النص المفهرس

صفحات 341-360

- ٣٤١ -
= لم يزل تحريم الشحم بتبديل الإسم بصورة الجمل والإذابة وهذا واضح بحمد الله.
وأيضاً : فان اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم، إنما انتفعوا بثمنه ، فيلزم من وقف
مع صور العقود والألفاظ، دون مقاصدها وحقائقها أن لا يحرم ذلك ، لأن الله تعالى
لم ينص على تحريم الثمن وإنما حرم عليهم نفس الشحم ولما لعنهم على استحلالهم الثمن ،
وإن لم ينص على تحريمه دل على أن الواجب النظر إلى المقصود وإن اختلفت الوسائل
إليه، وأن ذلك يوجب أن لا يقصد الانتفاع بالعين ولا يبدلها .
ونظير هذا أن يقال : لا تقرب مال اليتيم فتبيعه وتأ كل عوضه ، وأن يقال :
لا تشرب الخمر فتغير اسمه وتشربه، وأن يقال : لا تزن بهذه المرأة فتعقد عليها عقد
إجارة وتقول إنما استوفى منافعها وأمثال ذلك .
قالوا : ولهذا الأصل - وهو تحريم الحيل المتضمنة إباحة ما حرم الله أو إسقاط
ما أوجبه الله عليه - أكثر من مائة دليل ، وقد ثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم
(( لعن المحلل والمحلل له)) مع أنه أتى بصورة عقد النكاح الصحيح ، لما كان مقصوده
التحليل ، لا حقيقة النكاح .
وقد ثبت عن الصحابة أنهم سموه زانياً ولم ينظروا إلى صورة العقد .
الدليل الثانى على تحريم العينة مارواه أحمد فى مسنده: حدثنا أسود بن عامر حدثنا
أبو بكر عن الأعمش عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول ((إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا
أذناب البقر، وتركوا الجهاد فى سبيل الله: أنزل الله بهم بلاء، فلا يرفعه عنهم حتى
يراجعوا دينهم)).
ورواه أبو داود بإسناد صحيح إلى حيوة بن شريح المصرى عن إسحاق أبى عبد
الرحمن الخراسانى أن عطاء الخراسانى حدثه أن نافعاً حدثه عن ابن عمر قال :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - فذكره، وهذان إسنادان حسنان يشد
أحدهما الآخر
فأما رجال الأول فأئمة مشاهير، وإنما يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء
أو أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر .
والإسناد الثانى: يبين أن للحديث أصلا محفوظاً عن ابن عمر، فإن عطاء =
٠

-٣٤٢-
= الخراسانى ثقة مشهور وحيوة كذلك. وأما إسحاق أبو عبد الرحمن فشيخ روى
عنه أئمة المصريين ، مثل حيوة والليث ويحيى بن أيوب وغيرهم .
وله طريق ثالث : رواه السرى بن سهل حدثنا عبد الله بن رشيد حدثنا عبدالرحمن
ابن محمد عن ليث عن عطاء عن ابن عمر قال ((لقد أتى علينا زمان وما منا رجل يرى
أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول : إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة، وتركوا الجهاد ، واتبعوا
أذناب البقر أدخل الله عليهم ذلا لا ينزعه حتى يتوبوا ويرجعوا إلى دينهم )) وهذا يبين
أن للحديث أصلا وأنه محفوظ .
الدليل الثالث: ما تقدم من حديث أنس (( أنه سئل عن العينة؟ فقال: إن الله
لا يخدع ، هذا مما حرم الله ورسوله)) وتقدم أن هذا اللفظ فى حكم المرفوع .
الدليل الرابع : ما تقدم من حديث ابن عباس وقوله ((هذا مما حرم الله ورسوله)»
الدليل الخامس: ما رواه الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا سعيد عن أبى
إسحاق عن العالية ، ورواه حرب من حديث إسرائيل حدثنى أبو إسحاق عن جدته
العالية - يعنى جدة إسرائيل - فإنها امرأة أبى إسحاق قالت ((دخلت على عائشة فى نسوة
فقالت ما حاجتكن ؟ فكان أول من سألها أم محبة ، فقالت يا أم المؤمنين هل تعرفين
زيد بن أرقم؟ قالت نعم. قالت : فإنى بعته جارية لى بثمانمائة درهم إلى العطاء ، وإنه
أراد أن يبيعها فابتعتها بستمائة درهم نقداً. فأقبلت عليها وهى غضبى ، فقالت: بئسما
شريت وبئسما اشتريت ، أبلغى زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلا أن يتوب ، وأحمت صاحبتنا فلم تتكلم طويلا، ثم إنه سهل عنها فقالت : يا أم
المؤمنين أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالى؟ فتلت عليها ( فمن جاءه موعظة من ربه
فانتهى فله ما سلف)
فلولا أن عند أم المؤمنين علماً لا تستريب فيه أن هذا محرم لم تستجز أن تقول
مثل هذا بالاجتهاد ، ولاسيما إن كانت قد قصدت أن العمل يحبط بالردة ، وأن استحلال
الربا أ كفر، وهذا منه، ولكن زيداً معذور لأنه لم يعلم أن هذا محرم ، ولهذا
قالت ((أبلغيه)) .
ويحتمل أن تكون قد قصدت أن هذا من الكبائر التى يقاوم إنمها ثواب الجهاد=

