٥٥ - حدثنا نَصْرُ بنُ عَلىّ أنبأنا بِشْرُ بنُمَرَ مِن عَبْدِ اللهِ بنِ
جَعْفَرٍ عن عُثْنَ بنِ مُمْدٍ الْأَخْنَسِىِّ من الْبُرِيِّ وَالْأَعْرَجِ عن أَبِى هُرَيْرَةَ
عن النّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ: ((مَنْ جُعِلَ قَاضِيّاً بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبِحَ
بِغَيْرٍ سِكِينٍ».
- أو على بناء المفعول بالتشديد وهو المناسب لرواية جعل قاضياً. كذا فى فتح
الودود ( فقد ذيح) بصيغة المجهول ( بغير سكين ) قال ابن الصلاح : المراد ذبح
من حيث المعنى لأنه بين عذاب الدنيا إن رشد ، وبين عذاب الآخرة إن فد.
وقال الخطابى ومن تبعه: إنما عدل عن الذبيح بالسكين ليعلم أن المراد ما يخاف
من هلاك دينه دون بدنه وهذا أحد الوجهين ، والثانى أن الذيح بالسكين فيه
إراحة للمذبوح، وبغير السكين كالخفق وغيره يكون الألم فيه أكثر ، فذكر
ليكون أبلغ فى العحذير .
قال الحافظ فى التلخيص: ومن الناس من فتن بحب القضاء فأخرجه عما
يتبادر إليه الفهم من سياقه فقال إنما قال ذبح بغير سكين إشارة إلى الرفق به -
= المقبرى عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من استعمل على القضاء
فكأنما ذبح بغير سكين )) ثم ساقه من حديث الخرمى عن الأخسى عن المقبرى عن
أبى هريرة يرفعه، وقال ((فقد ذبح بغير سكين)) ثم اعتذر عن إخراجه حديث عثمان
الأخذى فقال: وعثمان ليس بذاك القوى ، وإنما ذكرناه لئلا يخرج عثمان من الوسط
ويجعل ابن أبى ذئب عن سعيد ، يعنى لثلا يدلس ، فيسقط عثمان . فإذا أسقطه
أحد فليعلم أنه بالطريق . ورواه النسائى أيضاً من حديث داود بن خالد عن المقبرى
عن أبى هريرة .
وليس فى هذا الطريق ذكر الأخنى ، ولكن قال النسائى : داود بن خالد
ليس بالمشهور .

- ٤٨٧-
٢ - باب فى القاضى يخطىء
٣٥٥٦ - حدثنا محمّدُ بنُ حَسَّانَ السَّمْتِىُّ أخبرنا خَلَفَُ بنُ خَلِهِفَةَ عن
أبى هَاشٍِ عن ابنِ بُرَيْدَةَ عن أَبِيدِ عن النّبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قال:
(( الْقُصَاةُ ثَلَاثَةٌ: وَاحِدٌ فِى الْجَنّةِ وَاثْنَانِ فِى الَّارِ، فَأَمَّا الَّذِى فِى الْجَّةِ فَرَجُل
عَرَفَ الْقِّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُل عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِى الْمَكْمِ فَهُوَ فِى النّارِ،
- ولو ذبح بالسكين لكان أشق عليه ولا يخفى فساده انتهى . وفى السبل : دل
الحديث على التحذير من ولاية القضاء والدخول فيه كأنه يقول من تولى القضاء
فقد تعرض لذبح نفسه فليحذره وليتوقه ، فإنه إن حكم بغير الحق مع علمه به
أو جهاد له فهو فى النار .
والمراد من ذيح نفسه إهلاكها أى فقد أهلكها بتولية القضاء، وإنما قال بغير
سكين للاعلام بأنه لم يرد بالذبح قطع الأوداج الذى يكون غالباً بالسكين ، بل
أريد به إهلاك النفس بالعذاب الأخروى انتهى .
قال المعذرى : وأخرجه الترمذى ، وقال حسن غريب من هذا الوجه .
( من جعل قاضياً) بصيغة المجهول أى من جعله السلطان قاضياً .
قال المنذرى: وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث المقبرى وحده .
