النص المفهرس
صفحات 61-80
- ٦١ -
- من المتقدمين رضيه وقد قيل عن يحيى بن سعيد القطان وغيره بخير أمره
ولعله يريد رضيه حجة أو قال هو ثقة .
= فيمن يغسل ؟ قلن لا قال فارجعن مأزورات غير مأجورات)) وفى رواية
(( فتحثين فيمن يحثو؟)) ولم يذكر الغسل.
فهذا يدل على أن اتباعهن الجنازة وزر لا أجر لهن فيه، إذ لامصلحة لهن ،
ولا للميت فى اتباعهن لها ، بل فيه مفسدة للحى والميت .
قالوا : وأما حديث عائشة : فالمحفوظ فيه حديث الترمذى مع مافيه وعائشة إنما
قدمت مكة للحج ، فمرت على قبر أخيها فى طريقها فوقفت عليه ، وهذا لا بأس به ،
إنما الكلام فى قصدهن الخروج لزيارة القبور.
ولو قدر أنها عدلت إليه وقصدت زيارته، فهى قد قالت ((لوشهدتك لما زرتك))
وهذا يدل على أنه من المستقر المعلوم عندها : أن النساء لا يشرع لهن زيارة القبور،
وإلا لم يكن فى قولها ذلك معنى .
وأما رواية البيهقى، وقولها (نهى عنها ثم أمر بزيارتها)) فهى من رواية
بسطام بن مسلم ولو صح فهى أولت ما تأول غيرها من دخول النساء، والحجة فى
قول المعصوم، لا فى تأويل الراوى ، وتأويله إنما يكون مقبولا ، حيث لا يعارضه
ما هو أقوى منه ، وهذا قد عارضه أحاديث المنع .
قالوا. وأما حديث أنس فهو حجة لنا، فإنه لم يقرها بل أمرها بتقوى الله التى
هى فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، ومن جملتها : النهى عن الزيارة، وقال لها:
((اصبرى)) ومعلوم أن مجيئها إلى القبر وبكاءها مناف للصبر فلما أبت أن تقبل منه ،
ولم تعرفه انصرف عنها فلما علمت أنه صلى الله عليه وسلم هو الآمر لها جاءته تعتذر
إليه من مخالفة أمره . فأى دليل فى هذا على جواز زيارة النساء؟.
وبعد فلا يعلم أن هذه القضية كانت بعد لعنه صلى الله عليه وسلم زائرات القبور ؟
ونحن نقول : إما أن تكون دالة على الجواز فلا دلالة على تأخرها عن أحاديث المنع
أو تكون دالة على المنع بأمرها بتقوى الله فلا دلالة فيها على الجواز فعلى التقديرين:
لاتعارض أحاديث المنع ، ولا يمكن دعوى نسخها بها والله أعلم.
- ٦٢ -
٨٣ - باب ما يقول إذا مر بالقبور
٣٢٢١ - حدثنا الْقَعْضَِىُّ عن مَالِكٍ عن الْعَلَاءِ بنِ عَبْدٍ الرَّْنِ عن
أَبِهِ عن أَبِى هُرِيْرَةَ ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم خَرَجَ إلَى الْقْبَرَةِ
فقالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمُ دَارَ قَوْمٍ مُؤْ مِنِينَ وَإِنَّ إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمُ لاَ حِقُونَ))
( باب ما يقول إذا مر بالقبور )
(السلام عليكم) قال الخطابى : فيه من العلم أن السلام على الموتى كهو
على الأحياء فى تقديم الدماء على الاسم ولا يقدم الاسم على الدعاء كما يفعله العامة
وكذلك هو فى كل دعاء بخير كقوله تعالى (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت)
وكقوله تعالى {سلام على الياسين) وقال تعالى فى خلاف ذلك (وأن عليك
لمنتى إلى يوم الدين) فقدم الاسم على الدعاء ( دار قوم) أى أهل دار . قال
الخطابى: فيه أنه سمى المقابر دارا فدل على أن اسم الدار قد يقع على الربع العامر
المسكون وعلى الخراب غير المأهول ( وإنا شاء الله بكم لاحقون ) قال الخطابي:
فقد قيل إن ذلك ليس على معنى الاستثناء الذى يدخل الكلام لشك وارتياب
ولكنه عادة المتكلم يحسن بذلك كلامه ويزينه به كما يقول الرجل الصاحبه
إنك إن أحسنت إلى شكرتك إن شاء الله وإن ائتمنتنى لم أخنك إن شاء الله -
= وأما قول أم عطية (نهينا عن اتباع الجنائز)) فهو حجة للمنع.
وقولها ((ولم يعزم علينا)) إنما نفت فيه وصف النهى وهو النهى المؤكد بالعزيمة
وليس ذلك شرطاً فى اقتضاء التحريم بل مجرد النهى كاف ولما نها هن انتهين لطواعيتهن
لله ولرسوله ، فاستغنين عن العزيمة عليهن ، وأم عطية لم تشهد العزيمة فى ذلك
النهى . وقد دلت أحاديث لعنة الزائرات على العزيمة فهى مثبتة للعزيمة فيجب تقديمها
وبالله التوفيق .
- ٦٣ -
٨٤ - باب كيف يصنع بالمحرم إذا مات
٣٢٢٢ - حدثنا عُمَّدُ بنُ كَثِيرِ أنبأنا سُفْيَانُ حدَّثَنِ عَمْرُو بنُ دِينَارٍ
عن سَعِدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنٍ عَبَأْسٍ قال ((أَتَى النَِّىُّ صلى اللهُ عليه وسلم بِرَجُلٍ
وَقَصَفْهُ رَاحِلَتُهُ فَتَ وَهُوَ يُحْرِمٌ ، فقالَ: كَفِّنُوهُ فِى تَوْبَيْهِ وَاغْسِلُوهُ بِمَاءِ
وَسِدْرٍ وَلَا تُحَمِرُوا رَأْسَهُ فإنَّ اللهَ يَبْعَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّى)).