- ٣٤٣ -
= فيصير بمنزلة من عمل حسنة وسيئة بقدرها فكأنه لم يعمل شيئاً .
وعلى التقديرين : لجزم أم المؤمنين بهذا دليل على أنه لا يسوغ فيه الاجتهاد ، ولو
كانت هذه من مسائل الاجتهاد والنزاع بين الصحابة لم تطلق عائشة ذلك على زيد فان
الحسنات لا تبطل بمسائل الاجتهاد .
ولا يقال : فزيد من الصحابة وقد خالفها ، لأن زيداً لم يقل : هذا حلال بل فعله
وفعل المجتهد لا يدل على قوله على الصحيح لاحتمال سهو أو غفله أو تأويل أو رجوع
ونحوه وكثيراً ما يفعل الرجل الشىء ، ولا يعلم مفسدته ، فإذا نبه له انتبه ولا سيما أم
ولده، فإنها دخلت على عائشة تستفتيها ، وطلبت الرجوع إلى رأس مالها ، وهذا يدل
على الرجوع عن ذلك العقد ، ولم ينقل عن زيد أنه أصر على ذلك .
فإن قيل : لا نسلم ثبوت الحديث ، فإن أم ولد زيد مجهولة .
قلنا : أم ولده لم ترو الحديث ، وإنما كانت هى صاحبة القصة، وأما العالية
فهى امرأة أبى إسحاق السبيعى ، وهى من التابعيات ، وقد دخلت على عائشة وروى
عنها أبو إسحاق ، وهو أعلم بها . وفى الحديث قصة وسياق يدل على أنه محفوظ وأن
العالية لم تختلق هذه القصة ولم تضعها ، بل يغلب على الظن غلبة قوية صدقها فيها
وحفظها لها، ولهذا رواها عنها زوجها ميمون ولم ينهها ولا سيما عند من يقول رواية
العدل عن غيره تعديل له ، والكذب ثم يكن فاشياً فى التابعين فشوه فيمن بعدهم ،
وكثير منهم كان يروى عن أمه وامرأته ما يخبرهن به أزواج رسول الله صلى الله عليه
وسلم، ويحتج به .
فهذه أربعة أحاديث تبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم العينة:
حديث ابن عمر الذى فيه تغليظ العينة .
وحديث أنس وابن عباس : أنها مما حرم الله ورسوله ..
وحديث عائشة هذا ، والمرسل منها له ما يوافقه . وقد عمل به بعض الصحابة
والسلف وهذا حجة باتفاق الفقهاء .
الدليل السادس : ما رواه أبو داود من حديث أبى هريرة عن النبى صلى الله
عليه وسلم قال (( من باع بيعتين فى بيعة فله أوكسهما أو الربا))
وللعلماء فى تفسيره قولان :

- ٣٤٤ -
= أحدهما : أن يقول: بعتك بعشرة نقداً أو عشرين نسيئة، وهذا هو الذى رواه
أحمد عن سماك ففسره فى حديث ابن مسعود قال (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم
عن صفقتين فى صفقة ، قال سماك : الرجل يبيع الرجل ، فيقول: هو على نساء بكذا،
وبنقد بكذا )) .
وهذا التفسير ضعيف ، فانه لا يدخل الربا فى هذه الصورة ولا صفقتين هنا وإنما
هى صفقة واحدة بأحد الثمنين .
والتفسير الثانى : أن يقول أبيعكها بمائة إلى سنة على أن أشتريها منك بثمانين حالة
وهذا معنى الحديث الذى لامعنى له غيره، وهو مطابق لقوله (( فله أوكسهما أوالربا))
فانه إما أن يأخذ الثمن الزائد فيربى أو الثمن الأول فيكون هو أوكسهما، وهو مطابق
لصفقتين فى صفقة . فانه قد جمع صفقتى النقد والنسيئة فى صفقة واحدة ومبيع واحد،
وهو قصد بيع دراهم عاجلة بدراهم مؤجلة أكثر منها ، ولا يستحق إلا رأس ماله،
وهو أوكس الصفقتين ، فان أبى إلا الأكثر كان قد أخذ الربا .
فتدبر مطابقة هذا التفسير لألفاظه صلى الله عليه وسلم وانطباقه عليها .
ومما يشهد لهذا التفسير : مارواه الإمام أحمد عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه
وسلم (( أنه نهى عن بيعتين فى بيعة)) و ((عن سلف وبيع)) نجمعه بين هذين العقدين
فى النهى لأن كلا منهما ؤول إلى الربا، لأنهما فى الظاهر بيع وفى الحقيقة ربا.
ومما يدل على تحريم العينة: حديث ابن مسعود يرفعه (( لعن الله آكل الربا
ومو كله وشاهدیه وكاتبه والمحل والمحلل له ))
ومعلوم أن الشاهدين والكاتب إنما يكتب ويشهد على عقد صورته جائزة
الكتابة والشهادة لا يشهد بمجرد الربا، ولا يكتبه. ولهذا قرنه بالمحلل والمحال
له ، حيث أظهرا صورة النكاح ولا نكاح ، كما أظهر الكاتب والشاهدان صورة
البيع ولا بيع
وتأمل كيف لعن فى الحديث الشاهدين والكاتب والآ كل والموكل ؟ فلعن
المعقود له . والمعين له على ذلك العقد ولعن المحلل والمحلل له ، فالمحلل له : هو الذى
يعقد التحليل لأجله والمحلل: هو المعين له بإظهار صوره العقد كما أن المرابى: هو المعان
على أكل الربا باظهار صورة العقد المكتوب المشهود به .
فصلوات الله على من أوتى جوامع الكلم .
=

- ٣٤٥ -
= الدليل السابع: ماصح عن ابن عباس أنه قال ((إذا استقمت بنقد، فبعت بنقد ،
فلا بأس ، وإذا استقمت بنقد فعت بنسيئة فلا خیرفیه ، تلك وروق بورق )) رواه
سعيد وغيره .
ومعنى كلامه : أنك إذا قومت السلعة بنقد ثم بعتها بنسيئة كان مقصود المشترى
شراء دراهم معجلة بدراهم مؤجلة وإذا قومتها بنقد ثم بعتها به فلا بأس . فان ذلك
بيع المقصود منه السلعة لا الربا .
الدليل الثامن : ما رواه ابن بطة عن الأوزاعى قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم (( يأتى على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع)) يعنى العينة.
وهذا - وإن كان مرسلا - فهو صالح للاعتضاد به ، ولا سيما وقد تقدم من
المرفوع مايؤكده .
ويشهد له أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم (( ليشربن ناس من أمتى الحمر يسمونها
بغير اسمها)».
وقوله أيضاً ، فيما رواه إبراهيم الحربى من حديث أبي ثعلبة عن النبى صلى الله عليه
وسلم قال (( أول دينكم نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملك ورحمة، ثم ملك
وجبرية، ثم ملك عضوض يستحل فيه الحر والحرير)» والحر - بكسر الحاء وتخفيف
الراء - هو الفرج .
فهذا إخبار عن استحلال المحارم، ولكنه بتغيير أسمائها ، وإظهارها فى صور
تجعل وسيلة إلى استباحتها، وهى الربا والخمر والزنا، فيسمى كل منها بغير اسمها ،
ويستباح الاسم الذى سمى به ، وقد وقعت الثلاثة .
وفى قول عائشة ( بئسما شريت، وبئسما اشتريت)) دليل على بطلان العقدين معاً
وهذا هو الصحيح من الذهب ، لأن الثانى عقد ربا والأول وسيلة إليه .
وفيه قول آخر فى المذهب. أن العقد الأول صحيح ، لأنه تم بأركانه وشروطه ،
فطريان الثانى عليه لا يبطله وهذا ضعيف ، فانه لم يكن مقصوداً لذاته ، وإنما جعله
وسيلة إلى الربا، فهو طريق إلى المحرم، فكيف يحكم بصحته ؟ وهذا القول لا يليق
بقواعد المذهب .
فان قيل : فما تقولون فيمن باع سلعة بنقد ثم اشتراها بأ كثر منه نسيئة ؟
قلنا : قد نص أحمد فى رواية حرب على أنه لا يجوز إلا أن تتغير السلعة لأن هذا ==