وأشار النسائى إلى حديثهما. وفى إسناده عثمان بن محمد الأخنسى . قال النسائى:
عثمان ابن محمد الأخنسى ليس بذاك القوى ، وإنما ذكرناه لئلا يخرج عثمان من
الوسط ويجعل من ابن أبى ذئب عن سعيد . انتهى كلام المنذرى .
( باب فى القاضى يخطى)
( السمتى ) بالفتح والسكون وفوقية، كان له لحية وهيئة ورأى ، وإنما سمى
به اِسَمْته وهيئته والله أعلم (غجار فى الحكم) أى مال عن الحق وظلم عالماً به -

- ٤٨٨ -
وَرَجُل قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهَلٍ فَهُوَ فى النَّارِ)) .
قالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا أَصَحُّ شَىْءٍ فِيهِ - يَعنى حَدِيثَ ابنِ بُرَيْدَةَ،
١٠٠٠
((الْقُضَاءُ ثَلاَئَةٌ ».
٣٥٥٧ - حدثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُمَرَ بنِ مَيْسَرَةَ قال أخبرنا عَبْدُ الْعَزِيزِ
- يَعنى ابنَ مُمٍّ - الَ أخبرفى يَزِيدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ الْهَادِ من مُمَّدِ بنِ
إبرَاهِيمَ عن بُسْرِ بنِ سَعِدٍ عن أبى قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِوِ بنِ الْعَاصِ عن ◌َمْرِو
ابنِ الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ
فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانٍ ، وَإِذَا حَكَمَ فَجْتَهَدَ فَأَخْطَأْ فَلَهُ أَجْرٌ، فَدَّنْتُ
- متعمداً له ( على جهل) حال من فاعل قضى ، أى قضى للناس جاهلا .
والحديث دليل على أنه لا ينجو من النار من القضاة إلا من عرف الحق
وعمل به، والعمدة العمل، فإن من عرف الحق ولم يعمل فهو ومن حكم بجمل
سواء فى النار، وظاهره أن من حكم بجهل وإن وافق حكمه الحق فإنه فى الدار
لأنه أطلقه وقال فقضى للناس على جهل فإنه يصدق على من وافق الحق وهو
جاهل فى قضائه أنه قضى على جهل ، وفيه التحذير من الحكم مجهل أو بخلاف
الحق مع معرفته به. قال الخطيب الشربينى: والقاضى الذى ينفذ حكمه هو الأول
والثانى والثالث لا اعتبار بحكمهما انتهى .
قال المنذرى : وأخرجه الترمذى وابن ماجه وابن بريدة هذا هو عبد الله .
(إذا حكم الحاكم) أى أراد الحكم ( فأصاب) أى وقع اجتهاده موافقاً
لحكم الله ( فله أجران) أى أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، والجملة جزاء الشرط
(فله أجر) أى واحد. قال الخطابي: إنما يؤجر المخطىء على اجتهاده فى طلب -

- ٤٨٩ -
بِ أَبَ بَكْرٍ بنَ حَزْمٍ فِقالَ: هُكَذَا حَدَّتِى أَبُو سَلَةً من أَبِى هُريْرةَ.
- الحق لأن اجتهاده عبادة، ولا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الإثم فقط ، وهذا
فيمن كان جامعاً لآلة الاجتهاد عارفاً بالأصول عالماً بوجوه القياس، فأما من لم
يكن محلا للاجتهاد فهو متكلف ولا يعذر بالخطأ بل يخاف عليه الوزر ، وبدل
عليه قوله عليه الصلاة والسلام: (( القضاة ثلاثة واحد فى الجنة وائمان فى النار))
وهذا إنما هو فى الفروع المحتملة للوجوه المختلفة دون الأصول التى هى أركان
الشريعة وأمهات الأحكام التى لا تحتمل الوجوه ولا مدخل فيها للتأويل ، فإن
من أخطأ فيها كان غير معذور فى الخطأ وكان حكمه فى ذلك مردوداً . كذا فى
المرقاة للقارى .
وقال فى مختصر شرح السنة إنه لا يجوز لغير المجتهد أن يتقلد القضاء، ولا
يجوز للامام توليته .