قال أَبُو دَاودَ: سَمِعْتُ أَحَدَ بنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ فى هُذَا الْحَدِيثِ ◌َمْسُ
سُنَنٍ: كَمِّنُوهُ فى تَوْبَيْهِ - أَى يُكَفِّنُ المَيِّتُ فى تَوْبَيْنِ، وَاغْسِلُوهُ بِمَاءِ وَسِدْرٍ
- فى نحو ذلك من الكلام وهو لا يريد به الشك فى كلامه ، وقد قال الله تعالى
﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين)
الآية وقد علم دخولهم إياه ووعدهم به ووعده الحق وهو أصدق القائاين . وقد
قيل إنه دخل المقبرة ومعه قوم مؤمنون متحققون بالإيمان وآخرون يفان بهم
النفاق فكان استثناؤه منصرفاً إليهم دون المؤمنين ، ومعناه اللحوق بهم
فى الإيمان . وقيل إن الاستثناء إنما وقع فى استصحاب الإيمان إلى الموت انتهى
قال المنذرى: والحديث أخرجه مسلم والنسائى وابن ماجه.
(باب كيف يصنع بالمحرم إذا مات)
(وقصته) الوقص كسر العنق أى أسقطته فندق عنقه (راحلته) أى ناقته
(فمات) أى الرجل (وهو) الرجل (فقال) النبى صلى الله عليه وسلم (كفنوه)
أى الرجل (فى توبيه) أى إزاره وردائه اللذين لبسهما فى الإحرام (ولا تخمروا)
بالقشديد أى لا تغطوا ولا تستروا (يلى) أى يقول لبيك اللهم لبيك ليعلم الناس -
- ٦٤ -
أَى أَنَّ فِى الْفُسْلاَتِ كُلِّهَ سِدْراً، وَلا تُخَمِرُوا رَأْسَهُ ، وَلا تُقَرِّبُوهُ طِيباً،
وَكَانَ الْكَفَنُ مِنْ جَميعِ الْمَالِ .
٣٢٢٣ - حدثنا سُلَمَانُ بنُ حَرْبٍ وَ عُمَّدُ بنُ عُبَيْدٍ المَعْنِى قَالاَ أخبرنا
◌َّادٌ عن عَمْرِو ◌َأْثُّوبَ عن سَعِدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ نَهْوَهُ قالَ:
(( وَكَفِّنُوهُ فِى تَوْبَيْنِ ».
قال أَبُو دَاوُدَ قال سُلَمانُ قال أُثُّوبُ: تَوْبَيْهِ، وَقَال ◌َمْرٌوَ: ثَوْبَيْنِ،
وَقَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ قال أَيُوبُ: فِى تَوْبَيْنِ، وَقَالَ عَمْرٌو: فى تَوْبَيْهِ. زادَ سُلَمانُ
وَحْدَهُ : وَلا تُحَنِّطُوهُ .
٣٢٢٤ - حدثنا مَُدّدٌ أخبرنا حمادٌ عن أَيُّوبَ عن سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ
عن ابنِ عَبَّاسٍ تَحْوَهُ بِمَعْنَى سُلَيْنَ فى تَوْبَيْنِ .
٣٢٢٥ - حدثنا عُثْنَ بِنُ أَبِى شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عن مَنْصُورٍ عن
الْكَمِ عِن سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَّاسٍ قال: ((وَقَصَتْ بِرَجُلٍ مُخْرِمٍ
- أنه مات محرما. قال المنذرى: والحديث أخرجه البخارى ومسلم والترمذى
والنسائى وابن ماجه.
(عن ابن عباس نحوه) أى نحو حديث سفيان (ولا تحنطوه) أى لا تجعلوا
الحنوط فى كفته وجسده. قال فى النهاية: الحنوط والحناط واحد وهو ما يخلط
من الطيب لأكفان الموتى وأجسامهم خاصة .
(بمعنى سليمان ) أى بمعنى حديث سليمان .
(وقصت) قال الخطابي: بريد به أنها سرعته فدقت عنقه وأصل الوقص -
- ٦٥ -
نَقَتُهُ فَقَتَلَتْهُ، فَأُنِىَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم فقالَ: اغْسِلُوهُ وكَفَّذُوهُ
وَلَا تُقَطُّوا رَأْسَهُ وَلا تُقَرِّبُوهُ طِباً فإِنَّهُ يُهْعَثُ يُِّلُ )) .
آخر كتاب الجنائز
- الدق أو الكسر (ولا تغطوا رأسه) فية من الفقه أن حرم الرجل فى رأسه
(ولا تقربوه طيباً) فيه أن المحرم إذا مات سن به سنة الأحياء فى اجتناب الطيب
(يهل) أى حال كونه يرفع صوته بلبيك. قال المنذرى: والحديث أخرجه
البخارى ومسلم والنسائى .
( آخر كتاب الجنائز)
( ٥ - عون المعبود ٩)
- ٦٦ -
بسم الله الرحمن الرحيم
أول كتاب الأيمان والنذور
١ - باب التغليظ فى اليمين [الأيمان ] الفاجرة
٣٢٢٦ - حدثنا حُمَّدُ بنُ الصََّّاحِ الْبَزَّارُ أخبرنا يَزِيدُ بنُ حَارُونَ
قالَ أخبرنا هِشَمُ بنُ حَسَّانَ عن مُمَّدِ بنِ سِيرِينَ عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ
قالَ قالَ النَّبِىُّ صلى اللهُ عليه وسلم: ((مَنْ حَلَفَ عَى يَمِنٍ مَصْبُورَةٍ كَاذِبًا
فَلْيَنَبَوَّأْ بِوَجْهِهِ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ )).
