النص المفهرس

صفحات 401-420

- ٤٠١-
صَاحِبَ هُذَا لَيُعَذِّبُ وَأَهْلُهُ يَبْكُونَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَتْ ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَّ
أُخْرَى﴾ قَالَ عنْ أَبِى مُعَاوِيَةً عَلَى قَبْرِ يَهُودِىّ )) .
- نوح عليه)) وفى رواية ((من يبك عليه يعذب)) وهذه الروايات من رواية عمربن
الخطاب وابنه عبد الله رضى الله عنهما، وأنكرت عائشة رضى الله عنها ونسبتهما
إلى النسيان والاشتباه عليهما، وأفكرت أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم قال
ذلك، واحتجت بقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى) قالت وإنما قال
النبى صلى الله عليه وسلم فى بهوذية إنها تعذب وهم يبكون عليها، يعنى تعذب
بكفرها فى حال بكاء أهلها لا بسبب البكاء .
واختلف العلماء فى هذه الأحاديث ، فتأولها الجمهور على من وصى بأن يبكى
عليه ويناج بعد موته فنفذت وصيته فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ونوحهم لأنه
بسببه ومنسوب إليه .
قالوا : فأما من بكى عليه أهله وناحوا من غير وصية منه فلا يعذب لقول الله
تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى) قالوا: وكان من عادة العرب الوصية -
= وفى لفظ لهما: قال عمر ((والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال : من يبك عليه يعذب )) .
وفى الصحيحين عن أنس (( أن عمر لما طعن أعوات عليه حفصة، فقال :
يا حفصة، أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المعول عليه يعذب)).
وفى الصحيحين عن المغيرة بن شعبة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
((من نيح عليه، فإنه يعذب بما نيح عليه)).
فهؤلاء عمر بن الخطاب ، وابنه عبد الله ، وابنته حفصة ، وصهيب ، والمغيرة
ابن شعبة كلهم يروى ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم .
=
ومحال أن يكون هؤلاء كلهم وهموا فى الحديث .
(٢٦ - عون المعبود ٨)

- ٤٠٢ -
- بذلك. والمراد بالبكاء هنا البكاء بصوت ونياحة لا مجرد دمع العين انتهى .
وقال الخطابي: قد يحتمل أن يكون الأمر فى هذا على ما ذهبت إليه عائشة لأنها
قد روت أن ذلك إنما كان فى شأن يهودى والخبر المفسر أولى من الجمل ، ثم
احتجت له بالآية، وقد يحتمل أن يكون ما رواه ابن عمر صحيحاً من غير أن يكون
فيه خلاف للآية ، وذلك أنهم كانوا يوصون أهلهم بالبكاء والنوح عليهم ، وإذا
كان كذلك فالميت إنما يلزمه العقوبة فى ذلك بما تقدم من أمره إياهم بذلك وقت
حياته انتهى .
(فقالت) عائشة (وَحِل) بكسر الماء أى غلط وسعى. وإنكار عائشة -
= والمعارضة التى ظنتها أم المؤمنين رضى الله عنها بين روايتهم وبين قوله تعالى
﴿لا تزر وازرة وزر أخرى﴾ غير لازمة أصلاً. ولو كانت لازمة لزم فى روايتها
أيضاً : أن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذاباً ، فإن الله سبحانه لا يعذب أحداً بذنب
غيره الذى لا تسبب له فيه . فما تجيب بة أم المؤمنين من قصة الكافر يجيب به أبناؤها
عن الحديث الذى استدركته عليهم .
ثم سلكوا فى ذلك طرقاً .
أحدها : أن ذلك خاص بمن أوصى أن يناح عليه ، فيكون النوح بسبب فعله ،
ويكون هذا جارياً على المتعارف من عادة الجاهلية ، كما قال قائلهم:
إذا مت فانعينى بما أنا أهله وشقى على الجيب يا ابنة معبد
وهو كثير فى شعرهم .
وأما من لم يتسبب إلى ذلك بوصية ولا غيرها فلا يتناوله الحديث .
وهذا ضعيف من وجهين :
أحدهما : أن اللفظ عام .
الثانى : أن عمر والصحابة فهموا منه حصول ذلك ، وإن لميوص به .
ومن وجه آخر : وهو أن الوصية بذلك حرام يستحق بها التعذيب نيح عليه =

- ٤٠٣ -
- لعدم بلوغ الخبر لها من وجه آخر حملت الخبر على الخبر المعلوم عندها بواسطة
ما ظهر لها من استبعاد أن يعذب أحد بذنب آخر وقد قال تعالى: ﴿ولا تزر
وازرة وزر أخرى) لكن الحديث ثابت بوجوه كثيرة وله معنى محيح وهو
حمله على ما إذا رضى الميت ببكائهم وأوصى به أو علم من دأبهم أنهم يبكون
عليه ولم يمنعهم من ذلك ، فلا وجه للافكار ولا إشكال فى الحديث . قاله فى
فتح الودود . قال المنذرى : والحديث أخرجه مسلم والنسائى.
= أم لا . والنبى صلى الله عليه وسلم إنما علق التعذيب بالنياحة لا بالوصية .
المسلك الثانى : أن ذلك خاص بمن كان النوح من عاده وعادة قومه وأهله ،
وهو يعلم أنهم ينوحون عليه إذا مات . فإذا لم ينههم كان ذلك رضى منه بفعلهم ،
وذلك سبب عذابه وهذا مسلك البخارى فى صحيحه، فإنه ترجم عليه وقال (( إذا كان
النوح من سننه)) وهو قريب من الأول .
المسلك الثالث: أن الباء ليست باء السببية، وإنما هى باء المصاحبة . والمعنى :
يعذب مع بكاء أهله عليه ، أى يجتمع بكاء أهله وعذابه ، كقولك : خرج زيد
بسلاحه . قال تعالى ﴿ وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به﴾.
وهذا المسلك باطل قطعاً ، فإنه ليس كل ميت يعذب ، ولأن هذا اللفظ لا يدل
إلا على السببية ، كما فهمه أعظم الناس فهماً. ولهذا ردته عائشة لما فهمت منه السببية ،
ولأن اللفظ الآخر الصحيح الذى رواه المغيرة يبطل هذا التأويل ، ولأن الإخبار
بمقارنة عذاب الميت المستحق للعذاب لبكاء أهله لا فائدة فيه .
المسلك الرابع : أن المراد بالحديث: ما يتألم به الميت ، ويتعذب به ، من بكاء
الحى عليه . وليس المراد : أن الله تعالى يعاقبه ببكاء الحى عليه ، فإن التعذيب هو من
جنس الألم الذى يناله بمن يجاورة مما يتأذى به ونحوه. قال النى صلى الله عليه وسلم
(( السفر قطعة من العذاب)) وليس هذا عقاباً على ذنب ، وإنما هو تعذيب وتألم ،
فإذا وبخ الميت على ما يناح به عليه لحقه من ذلك تألم وتعذيب .
ويدل على ذلك : ماروى البخارى فى صحيحة عن النعمان بن بشير قال (( أغمی ==

