النص المفهرس
صفحات 81-100
- ٨١ - صُمْ مِنَ الْرُمِ وَاثْرُكْ، مُمْ مِنَ الْرُمِ وَاتْرُكْ، وَقال [ وَقَالَهُ) بِأَصَابِعِ الثَّلَاثَةِ فَضَمَّهَا ثُمَّ أَرْسَلَمَ)). - ومنعها عن وطء النساء وغشيانهن فى نهار (صم من الحرم) بضمتين أى الأشهر الحرم وهى أربعة أشهر التى ذكرها الله سبحانه وتعالى فى كتابه فقال ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً فى كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم) وهى شهر رجب وذى القعدة وذى الحجة والمحرم . وقيل الأعرابى كم الأشهر الحرم ؟ فقال أربعة ثلاثة سرد وواحد فرد انتهى (وقال بأصابعه الثلاثة) أى صم منها ما شئت ، وأشار بالأصابع الثلاثة إلى أنه لا يزيد على الثلاث المتواليات وبعد الثلاث يترك يوماً أو يومين، والأقرب أن الإشارة لإفادة أنه يصوم ثلاثاً ويترك ثلاثاً والله أعلم. قاله السندى. قال المنذرى: وأخرجه النسائي وابن ماجه إلا أن النسائى قال فيه عن مجيبة الباهلى عن عمه ، وقال ابن ماجه عن أبى مجهبة الباهلى عن أبيه أو عمه، وذكره أبو القاسم البغوى فى معجم الصحابة وقال فيه عن مجيبة يعنى الباهاية قالت حدثنى أبى أو عمى، وسمى أباها عبد الله بن الحارث فقال سكن البصرة وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم حديثاً وقال فى موضع آخر : أبو مجيئة الباهلية أو عمها سكن البصرة وروى عن الغبى صلى الله عليه وسلم حديثاً ولم يسمه وذكر هذا الحديث، وذكره ابن قانع فى معجم الصحابة وقال فيه عن مجيبة عن أبيها أو عمها، وسماه أيضاً عبد الله بن الحارث هذا آخر كلامه . وقد وقع فيه هذا الاختلاف كما ترى . وأشار بعض شيوخنا إلى تضعيفه لذلك وهو متوجه . ومجيبة بضم الميم وكسر الجيم وسكون الياء آخر الحروف وبعدها باء موحدة مفتوحة وتاء تأنيت انتهى . - (٦ - عون المعبود ٧ ) - ٨٢ - ٥٤ - باب فى صوم الحرم ٢٤١٢ - حدثنا مُسَدَّدٌ وَقُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قالاَ أخبرنا أبُو عَوانَةً عن أبى بِشْرٍ عن ◌ُعَهْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عن أبى هُريْرةَ قال قال رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((أفْضَلُ الصَِّمِ بَعْدَ شَهْرٍ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ المُحَرِّمِ، وَإِنَّ أفضَلَ الصَّلاَةِ بَعْدَ المَفْرُوضَةِ صلَةٌ مِنَ الْلَيْلِ، لَمْ يَقُلْ قُتَيْبَةُ: شَهْرٍ قال: رمضانَ)). ( باب فى صوم المحرم ) (عن أبى بشر) بكسر الباء هكذا فى أكثر النسخ وكذا فى الأطراف ، وفى بعض النسخ أبو بشير بزيادة الياء ولا يصح ( أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم) تصريح بأنه أفضل الشهور للصوم . وأما إكثار النبى صلى الله عليه وسلم من صوم شعبان دون المحرم بنجوابه من وجهين أحدهما لعله إنما على فضله فى آخر حياته، والثانى لعله يعرض فيه أعذار من سفر أو مرض أو غيرهما ( وإن أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة من الليل) فيه دليل لما اتفق العلماء عليه أن تطوع الليل أفضل من تطوع النهار، وفيه حجة لأبى إسحاق المروزى ومن وافقه أن صلاة الليل أفضل من السنن الراتبة. وقال أكثر العلماء : الرواتب أفضل لأنها تشبه الفرائض والأول أقوى وأوفق والله أعلم، ذكره النووى . - قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله : وقد رواه شعبة عن أبى بشر عن حميد بن عبد الرحمن عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسلا، فاختلف فيه شعبة وأبو عوانة، فقال أبو عوانة ، عن أبى بشر عن حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة . وقال شعبة : عن