( أول كتاب الأيمان والنذور)
قال الحافظ فى الفتح: الأيمان بفتح الهمزة جمع يمين، وأصل اليمين فى اللغة
اليد ، وأطلقت على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه ،
وقيل لأن اليد اليمنى من شأنها حفظ الشىء فسمى الحلف بذلك لحفظ الحلوف
عليه، وسمى المحلوف عليه يميناً لتلبسه بها، ويجمع اليمين أيضاً على أيمن كرغيف
وأرغف، وعرفت شرعاً بأنها توكيد الشىء بذكر اسم أو صفة الله ، وهذا
أخصر التعاريف وأقربها. والنذور جمع نذر وأصله الإنذار بمعنى التخويف ،
وعرفه الراغب بأنه إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر انتهى .
( باب التغليظ فى اليمين الفاجرة)
أى الكاذبة .
(من حلف على يمين) أى محلوف يمين فأطلق عليه لفظ يمين للملابسة
والمراد ما شأنه أن يكون محلوفاً عليه فهو من مجاز الاستعارة قاله فى الفتح
(مصبورة) أى ألزم بها وحبس عليها وكانت لازمة لصاحبها من جهة الحكم -
- ٦٧ -
٢ - باب فيمن حلف ليقتطع بها مالا
٣٢٢٧ - حدثنا ◌ُمَّدُ بنُ عِيسَى وَهَنَّادُ بنُ السَّرِئِ المَعْنِى قالاً أخبرنا
أَبُو مُعَاوِيَةً قال أخبرنا الْأَعْمَشُ من شَقِقٍ مِن عَبْدِ اللهِ قال قال رَسُولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِنٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ
- وقيل لها مصبورة وإن كان صاحبها فى الحقيقة هو المصبور لأنه إنماصبر من أجلها
أى حبس فوصفت بالصبر وأضيفت إليه مجازاً. قاله فى النهاية . وقال الخطابى :
اليمين المصبورة هى اللازمة لصاحبها من جهة الحكم فيصبر لأجلها أى يحبس
وهى يمين الصبر، وأصل الصبر الحبس، ومن هذا قولهم قتل فلان صبراً أى
حبساً على القتل وقهراً عليها (فليتبوأ بوجهه) أى بسببه أى بسبب هذا الحلف
والباء للسببية أو على وجهه أى مكباً على وجهه، فالباء للاستعلاء كمافى قوله
تعالى ﴿من إن تأمنه بقنطار﴾ والثانى أولى لأنه يكون هذا اللفظ أى لفظ بوجهه
على الأول تأ كيداً لما علم سابقاً من أن الحلف سبب لهذا التبوأ لأنه إذا حكم
على المشعق بشىء كان مأخذ الاشتقاق علة له، وعلى الثانى يكون تأسيساً وهو
أولى من التأكيد والله أعلم. والحديث سكت عنه المنذرى.
( باب فى من حلف ليقتطع بها مالا )
( عن عبد الله) هو ابن مسعود ( على يمين) والمراد به المحلوف عليه .
وفى رواية البخارى ((على يمين صبر)) قال العينى: وهى التى يلزم ويجبر عليها
حالفها، ويقال هى أن يحبس السلطان رجلا على يمين حتى يحلف بها ، يقال
صبرت يمينى أى حلفت بالله، وأصل الصبر الحبس ومعناه ما يجبر عليها . وقال
الداودى معناه وأن يوقف حتى يحلف على رؤس الناس انتهى (هو) أى الحالف
(فيها) أى فى اليمين (فاجر) أى كاذب، وقيد به ليخرج الجاهل والناسى -
- ٦٨ -
امْرِىءٍ مُسْلٍ لَقِىَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، فقالَ الْأُشْعَثُ: فِيِّ وَاللهِ كَنَ
ذَلِكَ، كَانَ بَيْنِى وَ بَيْنَ رَجلٍ مِنَ الْيَهُودِ أَرْضٌ فَجَحَدَ فِى فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّيِّ
صلى اللهُ عليه وسلم، فقالَ لِيَ اللُّّ صلى اللهُ عليه وسلم: أَلَكَ بَيَِّةٌ؟ قُلْتُ: لاَ
قال لِليَهُودِيِّ: احْلِفْ، قُلْتُ: يَارَسُولَ اللهِ إِذَا يَحْلِفِتُ وَيَذْهَبَ بِمَلِىِ،
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ بَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلاً﴾
إِلَى آخِرِ الآيَةِ ».
- والمسكره (ليقتطع) بزيادة لام التعليل ويقتطع يفتعل من القطع كأنه يقطعه عن
صاحبه أو يأخذ قطعة فى ماله بالحلف المذكور (بها) بسبب اليمين (امرى( مسلم)
أو ذمى ونحوه قاله القسطلانى ( لقى الله) جواب من (وهو) أى الله تعالى الواو
للحال ( عليه) أى على الحالف (غضبان) فيعامله معاملة المغضوب عليه فيعذبه،
وغضبان لا ينصرف لزيادة الألف والنون . وقال الطيبى: أى ينتقم منه ( فى)
بكسر الفاء وتشديد الياء ( كان ذلك) أى هذا الحديث (أرض ) أى متنازع
فيها ( فيحدنى) أى أنكر على ( فقدمته ) بالتشديد أى جئت بالرجل وارفعت
أمره (قال) النبى صلى الله عليه وسلم ( إذا يحلف) قال القسطلانى: والفعل هنا
فى الحديث إن أريد به الحال فهو مرفوع وإن أريد به الاستقبال فهو منصوب
وكلاهما فى الفرع كأصله والرفع رواية انتهى. وقال العينى: إذاً يحلف جواب
وجزاء فينصب يحلف (فأنزل الله تعالى) تصديق ذلك ( إن الذين يشترون)
أى يستبدلون (بعهد الله) أى بما عهد إليهم من أداء الأمانة وترك الخيانة
(وأيمانهم) أى الكاذبة ( ثمناً قليلا) شيئاً يسيراً من حطام الدنها مع أن
مقاعها كلها قليل. قال العينى: قال ابن بطال: وبهذه الآية والحديث احتج
الجمهور على أن الغموس لا كفارة فيها لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم ذكر فى -
- ٦٩ -
- هذه اليمين المقصود بها الحنث والعصيان والعقوبة والإثم ولم يذكر فيها كفارة
ولو كانت لذكرت كما ذكرت فى اليمين المعقودة، فقال ((فليكفر عن يمينه
وليأت الذى هو خير)) وقال ابن المنذر: لا نعلم سنة تدل على قول من أوجب
فيها الكفارة بل هى دالة على قول من لم يوجبها. قلت: هذا كله حجة على
الشافعية انتهى .