- ٣٤٦-
= يتخذ وسيلة إلى الربا، فهو كمسألة العينة سواء وهى عكسها صورة وفى الصورتين
قد ترتب فى ذمته دراهم مؤجلة بأقل منها نقداً ، لكن فى إحدى الصورتين : البائع
هو الذى اشتغلت ذمته ، وفى الصورة الأخرى : المشترى هو الذى اشتغلت ذمته ،
فلا فرق بينهما .
وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن تجوز الصورة الثانية ، إذا لم يكن ذلك حيلة ولا
مواطأة بل واقع اتفاقاً .
وفرق بينهما وبين الصورة الأولى بفرقين .
أحدهما : أن النص ورد فيها فيبقى ما عداها على أصل الجواز.
والثانى: أن التوسل إلى الربا بتلك الصورة أكثر من التوسل بهذه.
والفرقان ضعيفان . أما الأول : فليس فى النص ما يدل على اختصاص العينة بالصورة
الأولى حتى تتقيد به نصوص مطلقة على تحريم العينة .
والعينة فعلة من العين ، النقد ، قال الشاعر :
أندان. أم نعتان، أم ينبرى لنا فتى مثل نصل السيف ميزت مضاربه ؟
قال الجوزجاني: أنا أظن أن العينة إنما اشتقت من حاجة الرجل إلى العين من
الذهب والورق ، فيشترى السلعة ويبيعها بالعين الذى احتاج إليها ، وليست به إلى
السلعة حاجة .
وأما الفرق الثانى: فكذلك، لأن المعتبر فى هذا الباب هو الذريعة ، ولو اعتبر
فيه الفرق من الاتفاق والقصد لزم طرد ذلك فى الصورة الأولى، وأنتم لاتعتبرونه .
فان قيل: فما تقولون إذا لم تعد السلعة إليه بل رجعت إلى ثالث هل تسمون
ذلك عينة ؟
قيل : هذه مسألة التورق ، لأن المقصود منها الورق ، وقد نص أحمد فى رواية
أبى داود على أنها من العينة، وأطلق عليها اسمها .
وقد اختلف السلف فى كراهيتها ، فكان عمر بن عبد العزيز يكرهها ، وكان
يقول ((التورق آخية الربا)).
ورخص فيها إياس بن معاوية .
وعن أحمد فيها روايتان منصوصتان ، وعلل الكراهة فى إحداهما بأنه بيع =

- ٣٤٧-
= مضطر وقد روى أبوداود عن على ((أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن المضطر))
وفى المسند عن على قال («سيأتى على الناس زمان بعض المؤمن على ما فى يده ولم يؤمر
بذلك، قال تعالى ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم) ويبايع المضطرون، وقد نهى رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر)) وذكر الحديث .
فأحمد رحمه الله تعالى أشار إلى أن العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نقد ، لأن
الموسر يضن عليه بالقرض، فيضطر إلى أن يشترى منه سلعة ثم يبيعها ، فان اشتراها
منه بائعها كانت عينة، وإن باعها من غيره فهى التورق . ومقصوده فى الموضعين :
الثمن فقد حصل فى ذمته من مؤجل مقابل لثمن حال أنقص منه، ولا معنى للربا إلا هذا
لكنه ربا بسلم، لم يحصل له مقصوده إلا بمشقة ، ولو لم يقصده كان رباً بسهولة .
وللعينة صورة رابعة - وهى أخت صورها - وهى أن يكون عند الرجل المتاع
فلا يبيعه إلا نسيئة ، ونص أحمد على كراهة ذلك فقال : العينة أن يكون عنده المتاع
فلا يبيعه إلا بنسيئة ، فان باع بنسيئة ونقد فلا بأس .
وقال أيضاً : أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة فلا يبيع بنقد .
قال ابن عقيل : إنماكره ذلك لمضارعته الربا، فإن البائع بنسيئة يقصد
الزيادة غالباً .
وعلله شيخنا ابن تيمية رضى الله عنه بأنه يدخل فى بيع المضطر ، فان غالب من
يشترى بنسيئة إنما يكون لتعذر النقد عليه ، فإذا كان الرجل لا يبيع إلا بنسيئة كان
ربحه على أهل الضرورة والحاجة ، وإذا باع بنقد ونسيئة كان تاجراً من التجار .
وللعينة صورة خامسة - وهى أقبح صورها ، وأشدها تحريماً - وهى أن
المترابيين يتواطآن على الربا، ثم يعمدان إلى رجل عنده متاع، فيشتريه منه المحتاج،
ثم يبيعه للمربى بثمن حال ويقبضه منه، ثم يبيعه إياه للمربى بثمن مؤجل ، وهو
ما اتفقا عليه، ثم يعيد المتاع إلى ربه، ويعطيه شيئاً، وهذه تسمى الثلاثية لأنها بين
ثلاثة ، وإذا كانت السلعة بينهما خاصة فهى الثنائية . وفى الثلاثية : قد أدخلا بينهما
محللا يزعمان أنه يحلل لهما ما حرم الله من الربا . وهو كمحلل النكاح . فهذا محلل
الربا، وذلك محلل الفروج، والله تعالى لا تخفى عليه خافية. بل يعلم خائنة الأعين
وما تخفي الصدور .
=