- ٤٠٤ -
٣١١٤ - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أَبِى شَيْبَةَ أخبرنا جَرِيرٌ عن مَنْصُورٍ عن
إِبْرَاهِيمَ عَنْ يَزِيدَ بنِ أَوْسٍ قال: ((دَخَلْتُ ◌َلَى أَبِى مُوسَى وَهُوَ تَقِيلٌ ،
فَذَهَبَتْ امْرَأَتُهُ لِتَبْكِنَ أَوْ تَهُمَّ بِ، فقالَ لَا أَبُو مُوسَى: أَمَا سَمِعْتِ ما قالَ
رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم، قالَتْ: كَى، قال: فَسَكَتَتْ، قال: فَكَأَ
مَآَتَ أَبُو مُوسَى قَالِ يَزِيدُ: لَقِيتُ المَرْأَةَ فَقُلْتُ لَهَا قَوْلَ أَبِى مُوسَى لَكِ،
أَمَ سَمِعْتِ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم، ثُمَّ سَكَتِّ ، قَالَتْ قَالَ
رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: لَيْسَ مِنَّ مَنْ حَلَقَ وَمَنْ سَلَّقَ وَمَنْ خَرَقَ))
- (وهو ثقيل) أى مريض (أو تَهُمْ) بتشديد الميم أى لتقصد البكاء وتستعد به
(قال) يزيد بن أوس الراوى (فسكتت) أى امرأة أبى موسى ( ليس منا)
أى من أهل سنتها وطريقتنا، والمراد الوعيد والتغليظ الشديد (من حلق) شعره
( ومن سلق) صوته أى رفعه، السالقة والصالقة لغتان هى التى ترفع صوتها عند
المصيبة وعن ابن الأعرابى: الصلق ضرب الوجه . قاله العينى ( ومن خرق)
بالتخفيف أى قطع ثوبه بالمصيبة وكان الجميع من صنيع الجاهلية وكان ذلك فى -.
= على عبد الله بن رواحة ، جعلت أخته عمرة تبكى: واجبلاه واكذا، واكذا ،
تعد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئاً إلا قيل لى: أأنت كذلك؟)).
وقد تقدم قول النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث عبد الله بن ثابت (( فإذا وجب
فلا تبكين باكية)).
وهذا أصح ما قيل فى الحديث .
ولا ريب أن الميت يسمع بكاء الحى ، ويسمع قرع نعالهم ، وتعرض عليه أعمال
أقار به الأحياء، فإذا رأى ما يسؤهم تألم له ، وهذا ونحوه مما يتعذب به الميت ويتألم ،
ولاتعارض بين ذلك وبين قوله تعالى ﴿ ولا تزر وازرة وُر أخرى) بوجه ما .

-٤٠٥-
٣١١٥ - حدثنا مُسَدَّدٌ أخبرنا ◌ُحَمْدُ بنُ الْأُسْوَدِ أخبرنا الْبَّاجُ
عَمِلُمَرَ [لِعُمَرَ بِنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الرَّبْدَةِ قال حدَّثَنِى أَسِيدُ بنُ أَبِى أَسِيدٍ
من امْرَأَةٍ مِنَ الْمُبَايِعَتِ قَالَتْ: «كَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَاَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم فى المَعْرُوفِ الَّذِى أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ لا نَعْصِيَهُ فِيهِ أَنْ لا تَخْمِشَِ وَجْهاَ
وَلانَدْعُوَ وَيْلاً، وَلانَشُقَّ جَيْبًا، وَلا نَذْشُرَ [ وَأَنْ لانَذْشُرَ] شَعْراً ».
- أغلب الأحوال من صنيع النساء قاله القارى .
قال المنذرى : والحديث أخرجه النسائى، وامرأة أبى موسى هى أم عبد الله
وقد روى هذا الحديث عنها عن أبى موسى عن النبى صلى الله عيه وسلم وأخرجه
النسائى أيضاً .
(أسيد بن أبى أسيد) بالفتح هو البراد . قاله فى الخلاصة وفى التهذيب :
أظنه غير البراد، فإن البراد ليس له شىء عن الصحابة، ويشبه أن يكون
حجاج الذى روى عنه حجاج بن صفوان والله أعلم (عن امرأة من المبايعات)
قال فى التقريب: لم أقف على اسمها وهى صحابية لها حديث (أن لا نعصيه) أى
النبي صلى الله عليه وسلم ( فيه ) أى فى المعروف (أن لا تخيش ) أى لا تخدش
(ولا نَدْعُوَ ويلا) والوبل أن يقول عند المصيبة واويلاه ( ولا نشق جيباً)
الجهب هو ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس وهو الطوق فى لغة العامة قاله
العينى. (ولا ننشر شعراً) أى لا ننشر ولا نفرق شعراً، يقال نشر الشىء فرقه،
نشر الراعى غنمه أى بثه بعد أن آواها .
والحديث سكت عنه المنذرى :
وقال المزى فى الأطراف: أسيد بن أبى أسيد البراد عن امرأة من المبايعات
حديثه أخرجه أبو داود فى الجنائز ثم قال ورواه القعنبى عن الحجاج بن صفوان
عن أسهد بن أبى أسيد البراد انتهى .