قال والمجتهد من جمع خمسة علوم ، علم كتاب الله، وعلم سنة رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأقاويل علماء السلف من إجماعهم واختلافهم ، وعلم اللغة ،
وعلم القياس، وهو طريق اسقدماط الحكم من الكتاب والسنة إذا لم يجده
صريحاً فى نص كتاب أوسنة أو إجماع، فيجب أن يعلم من علم الكتاب الناسخ
والمنسوخ، والمجمل والمفسر، والخاص والعام، والمحكم والمتشابه، والكراهة
والتحريم، والإباحة والندب، ويعرف من السنة هذه الأشياء ، ويعرف منها
الصحيح والضعيف ، والمسند والمرسل ، ويعرف ترتيب السنة على الكتاب
وبالعكس، حتى إذا وجد حديثا لا يوافق ظاهره الكتاب اهتدى إلى وجه
محمله، فإن السنة بيان للكتاب فلا يخالفه، وإنما تجب معرفة ما ورد منها من
أحكام المشرع دون ماعداها من القصص والأخبار والمواعظ ، وكذا يجب أن
يعرف من علم اللغة ما أتى فى الكتاب والسنة من أمور الأحكام دون الإحاطة .--

٠-٤٩٠ -
٣٥٨٨ - حدثنا عَبَاسُ الْعَنْبَرِىُّ أخبرنا مُمَرُ بنُ يُؤنُسَ أخبرنا مُلاَزِمُ
ابنُ عَمْوِ حدَّثْنِى مُوسَى بِنُ تَجْدَةَ من جَدِّهِ يَزِيدَ بنِ عَبْدِ الرَّْنِ، وَهُوَ
أَبُو كَثِيرِ قال حدَّثَنِى أَبُو هُريْرةَ عن النِِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ: ((مَنْ طَلَبَ
قَضَاءَ المُسْلِمِينَ حَتَّى بَنَالَهُ ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنّةُ، وَمَنْ غَلَبَ
جَوْرُهُ عَدَلَهُ فَلَهُ النَّارُ )).
- بجميع لغات العرب ويعرف أقاويل الصحابة والتابعين فى الأحكام ومعظم
فتاوى فقهاء الأمة حتى لا يقع حكمه مخالفاً لأقوالهم ، فيأمن فيه خرق الإجماع ،
فإذا عرف من كل نوع من هذه الأنواع فهو مجتهد ، وإذا لم يعرفها فسبيله
التقليد انتهى .
قلت : فى قوله فسبيله التقليد نظر ، فتأمل .
قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائي وابن ماجه
مطولا ومختصراً .
(حتى يغاله) أى إلى أن يدرك القضاء (ثم غلب عدله جوره) أى كان عدله
فى حكمه أكثر من ظلمه كما يقال غلب على فلان الكوم أى هو أكثر خصاله
وظاهره أنه ليس من شرط الأجر الذى هو الجدة أن لا يحصل من القاضى جور
أصلا، بل المراد أن يكون جوره مغلوباً بعدله، فلا يضر صدور الجور المغلوب
بالعدل، إنما الذى يضر ويوجب الغار أن يكون الجور غالباً للعدل. قاله
القاضى الشوكانى.
ونقل القارى عن التوربشتى أن المراد من الغلبة فى كلا الصيغتين
أن تمفعه إحداهما عن الأخرى، فلا يجور فى حكمه يعنى فى الأول ولا يعدل
يعنى فى الثانى .

- ٤٩١ -
٣٥٥٩ - حدثنا إِبْراهِيمُ بنُ ◌َهْزَةَ بنِ أَبِى يَحْتَى الرَّمْلِيُّ حدَّثَنِى زَيْدُ
ابنُ أُبِ الزَّرْقَاء أخبرنا ابنُ أَبى الزِّنَادِ من أَبِيهِ عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ
ابنِ عُتْبَةً عن ابنٍ عَّاسٍ قَالَ: ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَ أَنْزَّلَ اللهُ فَأُولَئِكَ
ثُ الْكَفِرُونَ - إِلَى قَوْلِهِ - الْفَاسِقُونَ؛ هَؤُلاءِ الْآيَاتُ الثَّلاَثُ نَزَلَتْ فى
يَهُودَ؛ خَاصَّةً فِى قُرَيْظَةَ وَالنِّضِيرِ ».
- قال القارى: وله معنى ثان وهو أن يكون المراد من عدله وجوره صوابه
وخطؤه فى الحكم بحسب اجتهاده فى ما لا يكون فيه نص من كتاب أو سنة
أو إجماع، كماقالوه فى حق المفتى والمدرس، ويؤيده حديث ((إن الله مع القاضى
ما لم يحف عمداً)) انتهى والحديث سكت عنه المنذرى.
( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون - إلى قوله - الفاسقون)
هذه الآيات فى سورة المائدة (نزلت فى يهود خاصة) قال فى فتح الودود: يعنى
ليس معناه أن المسلم بالجور يصير كافراً انتهى.
قال الشيخ علاء الدين الخازن فى تفسيره: واختلف العلماء فيمن نزلت هذه
الآيات الثلاث وهى قوله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾
﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله
فأولئك هم الفاسقون) فقال جماعة من المفسرين: إن الآيات الثلاث نزلت فى
الكفار ومن غير حكم الله من اليهود لأن المسلم وإن ارتكب كبيرة لا يقال
إنه كافر ، وهذا قول ابن عباس وقتادة والضحاك .
ويدل على صحة هذا القول ما روى عن البراء بن عازب قال ((أنزل الله تبارك
وتعالى: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾. (ومن لم يحكم
بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون). ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
الفاسقون) فى الكفار كلها )) أخرجه مسلم.
-

- ٤٩٢ -
- وعن ابن عباس قال ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾
إلى قوله: ﴿الفاسقون) هذه الآيات الثلاث فى اليهود خاصة قريظة والنضير،
أخرجه أبو داود .
وقال مجاهد فى هذه الآيات الثلاث: من ترك الحكم بما أنزل الله رداً
لكتاب الله فهو كافر ظالم فاسق .
وقال عكرمة : ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به فقد كفر، ومن
أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق ، وهذا قول ابن عباس أيضاً واختيار
الزجاج، لأنه قال من زعم أن حكما من أحكام الله تعالى التى أتت بها الأنبياء
باطل فهو كافر.
وقال طاوس : قلت لابن عباس أ كافر من لم يحكم بما أنزل الله ؟ فقال: به
كفر وليس بكفر ينتقل عن الملة كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله
واليوم الآخر .
ونحو هذا روى عن عطاء قال هو كفر دون الكفر.
وقال ابن مسعود والحسن والدخمى : هذه الآيات الثلاث عامة فى اليهود وفى
هذه الأمة، فكل من ارتشى وبدل الحكم فىحكم بغير حكم الله فقد كفر وظلم
وفسق، وإليه ذهب السدى لأنه ظاهر الخطاب . وقيل هذا فيمن علم نص حكم
الله ثم رده عياناً عمداً وحكم بغيره، وأما من خفى عليه النص أو أخطأ فى التأويل
فلا يدخل فى هذا الوعيد والله أعلم. انتهى كلامه .
وقد أورد فى هذا الباب آثاراً كثيرة العلامة السيوطى فى تفسير الدر المنثور
فليرجع إليه .
قال المعذرى: فى إسناده عبد الرحمن بن أبى الزناد وقد استشهد به البخارى
ووثقه الإمام مالك وفيه مقال .

- ٤٩٣ -
٣ - باب فى طلب القضاء والقسرع إليه
٣٥٦٠ - حدثنا عُمَّدُ بنُ الْعَلَاءِ وَمُمَّدُ بنُ الْمُتَّى قالاَ أخبرنا أَبُو مُعَاوِبَةَ
عن الْأُعَشِ من رَجَاءَ الْأَنْصَارِيِّ عن عَبْدِ الرَّلْنِ بنِ يِشْرِ الْأُنْصَارِئِّ
الْأَزْرَقِ قَالَ: ((دَخَلَ رَجُلاَنِ مِنْ أَبْوَابٍ كِنْدَةَ وَأَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِىُّ
جَالِسٌ فِى حَلْقَةٍ فقالاَ: أَلاَ رَجُلٌ يُنَفَّذُ بَيْتَنَا، فقالَ رَجُلٌ مِنَ الْلْقَةِ: أَنَا
فَأَخَذَ أَبُو مَسْعُودٍ كُفَّا مِنْ حَصَى فَرَمَهُ بِهِ وَقال: مَهْ إِنَّهُ كَانَ يُكْرَهُ
النَّسَرُّعُ إِلَى الْحِكْرِ ».