أبى بشر عن حميد عن النبى صلى الله عليه وسلم ، ورجح الدار قطنى إرساله . - ٨٣ - ٢٤١٣ - حدثنا إبْراهِيمُ بن مُوسَ أنبأنا [حدثنا] عِيسَ أخبر نا عُثمانُ - يَعْنِى ابنَ حَكِيمٍ - قال ((سَأَلْتُ سَعِيدَ بن جُبَيْرِ عن صِيَمٍ رَجَبَ، فقال أخبر نى ابنُ عَبَّاسِ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم كَانَ يَصُومُ حتى نَقُولُ لاَ يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حتى نَقُولَ لاَ يَصُومُ)) ٥٥ - باب فی صوم شعبان ٢٤١٤ - حدثنا أَحَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرناعَبْدُ الرَّْمنِ بنُ مَهْدِىّمنْ مُعَاوِيَةَ بن صَالِحٍ عِن عَبْدِ الهِبِن أَبِ قَيْسٍ سَمِعَ مَائِشَةَ [عَائِشَةَ رضى الله عنها] تَقُولُ: ((كَانَ أَحَبُّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم أَنْ يَصُومَةُ شَعْبَانُ ثُمْ يَصِلُهُ بِرَّمَضَانَ ». - قال المنذرى: وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه. (كان يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم) قال النووى: الظاهر أن مراد سعيد بن جبير بهذا الاستدلال أنه لا نهى عنه ولا ندب فيه لعينه بل له حکم باقی الشهور، ولم يثبت فى صوم رجب نهی ولا ندب ولا نهی لعينه ، ولكن أصل الصوم مندوب إلیه . وفى سنن أبى داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب إلى الصوم من الأشهر الحرم ورجب أحدها والله أعلم . قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى وابن ماجه. ( باب فى صوم شعبان) ( كان أحب الشهور) خبر كان لكونه صفة وشعبان اسمه (أن يصومه) فيه وجهان الأول أنه بدل من أحب الشهور والضمير المنصوب فيه عائد إلى أحب الشهور (شعهان) اسم كان بحذف المضاف تقديره كان شعبان أى صومُه - - ٨٤ - - صومَ أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والثانى أن قولها أن يصومه منصوب بنزع الخافض والضمير المنصوب فيه عائد إلى أحب الشهور تقديره كان شعبان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أن يصوم أحب الشهور. وحاصله أن كون شعبان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس على الإطلاق بل فى أمر الصوم فقط فيجوز أن يكون أحب الشهور إليه صلى الله عليه وسلم فى غير أمر الصوم غير شعبان ، والوجه الأول هو القوى . قال ابن رسلان: فإن قيل كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخص شعبان بصيام التطوع فيه ، مع أنه قال أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، فالجواب أن جماعة أجابوا عن ذلك بأجوبة غير قوية لاعتقادهم أن صيام الحرم أفضل من شعبان كما صرح به الشافعية وغيرهم ، كما قال النووى : أفضل الشهر للصوم بعد رمضان الأشهر الحرم وأفضلها المحرم ويلى المحرم فى الفضل رجب والأظهر كما قال بعض الشافعية والحنابلة وغيرهم أن أفضل الصيام بعد شهر رمضان شعبان لمحافظته صلى الله عليه وسلم على صومه أو صوم أكثر. ، فيكون قوله أفضل الصيام بعد رمضان المحرم محمولا على التطوع المطلق ، وكذا أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل إنما أريد به تفضيل قيام الليل على التطوع المطلق دون السنن والرواتب التى قبل الفرض وبعده خلافاً لبعض الشافعية ، فكذلك ما كان قبل رمضان أو بعده من شوال تشبيهاً له بالسنن والرواتب انتهى . والحديث أخرجه الحاكم فى المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين ، وأقره الذهبي والله أعلم . قال المنذرى: وأخرجه النسالى . - ٨٥ - ٥٦ - باب فى صوم شوال ٢٤١٥ - حدثنا محمَّدُ بنُ عُثْمَانَ العِجْلِىُّ أخبر نامُبَيْدُ اللهِ يُعنى ابنَ مُوسى عِنْ هَارُونَ بنِ سَلْمَانَ عِنْ مُبَيْدِ اللهِ بن مُسْلِ الْقُرَشِيِّ عِنْ أَبِهِ الَ: (( سَأَلْتُ أَوْ سُئِلَ النَّبِىُّ صلى اللهُ عليه وسلم عن صِيامِ الدَّهْرِ؟ فقال: إنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا مُمْ رَمَضَانَ وَالَّذِى يَلِيهِ وَكَلُ أَزْبِعَ، وَخِيسٍ، فإِذاً أَنْتَ قَدْ عُْتَ الدَّهْرَ )). قال أَبُو دَاوُدَ: وَافَقَهُ زَيْدٌ الْمُكَلِيُّ، وَخَالَفَهُ أَبُو نَعِيمٍ. قَالَ مُسْلِمُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ. ( باب فى صوم شوال) (إن لأهلك عليك حقاً) والصوم يضعف الإنسان فلا يقدر على أداء حق الأهل ، وفيه إشعار بأن صوم الدهر من شأنه أن يفتر الهمة عن القيام بحقوق الله وحقوق عباده فلذاكره (صم رمضان والذى يليه ) قيل أراد الست من شوال ، وقيل أراد به شعبان ( وكل أربعاء) بالمد وعدم الانصراف (وخميس) بالجر والتنوين ( فإذا ) بالتنوين (أنت قد صمت الدهر) قال الطبى: الفاء جزاء شرط محذوف أى إن فعلت ما قلت لك فقد صمت وإذاً جواب جىء لتأكيد الربط. قاله على القارى. قال المنذرى: وأخرجه الترمذى والنسائى، وقال الترمذى: حديث غريب، وروى بعضهم عن هارون بن سلمان عن مسلم ابن عبيد الله عن أبيه وقد أخرج النسائى الروايتين الرواية الأولى والثانية التى أشار إليها الترمذى . - ٨٦ - ٥٧ - باب فى صوم ستة أيام من شوال ٢٤١٦ - حدثنا الُّغَيْلِيُّ أخبرنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بن ◌ُمَّدٍ عنْ صَفْوَانَ ابنِ سُلَيْمٍ وَسَعْدٍ بِنِ سَعِيدٍ عن عُمَرَ بن ثَابِتِ الْأَنْصَارِىِّ عنْ أبى أُيُوبَ صَاحِبِ النّبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم عن النِّيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمْ أَنْبَعَهُ بِسِتّ مِنْ شَوَّلَ فَكَأَنَّمَ صَامَ الدَّهْرَ)). ( باب فى صوم ستة أيام من شوال) ( قال من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال) وقد استدل به وغيره من الأحاديث المذكورة فى هذا الباب على استحباب صوم ستة أيام من شوال ، وإليه ذهب الشافعى وأحمد وداود وغيرهم . وقال أبو حنيفة ومالك : بكره صومها، واستدل لهما على ذلك بأنه ربما ظن وجوبها وهو باطل فى مقابلة السنة الصحيحة الصريحة . وأيضًا يلزم مثل ذلك فى سائر أنواع الصوم المرغب فيها ولا قائل به . واستدل مالك على الكراهة بما قال فى الموظأ من أنه ما رأى أحداً من أهل العلم يصومها ، ولا يخفى أن الناس إذا تركوا العمل بسنة لم يكن تركهم دلهلا ترد به السنة . - قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله : هذا الحديث قد اختلف فيه ، فأورده مسلم فى صحيحه . وضعفه غيره ، وقال : هو من رواية سعد بن سعيد أخى يحيى بن سعيد، قال النسائى فى سننه : سعد بن سعيد ضعيف ، كذلك قال أحمد بن حنبل : يحيى بن سعيد : الثقة المأمون ، أحد الأئمة ، وعبد ربه بن سعيد لا بأس به ، وسعد بن سعيد ثالثهم ضعيف . وذكر عبد الله بن الزبير الحميدى هذا الحديث فى مسنده: وقال الصحيح موقوفاً . وقد روى الإخوة الثلاثة هذا الحديث عن عمر بن ثابت . = - ٨٧ - - قال النووى فى شرح مسلم: قال أصحابنا: والأفضل أن تصام الست متوالية عقب يوم الفطر ، قال فإن فرقها أو أخرها عن أوائل شوال إلى آخره حصلت فضيلة المتابعة لأنه يصدق أنه أتبعه ستاً من شوال. قال: قال العلماء: وإنما كان ذلك كصيام الدهر لأن الحسنة بعشر أمثالها فرمضان بمشرة أشهر والستة بشهرين، وقد جاء هذا فى حديث مرفوعاً فى كتاب النسائى. قال المنذرى : وأخرجه مسلم والترمذى والنسائي وابن ماجه . = فمسلم أورده من رواية سعد بن سعيد. ورواه