- ٣٤٨-
٢٢ - باب فى السلف
٣٤٤٦ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مُمَدِ النُّغَيِىُّ أخبرنا سُفْيَانُ عن ابنِ أُبی
تَجِيحٍ عن عَبْدِ اللهِ بنِ كَثِيرٍ عن أبى المِنْهَالِ عن ابنِ عَبَأْسٍ قَالَ: (( قَدِمَ
رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم المَدِينَةَ وَهُمْ يُنْطِقُونَ فى الثِّمْرِ [الثَّمَرَةِ - الثَّمَرِ]
السَّدَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلاثَةَ [وَالثُّلُثَ ]فقالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم:
مَنْ أَسْلَفَ فى تَعْرِ [ شَرٍ] فَلْيُسْلِفِْ فِى كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ
مَعْلُومٍ)).
( باب فى السلف )
بفتح السين واللام على وزن السلم ومعناه. وحكى فى الفتح أن السلف لغة
أهل العراق ، والسلم لغة أهل الحجاز . وهو فى الشرع بيع موصوف فى الذمة
وزيد فى الحد ببدل يعطى عاجلا وفيه نظر لأنه ليس داخلا فى حقيقته . واتفق
العلماء على مشروعيته إلا ما حكى عن ابن المسيب واختلفوا فى بعض شروطه ،
واتفقوا على أنه يشترط له ما يشترط البيع وعلى تسليم رأس المال فى المجلس ،
واختلفوا هل هو عقد غرر جوز للحاجة أم لا. كذا فى الفتح .
(وهم يسلفون) بضم أوله وسكون السين من الإسلاف أى يعطون الثمن
فى الحال ويأخذوو السلعة فى المآل (فى التمر ) بالمثناة الفوقية ، وفى بعض النسخ
بالمثلثة ( السنة والسنعين والثلاثة) منصوبات إما على نزع الخافض أى يشترون
إلى السنة ، وإما على المصدر أى إِسلاف السنة ( من أسلف فى تمر) بالمتداة وفى
بعض النسخ بالمثلثة . قال فى السبل: روى بالمثناة والمثلثة فهو بها أعم ( فى كيل
معلوم ) أى إذا كان مما يكال ( ووزن معلوم) أى إذا كان مما يوزن ( إلى أجل
معلوم) فيه دليل على اعتبار الأجل وإليه ذهب الجمهور وقالوا: لا يجوز السلم -

- ٣٤٩ -
٣٤٤٧ - حدثنا حَفْصُ بنُ مُمَرَ أخبرنا شُغْبَةُ ح. وأخبرنا ابنُ كَثِيرٍ
أنبأنا شُعْبَةُ أخبرنى مُحمَّدٌ أوْ عَبْدُ اللهِ بنُ مُجَلِدٍ قال: ((اخْتَلَفَ عَبْدُ الهِ بنُ
شَدَّادٍ وَأَبُو بُرْدَّةَ فى السَّلَفِ، فَعَثُونِى إِلَى ابنِ أَبِ أَوْفَ فَتَأَلْتُهُ فقالَ : إِنْ
كُنَّا نُئِلِفُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم وَأَبِى بَكْرٍ وَهُمَرَ فىْ
اِنْطَةِ وَالشّعِيرِ وَالثَّعْرِ وَالزَّبِيِ. زَادَ ابنُ كَثِيرٍ: إِلَى قَوْمِمَاهُوَ مِنْدَهُمْ،
ثُمَّ اتَّقَ الَ وَسَأَلْتُ ابنُ أَبْزَى فقالَ مِثْلَ ذَلِكَ )).
- حالا . وقالت الشافعية: يجوز. قال النووى: فيه جواز السلم وأنه يشترط
أن يكون قدره معلوماً بكيل أو وزن أو غيرهما مما يضبط به ، فإن كان مذروعاً
كالثوب اشترط ذكر ذرعات معلومة ، وإن كان معدوداً كالحيوان اشترط
ذكر عدد معلوم . ومعنى الحديث أنه إن أسهم فى مكيل فليكن كيله معلوماً ،
وإن كان فى موزون فليكن وزناً معلوماً، وإن كان مؤجلا فليكن أجله
معلوماً ، ولا يلزم من هذا اشتراط كون السلم مؤجلا بل يجوز حالا لأنه إذا جاز
مؤجلا مع الغرر جواز الحال أولى لأنه أبعد من الغرر. وليس ذكر الأجل فى
الحديث لاشتراط الأجل بل معناه إن كان أجل فليكن معلوماً .
وقد اختلف العلماء فى جواز السلم الحال مع إجماعهم على جواز المؤجل ،
نجوز الحال الشافعى وآخرون ، ومنعه مالك وأبو حنيفة وآخرون ، وأجمعوا
على اشتراط وصفه بما يضبط به انتهى .
قال المنذرى: وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه .
(أخبرنى محمد أو عبد الله بن مجالد) بالشك ( وأبو بردة) بضم الموحدة
(فى السلف) أى فى السلم هل يجوز السلم إلى من ليس عنده المسلم فيه فى تلك
الحالة أم لا (إن كنا) إن مخففة من المثقلة (إلى قوم ما هو عددهم) أى ليس -

- ٣٥٠-
٣٤٤٨ - حدثنا عُمَّدُ بنُ بَشَّارِ أخبرنا يَخَْى وَابنُ مَهْدِىٌّ فَلاَ أخبرنا
شُعْبَةُ عن عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِى المُجَالِ، وَقال عَبْدُ الرَّْنِ عن ابنِ أَبِ المُجَالِدِ
بِهَذَا الْحَدِيثِ قال: ((عِنْدَ قَوْمٍ مَاهُوَ عِنْدَهْ)).
قال أبُو دَاوُدَ: وَالصَّوَابُ ابنُ أَبِ الْمُجَالِهِ وَشُعْبَةُ أَخْطَأْ فِهِ.
٣٤٤٩ - حدثنا عُمَّدُ بنُ المُصَّى أخبرنا أَبُو المُغِيرَةِ أخبرنا عَبْدُ لِكِ
- عندهم أصل من أصول الحنطة والشعير والتمر والزبيب ، وفى رواية عند أهل
السنن غير الترمذى («كنا نسلف على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبى بكر
وعمر فى الحنطة والشعور والزيت والتمر وما نراه عندهم) وقد اختلف العلماء فى
جواز السلم فيما ليس بموجود فى وقت السلم إذا أمكن وجوده فى وقت حلول
الأجل ، فذهب إلى جوازه الجمهور، قالوا: ولا يضر انقطاعه قبل الحلول . وقال
أبو حنيفة لا يصح فيما ينقطع قبله بل لا بد أن يكون موجوداً من العقد إلى
المحل ، ووافقه الثورى والأوزاعى، فلو أسلم فى شىء فانقطع فى محله لم ينفسخ
عدد الجمهور، وفى وجه الشافعية ينفسخ، واستدل أبو حنيفة ومن معه بحديث
ابن عمر الآتى فى باب السلم فى ثمرة بعينها ، ويأتى ما أجاب به الجمهور عنه هناك
إن شاء الله تعالى .
قال المنذرى: وأخرجه البخارى وابن ماجه .
( وقال عبد الرحمن) هو ابن مهدى (وشعبة أخطأ فيه) أى بذكر لفظ
عبد الله بن مجالد وإنما هو عبد الله بن أبى المجالد .
قال الحافظ فى التقريب : عبد الله بن أبى الجالد بالجيم مولى عبد الله
ابن أبى أوفى، ويقال اسمه محمد ثقة انتهى. ومراد المؤلف أن المحفوظ فى الإسناد
لفظ ابن أبى الجالد أو عبد الله بن أبى المجالد دون عبد الله بن مجالد والله أعلم -