وقال فى النهاية: اليمين الغموس هى اليمين الكاذبة الفاجرة كالتى يقتطع بها
الحالف مال غيره ، سميت غموساً لأنها تغمس صاحبها فى الإثم ثم فى النار
وفعول للمبالغة انتهى .
وقال فى الفتح: وقد أخرج ابن الجوزى فى التحقيق من طريق ابن شاهين
بسنده إلى خالد بن معدان عن أبى المتوكل عن أبى هريرة أنه سمع رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول (( ليس فيها كفارة يمين صبر يقتطع بها مالا بغير حق))
وظاهر سنده الصحة لكنه معلول لأن فيه عنعنة بقية فقد أخرجه أحمد من هذا
الوجه فقال فى هذا السند عن المتوكل أو أبى المتوكل ، فظهر أنه ليس هو الناجى
الثقة بل آخر مجهول . وأيضاً فالمتن مختصر ولفظه عند أحمد (( من لقى الله
لا يشرك به شيئا دخل الجنة)) الحديث وفيه ((وخمس ليس لها كفارة الشرك بالله))
وذكر فى آخرها)) ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حق)) ونقل محمد بن نصر
فى اختلاف العلماء ثم ابن المنذر ثم ابن عبد البر اتفاق الصحابة على أن لا كفارة
فى اليمين الغموس . وروى آدم بن أبى إياس فى مسند شعبة وإسماعيل القاضى
فى الأحكام عن ابن مسعود ((كنا نعد الذنب الذى لا كفارة له اليمين الغموس
أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذباً ليقتطعه)) قال ولا مخالف له من الصحابة.
واحتجوا بأنها أعظم من أن تكفر وقال الشافعى بالكفارة ، ومن حجته قوله
فى الحديث فى أول كتاب الأيمان ((فلهات الذى هو خير وليكفر عن يمينه)) -
٠
- ٧٠ -
٣٢٢٨ - حدثنا محمُودُ بنُ خَالِدٍ قالَ أخبرنا الْفِرْيَابِىُّ قال أخبرنا
الْحَارِثُ بنُ سُلَيْنَ قال حدَّثَنِى كُرْدُوسٌ من الْأَشْمَتِ بنِ قَيْسٍ أَنَّ رَجلاً
مِنْ كِنْدَةَ وَرَجْلاً مِنْ حَضْرَمُوتَ اخْتَصَاَ إِلَى النَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم
فى أَرْضٍ مِنَ الْيَنِ، فقال الْضْرَِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَرْضِىَ اغْتَصَنِيهاَ
أَبُو هُذَا وَهِىَ فِى يَدِهِ ، قال: هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ قال: لاَ وَلَكِنْ أُحَلَّقُهُ وَاللهِ
مَا يَعْلَمُ أَنْهَا أَرْضِ اغْتَصَدِينِيها أَبُوهُ، فَتَهَيَّأَ الكِنْدِىُّ لِلْيَعِيِنِ فقالَ رَسُولُ اللهِ
- فأمر من تعمد الحدث أن يكفر فيؤخذ منه مشروعية الكفارة لمن حلف حانثاً
وفى هذا الحديث من الفوائد منها التشديد على من حلف باطلا ليأخذ حق مسلم
ومنها البداءة بالسماع من الطالب ثم من المطلوب هل يقر أو يفكر، ثم طلب
البينة من الطالب إن أنكر المطلوب ، ثم توجيه اليمين على المطلوب إذا لم يجد
الطالب البينة ، وأن الطالب إذا ادعى أن المدعى به فى يد المطلوب فاعترف
استغنى عن إقامة البينة بأن يد المطلوب عليه انتهى . قال المنذرى: والحديث
أخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه.
(إن رجلا من كنده) بكسر فسكون أبو قبيلة من اليمن (من حضرموت)
بسكون الضاد والواو بين فتحات وهو موضع من أقصى اليمن (فقال الحضرمى)
أى الرجل المنسوب إلى حضرموت (اغتصبفيها أبو هذا) قال القارى : وفى
نسخة من المشكاة اغتصبها أبوه ( وهى) أى أرضى (فى يده) أى تحت تصرفه
الآن (قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال لا) أى الحضرمى (ولكن
أحلفه) بتشديد اللام ( والله ما يعلم) قال الطيبي: هو اللفظ المحلوف به أى
أحلفه بهذا ، والوجه أن تكون الجملة القسمية منصوبة المحل على المصدر أى
أحلفه هذا الحلف قاله القارى (أنها أرضى) بفتح أنها (فتهيأ الكندى لليمين) -
- ٧١ -
صلى اللهُ عليه وسلم: لا يَقْتَطِيعُ أَحَدٌ مَالاَ بِيَعَينٍ إِلاَّ لَتِىَ اللهَ وَهُوَ أَجْذَمُ ،
فقالَ الْكِنْدِىُّ: هِىَ أَرْضُهُ)).