( باب فى طلب القضاء والتسرع إليه)
( دخل) أى فى المدينة ( رجلان) كائنان ( من أبواب كندة) أبواب جمع
باب ، ويضاف للتخصيص ، فيقال باب إبراهيم وباب الشامى مثلا وباب فلان
وفلان . وكندة بكسر الكاف وسكون النون مخلاف كدة بالمن وهم القبيلة
كذا فى المراصد أى محلة كندة باليمن، وكندة هو أبوحى من اليمن .
قال فى المصباح: والمخلاف بكسر الميم بلغة المن الكورة والجمع المخاليف ،
واستعمل على مخاليف الطائف أى نواحيه . وقيل فى كل بلد مخلاف أى ناحية .
والكورة على وزن غرفة الناحية من البلاد والمحلة ويطلق على المدينة أيضا انتهى
(وأبو مسعود الأنصارى) هو عقبة بن عمرو الأنصارى الهدرى صحابي جليل
(فى حلقة) أى من الناس (فقالا) أى الرجلان ( ألا رجل ينفذ) من التنفيذ
أى يقضى ويمضى حكمه بيننا (مه) كلمة زجر أى انزجر عنه ( إنه ) أى الشأن
(كان يكره) على البناء للمفعول أى فى زمان النبى صلى الله عليه وسلم (إلى الحكم)
أى بين الناس والقضاء فيهم.
--

- ٤٩٤ -
٣٥٦١ - حدثنا محمّدُ بنُ كَثِيرِ أخبرنا [أنبأنا] إسْرَائِيلُ أخبرنا
عَبْدُ الْأَعْلَى عن بِلاَلٍ عن أَنَسٍ بِنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم يَقُولُ: ((مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءُ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ وُكِّلَ عَلَيْهِ، وَمَنْ
لَمْ يَطْلُبْهُ وَلَمْ يَسْتَعِنْ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللهُ مَلَكًا بُسَدِّدُهُ)).
وقَالَ وَكِعٌ عن إِسْرَائِلَ عن عَبْدِ الْأَعْلَى عن بِلاَلِ بنِ أَبِى مُوسَى
عن أنَسٍ عن النّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم، وقالَ أَبُو عَوَانَةَ عن عَبْدِ الْأَعْلَى عن
بِلاَلٍ بِنِ مِرْدَاسِ الْفَزَارِىِّ عن خَيْتَةَ الْبَعْرِىِّ عن أَنَسٍ .
- والحديث مرفوع حكما لأن قول أبى مسعود كان يكره إنما هو فى زمن
النبوة . والحديث سكت عنه المهذرى .
( واستعان عليه) أى بالشفعاء كما فى رواية ( وكل عليه) وفى بعض النسخ
وكل إليه أى لم يعنه الله وخلى مع طبعه وما اختاره لنفسه.
ومعنى الحديث : أن من طلب القضاء فأعطيه تركت إعانته عليه من
أجل حرصه . ويعارض ذلك فى الظاهر حديث أبى هريرة المذكور فى
الباب المتقدم .
قال الحافظ: ويجمع بينهما أنه لا يلزم من كونه لا يمان بسبب طلبه أن
لا يحصل منه العدل إذا ولى ، أو يحمل الطلب هنا على القصد وهناك على التولية
انتهى. وقيل إن حديث أبى هريرة المذكور محمول على ما إذا لم يوجد غير هذا
القاضى الذى طلب القضاء جمعاً بينه وبين أحاديث الباب ( يسدده) أى يرشده
طريق الصواب والعدل ويحمله عليهما .
قال المنذرى : وأخرجه الترمذى وقال حسن غريب وأخرجه من طريقين -

- ٤٩٥-
٣٥٦٢ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا يَحْسَى بنُ سَعِيدٍ أخبرنا قُرَّةُ
ابنُ خَالِدٍ أخبرنا مُعَيْدُ بنُ هِلَاَل حدَّثَنِى أَبُو بُرْدَةَ قالَ قَالَ أُبُو مُوسَى قَالَ
النّبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم: ((لَنْ تَسْتَفْعِلَ أَوْ لانَسْتَعْعِلَ عَلَى عَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ»
٤ - باب فى كراهية الرشوة
٣٥٦٣ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا ابنُ أَبِى ذِئْبٍ عن الْحَارِثِ
ابنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عن أَبِى سَمَةَ عَن عَبْدِ اللهِ بنِ حَمْرُ وِ قال ((لَمَنَ رَسُولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم الرّاشِ وَالمُرْنَشِى».