- ٣٥١-
ابنُ أُبِ غَنِيَّةَ حَدِّثْنى أَبُو إِسْحَاقَ عن عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِى أَوْفَى الْأَخْلَمِيِّ قال:
((غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم الشّامَ فَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ
أَنْبَاطِ الشَّامِ فَنُْلِفُهُمْ فِى الْبُرِّ وَالزَّيْتِ [الزَّبِيِبِ ] سِعْراً مَعْلُومَاً وَأَجَلَا مَعْلُوماً
نَقِيلَ لَهُ: يَمِنْ لَهُ ذَلِكَ؟ قالَ [فقالَ] ماكُنَّا نَسْأَ لُهُمْ)).
- (فكان يأتينا أنباط) جمع نبيط وهم قوم معروفون كانوا ينزلون بالبطائح
بين العراقين . قاله الجوهرى: وأصلهم قوم من العرب دخلوا فى المجم واختلطت
أنسابهم وفسدت ألسنتهم، ويقال لهم النبط بفتحتين والغبيط بفتح أوله وكسر
ثانية وزيادة تحتانية، وإنما سموا بذلك لمعرفتهم بإنباط الماء أى استخراجه لكثرة
معالجتهم الفلاحة ، وقيل هم نصارى الشام وهم عرب دخلوا فى الروم ونزلوا
بوادى الشام ، ويدل على هذا قوله من أنباط الشام كذا فى النيل ( فقيل له ممن له
ذلك) أى من يملك البر والزيت. ولفظ أحمد فى مسنده من حديث عبد الرحمن
ابن أبزى وعبد الله بن أبى أوفى قالا « كنا نصيب المغانم مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم وكان يأتينا أنباط من أنباط الشام فنسلفهم فى الحنطة والشعير والزيت
إلى أجل مسمى قيل أ كان لهم زرع أو لم يكن قالا ما كنا نسألهم عن ذلك))
ونحوه عند البخارى. وفيه دليل على أنه لا يشترط فى المسلم فيه أن يكون عند
المسلم إليه ، وذلك مستفاد من تقريره صلى الله عليه وسلم لهم مع ترك الاسففصال
قال ابن رسلان فى شرح السنن: وأما المعدوم عند المسلم إليه وهو موجود عند
غيره فلا خلاف فى جوازه انتهى . والحديث سكت عنه المنذرى .

- ٣٥٢-
٢٣ - باب فى السلم فى ثمرة بعينها
٣٤٥٠ - حدثنا عُمَّدُ بنُ كَثِيرِ أنبأنا سُفْيَانُ عن أَبِى إِسْحَاقَ عنْ
رَجُلٍ نَجْرَانِيَّ عن ابنٍ عُمَ(( أَنَّ رَجُلاً أَمْلَفَ رَجُلاً فىِ نَخْلٍ فَمْ تُخْرِ جْ ◌ِلْكَ
السَّنَةَ شَيْئاً فَاخْتَصَمَا إلَى النّبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم فقالَ: بِمَ [ِمَ] أَسْتَجِلُّ
مَلَ أَزْدُدْ عَلَيْهِ مَالَهُ، ثُمّ قال: لا تُشْلِفُوا فى النَّخْلِ حَتّى يَبْدُوَ صَلَاَحُهُ)).
( باب فى السلم فى ثمرة بعينها)
السلم بوزن السلف ومعناه .
(رجل نجرانى) بالفتح والسكون وراء إلى نجران ناحية بين اليمن ومجر
قاله السيوطى ( فلم تخرج) من باب الإفعال والضمير للنخل (شيئاً) أى من الثمر
( ثم قال) النبى صلى الله عليه وسلم ( لا تسلفوا) أى لا تسلموا. وقيل أى
لا تبيعوا، وهذا المعنى ضعيف. واستدل الإمام أبو حنيفة بهذا الحديث على
أنه لا يصح السلم فيما ينقطع قبل حلول الأجل بل لابد أن يكون موجوداً من
العقد إلى المحل. قال العلامة الشوكانى: ولو صح هذا الحديث لكان المصير إليه
أولى لأنه صريح فى الدلالة على المطلوب بخلاف حديث عبد الله بن أبى أوفى
يعنى المذكور فى الباب السابق، فليس فيه إلا مظنة التقرير منه صلى الله عليه وآله
وسلم مع ملاحظة تنزيل ترك الاستفصال منزلة العموم ، ولكن حديث ابن عمر
هذا فى إسناده رجل مجهول ، ومثل هذا لا تقوم به حجة . قال القائلون بالجواز
ولو صح هذا الحديث لحمل على بيع الأعيان أو على السلم الحال عند من يقول به
أو على ما قرب أجله. قالوا ومما يدل على الجواز ما تقدم من أنهم كانوا يسلفون
فى الثمار السنتين والثلاث، ومن المعلوم أن الثمار لا تبقى هذه المدة، ولو اشترط
الوجود لم يصبح السلم فى الرطب إلى هذه المدة ، وهذا أولى ما يتمسك به -

-٣٥٣ -
٢٤ - باب السلف يحول [لا يحول]
٣٤٥١ - حدثنا مُمَّدُ بنُ عِيسَى أخبرنا أَبُو بَدْرِ عن زِبَادِ بنِ خَيْثَمَةَ
عَن سَعْدٍ - يَعْنى الطَّالِىِّ - عَنْ عَقِّةَ بنِ سَعْدٍ من أَبِى سَعِيدٍ الْدْرِئِّ
قالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((مَنْ أَسْلَفَ فى شَىْءٍ فَلاَ يَصْرِفْهُ
إِلَى غَيْرِهُ ».
- فى الجواز انتهى . قال المنذرى: فى إسناده رجل مجهول.
( باب السلف محمول)
من التحويل أى يصرف .
( من أسلف فى شىء فلا يصرفه) بصيغة النهى، وقبل بالنفى والضمير
البارز إلى شىء ( إلى غيره) أى بالبيع والهبة قبل أن يقبضه. قال السندى
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
اختلف الفقهاء فى حكم هذا الحديث ، وهو جواز أخذ غير المسلمفيه عوضاً عنه
وللمسألة صورتان :
إحداهما : أن يعاوض عن المسلم فيه مع بقاء عقد السلم ، فيكون قد باع دين
السلم قبل قبضه .
والصورة الثانية : أن ينفسخ العقد بإقالة أو غيرها . فهل يجوز أن يصرف الثمن
فى عوض آخر غير المسلم فيه ؟
فأما المسألة الأولى: فمذهب الشافعى وأبى حنيفة وأحمد - فى المشهور عنه - أنه
لا يجوز بيعه قبل قبضه، لا لمن هو فى ذمته ولا لغيره، وحكى بعض أصحابنا ذلك
إجماعاً . وليس بإجماع ، فمذهب مالك جوازه، وقد نص عليه أحمد فى غير موضع ،
وجوز أن يأخذ عوضه عرضاً بقدر قيمة دين السلم وقت الاعتياض ولا يرجع فيه .=
(٢٣ - عون المعبود ٩)