٣٢٢٩ - حدثنا هَنّادُ بنُ السَّرِىِّ قَالَ أخبرنا أَبُو الْأَحْوَصِ عن
يِمَكٍ عن عَلَقَمَةَ بنِ وَائِلِ بنِ حَجَرِ الْحَضْرَِيِّ عن أُبِهِ قال: ((جَاءَ رَجُلٌ"
مِنْ حَضْرَ مُوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلى رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم فقالَ
الْضْرَِىُّ: يَارَسُولَ اللهِ إِنَّ هَذَا غَلَمَنِ عَلَى أَرْضٍ كَانَتْ لِأَبِىِ ، فقالَ
الْكِنْدِىُّ: مِىَ أَرْضِى فِى يَدِى أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ . قَالَ فَقالَ النَّبِيُّ
صلى اللهُ عليه وسلم لِلْحَضْرَيِيُّ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قالَ: لاَ ، قَالَ : فَلَكَ يَمِنُهُ ،
قالَ: يَارَسُولَ اللهِ إِنَّهُ فَجِرٌ لايُبَلِىِ مَاحَلَفَ عَلَيْهِ لَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَىْءٍ،
- أى أراد أن يحلف (أحد مالا) أى عن أحد (بيمين) أى بسبب يمين فاجرة
(وهو أجذم) أى مقطوع اليد أو البركة أو الحركة أو الحجة. وقال الطيبي:
أى أجذم الحجة لا لسان له يتكلم ولا حجة فى يده ، يعنى ليكون له عذر
فى أخذ مال مسلم ظلماً وفى حلفه كاذباً قاله القارى . قال المنذرى: وهذا قد ذكر
فى أثناء حديث عبد الله بن مسعود المتقدم .
(على أرض كانت لأبى) أى بالغصب والتعدى (هى أرضى) أى ملك لى
(فى يدى) أى تحت تصرفى. قال الخطابى: فيه دليل على أن اليد تثبت على الأرض
بالزراعة وعلى الدار بالسكنى وبعقد الإجارة عليهما وما أشبه ذلك من وجوه التصرف
والتدبير (ليس له) أى للحضرمى (حق) أى من الحقوق (قال) أى وائل بن حجر
(قال لا) أى الحضرمى (قال) النبى صلى الله عليه وسلم (فلك) يا حضرمى (يمينه)
أی الکندی قال الحضریی إنه أی الکندی ( فاجر ) أی کاذب (لا يبالى) -
- ٧٢ -
فَقالَ النَُّّ صلى اللهُ عليه وسلم: لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّ ذَاكَ، فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ لَهُ،
فَلَأْ أَدْبَرَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالٍ فِيَأْ كُلَهُ
ظَالِمَاً لَيَلْقَنَّ اللهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ)).
- صفة كاشفة لفاجر (ليس يتورع) أصل الورع الكف عن الحرام والمضارع
بمعنى الفكرة فى سياق الثفى فيعم، ويكون التقدير ليس له ورع عن شىء.
قاله فى النيل ( ليس لك منه) أى من الكندى (إلا ذاك) أى ماذكر من
اليمين (فانطلق) أى فذهب الكندى (لمحلف) أى على قصد أن يحلف (له)
أى للحضرمى (فلما أدبر) أى حين ولى الكندى على هذا القصد. قال الخطابي:
فيه دليل على أن اليمين إنما كانت فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند
المنبر ، ولولا ذلك لم يكن لانطلاقه من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم
وإدباره عنه معنى ، ويشهد لذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من حلف
عند منبرى ولو على سواك أخضر تبوأ مقعده من النار )) ( وهو ) أى الله تعالى
(عنه) أى عن الخالف الفاجر (معرض) هو مجاز عن الاستهانة به والسخط
عليه والإبعاد عن رحمته. وفيه أنواع من الفوائد منها أن صاحب اليد أولى من
أجنبى يدعى عليه، ومنها أن المدعى عليه، ومنها أن المدعى عليه تلزمه اليمين إذا
لم يقر، ومنها أن البينة تقدم على اليد ويقضى لصاحبها بغير يمين . ومنها أن
يمين الفاجر المدعى عليه تقبل كيمين العدل وتسقط عنه المطالبة بها . ومنها أن
أحد الخصمين إذا قال لصاحبه إنه ظالم أو فاجر أو نحوه فى حال المخاصمة يحتمل
ذلك منه . ومنها أن الوارث إذا ادعى شيئاً لورثه وعلم الحاكم أن مورثه مات
ولا وارث له سواء جاز الحكم له به، ولم يكلفه حال الدعوى ببينة على ذلك،
وموضع الدلالة أنه قال غلبنى على أرض لى كانت لأبى)) فقد أقر بأنها كانت
لأبيه فلولا أن النبى صلى الله عليه وسلم علم بأنه ورثها وحده لطالبه ببينة على -
- ٧٣ -
٣ - باب ما جاء فى تعظيم اليمين عند [ على] منبر
النبى صلى الله عليه وسلم
٣٢٣٠ - حدثنا عُثْانُ بنُ أَبِى شَيْبَةَ أخبرنا ابنُ نُصَيْرِ قالَ أخبرنا
هَشِمُ بنُ هَاشِمٍ قَالَ أخبرنى عَبْدُ اللهِ بنُ نِسْطَاسٍ مِنْ آَلٍ كَثِرِ بنِ الصَّلْتِ
أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بِنَ عَبْدِ اللّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِصلى اللهُ عليه وسلم ((لا يَخْلِفُِ
أَحَدٌ عِنْدَ مِنْبَرِى هَذَا عَلَى مِنِ آنِمَةٍ وَلَوْ عَلَى سِوَاكِ أُخْضَرَ، إِلَّا تَبَوَّأَ
مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، أَوْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ)).