- أحدهما عن بلال بن أبى موسى عن أنس وقال فى الثانية عن بلال بن مرداس
الفزارى عن خيثمة وهو البصرى عن أنس ، وقال فى الرواية الثانية أصح .
( ان نستعمل أو لا نستعمل) شك من الراوى أى لا تجعل عاملا ( من
أراده) أى من طلب العمل وسأله فإنه لا يكون حينئذ معانا من عند الله تعالى.
قال المنذرى : وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى بطوله ، وأخرجه أبو داود
فى كتاب الحدود بطوله .
( باب فى كراهية الرشوة )
قال فى القاموس: الرشوة مثلثة الجُعْل جمع رُشَى ورِثَّى، ورشاء أعطاء
إياها وارتشى أخذها .
( ابن أبى ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث المدنى (لعن
رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشى والمرتشى) ولفظ أحمد فى مسنده من حديث
أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لعنة الله على الراشى
والمرتشى فى الحكم)) وأخرجه الترمذى أيضاً ولفظه قال ((لعن رسول الله -

- ٤٩٦-
- صلى الله عليه وسلم الراشى والمرتشى فى الحكم)» وقال حديث أبى هريرة حسن.
قال القارى : أى معطى الرشوة وآخذها ، وهى الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة.
قبل الرشوة ما يعطى لإبطال حق أو لإحقاق باطل ، أما إذا أعطى ليتوصل به
إلى حق أو ليدفع به عن نفسه ظلماً فلا بأس به ، وكذا الآخذ إذا أخذ ليسعى
فى إصابة صاحب الحق فلا بأس به ، لكن هذا ينبغى أن يكون فى غير القضاة
والولاة، لأن السعى فى إصابة الحق إلى مستحقه ودفع الظالم عن المظلوم واجب
عليهم فلا يجوز لهم الأخذ عليه . قال القارى: كذا ذكره ابن الملك. وقوله
وكذا الآخذ بظاهره ينافيه حديث أبى أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال (( من شفع لأحد شفاعة)) الحديث انتهى، وحديث أبى أمامة هذا تقدم
فى باب الهدية لقضاء الحاجة . وقال فى مجمع البحار: ومن يعطى توصلا إلى أخذ
حق أو دفع ظلم فغير داخل فيه . روى أن ابن مسعود أخذ بأرض الحبشة فى
شىء فأعطى دينارين حتى خلى سبيله. وروى عن جماعة من أئمة التابعين قالوا:
لا بأس أن يصانع عن نفسه وماله إذا خاف الظلم انتهى .
وقال القاضى الشوكانى فى النيل : والتخصيص لطالب الحق بجواز تسليم
الرشوة منه الحاكم لا أدرى بأى مخصص ، والحق التحريم مطلقاً أخذاً بعموم
الحديث ، ومن زعم الجواز فى صورة من الصور فإن جاء بدليل مقبول وإلا
كان تخصيصه رداً عليه، ثم بسط الكلام فيه .
قال الإمام ابن تهمية فى المنتقى: حديث عبد الله بن عمرو أخرجه الخمسة إلا
النسائى وسمحه الترمذى انتهى .
قال ابن رسلان فى شرح السنن: وزاد الترمذى والطبرانى بإسناد جيد
فى الحكم أى فى حديث أبى هريرة، وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه
أيضاً ابن حبان والطبرانى والدارقطنى وقواه الدارمى انتهى .

- ٤٩٧ -
٥ - باب فی ھدایا العمال
٣٥٦٤ - حدثنا مُسَدَّدٌ أخبرنا يَحْسَى عن إِسْمَاعِيلَ بنِ أَبِى خَالِدٍ قَالَ
حدَّثَنِى قَيْسٌ قَالَ حدَّثَنِى عَدِىُّ بِنُ عُمَيْرَةَ الْكِنْدِىُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم قالَ: ((يُأَيُّهَ النَّاسُ مَنْ مُمِّلَ مِنْكُمُ لَنَ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَ مِنْهُ
يُخْيَطَ ذَا فَوْقَهُ فَهُوَ غُلٌّ بَأْمِ بِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ
أَسْوَدُ كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَيْهِ فقالَ: يَرَسُولَ اللهِ اقْبَلْ عَّى عَمَلَكَ ، قالَ:
وَمَا ذَلِكَ؟ قالَ : سَمِعْتُكَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا وَكَذَا. قَالَ: وَأَنَا أَقُولُ ذَلِكَ
( باب فى هدايا العمال )
جمع عامل .