-٣٥٤ -
-- رحمه الله: أى بأن يبدل المبيع قبل القبض بغيره . وقال الطيبى: يجوز أن يرجع
الضمير فى غيره إلى من فى قوله من أسلف يعنى لا يبيعه من غيره قبل القبض
أو إلى شىء أى لا يبدل المبيع قبل القبض بشىء آخر كذا فى المرقاة . قال
الخطابى: وإذا أسلفه ديناراً فى قفيز حنطة إلى شهر خمل الأجل فأعوزه البر فإن -
= وطائفة من أصحابنا خصت هذه الرواية بالحنطة والشعير فقط كما قال فى المستوعب
ومن أسلم فى شىء لم يجزأن يأخذ من غير جنسه بحال فى إحدى الروايتين . والأخرى
يجوز أن يأخذ ما دون الحنطة من الحبوب، كالشعير ونحوه ، بمقدار كيل الحنطة
لا أكثر منها ولا بقيمتها نص عليه فى رواية أبى طالب إذا أسلفت فى كر حنطة فأخذت
شعيراً فلا بأس وهو دون حقك ولا يأخذ مكان الشعير حنطة .
وطائفة ثالثة من أصحابنا جعلت المسألة رواية واحدة وأن هذا النص بناء على قوله
فى الحنطة والشعير أنهما جنس واحد وهى طريقة صاحب المغنى .
وطائفة رابعة من أصحابنا : حكوا رواية مطلقة فى المكيل والموزون وغيره .
ونصوص أحمد تدل على صحة هذه الطريقة وهى طريقة أبى حفص الطبرى وغيره .
قال القاضى : نقلت من خط أبی حفص فی مجموعه : فإن کان ما أسلم فيه مما یکال
أو يوزن فأخذ من غير نوعه مثل كيله مماهو دونه فى الجودة جاز ، وكذلك إن أخذ
بثمنه مما لا يكال ولا يوزن كيف شاء.
ونقل أبو القاسم عن أحمد قلت لأبى عبد الله: إذا لم يجد ما أسلم فيه ووجد غيره
من جنسه أيأخذه؟ قال: نعم إذا كان دون الشىء الذى له كما لو أسلم فى قفيز حنطة
موصلی فقال آخذ مكانه شلبیا أو قفیز شعير فکیلته واحدة لا يزداد وإن كان فوقه فلا
يأخذ وذكر حديث ابن عباس رواه طاوس عنه (( إذا أسلمت فى شىء نجاء الأجل فلم
تجد الذى أسلمت فيه خذ عوضناً بأنقص منه ولا تربح مرتين))
ونقل أحمد بن أصرم سئل أحمد عن رجل أسلم فى طعام إلى أجل فإذا حل الأجل
يشترى منه عقاراً أو داراً ؟ فقال نعم يشترى منه مالا يكال ولا يوزن .
وقال حرب: سألت أحمد فقلت رجل أسلم إلى رجل دراهم فى بر، فلما حل ==

-٣٥٥ -
- أباحنيفة يذهب إلى أنه لا يجوزله أن يبيعه عرضاً بالدينار ولكن يرجع برأس
المال عليه قولا بعموم الخبر وظاهره، وعند الشافعى يجوز أن يشترى منه عرضاً
بالدينار إذا تقايلا وقبضة قبل التفرق لئلايكون ديناً بدين، فأما قبل الإقالة
فلا يجوز، وهو معنى النهى عن صرف السلف إلى غيره عنده انتهى. قال -
= الأجل لم يكن عنده بر؟ فقال: قوم الشعير بالدراهم نفذ من الشعير فقال لا يأخذ منه
الشعير إلا مثل كيل البر أو أنقص . قلت : إذا كان البر عشرة أجربة يأخذ الشعير
عشرة أجربة؟ قال نعم .
إذا عرف هذا فاحتج المانعون بوجوه.
أحدها : الحديث .
والثانى : نهى النى صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه .
والثالث : نهيه صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن، وهذا غير مضمون عليه
لأنه فى ذمة المسلم إليه .
والرابع : أن هذا المبيع مضمون له على المسلم إليه ، فلوجوزنا بيعه صار مضموناً
عليه للمشترى فيتوالى فى المبيع ضمانان .
الخامس : أن هذا إجماع كما تقدم
هذا جملة ما احتجوا به.
قال المجوزون : الصواب جواز هذا العقد، والكلام معكم فى مقامين .
أحدهما : فى الاستدلال على جوازه. والثانى: فى الجواب عما استدللتم به على المنع.
فأما الأول، فنقول: قال ابن المنذر: ثبت عن ابن عباس أنه قال ((إذا أسلفت
فى شىء إلى أجل ، فإن أخذت ما أسلفت فيه ، وإلا فخذ عوضاً أنقص منه ، ولا تريح
مرتين )) رواه شعبة .
فهذا قول صجابى ، وهو حجة ما لم يخالف .
قالوا : وأيضاً فلو امتنعت المعاوضة عليه لكان ذلك لأجل كونه مبيعاً لم يتصل به
القبض وقد ثبت عن ابن عمر أنه قال ((أنيت النبى صلى الله عليه وسلم فقلت: إنى أبيع
الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير؟ فقال : =