-٤٠٦ -
٣٠ - باب صنعة الطعام لأهل الميت
٣١١٦ - حدثنا مَُدَّدٌ أخبرنا سفْيَنُ حدَّتِى جَمْفَرُ بنُ خَالِدٍ من
أَبِهِ عن ◌َبْدِ اللهِ بنِ جَمْفَرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم ((اصْنَعُوا
◌َآلِ جَعْفَرٍ طَعَاماً فإِنَّهُ قَدْ أَنَاهُمْ أَمْرِ يَشْغَلُهُمْ [ شَغَلَهُمْ])).
(باب صفعة الطعام لأهل الميت)
(اصنعوا لآل جعفر طعاما) فيه مشروعية القيام بمؤنة أهل الميت مما
يحتاجون إليه من الطعام لاشتغالهم عن أنفسهم بما دهمهم من المصيبة. قاله فى
النيل. وقال السندى: فيه أنه ينبغى للأقرباء أن يرسلوا لأهل الميت طعاماً
(أمر يشغلهم) من باب منع أى عن طبخ الطعام لأنفسهم . وعند ابن ماجه
((قد أتاهم ما يشغلهم أو أمر يشغلهم)» وفى رواية له ((إن آل جعفر قد شغلوا
بشأن ميتهم فاصنعوا لهم طعاما)» .
قال ابن الهام فى فتح القدير شرح الهداية : يستحب لجيران أهل الميت
والأقرباء الأباعد تهيئة طعام لهم يشبعهم ليلتهم ويومهم، ويكره اتخاذ الضيافة
من أهل الميت لأنه شرع فى السرور لا فى الشرور وهى بدعة مستقبحة انتهى.
ويؤيده حديث جرير بن عبد الله البجلى قال ((كنا نرى الاجتماع إلى أهل
الميت وصفعة الطعام من الفياحة)) أخرجه ابن ماجه وبوب باب ماجاء فى النهى
عن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعه الطعام ، وهذا الحديث سنده صحيح ورجاله
على شرط مسلم . قاله السندى. وقال أيضاً: قوله كنا نرى هذا بمنزلة رواية
إجماع الصحابة أو تقرير من النبى صلى الله عليه وسلم، وعلى الثانى حكمه الرفع
وعلى التقديرين فهو حجة .
وبالجملة فهذا عكس الوارد إذ الوارد أن يصنع الناس الطعام لأهل الميت -

- ٤٠٧ -
٣١ - باب فى الشهيد يغسل
٣١١٧ - حدثنا قَتَيْبَةُ بنُ سَعِدٍ أخبرنا مَعْنُ بنُ عِيسَىَ ح. وأخبرنا
عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُمَرَ الْشَمِئُ أخبرنا عَبْدُ الرَّْنِ بنُ مَهْذِىِّ عن إِبْاهِيمَ بنِ
حَرْمَانَ عن أبى الزُّبَيْرِ عن جَابِرٍ قال: ((رُمِىَ رَجُلٌّ بِسَهْمٍ فِى صَدْرِهِ أَوْ فِى
حَلْفِيٍ فَتَ فَأُدْرِجَ فى ◌ِياءِهِ كَمَا هُوَ . قال: وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم )) .
٣١١٨ - حدثنا زِيادُ بنُ أَيُّوبَ وَعِيسَىَ بِنُ يُونُسَ قالاً أخبرنا عَلِىُّ
ابنُ عَصِمٍ عن عَطَاءِ بنِ السَّائِبِ عن سَعَهدِ بنِ جُبَيْرٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ قال:
(( أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمُ الْحَدِيدُ
وَالُْودُ ، وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَا تُّهِمْ وَئِيَ بِهِمْ)).
- فاجتماع الناس فى بيتهم حتى يتكلفوا لأجلهم الطعام قلب لذلك: وقد ذكر
كثير من الفقهاء أن الضيافة لأهل الميت قلب للمعقول لأن الضيافة حقاً أن
تكون للسرور لا للحزن انتهى .
قال المنذرى : والحديث أخرجه الترمذى وابن ماجه ، وقال الترمذى
حسن صحيح .
( باب فى الشهيد يغسل )
أى أم لا ، فثبت بالأحاديث أنه لا يغسل .
( معن بن عيسى) أى معن وابن مهدى كلاهما بروبان عن ابراهيم بن
طهمان (فأدرج) أى أُفَّ (فى ثيابه كما هو) ومفهومه أنه لم يُفْل وهذا محل
الترجمة ( قال ) أى جار. والحديث سكت عنه المنذرى . ..
(بقتلى أحد) جمع قتيل والباء بمعنى فى أى أمر فى حقهم (أن ينزع عنهم -

- ٤٠٨-
٣١١٩ - حدثنا أحمدُ بنُ صَالحٍ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ح. وأخبرنا سليمانُ
ابنُ دَاوُدَ الَهْرِىُّ أَنْهأنا ابنُ وَهْبٍ وَهُذَا لَفَظُهُ، قال أخبر نى أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ
أَنَّ ابنَ شِهَبٍ أُخْبَرَهُ أَنَّ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ حَدَّتَهُمْ ((أَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ لَمْ
يُفْتَلُوا وَدُفِنُوا بِدِمَاتِهِمْ وَلَمْ يُصَلِّ مَلَيْهِمْ)).
- الحديد) أى السلاح والدروع (والجلود) مثل الفرو والكساء غير الملماخ بالدم
( وأن يدفنوا بدمائهم وتيابهم) أى المتلطخة بالدم. قال المنذرى: والحديث
أخرجه ابن ماجه ، وفى إسناده على بن عاصم الواسعلى وقد تكلم فيه جماعة ،
وعطاء بن السائب وفيه مقال .
(ولم يصل عليهم) قال الحافظ: والخلاف فى الصلاة على قتهل معركة الكفار -
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله :
وهؤلاء رأوا أن الغسل لم يأت فيه شىء يعارض حديث جابر فى قتلى أحد ،
وأما الصلاة عليه: فقد أخرجا فى الصحيحين عن عقبة بن عامر (( أن النبى صلى الله
عليه وسلم خرج يوماً ، فصلى على أهل أحد صلاته على الميت)) .
وحديث أنس (( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على حمزة)).
وحديث أبى مالك الغفارى قال (( كان قتلى أحد يؤتى منهم بتسعة وعاشر هم حمزة،
فيصلى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم يحملون ، ثم يؤتى بتسعة فيصلى عليهم
وحمزة مكانه، حتى صلى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم )) هذا مرسل صحيح
ذكره البيهقى، وقال : هو أصح ما فى الباب .
وروى أبو بكر بن عياش عن يزيد بن أبى زياد عن مقسم عن ابن عباس (( أنه
صلى عليهم)) رواه البيهقى، وقال: لا يحفظ إلا من حديثهما، وكانا غير حافظين،
یعنی : أبا بكر ، ويزيد بن أبىزياد .
وقد روى ابن إسحاق عن رجل من أصحابه عن مقسم عن ابن عباس ((أن النبي =