- كونه وارثاً وببينة أخرى على كونه محقاً فى دعواه على خصمه . قاله القارى .
وقال الخطابى : فى هذا الحديث دليل على أن ما يجرى بين المتخاصمين من كلام
تشاجر وتنازع وإن خرج بهم الأمر فى ذلك إلى أن ينسب كل واحد منهم
صاحبه فيما يدعيه قبله إلى خيانة ونجور واستحلال ونحو ذلك من الأمور فإنه
لا حكومة بينهما فى ذلك. وفيه دليل على أن الصالح المظنون به الصدق
والصالح الموهوم به الكذب فى ذلك الحكم سوى، وأنه لا يحكم لهما
ولا عليهما إلا بالبينة العادلة أو اليمين انتهى. قال المنذري: وأخرجه مسلم
والترمذى والنسائى.
( باب ماجاء فى تعظيم اليمين عند منبر النبى صلى الله عليه وسلم)
( على يمين آثمة) أى كاذبة، سميت بها كتسميتها فاجرة اتساعاً حيث
وصفت بوصف صاحبها أى ذات إنم ( ولو على سواك أخضر) إنما خص
الرطب لأنه كثير الوجود لا يباع بالثمن، وهو لا يكون كذلك إلا فى مواطن
نباته بخلاف اليابس فانه قد يحمل من بلد إلى بلد فيباع. قاله الشوكانى ( أو
وجبت له النار) شك من الراوى أو التنويع بأن يكون الأول وعهداً للفاجر -
- ٧٤ -
٤ - باب اليمين بغير الله
٣٢٣١ - حدثنا الْسَنُ بنُ عَلِيِّ قَالَ أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قالَ أنبأنا
مَعْمَرٌ عن الزُّهْرِىِّ عن ◌َُيْدٍ بِنِ عَبْدِ الرَّْنِ عن أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ
رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((مَنْ حَلَفَ وَقَالَ [فقالَ] فى حَلْفِهِ وَالَّاتِ
- والثانى للكافر. والحديث دليل على عظمة إثم من حلف على منبره صلى الله
عليه وآله وسلم كاذبًا . قال الشوكانى : وقد استدل به على جواز التغليظ على
الخالف بمكان معين كالحرم والمسجد ومعبره صلى الله عليه وآله وسلم، وبالزمان
كبعد العصر ويوم الجمعة ونحو ذلك . وقد ذهب إلى ذلك الجمهور كما حكاه فى
الفتح. وذهبت الحنفية إلى عدم جواز التغليظ بذلك وعليه دات ترجمة البخارى
فإنه قال فى الصحيح: باب يحلف المدعى عليه حيثما وجبت عليه اليمين انتهى.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك موضع اجتهاد للحاكم. وقد ورد عن جماعة
من الصحابة طلب التغليظ على خصومهم فى الأيمان بالحلف بين الركن والمقام
وعلى مغبره صلى الله عليه وسلم، وورد عن بعضهم الامتناع من الإجابة إلى ذلك
وروى عن بعض الصحابة التحليف على المصحف . وقد قال ابن رسلان إنهم
لم يختلفوا فى جواز التغليظ على الذى قال الشوكانى: فغاية ما يجوز التغليظ به
هو ما ورد فى حديث الباب وما يشبهه من التغليظ باللفظ ، وأما التغليظ بزمان
معين أو مكان معين على أهل الذمة مثل أن يطلب منه أن يحلف فى الكنائس
أو نحوها فلا دليل على ذلك انتهى .
قال المنذرى: والحديث أخرجه النسائي وابن ماجه .
( باب اليمين بغير الله)
(فى حلفه) بكسر اللام قاله القسطلانى (واللات) صنم معروف فى الجاهلية -
- ٧٥ -
فَلْيَقُلْ لاَ إِلهَ إِلَّ اللهُ، وَمَنْ قالَ لِصَاحِبِهِ تَعَلَ أَقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ بِشَىْءٍ)»
- (فليقل لا إله إلا الله) إنما أمر بذلك لأنه تعاطى صورة تعظيم الأصنام حين
حلف بها وأن كفارته هو هذا القول لاغير قاله العينى . وقال القارى : له معنيان
أحدهما أن يجرى على لسانه سهواً جرياً على المعتاد السابق للمؤمن المتجدد فليقل
لا إله إلا الله أى فليتب كفارة لتلك الكلمات فإن الحسنات يذهبن السيئات ،
فهذا توبة من الغفلة، وثانيهما أن يقصد تعظيم اللات والعزى فليقل لا إله إلا
الله تجديداً لإيمانه ، فهذا توبة من المعصية انتهى : وقال الخطابى : فيه دليل
على أن الحالف باللات لا يلزمه كفارة اليمين وإنما يلزمه الإنابة والاستغفار ،
وفى معناه إذا قال أنا يهودى أو نصرانى أو برىء من الإسلام إن فعلت كذا
فإنه يتصدق بشىء، وهو قول مالك والشافعى وأبو عبيد. وقال النخعى وأصحاب
الرأى : إن قال هو يهودى إن فعلت كذا حنث فعليه كفارة يمين ، وبه قال
الأوزاعى وسفيان الثورى ، وقول أحمد واسحاق بن راهويه نحو من ذلك
(تعال) بفتح اللام أمر من تعالى يتعالى أى انت (أفامرك) بالجزم على جواب
الأمر أى أفعل القمار معك ( فليتصدق بشىء) من ماله كفارة لمقاله.
وقال الخطابي: معناه فليتصدق بقدر جعله حظا فى القمار انتهى . وقال العينى
وإنما أمر بالصدقة تكفيراً للخطيئة فى كلامه بهذه المعصية، والأمر بالصدقة
محمول عند الفقهاء على الندب انتهى. قال المنذرى: والحديث أخرجه البخارى
ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه وليس فى حديث أحد منهم بشىء سوى
مسلم وحده .