- ٣٥٦-
- الملقمى: والحديث ضعيف واستدل به على أنه لا يصح أن يستبدل عن المسلم
فيه من جنسه ونوعه لأنه بيع للمبيع قبل قبضه وهو ممنوع. وروى الدارقطفى
أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((من أسلف فى شىء فلا يأخذ إلا ماسلف فيه
أو رأس ماله)) وهو ضعيف أيضاً. وعلى من منع الاستبدال أنه لا يجوز بيع -
= لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكاشىء)) فهذا بيع للثمن ممن
هو فى ذمته قبل قبضه .
فما الفرق بينه وبين الاعتياض عن دين السلم بغيره ؟
قالوا : وقد نص أحمد على جواز بيع الدين لمن هو فى ذمته ولغيره ، وإن كان
أكثر أصحابنا لا يحكون عنه جوازه لغير من هو فى ذمته ، فقد نص عليه فى مواضع
حكاه شيخنا أبو العباس بن تيمية رحمه الله عنه .
والذين منعوا جواز بيعه لمن هو فى ذمته قاسوه على السلم وقالوا لأنه دين فلا يجوز
بيعه كدين السلم وهذا ضعيف من وجهين .
أحدهما : أنه قد ثبت فى حديث ابن عمر جوازه.
والثانى : أن دين السلم غير مجمع على منع بيعه ، فقد د كرنا عن ابن عباس جوازه
ومالك يجوز بيعه من غير المستسلف .
والذين فرقوا بين دين السلم وغيره لم يفرقوا بفرق مؤثر والقياس التسوية بينهما.
وأما المقام الثانى فقالوا : أما الحديث فالجواب عنه من وجهين .
أحدهما ضعفه كما تقدم .
والثانى : أن المراد به أن لا يصرف المسلم فيه إلى سلم آخر أو يبيعه بمعين مؤجل
لأنه حينئذْ يصير بيع دين بدين ، وهو منهى عنه، وأما بيعه بعوض حاضر من غير
ربح فلا محذور فيه كما أذن فيه النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث ابن عمر.
فالذى نهى عنه من ذلك: هو من جنس مانهى عنه من بيع الكالىء بالكالى*،
والذى يجوز منه هو من جنس ما أذن فيه من بيع النقد لمن هو فى ذمته بغيره من
غیر ربح
وأما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه: فهذا إنما هو =

- ٣٥٧-
- المسلم فيه قبل قبضه ولا التولية فيه ولا الشركة ولا المصالحة وهو كذلك ، ولو
جعله صداقا لبنت المسلم إليه لم يجز ، وكذا إن كان المسلم إليه امرأة فتزوجها
عليه أو خالمها لم يصح انتهى. قال المنذرى: وأخرجه ابن ماجه. وعطية بن
سعد لا يحتج بحديثه .
== فى المعين أو المتعلق به حق التوفية من كيل أو وزن فإنه لا يجوز بيعه قبل قبضه.
وأما ما فى الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء ، وفائدته : سقوط ما فى ذمته
عنه، لاحدوث ملك له فلا يقاس بالبيع الذى يتضمن شغل الذمة فإنه إذا أخذ منه
عن دين السلم عرضاً أو غيره أسقط ما فى ذمته . فكان كالمستوفى دينه لأن بدله يقوم
مقامه. ولا يدخل هذا فى بيع الكالىء بالكالى* بحال. والبيع المعروف: هو أن
ذلك المشترى ما اشتراه. وهذا لم يملكه شيئاً، بل سقط الدين من ذمته . ولهذا لو
وفاه ما فى ذمته لم يقل إنه باعه دراهم بدراهم، بل يقال: وفاه حقه ، بخلاف ما لو
باعه دراهم معينة بمثلها فإنه بيع . ففى الأعيان إذا عاوض عليها بجنسها أو بعين غير
جنسها يسمى بيعاً . وفى الدين إذا وفاها بجنسها لم يكن بيعاً. فكذلك إذا وفاها بغير
جنسها لم يكن بيعاً، بل هو إيفاء فيه معنى المعاوضة . ولو حلف ليقضينه حقه غداً ،
فأعطاه عنه عرضاً بر فى أصح الوجهين .
وجواب آخر : أن النهى عن بيع الطعام قبل قبضه أريد به بيعه من غير بائعه.
وأما بيعه من البائع ففيه قولان معروفان .
وذلك لأن العلة فى المنع إن كانت توالى الضمانين اطرد المنع فى البائع وغيره وإذ
كانت عدم تمام الاستيلاء، وأن البائع لم تنقطع علقه عن المبيع بحيث ينقطع طمعه
فى الفسخ ، ولا يتمكن من الامتناع من الإقباض إذا رأى المشترى قد ربح فيه لم
يطرد النهى فى بيعه من بائعه قبل قبضه لانتفاء هذه العلة فى حقه. وهذه العلة أظهر
وتوالى الضمانين ليس بعله مؤثرة ولا تنافى بين كون العين الواحدة مضمونة له من
وجه وعليه من وجه آخر ، فهى مضمونة له وعليه باختبارين . وأى محذور فى هذا ؟"
كمنافع الإجارة. فإن المستأجر له أن يؤجر ما استأجره، فتكون المنفعة مضمونة له
وعليه ، وكالثمار بعد بدو صلاحها له أن يبيعها على الشجر، وإن أصابتها جائحة رجع.
على البائع فهى مضمونة له وعليه ونظائره كثيرة .
بـ

- ٢٥٨ -
= وأيضاً فبيعه من بائعه شبيه بالإقاله وهى جائزة قبل القبض على الصحة .
وأيضاً فدين السلم تجوز الإقالة فيه بلا نزاع، وبيع المبيع لبائعه قبل قبضه غير
جائز فى أحد القولين .
فعلم أن الأمر فى دين السلم أسهل منه فى بيع الأعيان . فإذا جاز فى الأعيان أن
تباع لبائعها قبل القبض فدين السلم أولى بالجواز ، كما جازت الإقالة فيه قبل القبض
اتفاقاً بخلاف الإقالة فى الأعيان .
ومما يوضح ذلك : أن ابن عباس لا يجوز بيع المبيع قبل قبضه، واحتج عليه
بنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه وقال ((أحسب كل شىء
بمنزلة الطعام)) ومع هذا فقد ثبت عنه أنه جوز بيع دين السلم ممن هو عليه إذا لم
يربح فيه. ولم يفرق بين الطعام وغيره، ولا بين المكيل والموزون وغيرهما . لأن
البيع هنا من البائع الذى هو فى ذمته. فهو يقبضه من نفسه لنفسه، بل فى الحقيقة
ليس هنا قبض، بل يسقط عنه ما فى ذمته فتبرأ ذمته وبراءة الذمم مطلوبة فى نظر
الشرع، لما فى شغلها من المفسدة فكيف يصح قياس هذا على بيع شىء غير مقبوض
الأجنبى لم يتحصل بعد ، ولم تنقطع علق بائعه عنه ؟
وأيضاً : فإنه لو سلم المسلم فيه ثم أعاده إليه جاز. فأى فائدة فى أخذه منه . ثم
إعادته إليه ، وهل ذلك إلا مجرد كلفة ومشقة لم تحصل بها فائدة .
ومن هنا يعرف فضل علم الصحابة وفقههم على كل من بعدهم .
قالوا : وأما استدلالكم بنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن :
فنحن نقول بموجبه، وأنه لا يربح فيه ، كما قال ابن عباس (« خذ عرضاً بأنقص منه،
ولا تربح مرتين)).
فنحن إنما نجوز له أن يعاوض عنه بسعر يومه، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم
لعبد الله بن عمر فى بيع النقود فى الذمة ((لا بأس إذا أخذتها بسعر يومها)) فالنبى
صلى الله عليه وسلم إنما جوز الاعتياض عن الثمن بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن .
وقد نص أحمد على هذا الأصل فى بدل العوض وغيره من الديون أنه إنما يعتاض
عنه بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن.
وكذلك قال مالك: يجوز الاعتياض عنه بسعر يومه كما قال ابن عباس لكن =