- ٤٠٩-
- مشهور. قال الترمذى. قال بعضهم يصلى على الشهيد وهو قول الكوفيين
واسحاق، وقال بعضهم لا يصلى عليه ، وهو قول المدنيين والشافعى وأحمد.
والحديث سكت عنه المنذرى .
= صلى الله عليه وسلم صلى على حمزة، فكبر سبع تكبيرات، ولم يؤت بقتيل إلا
صلى عليه معه ، حتى صلى عليه اثنتين وسبعين صلاة) .
ولكن هذا الحديث له ثلاث علل .
إحداهما : أن ابن إسحاق عنعنه، ولم يذكر فيه سماعاً .
الثانية : أنا رواه عمن لم يسمه .
الثالثة : أن هذا قد روى من حديث الحسن بن عمارة عن الحكم عن مقسم عن
ابن عباس، والحسن لا يحتج به ، وقد سئل الحكم: أصلى النبى صلى الله عليه وسلم
على قتلى أحد ؟ قال: لا . سأله شعبة . وقد روى أبو داود عن أبى سلام عن رجل
من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . وفيه ( فصلى عليه ودفنه، فقالوا : يا رسول الله،
أشهيد هو ؟ قال : نعم، وأنا له شهيد)) وقد تقدم .
قالوا : وهذه آثار يقوى بعضها بعضاً، ولم يختلف فيها ، وقد اختلف فى شهداء
أحد. فكيف يؤخذ بما اختلف فيه، وتترك هذه الآثار ؟
والصواب فى المسألة : أنه مخير بين الصلاة عليهم وتركها لمجىء الآثار بكل واحد
من الأمرين وهذا إحدى الروايات عن الإمام أحمد ، وهى الأليق بأصوله ومذهبه .
والذى يظهر من أمر شهداء أحد : أنه لم يصل عليهم عند الدفن . وقد قتل معه
بأحد سبعون نفساً ، فلا يجوز أن تخفى الصلاة عليهم .
وحديث جابر بن عبد الله فى ترك الصلاة عليهم صحيح صريح ، وأبوه عبد الله
أحد القتلى يومئذ ، فله من الخبرة ما ليس لغيره.
وقد ذهب الحسن البصرى وسعيد بن المسيب إلى أنهم يغسلون ويصلى عليهم .
وهذا ترده السنة المعروفة فى ترك تغسيلهم .
فأصح الأقوال : أنهم لا يغسلون ، ويخير فى الصلاة عليهم.
وبهذا تتفق جميع الأحاديث ، وبالله التوفيق .

- ٤١٠ -
٣١٢٠ - حدثنا عُثْمَانُ بنُ أَبِى شَيْبَةَ أخبرنا زَيْدٌ - يَعنى ابنَ الْبَابِ
ح. وأخبرنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرنا أَبُو صَفْوَانَ - يَعنى المروَانِىّ - عن أُسَامَةَ
عن الزُّهْرِىِّ عن أُنَسِ بنِ مَلِكِ الَمنى ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
مَرَّ ◌َلَى ◌َمْزَةَ وَقَدْ مُثِلَ بِهِ فَقالَ: لَوْلاَ أَنْ تَجِدَ صَفِيَّةٌ فِى نَفْسِهَاَ لَتَرَ كْتُهُ
حَتّى تَأْكُلَهُ الْعَافِيَةُ حَتَّى يُحْشَرَ مِنْ بُطُونِهَاَ، وَقَلَّتِ الَّيَبُ وَكَثُرَتْ الْقَتْلَى
فَكَنَ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ يُكْفَنُونَ فى الثَّوْبِ الْوَاحِدِ»
زَادَ قُتَيْبَةُ: ثُمَّ يُدْفَنُونَ فِى قَبْرٍ وَاحِدٍ ، فَكَنَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم يَنْأَلُ أَبْهُمْ أَ كْثَرُ قُرْآَنَا فَيُقْدَّمَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ » .
- ( مَرَّ على حمزة) عم النبى صلى الله عليه وسلم (وقد مُثِلَ به ) أى بحمزة،
وهو بضم الميم وكسر الثاء المخففة قال فى المصباح مثلت بالقتيل مثلا من بابى قال
وضرب إذا جدعته وظهرت آثار فعلك عليه تشكيلا ، والتشديد مبالغة ،.
والاسم المثلة وزان غرفة (فقال) النبى صلى الله عليه وسلم ( أن تجد صفية) أخت
حمزة ( فى نفسها) أى تحزن وتجزع ( العافية) قال الخطابي: العافية السباع
والطير التى تقع على الجيف فتأكلها ويجمع على العوافى (حتى يُحْشَرَ) أى
يبعث حمزة يوم القيامة ( من بطونها) أى العافية ) وكثرت الفعلى ) جمع قتيل
كالجرحى جمع جريح ( يكفون فى الثوب الواحد ) ظاهره تكفين الاثنين
والثلاثة فى ثوب واحد. وقال المظهر فى شرح المصابيح: معنى ثوب واحد
قبر واحد ، إذ لا يجوز تجريدهما بحيث تتلاقى بشرتاهما انتهى.
وقال أشهب: لا يفعل ذلك إلا لضرورة، وكذا الدفن. وعن العلامة
ابن تيمية معنى الحديث أنه كان يقسم الثوب الواحد بين الجماعة فيكفن كل واحد -
:

- ٤١١-
٣١٢١ - حدثنا عَبَّاسٌ الْعَنْبَرَئُ أخبرنا عُثْمَانُ بنُ عُمَرَ قال أخبرنا
أُسَمَةُ عن الزُّهْرِىِّ عن أُنَسِ ((أَنَّ النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم مَرَّ بِحَمْزَةً وَقَدْ
مُثِلَ بِهِ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الشُّهَدّاءِ غَيْرِهِ ».
- ببعصة للضرورة وإن لم يستر إلا بعض بدنه، يدل عليه تمام الحديث أنه
كان يسأل عن أكثرهم قرآنًا فيقدمه فى الاحد ، فلو أنهم فى ثوب واحد جملة
لسأل عن أفضلهم قبل ذلك كيلا يؤدى إلى نقض التكفين وإعادته .
وقال ابن العربى: فيه دليل على أن التكليف قد ارتفع بالموت وإلا
فلا يجوز أن يلصق الرجل بالرجل إلا عند انقطاع التكليف أو للضرورة .
قاله العينى .
وقال الخطابى: وفيه من الفقه أن الشهيد لا يغسل ، وهو قول عامة أهل
العلم، وفيه أنه لا يصلى عليه، وإليه ذهب أكثر أهل العلم. وقول أبى حنيفة
لا يغسل ولكن يصلى عليه. ويقال إن المعنى فى ترك غسله ماجاء أن الشهيد
يأتى يوم القيامة وكلمه يدمى ، الريح ريح المسك واللون لون الدم . وقد يوجد
الغسل فى الأحياء مقروناً بالصلاة وكذلك الوضوء فلا يجب التطهير على أحد إلا
من أجل صلاة يصليها، ولأن المهت لا فعل له فأمرنا أن نغسله لنصلى عليه ،
فإِذا سقط الغسل سقطت الصلاة . وفيه جواز أن يدفن الجماعة فى القبر الواحد ،
وأن أفضلهم يقدم فى القبلة وإذا ضاقت الأكفان وكانت الضرورة جاز أن
يكفن الجماعة منهم فى الثوب الواحد انتهى. قال المنذزى: والحديث أخرجه
الترمذى وقال غريب لا نعرفه من حديث أنس إلا من هذا الوجه . وفى حديث
الترمذى ((ولم يصل عليهم)).
(ولم يصل على أحد من الشهداء غيره) قال الخطابي: وقد تأول قوم ترك -

- ٤١٢-
٣١٢٢ - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ وَيَزِيدُ بنُ خَالِدِ بنِ مَوْهِبٍ أَنْ
الَّهْتَ حَدَّتَهُمْ عن ابنِ شِهَبٍ عن عَبْدِ الرَّحْنِ بنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ
جَابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم كَانَ يَجْمَعُ
بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَ أُحُدٍ وَيَقُولُ: أَيُهُاَ أكْثَرُ أخْذَاً لِلْقُرْآنِ، فَإِذَا
أُشِيرَ لَهُ إِلَى أحَدِهِا قَدَّمَهُ فى الَّحْدِ، فقال: أنا شَهِيدٌ عَلَى هُؤُلاءِ يَوْمَ الْقِيامَةِ
وَأَمَرَ بدِفْنِهِمْ بِمَأْهِمْ وَلَمْ يَغْسِلْهُمْ [ وَلَمْ يَفْسِلُوا])).
- الصلاة على قتلى أحد على معنى اشتغاله فى ذلك اليوم عنهم وليس هذا بتأويل
محيح، لأنه قد دفنهم مع قيام الشغل ولم يتركهم على وجه الأرض. وأكثر
الروايات أنه لم يصل عليهم. وقد تأول بعضهم ما روى من صلاته على حمزة
حملها على الصلاة اللغوية وجعلها الدعاء له زيادة خصوصية له وتفضلاله على
سائر أصحابه انتهى . وقال الحافظ : ثم إن الخلاف فى ذلك فى منع الصلاة عليهم
على الأصح عند الشافعية وفى وجه أن الخلاف فى الاستحباب وهو المنقول عن
الحنابلة . قال الماوردى عن أحمد: الصلاة على الشهيد أجود، وإن لم يصلوا عليه
أجزأ انتهى. والحديث سكت عنه المنذرى .
(أيهما أكثر أخذا) أى حفظً وقراءة القرآن (فإذا أشير له) أى النبى
صلى الله عليه وسلم (قدمه) من التقديم أى ذلك الأحد (فى الاحد) قال الحافظ:
أصل الإلحاد الميل والعدول عن الشىء وقيل المائل عن الدين ماحد ، وسمى
الاحد لأنه شق يعمل فى جانب القبر فيميل عن وسط القبر إلى جانبه بحيث يسع
الميت فيوضع فيه ويطبق عليه اللبن انتهى. وقال القارى: هو بفتح اللام ويضم
وسكون الحاء (أنا شهيد على هؤلاء) أى أشهد لهم بأنهم بذلوا أرواحهم لله تعالى
قال المنذرى: والحديث أخرجه البخارى والترمذى والنسائي وابن ماجة وفى -