- ٧٦ -
[٥- باب كراهية الحلف بالآباء]
٣٢٣٢ - حدثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُعَاذٍ أخبرنا أَبِ أخبرنا عَوْفٌ عن محمّدٍ
ابنِ سِيرِينَ عن أَبِى حُرِيْرةَ قال قال رَسُولُ الّهِ صلى اللهُ عليه وسلم ((لا تَخْلِفُوا
بِبَائِكُ وَلا بِأُمََّتِكُمُ وَلا بِالْأَنْدَادِ، وَلا تَخْلِفُوا إِلاَّ بِللهِ، وَلا تَخْلِفُوا
بالهِ إِلاَّ وَأَنْعُمْ صَدِّقُونَ )).
[باب كراهية الحلف بالآباء]
( لا تحلفوا بآبائكم) أى بأصولكم فبالفروع أولى ( ولا بالأنداد)
أى الأصنام .
قال فى النهاية: الأنداد: جمع ند بالكسر، وهو مثل الشىء الذى
يضاده فى أموره، وينادّه أى يخالفه ، ويريد بها ما كانوا يتخذونه آلهة من
دون الله انتهى .
قال فى الفتح : وهل المنع للتحريم؟ قولان عند المالكية ، كذا قال ابن دقيق
العيد، والمشهور عندهم الكراهة، والخلاف أيضاً عند الحنابلة، لكن المشهور
عندهم التحريم ، وبه جزم الظاهرية .
وقال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع ، ومراده بنفى الجواز
الكراهة أعم من التحريم والتنزيه فإنه قال فى موضع آخر أجمع العلماء على أن
اليمين بغير الله مكروهة منهى عنها لا يجوز لأحد الحلف بها . والخلاف موجود
عند الشافعية من أجل قول الشافعى أخشى أن يكون الحلف بغير الله معصية ،
فأشعر بالتردد ، وجمهور أصحابه على أنه للتنزيه .
وقال إمام الحرمين : المذهب القطع بالكراهة ، وجزم غيره بالتفصيل ،
فإن اعتقد فى المحلوف فيه من التعظيم ما يعتقده فى الله حرم الخلف به وكان بدلك -
,
- ٧٧ -
٣٢٣٣ - حدثنا أَحَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ من عُبَيْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ
عن نَفِعٍ عن ابنٍ ◌ُمَرَ عن مُمَرَ بنِ الْطَّبِ ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم أَذْرَ كَهُ وَهُوَ فِى رَكْبٍ وَهُوَ يَخْلِفُ بِأَبِهِ فقالَ: إِنَّ اللهَ يَنْهَ كُمُ
أَنْ تَخْلِفُوا بَآبَائِكُمُ، فَنْ كَانَ حَلِفًا فَلْيَحْلِفْ بالهِ أَوْ لِيَسْكُتْ)).
- الاعتقاد كافر انتهى والحديث ليس من رواية اللؤلؤى ولذا لميذكره المعذرى
وقال المزى فى الأطراف: حديث عبيد الله بن معاذ فى رواية أبى الحسن بن العبد
وأبى بكر بن داسة ولم يذكره أبو القاسم.
(أدركه) أى عمر (وهو) أى عمر (فى ركب) قال فى السبل: الركب أى
وكبان الإبل اسم جمع أو جمع وهم العشرة فصاعداً وقد يكون الخيل (وهو يحلف)
أى عمر (فقال) النبى صلى الله عليه وسلم (فمن كان حالفاً) أى مريداً للحلف
( فليحلف بالله ) أى بأسمائه وصفاته.
قال الحافظ: وظاهره تخصيص الحلف بالله خاصة، لكن قد اتفق الفقهاء
على أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العلمة (أو ليسكت) قال العينى: والحكمة
فى النهى عن الحلف بالآباء أنه يقتضى تعظيم المحلوف به ، وحقيقة العظمة مختصة
بالله جلت عظمتة فلا يضاهى به غيره ، وهكذا حكم غير الآباء من سائر الأشياء.
وما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال أفلح وأبيه فهى كلمة تجرى على اللسان
لا يقصد بها المين انتهى.
قلت: أوأن هذا وقع قبل ورود العهى . قال: وأما قسم الله تعالى بمخلوقاته
نحو والصافات والطور والسماء والطارق والعين والزيتون والعاديات ، فالله
يقسم بما شاء من خلقه تنبيها على شرفه ، أو التقدير ورب الطور انتهى .
وقال النووى: يكره الحلف بغير أسماء الله تعالى وصفاته سواء فى ذلك -
- ٧٨ -
٣٢٣٤ - حدثنا أَْهَدُ بنُ عَنْبَلِ أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أنبأنا مَعْمَرٌ عن
الزُّهْرِىِّ عن سَالِمٍٍ عن أَبهِ من ◌ُمَرَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قال ((سَمِعَنِى رَسُولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم نَحْوَ مَغْنَاهُ إِلَى بِآبَائِكُمُ. زَادَ قال ◌ُمَرُ: فَوَاللهِ مَا حَلَفْتُ
بِهَذَا ذَا كِراً وَلا آَيْراً ».
٣٢٣٥ - حدثنا ◌ُمَّدُ بنُ الْعَلاَءِ أخبرنا ابنُ إِدْرِيسَ قال سَمِعْتُ
الْسَنَ بِنَ عُبَيْدِ اللهِ عن سَعْدِ بنِ مُبَيْدَةَ قال ((سَمِعَ ابنُمَرَ رَجُلاَ تَحَلِفُِ
لاَ وَالْكَمْبَةِ، فقالَ لَهُ ابنُ عُمَرَ: إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
يَقُولُ: مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ)).