- ٣٥٩ -
= مالك يستثنى الطعام خاصة ، لأن من أصله أن بيع الطعام قبل قبضه لا يجوز
بخلاف غيره .
وأما أحمد : فإنه فرق بين أن يعتاض عنه بعرض أو حيوان أو نحوه ، دون أن
يعتاض بمکیل أو موزون. فإن كانبعرض ونحوه جوزه بسعریومه ، کماقال ابنعباس
ومالك ، وإن اغتاض عن المكيل بمكيل ، أو عن الموزون بموزون ، فإنه منعه
لئلا يشبه بيع المكيل بالمكيل من غير تقابض ، إذ كان لم توجد حقيقة التقابض من
الطرفين . ولكن جوزه إذا أخذ بقدره مما هو دونه ، كالشعير عن الحنطة ، نظرا
منه إلى أن هذا استيفاء لامعاوضة، كما يستوفى الجيد عن الردىء. ففى العرض جوز
المعاوضة ، إذ لا يشترط هناك تقابض. وفى المكيل والموزون : منع المعاوضة ، لأجل
التقابض ، وجوز أخذقدر حقه أو دونه. لأنه استيفاء. وهذا من دقيق فقهه رضى اللهعنه.
قالوا : وأما قولكم : إن هذا الدين مضمون له ، فلو جوزنا بيعه لزم توالى
الضمانين فهو دليل باطل من وجهين .
أحدهما : أنه لا توالى ضمانين هنا أصلا . فإن الدين كان مضمونا له فى ذمة المسلم
إليه . فإذا باعه إياه لم يصر مضمونا عليه بحال. لأنه مقبوض فى ذمة المسلم إليه ،
فمن أى وجه يكون مضموناً على البائع ؟ بل لو باعه لغيره لكان مضموناً له على المسلم
إليه ومضمونا عليه للمشترى وحينئذ فيتوالى ضمانان .
الجواب الثانى : أنه لا محذور فى توالى الضمانين . وليس بوصف مستلزم المفسدة
يحرم العقد لأجلها . وأين الشاهد من أصول الشرع لتأثير هذا الوصف ؟ وأى حكم
علق الشارع فساده على توالى الضمانين ؟ وما كان من الأوصاف هكذا فهو طردى
لاتأثير له .
وقد قدمنا ذكر الصور التى فيها توالى الضمانين . وقد ثبت عن النبى صلى الله عليه
وسلم أنه جوز المعاوضة عن ثمن المبيع في الذمة . ولافرق بينه وبين دين السلم .
قالوا : وأيضاً فالمبيع إذا تلف قبل التمكن من قبضه كان على البائع أداء الثمن
الذى قبضه من المشترى . فإذا كان هذا المشترى قد باعه فعليه أداء الثمن الذى قبضةمن
المشترى الثانى فالواحب بضمان هذا غير الواجب بضمان الآخر . فلا محذور فى ذلك .
وشاهده : المنافع فى الإجارة والثمرة قبل القطع. فإنه قد ثبت بالسنة الصحيحة التي =

- ٣٦٠ -
= لا معارض لها : وضع الثمن عن المشترى إذا أصابتها جائحة. ومع هذا يجوز التصرف فيها.
ولو تلقت لصارت مضمونة عليه بالنمن الذى أخذه ، كما هى مضمونة له بالثمن الذى دفعه.
قالوا : وأما قولكم: إن المنع منه إجماع ، فكيف يصح دعوى الإجماع مع
مخالفة حبر الأمة ابن عباس ، وعالم المدينة مالك بن أنس ؟
فثبت أنه لانص فى التحريم ، ولا إجماع ولاقياس ، وأن النص والقياس يقتضيان
الإباحة كما تقدم والواجب عند التنازع: الرد إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
فصل
وأما المسألة الثانية : وهى إذا انفسح العقد بإقالة أو غيرها ، فهل يجوز أن يأخذ
عن دين السلم عوضاً من غير جنسه ؟ فيه وجهان .
أحدهما : لا يجوز ذلك حتى يقبضه ثم يصرفه فيما شاء ، وهذا اختيار الشريف
أبى جعفر . وهو مذهب أبى حنيفة .
والثانى : يجوز أخذ العوض عنه، وهو اختيار القاضى أبى يعلى، وشيخ الإسلام
ابن تيمية وهو مذهب الشافعى، وهو الصحيح ، فإن هذا عوض مستقر فى الذمة ،
نفازت المعاوضة عليه كسار الديون ، من القرض وغيره .
وأيضاً : فهذا مال رجع إليه بفسخ العقد ، جاز أخذ العوض عنه ، كالثمن فى المبيع.
وأيضاً حديث ابن عمر فى المعاوضة عما فى الذمة صريح فى الجواز .
واحتج المانعون بقوله صلى الله عليه وسلم (( من أسلم فى شىء فلا يصرفه إلى غيره))
قالوا : ولأنه مضمون على المسلم إليه بعقد السلم فلم تجز المعاوضة عليه قبل قبضه
وحيازته کالمسلم فيه .
قال الجوزون : أما استدلالكم بالحديث: فقد تقدم ضعفه. ولو صح لم يتناول
محل النزاع لأنه لم يصرف المسلم فيه فى غيره ، وإنما عاوض عن دين السلم بغيره ،
فأين المسلم فيه من رأس مال السلم ؟ .
وأما قياسكم المنع على نفس المسلم فيه : فالكلام فيه أيضاً ، وقد تقدم : أنه لا نص
يقتضى المنع منه ، ولا إجماع ، ولا قياس .
ثم لو قدر تسليمه لكان الفرق بين المسلم فيه ورأس مال السلم واضحاً فإن المسلم =