-٤١٣-
٣١٢٣ - حدثنا سليمانُ بنُ دَاوُدَ المُهْرِىُّ أخبرنا ابنُ وَهْبٍ عن
الَّيْثِ بِهِذَا الحديثِ بِعْنَاهُ قال: (( يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ
فى ثَوْبٍ وَاحِد ».
٣٢ - باب فى ستر الميت عند غسله
٣١٢٤ - حدثنا عَلِيُّ بنُ سَهلِ الرَّمْلِّ أخبرنا حَجَّاجٌ عن ابن جُرَيج
قال أُخْبِرْتُ عنْ حَبِيبٍ [ عن ابنٍ حَبِيبٍ] بنِ أَبِ ثَابِتٍ عنْ عَصِمِ بن
ضَمْرَةَ عنْ عَلِيِّ أَنَّ النَِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ ((لاَ تُبْرِزْ فَخِذَكَ وَلاَ تَنْظُرْ
[ لاَ تَنْظُرَنَّ ] إِلَى فَخِذٍ حَىّ وَلاَ مَيْتٍ ».
٣١٢٥ - حدثنا النُّغَيِىُّ أخبرنا مُمَّدُ بِنُ سَلَمَةً عن محمّدٍ بن إسْحَاقَ
قالَ حدَّثَنِى يَخَْى بنُ عَبَّدٍ عن أَبِهِ عَبَّادِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ الأُّبَيْرِقَالَ سَمِعْتُ
هَاَ يْشَةً تَقُولُ: ((لَمَا أَرَادُوا غَسْلَ النَّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قالُوا وَاللهِ مَنَّدْرِى
- حديث البخارى والترمذى ((ولم يصل عليهم)) وقال الترمذى حسن صحيح.
وقال النسائى : ما أعلم أحدا تابع الليث يعنى ابن سعد من ثقات أصحاب الزهرى
على هذا الإسناد، واختلف على الزهرى فيه. هذا آخر كلامه. ولم يؤثر عدد
البخارى والترمذى تفرد الليث بهذا الإسناد بل احتج به البخارى فى صحيحه
وصححه الترمذى كما ذكرناه .
( فی ثوب واحد) قد مر بهانه .
( باب فى ستر الميت عند غسله )
(أخبرت ) بصيغة المتكلم المجهول ( ولا ميت) دل هذا على أن الميت
والحى سواء فى حكم العورة. قال المنذرى: والحديث أخرجه ابن ماجه -

- ٤١٤ -
أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم مِنْ فِيهَا بِهِ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَنَا أَمْ تَفْسِلُهُ
وَعَلَيْ نِيَبُهُ، فَلَمَا اخْتَلَفُوا أَلَى اللّهُ عَلَيْهِمْ النِّوْمَ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلاّ
وَذَقْتُهُ فِى صَدْرِهِ، ثُّ كَلََّهُمْ مُكُلٌِّ مِنْ نَحِيَّهِ الْبَيْتِ لاَ يَدْرُونَ مَنْ هُوَ
أَنِ اغْسِلُوا النِّيَّ صلى اللهُ عليه وسلمٍ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، فَقَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم فَفَسَلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ يَصُونَالماءِ فَوْقَ الْقَمِيصِ وَيَدْلُكُونَهُ
- وقال أبو داود : هذا الحديث فيه نكارة. وهذا آخر كلامه. وعاصم بن
ضمرة قد وثقه يحيى بن معين وغيره وتكلم فيه غير واحد ( لا يدرون من هو)
أى المكلم ( وعليه) أى النبى صلى الله عليه وسلم والواو الحال ( فغسلوه) أى
النبى صلى الله عليه وسلم (قميصه) هو محل الترجمة ( ويدلكونه) فى المصباح :
ولكت الشىء دلكا من باب قتل مرسته بيدك. ولفظ أحمد فى مسنده قالت
« فثاروا إليه فغسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فى قميصه يفاض عليه
الماء والسدر ويدلك الرجال بالقميص)) انتهى. قال الشوكانى: والحديث أخرجه
أيضاً ابن حبان والحاكم. وفى رواية لابن حبان ((فكان الذى أجلسه فى
حجره على بن أبى طالب)) وروى الحاكم عن عبد الله بن الحارث قال ((غسل
النبى صلى الله عليه وسلم على وعلى يده خرقة فغسله فأدخل يده تحت القميص
فغسله والقميص عليه )).
وفى الباب عن بريدة عند ابن ماجه والحاكم والبيهقى قال: ((لما أخذوا فى
غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناداهم مناد من الداخل : لا تنزعوا عن النبى
صلى الله عليه وسلم قميصه)).
وعن ابن عباس عند أحمد ((أن علياً أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلى صدره وعليه قميصه )) وفيه ضعف .

- ٤١٥ -
بالْقَمِيصِ دُونَ أَيْدِيهِمْ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِى
مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا غَسَلَهُ إِلاَّ نِسَاؤُهُ)).
- وعن جعفر بن محمد عن أبيه عند عبد الرزاق وابن أبى شيبة والبيهقى
والشافعى قال ((غسل النبى صلى الله عليه وسلم ثلاثاً بسدر وغسل وعليه قميص
وغسل من بئر يقال لها الغرس بقبا كانت لسعد بن خيئمة وكان يشرب منها
وولى سفلته على والفضل محتضنه والعباس يصب الماء )). قال الحافظ: هو
مرسل جيد .
(لو استقبلت من أمرى ما استدبرت) أى لو علمت أولا ما علمت آخراً
وظهر لى أولا ما ظهر لى آخراً ( ما غسله إلا نساؤه) وكأن عائشة تفكرت فى
الأمر بعد أن مضى وذكرت قول النبى صلى الله عليه وسلم لها ((ما ضرك لومت
قبلى فغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك)) رواه ابن ماجه وأحمد . قال
الشوكانى : فيه متمسك مذهب الجمهور أى فى جواز غسل أحد الزوجين للاخر
ولكنه لا يدل على عدم جواز غسل الجنس لجنسه مع وجود الزوجة ، ولا على
أنها أولى من الرجال .
وقال السندى: حديث محمد بن إسحاق هذا إسناده صحيح ورجاله ثقات
و محمد بن إسحاق قد صرح بالتحديث انتهى .
والحديثان لعائشة أى حديث لو استقبلت من أمرى، وحديث ما ضرك
أخرجهما ابن ماجه وبوب باب ماجاء فى غسل الرجل امرأته وغسل المرأة زوجها
وقال فى المنتقى: باب ما جاء فى غسل أحد الزوجين للاخر ، وأورد الحديثين .
قال المنذرى: وأخرج ابن ماجه منه قول عائشة: ((لو استقبلت من أمرى»
الحديث وأخرج البخارى فى غير صحيحه من حديث بريدة بن الحصيب رضى -