( حدثنى عدى بن عميرة) بفتح العين (الكندى) بكسر الكاف (من
عمل) بضم فتشديد ميم أى جعل عاملا ( فكتمنا منه) أى دس عنا من حاصل
عمله ( نخيطاً) بكسر فسكون أى إبرة (فما فوقه) أى فى القلة أو الكثرة
أو الصغر أو الكبر . قال الطبى: الفاء للتعقيب الذى يفيد الترقى أى فما فوق
الخيط فى الحقارة، نحو قوله تعالى (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة
فما فوقها) (فهو) أى المخيط وما فوقه (غُلٌّ) بضم الغين أى طوق من حديد .
ويحتمل أنه بصيغة الماضى. فمعنى غلّ أى خان، يقال غلّ الرجل غلولا
خان ، وقيل هو خاص بالفى أى المغنم ، فالمعنى أن من كتم من عمله بقدر المخيط
فقد خان .
وفى المشكاة فهو غال أى العامل الكاتم غال ( فقام رجل من الأنصار)
أى خوفاً على نفسه من الهلاك (أسود) صفة رجل (أقبل) بفتح الموحدة (عنى -
( ٣٢ - عون المعبود ٩)

-٤٩٨-
[ ذَاكَ ] مَنِ اسْتَعْمَلْنَهُ عَلَى عَمَلٍ فَلْيَأْتِ بِقَلِيِهِ وَكَثِرِهِ فَ أُوِىَ مِنْهُ أَخَذَهُ
[أَخَذَ ] وَمَ نُهِىَ عَنْهُ انْتَهَى)).
٦ - باب كيف القضاء
٣٥٦٥ - حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْن قالَ أخبرنا [أنبأنا] شَرِيكُ عن
◌ِمَاكٍ عن حَشٍ عن عَلِىّ قالَ: «بَعَثَنِى رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم إِلَى
الْيَمَنِ قَاضِياً فَقُلْتُ: يَارَسُولَ اللهِ تُرْسِلُنِى وَأَنَ حَدِيثُ السَّنِّ وَلا عِلْمَ لِى
- عملك) أى أقلنى منه (قال وماذلك) إشارة إلى ما فى الذهن أى ما الذى
حملك على هذا القول ( قال سمعتك تقول كذا وكذا وكذا) أى فى الوعيد على
العمل ( وأنا أقول ذلك) أى ما سبق من القول (فما أوتى منه) أى أعطى من
ذلك العمل ( وما نهى عنه انتهى) أى وما مفع من أخذه امتنع عنه، وهو
تأكيد لما قبله. قال الطيبي: قوله من استعملناء الخ تكرير للمعنى ومزيد البيان،
يعنى أنا أقول ذلك ولا أرجع عنه، فمن استطاع أن يعمل فليعمل ، ومن لم
يستطع فليترك انتهى . قال فى القيل: والظاهر أن الهدايا التى تهدى للقضاة
ومحوهم هى نوع من الرشوة ، لأن المهدى إذا لم يكن معتاداً للاهداء إلى القاضى
قبل ولايته لا يهدى إليه إلا لغرض، وهو إما التقوى به على باطله، أو التوصل
لهديته له إلى حقه والكل حرام . وقد ذكر صاحب النيل بعد ذلك كلاماً
حسناً . والحديث سكت عنه المنذرى . وفى المشكاة: رواه مسلم وأبو داود
واللفظ له .
( باب كيف القضاء )
(بمثنى) أى أراد بعنى (ترسانى) بتقدير أداة الاستفهام ( وأنا حديث -

- ٤٩٩ -
الْقَضَاءِ، فقالَ: إِنَّ اللّهَ سَيَهْدِى قَلْبَكَ وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ، فَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ
يَدَيْكَ الْصْمَانِ فَ تَقْضِيَنَّ حَتّى تَسْمَعَ مِنَ الْآخْرِ كَمَا سَمِمْتَ مِنَ الْأَوَّلِ
فإنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَنَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءِ. قَالَ: فما زِلْتُ قَضِيَا أَوْ مَاشَكَكْتُ
فى قَضَاء بَعْدُ ».