- النبى صلى الله عليه وسلم والكعبة والملائكة والأمانة والحياة والروح وغيرها
ومن أشدها كراهة الحلف بالأمانة انتهى . قال المعذرى : والحديث أخرجه
البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجه.
(نحو معناه) أى بمعنى حديث أحمد بن يونس (بهذا) أى بأبى (ذاكراً)
أى قائلا لها من قبل نفسى (ولا آثراً) بلفظ اسم الفاعل من الأثر يعنى ولا حاكياً
لها عن غيرى ناقلا عنه . وقال الطبرى : ومنه حديث مأثور عن فلان أى يحدث
به عنه، والأثر الرواية ونقل كلام الغير قاله العينى .
وقال الخطابي: معنى قوله آثراً أى مؤثراً وقيل يريد مخبراً به من قولك
أثرت الحديث أثرة إذا رويته يقول ما حلفت ذاكراً عن نفسى ولا مخبراً به عن
غيره انتهى . والحديث ليس من رواية اللؤلؤى ولذا لم يذكره المنذرى .
وقال المزى : حديث أحمد بن حنبل فى رواية أبى الحسن بن العبد، ولم يذكره
أبو القاسم انتهى .
(فقال له) أى للرجل (فقد أشرك) قال القارى : قيل معناه من أشرك به -
- ٧٩ -
٣٢٣٦ - حدثنا سُلَمَانُ بنُ دَاوُدَ الْعَتَكِىُّ أُخبر نا إِسْمَاعِلُ بنُ جَعَفَرٍ
المدنىُّ عن أبى سُهَوْلٍ نَافِعِ بنِ مَالِكِ بنِ أَبِى عَامِرٍ من أبيهِ أَنَّهُ سَمِعَ
◌َلْحَةً بِنَ عُبَهْدِ اللهِ- يَنى فى حَدِيثِ قِصَّةِ الْأَعْرَابِىِّ - قال اللَِّىُّ صلى اللهُ عليه
وسلم: ((أُفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ دَخَلَ الْنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ ))
٦ - باب كراهية الحلف بالأمانة
٣٢٣٧ - حدثنا أحَدُ بنُ يُونُسَ أخبرنا زُهَيْرٌ أخبرنا الْوَلِيدُ بنُ
- غيره فى التعظيم البليغ فكأنه مشرك إشراكاً جلياً فيكون زجراً بطريق المبالغة
قال ابن الهمام: من حلف بغير الله كالنبى والكعبة لم يكن حالفاً لقوله صلى الله
عليه وسلم ((من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)) متفق عليه انتهى.
قال الحافظ: والتعبير بقول ((أشرك)) المبالغة فى الزجر والتغليظ فى ذلك،
وقد تمسك به من قال بتحريم ذلك انتهى .
قال المزى : حديث محمد بن العلاء فى رواية أبى الحسن بن العبد ولم يذكره
أبو القاسم انتهى. والحديث ليس من رواية اللؤلؤى ولذا لم يذكره المنذرى.
(عن أبى سهيل نافع بن مالك بن أبى عامر ) قال المزى: أخرجه أبو داود
فى الصلاة عن القعنى عن مالك ، وفى الأيمان والنذور عن أبى الربيع سليمان بن
داود عن إسماعيل بن جعفر عن أبى سهيل بن مالك عن أبيه عن طلحة بن عبيد
الله بن عثمان أحد العشرة المشهود لهم انتهى وليس هذا الحديث فى نسخة
المنذرى والله أعلم (أفلح وأبيه) لعل هذا وقع قبل ورود النهى أو التقدير ورب
أبيه أو كلمة جرت على اللسان من غير أن يقصد بها اليمين .
( باب كراهية الحلف بالأمانة)
أى بلفظ الأمانة .
- ٨٠ -
ثَعْلَبَةَ الطَّائِىُّ عن ابنِ بُرَيْدَةَ من أَبِهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
(( مَنْ حَلَفَ بالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا)».
٧ - باب المعاريض فى الأيمان
٣٢٣٨ - حدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ قال أنبأنا مُشَيْمٌح. وأخبرنا مُدّدٌ
قالَ أخبرنا هُشَيٌْ عن عَبَّادِ بنِ أَبِى صَالحٍ عن أبيهِ عن أَبِى هُرِيْرةَ قالَ قالَ
- ( من حلف بالأمانة فليس منا) أى ممن اقتدى بطريقتنا. قال القاضى أى
من ذوى أسوتنا بل هو من المتشبهين بغيرنا فإنه من ديدن أهل الكتاب ولعله
أراد به الوعيد عليه قاله القارى .
وقال فى النهاية: يشبه أن تكون الكراهة فيه لأجل أنه أمر أن يحاف
بأسماء الله وصفاته والأمانة أمر من أموره قنهوا عنهامن أجل التسوية بينها وبين
أسماء الله تعالى، كمانهوا أن يحلفوا بآبائهم وإذا قال الحالف : وأمانة الله كانت
يمهداً عند أبى حنيفة، والشافعى لا يعدها يميناً والأمانة تقع على الطاعة والعبادة
والوديعة والنقد والأمان، وقد جاء فى كل منها حديث. قال المنذرى : وابن بريدة
هو عبد الله، وروى أيضاً من حديث سليمان بن يزيد والحديث سكت عنه .
( باب المعاريض فى الأيمان )
قال فى النهاية: المعاريض جمع معراض من التعريض وهو خلاف التصريح
من القول انتهى . وقال العهنى : التعريض نوع من الكناية ضد التصريح .
وقال الراغب : هو كلام له ظاهر وباطن فقصد قائله الباطن ويظهر إرادة
الظاهر انتهى .
(عن عباد بن أبى صالح) هكذا هذا الإسناد كما فى المتن فى النسخ الصحيحة
وفى بعض النسخ خلافه وهو غلط .
-