-٤١٦ -
٣٣ - باب كيف غسل الميت
٣١٢٦ - حدثنا الْقَعْنَبِىُّ عن مَالِكٍ حِ وَحَدَّ ثنا مُسَدَّدٌ أُخبرنا حَّاهُ بنُ
زَيْدٍ المَعْنَى عِنْ أَثُوبَ من ◌ُمِّ بن سِرِينَ من أُمِّ عَطِيْهَ قالَتْ: ((دَخَلَ
عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ فقالَ اغْسِلْتُهَاَ ثَلاَقًا
أَوْتَخْسَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذُلِكَ إِنْ وَأَيْتُنَّ ذُلِكَ بِمَاءِ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ
- الله عنه قال: (( لما أخذوا فى غسل النبى صلى الله عليه وسلم ناداهم مناد من
الداخل لا تنزعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه».
قال الدارقطنى: تفرد به عمرو بن يزيد عن علقمة هذا آخر كلامه. وعمرو
ابن يزيد هذا هو أبو بردة التميمى لا يحتج به. وفى إسناده محمد بن إسحاق بن
يسار، وقد تقدم الكلام عليه .
( باب كيف غسل الميت )
( حين توفيت ابنته) هى زينب زوج أبى العاص بن الربيع والدة أمامة كما
صرح به مسلم ولفظه عن أم عطية قالت: (( لما ماتت زينب بنت رسول الله صلى
الله عليه وسلم)» ( اغسلنها ) قال ابن بريدة: استدل به على وجوب غسل الميت.
قال ابن دقيق العيد: لكن قوله ثلاثاً إلخ ليس للوجوب على المشهور من مذاهب
العلماء، فيتوقف الاستدلال به على تجويز إرادة المعنيين المختلفين بلفظ واحد ،
لأن قوله ثلاثاً غير مستقل بنفسه فلابد أن يكون داخلا تحت صيغة الأمر،
فيراد بلفظ الأمر الوجوب بالنسبة إلى أصل الغسل ، والندب بالنسبة إلى
الإيتار انتهى .
فمن جوز ذلك جوز الاستدلال بهذا الأمر على الوجوب ومن لم يجوزه حمل
الأمر على الندب لهذه القرينة . كذا فى النهل (أو خمساً) قال الحافظ : قال ابن -

-٤١٧-
كَفُوراً أَوْ شَيْئًا مِنْ كَأُهُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ هَذِنَِّ، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ،
فَأَعْطَانَا حَقْوَهُّ ، فقالَ أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ ».
- العربى فى قوله أو خمسًا إشارة إلى أن المشروع هو الإيتار لأنه نقلهن من الثلاث
إلى الخمس وسكت عن الأربع (أوا كثر من ذلك) بكسر الكاف لأنه خطاب
للمؤنث أى أكثر من الخمس (إن رأيتن ذلك) رأيت بمعنى الرأى يعنى إن
احتجتن إلى أكثر من ثلاث أو خمس للانقاء لا للتشهى فلتفعلن . وفيه دليل
على التفويض إلى اجتهاد الغاسل ويكون ذلك بحسب الحاجة لا التشهى .
قال ابن المنذر: إِنما فوض الرأى إليهن بالشرط المذكور وهو الإيتار .
قاله العينى والحافظ (بماء وسدر) قال ابن التين: هو السنة فى ذلك والخطمى
مثله، فإن عدم فما يقوم مقامه كالأشنان والنطرون، ولا معنى لطرح ورق السدر
فى الماء كما يفعل العامة . قاله العينى .
وقال زين بن المدير: ظاهره أن السدر يخلط فى كل مرة من مرات الغسل
لأن قوله بماء وسدر يتعلق بقوله اغسلنها ، قال وهو مشعر بأن غسل الميت
للتنظيف لا للتطهير ، لأن الماء المضاف لا يتطهر به ، وتعقبه الحافظ بمنع لزوم
مصير الماء مضافاً بذلك لاحتمال أن لا يغير السدر وصف الماء بأن يمك بالسدر
ثم يغسل بالماء فى كل مرة، فإن لفظ الخبر لا يأبى ذلك ( واجعان فى الآخرة)
أى فى المرة الآخرة ( كافورا) والحكمة فيه أن الجسم يتصلب به وتغفر الهوام
من رائحته، وفيه إكرام الملائكة قاله العينى (أو شيئاً من كافور) هو شك
من الراوى أى اللفظين قال ، وظاهره جعل الكافور فى الماء ، وبه قال الجمهور
وقال النخعى والكوفيون: إنما يجعل فى الحنوط أى بعد انتهاء الغسل والتجفيف
قاله الحافظ (فَآذنى) أى أعلمنى. قال) عينى: هو بتشديد النون الأولى، هذا -
(٢٢ - عون المعبود ٨)