- السن) أى والحال أنى صغير العمر قليل التجارب ( ولا علم لى بالقضاء ) قال
المظهر : لم يرد به نفى العلم مطلقاً وإنما أراد به أنه لم يجرب سماع المرافعة بين
الخصماء وكيفية رفع كلام كل واحد من الخصمين ومكرهما ( إن الله سيهدى
قلبك ويثبت لسانك) قال الطيبي: السين فى قوله سيهدى كما فى قوله تعالى
﴿ إنى ذاهب إلى ربى سيهدين) فإن السين فيهما سحب الفعل للتنفيس زمان
وقوعه ، ولا شك أنه رضى الله عنه حين بعثه قاضياً كان عالماً بالكتاب والسنة
كمعاذ رضى الله عنه. وقوله أنا حديث السن اعتذار من استعمال الفكر واجتهاد
الرأى من قلة تجاربه، ولذلك أجاب بقوله ((سيهدى قلبك)) أى يرشدك إلى
طريق استفهاط المسائل بالكتاب والسنة فينشرح صدرك ويثبت لسانك فلا تقضى
إلا بالحق ( فلا تقضين) أى للأول من الخصمين (فإنه) أى ما ذكر من كيفية
القضاء (أخرى) أى حرى وجدير وحقيق (أن يتبين لك القضاء) أى وجهه
( قال ) أى على رضى الله عنه ( أو ما شككت فى قضاء) شك من الراوى
( بعد) أى بعد دعائه وتعليمه صلى الله عليه وسلم.
والحديث دليل على أنه يحرم على الحاكم أن يحكم قبل سماع حجة كل واحد
من الخصمين واستفصال ما لديه والإحاطة بجميعه. قال القاضى الشوكانى : فإذا
قضى قبل السماع من أحد الخصمين كان حكمه باطلا فلا يلزم قبوله ، بل يتوجه
عليه نقضه ويعيده على وجه الصحة أو يعيده حاكم آخر انتهى .
-

- ٥٠٠ -
٧ - باب فى قضاء القاضى إذا أخطأ
٣٥٦٦ - حدثنا مُمَّدُ بنُ كَثِيرِ أنبأنا سُفْيَانُ عنِ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ
عن عُرْوَةَ عنِ زَيْذَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عن أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ قالَ رَسُولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم: ((إِنَّا أَنَا بَشَرٌ وَإِذْكُمُ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ وَلَلَّ بَعْضَكُمُ
أَنْ بَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَفْضِىَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا [ما] أَضَعُ مِنْهُ
فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْتً [َ بِشَىْ] فَلاَ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعَ
لَهُ قِطْعَةً مِنْ النّارِ ».
- قال المنذرى: وأخرجه الترمذى مختصراً وقال حديث حسن .
( باب فى قضاء القاضى إذا أخطأ )
(إنما أنا بشر) قال الحافظ: المراد أنه مشارك للبشر فى أصل الخلقة ،
ولو زاد عليهم بالمزايا التى اختص بها فى ذاته وصفاته ، والحصر هنا مجازى لأنه
يختص بالعلم الباطن ويسمى قصر قلب لأنه أتى به رداً على من زعم أن من كان
رسولا فإنه يعلم كل غيب حتى لا يخفى عليه المظلوم انتهى (وإنكم تختصمون
إلى) أى ترفعون المخاصمة إلى (أن يكون) قال الطيبي: زيد لفظة ((أن)) فى
خبر لعل تشبيهاً له بمسى (ألحن بحجته) أفعل تفضيل من لحن بمعنى فطن ووزنه
أى أفطن بها. قال فى الفيل: ويجوز أن يكون معناه أفصح تعهيراً عنها وأظهر
احتجاجاً حتى يخهل أنه محق وهو فى الحقيقة مبطل، والأظهر أن معناه أبلغ كما
وقع فى رواية فى الصحيحين أى أحسن إيراداً للكلام (من حق أخيه ) أى
من المال وغيره ( فإنما أقطع له قطعة من النار ) بكسر القاف أى طائفة أى إن
أخذها مع علمه بأنها حرام عليه دخل النار .
-