- ٤١٨ -
قالَ عنْ مالِكٍ: {قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قال مالِكٌ]: تَمْسِى إِزَارَهُ وَلَمْ يَقُلْ
مَُدَّدٌ: (دَخَلَ عَلَيْنَا)).
٣١٢٧ - حدثنا أَحَدُ بنُ عَبْدَةَ وَأَبو كَامِلٍ بِمَعَنِى الْإِسْنَادِ أَنَّ يَزِيدَ
ابنَ زُرَيْعٍ حَدََّّهُمْ قالَ أخبرنا أَيُوبُ عن ◌ُمَّدِ بنِ سِيرِينَ عَنْ حَقْصَةَ
أُخْتِ عنْ أُمّ عَطِّةَ قالَتْ لَ مَشَّطْنَاهَا ثَلاَثَةَ قُرُونِ)).
- أمر لجماعة الإناث من آذن يؤذن إيذاناً إذا أعلم (حقوه) بفتح المهملة ويجوز
كسرها وهى لغة هذيل بعدها قاف ساكنة والمراد به هنا الإزار كما وقع مفسراً
فى رواية. والحقو فى الأصل معقد الإزار وأطلق على الإزار مجازاً. وفى رواية
للبخارى ((فنزع من حقوه إزاره)) والحقو على هذا حقيقة (فقال) أى النبى
صلى الله عليه وسلم ( أشعرنها) أى زينب ابنته ( إياه) أى الحقو. قال المينى:
هو أمر من الإشعار وهو إلهاس الثوب الذى يلى بشرة الإنسان أى اجعلن هذا
الإزار شعارها ، وسمى شعاراً لأنه يلى شعر الجسد، والدثار ما فوق الجسد .
والحكمة فيه التبرك بآثاره الشريفة انتهى . وفى النيل: أى الففنها فيه لأن الشعار
ما يلى الجسد من الثياب والمراد اجعلنه شعاراً لها انتهى (قال عن مالك ) أى
قال القعنى فى روايته عن مالك. قال الخطابي: والحديث فيه أن عدد الغسلات
وتر وأن من السنة أن يكون مع أخذ الماء شىء من الكافور وأن يغسل الميت
بالسدر أو بما فى معناه من أشفان ونحوه إذا كان على بدنه من الدرن والوسخ انتهى
قال المنذرى : والحديث أخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه.
وابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه هى زيفب زوج أبي العاص بن الربيع
وهى أكبر بنانه صلى الله عليه وسلم .
(قالت مشطناها) من مشطت الماشطة تمشطها مشطاً إذا أسرحت شعرها -

-٤١٩-
٣١٢٨ - حدثنا عُمَّدُ بنُ المُثَنّى أخبرنا عبدُ الْأَهْلَى أخبرنا مِشَمُ عن
عَنْصَةَ بِنْتٍ سِهِرِينَ مِنْ أُمَّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: ((وَضَفَّرْنَا رَأْسَهَا ثَلَاثَةَ ◌ُونٍ ثُمُ
أَلْفَيْنَهَا خَلْفَهَا مُقَدَّمَ رَأْسِها وَقَرْنَيْهَاَ)).
- قاله العينى (ثلاثة قرون) انتصاب ثلاثة يجوز أن يكون بنزع الخافض أى بثلاثة
قرون أو على الظرفية أى فى ثلاثة قرون، والقرون جمع القرن وهو الحصلة من
الشعر، وحاصل المعنى جعلنا شعرها ثلاث ضفائر بعد أن حللوها بالمشط.
قاله العينى . قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى
وابن ماجه .
(وضفرنا رأسها) أى شعر رأسها. قال الخطابي: والضفر أصله القتل،
وفيه دليل على أن تسريح لحية الميت مستحب انتهى. وقال الحافظ : ضفرنا
بضماد ساقطة وفاء خفيفة انتهى .
وفى النيل : وفيه استحباب ضفر شعر المرأة وجعله ثلاثة قرون وهى ناصيتها
وقرناها أى جانها رأسها كما فى رواية عند البخارى تعليقاً، وتسمية الناصية
قرناً تغليب وقال الأوزاعى والحنفية إنه يرسل شعر المرأة خلفها وعلى
وجهها مفرقاً.
قال القرطبى: وكأن سبب الخلاف أن الذى فعلته أم عطية هل استندت
فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيكون مرفوعاً أو هو شىء رأته ففعلقه استحباباً
كلا الأمرين محتمل ، لكن الأصل أن لا يفعل فى الميت شىء من جنس القرب
إلا بإذن الشرع ولم يرد ذلك مرفوعاً كذا قال .
وقال النووى: الظاهر عدم إطلاع النبى صلى الله عليه وسلم وتقريره له .
وتعقب ذلك الحافظ بأن سعيد بن منصور روى عن أم عطية أنها قالت: ((قال -

- ٤٢٠-
٣١٢٩ - حدثنا أبو كامِلٍ أَخبرنا إنْمَاعِلُ أخبرنا خَالِدٌ عنْ حَفْصَةً
بِذْتِ سِيرِينَ عن أُمِّ عَطِيَّةَ ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ كَمُنَّ
فى غُسْلِ ابْنَتِهِ ابْدَأْنَ بِهَامِنِها وَمَوَّاضِعِ الْوُضُوءِمِنْهاَ )).
- لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: اغسلنها وتراً واجعلن شعرها ضفائر)).
وأخرج ابن حبان فى صحيحه عن أم عطية مرفوعاً بلفظ: ((واجعلن لها ثلاثة
قرون)) انتهى (ثم ألقيداها) أى القرون ( خلفها) أى الإبنة . وفيه استحباب
جعل ضفائر المرأة خلفها.
وقد زعم ابن دقيق العيد أن الوارد فى ذلك حديث غريب .
قال فى الفتح : وهو مما يتعجب منه مع كون الزيادة فى صحيح البخارى وقد
توبع رواتها عليها انتهى ( مقدم رأسها وقرنيها) بيسان القرون الثلاثة ، والمراد
من قرنيها جانبا رأسها .
قال الحافظ المزى فى الأطراف: والحديث أخرجه البخارى فى الجنائز عن
قبيصة عن سفيان عن هشام عن أم الهذيل حفصة عن أم عطية قال وقال وكيع
عن سفيان ((ناصيتها وقرفيها)) وأخرج أبو داود فيه عن محمد بن المثنى عن
عبد الأعلى عن هشام بن حسان عن حفصة عن أم عطية انتهى.
( ابدأن) أمر لجمع المؤنت من بدأ يبدأ (بميامنها) جمع ميمنة أى بالأمن
من كل بدنها فى الغسلات التى لا وضوء فيها ( ومواضع الوضوء) وليس بين
الأمرين تناف لإمكان البداءة بمواضع الوضوء وبالمهامن معاً .
قال الزين بن المنير: قوله ((إِبدأن بمهامنها)) أى فى الغسلات التى لا وضوء
فيها ومواضع الوضوء منها أى فى الغسلة المتصلة بالوضوء، وفى هذا رد على من
لم يقل باستحباب البداءة بالميامن وهم الحنفية .
1