النسائى من حديثه مرفوعاً ، ومن حديث عبد ربه بن سعيد موقوفاً . ورواه أيضا من حديث يحي بن سعيد مرفوعاً . وقد رواه أيضا ثوبان عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((صيام شهر رمضان بعشرة أشهر ، وصيام ستة أيام بشهرين ، فذاك صيام سنة)) رواه النسائي، وفى لفظ له أيضا: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((جعل الله الحسنة بعشرة، فشهر بعشرة أشهر ، وستة أيام بعد الفطر تمام السنة)) قال الترمذى : وفى الباب عن جابر وأبى هريرة وثوبان ، وقد أعل حديث أبى أيوب من جهة طرقه كلها . أما رواية مسلم فعن سعد بن سعيد ، وأما رواية أخيه عبد ربه ، فقال النسائى: فيه عتبة ، ليس بالقوى ، يعنى راويه عن عبد الملك بن أبى بكر عن يحي. وأما حديث عبد ربه ، فانما رواه موقوفاً . وهذه العلل - وإن منعته ان يكون فى اعلى درجات الصحيح - فإنها لا توجب وهنه، وقد تابع سعداً ويحي وعبد ربه عن عمر بن ثابت : عثمان بن عمرو الخزاعى عن عمر ، لكن قال : عن عمر عن محمد بن المنكدر عن ابى ايوب . ورواه ايضاً صفوان بن سليم عن عمر بن ثابت ذكره ابن حبان فى صحيحه وابو داود والنسائى، فهؤلاء خمسة: يحي، وسعيد، وعبد ربه، بنو سعيد، وصفوان بن سليم، وعثمان بن عمرو الخزاعى كلهم رووه عن عمرو. فالحديث صحيح . واما حديث ثوبان : فقد رواه ابن حبان فى صحيحه ، ولفظه (( من صام رمضان وستا من شوال فقد صام السنة)) ورواه ابن ماجه. ولفظه ((من صام = - ٨٨ - = رمضان وستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة ، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)) وأما حديث جابر : فرواه أحمد فى مسنده عن أبى عبد الرحمن المقرى عن سعيد ابن أبى أيوب عن عمرو بن جابر الحضرمى عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعمرو بن جابر ضعيف، ولكن قال أبو حاتم الرازى: هو صالح، له نحو عشرين حديثاً . وقال أبو نعيم الأصبهانى : روى عن عمرو بن دينار ومجاهد عن جار مثله . وأما حديث أبى هريرة : فرواه أبو نعيم من حديث ليث بن أبى سليم عن مجاهد عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ورواه من حديث عبد الله بن سعيد ابن ابى سعيد المقبرى عن أبى سعيد عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال أبو نعيم : ورواه عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن ابى هريرة عن ابيه ، ورواه اسماعيل بن رافع عن ابى صالح عن أبى هريرة. وهذه الطرق تصلح للاعتبار والاعتضاد . وقد احتج اصحاب السنن الأربعة بليث ، وقد روى حديث حداد بن اوس ، قال عبد الرحمن بن ابى حاتم، فی کتاب العلل : سمعت ابى، وذکر حديثا رواه سويد بن عبد العزيز عن يحي بن الحارث عن ابى الأشعث الصنعانى عن ابى اسماء عن ثوبان مرفوعا ( من صام رمضان وأتبعه بست من شوال)) قال أبى: هذا وهم من سويد، قد سمع يحي بن الحرث هذا الحديث من ابى اسماء، إنما اراد سويد: ما حدثنا صفوان بن صالح أخبرنا مروان الطاطرى عن يحي بن حمزة عن يحمي بن الحرث عن أبى الأشعث الصنعانى عن شداد بن أوس عن النبى صلى الله عليه وسلم قال (( من صام رمضان - الحديث)). وهذا إسناد ثقات كلهم، ثم قال ابن أبى حاتم بعد ذلك: سئل أبى عن حديث رواه مروان الطاطرى عن يحيى بن حمزه؟ - وذكر هذا الحديث حديث - : شداد بن أوس قال : سمعت أبى يقول : الناس يروون عن يحيى بن الحرث عن أبى أسماء عن ثوبان عن النبى صلى الله عليه وسلم . قلت لأبى : أيهما الصحيح؟ قال: جميعاً صحيح. وقال الدار قطنى: حدثنا إبراهيم بن محمد الرقى أخبرنا أبو همام أخبرنا يحي بن حمزة عن إسحاق بن عبد الله قال: حدثنى سعد بن سعيد عن عدى بن ثابت عن البراء بن عازب عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال (( من صام ستة أيام بعد الفطر فكأنما صام الدهر كله)) ويحمي بن حمزة قاضى دمشق صدوق ، وأبو همام الوليد بن شجاع السكونى أخرج له مسلم، وهذا غريب ، لعله =ـ - ٨٩ - =اشتبه على بعض رواته عمر بن ثابت بعدى بن ثابت وتأكد الوهم نجعله عن البراء ابن عازب ، لكثرة رواية عدى بن ثابت عنه . وقد اختلف أهل العلم فى القول بموجب هذه الأحاديث . فذهب أكثرهم إلى القول باستحباب صومها . منهم الشافعى واحمد وابن المبارك وغيرهم . وكرهها آخرون. منهم: مالك . وقال مطرف: كان مالك يصومها فى خاصة نفسه، قال : وإنماكره صومها لئلا يلحق اهل الجاهلية ذلك برمضان. فأما من يرغب فى ذلك لما جاء فيه فلم ينهه، وقد اعترض بعض الناس على هذه الأحاديث باعتراضات ، نذكرها، ونذكر الجواب عنها إن شاء الله تعالى . الاعتراض الأول : تضعيفها. قالوا: واشهرها : حديث أبى أيوب، ومداره على سعد بن سعيد ، وهو ضعيف جداً ، تركه مالك ، وانكر عليه هذا الحديث ، وقد ضعفه احمد ، وقال الترمذى : تكلموا فيه من قبل حفظه . وقال النسائى: ليس بالقوى وقال ابن حبان : لا يجوز الاحتجاج بحديث سعد بن سعيد . وجواب هذا الاعتراض : ان الحديث قد صجعه مسلم وغيره . وأما قولك : يدور على سعد بن سعيد ، فليس كذلك ، بل قد رواهصفوان بن سليم ويحي بن سعيد ، اخو سعد المذكور ، وعبدربه بن سعيد، وعثمان بن معمر الخزاعى . اما حديث صفوان : فأخرجه ابو داود والنسائى وابن حبان . واما حديث يحيى بن سعيد : فرواه النسائى عن هشام بن عمار عن صدقة بن خالد ، متفق عليهما، عن عتبة بن ابى حكيم . وثقه الرازيان وابن معين وابن حبان عن عبد الملك بن ابى بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام ، وعبد الملك بن محمد بن أبى بكر بن عمرو بن حزم واسماعيل بن إبراهيم الصائغ ، ثلاثتهم عن يحي ابن سعيد عن عمر به. فإن قيل : فقد رواه حفص بن غياث ، وهو اثبت ممن ذكرت ، عن يحي ابن سعيد عن أخيه سعد بن سعيد عن عمرو بن ثابت، فدل على أن يحي بن سعيد - ٩٠ - = لم يروه عن عمر بن ثابت وإلا لما رواه عن اخيه عنه ورواء إسحاق بن ابى فروة عن يحي بن سعيد عن عدى بن ثابت عن البراء ، فقد اختلف فيه . قيل: رواية عبد اللك ومن معه عن يحيى بن سعيد ، أرجح من رواية حفص بن عياث ، لأنهم أتقن وأكثر، وأبعد عن الغلط ، ويحتمل أن يكون يحي سمعه من أخيه ، فرواء كذلك، ثم سمعه من عمر ، ولهذا نظائر كثيرة ، وقد رواه عبد الله بن لهيعة عن عبد ربه بن سعيد عن اخيه يحي بن سعيد عن عمر ، فان كان يحى إنما سمعه من اخيه سعد فقد اتفقت فيه رواية الإخوة الثلاثة له ، بعضهم عن بعض . واما حديث عبد ربه بن سعيد فذكره البيهقى ، وكذلك حديث عثمان بن عمرو الخزاعى . وبالجملة: فلم ينفرد به سعد، سلمنا انفراده ، لكنه ثقة صدوق ، روى له مسلم، وروى عنه شعبة وسفيان الثوری وابن عيينة وابن جريج وسليمان بن بلال، وهؤلاء أئمة هذا الشأن. وقال احمد : كان شعبة امة وحده فى هذا الشأن، قال عبد الله: يعنى فى الرجال وبصره بالحديث ، وتثبته ، وتنقيته للرجال : وقال محمد بن سعد : شعبة اول من فتش عن أمر المحدثين ، وجانب الضعفاء والمتروكين ، وصار علماً يقتدى به، وتبعه عليه بعده أهل العراق . واما ما ذكرتم مون تضعيف أحمد والترمذى والنسائى فصحيح . وأما ما نقلتم عن ابن حبان: فإنما قاله فى سعد بن سعيد بن أبى سعيد المقبرى ، وليس فى كتابه غيره وأماسعد بن سعيد الأنصارى المدنى فإنما ذكره فى كتاب الثقات وقد قال أبو حاتم الرازى عن ابن معين : سعد بن سعيد صالح ، وقال محمد بن سعد: ثقة ، قليل الحديث ، وقال ابن أبى حاتم : سمعت أبى يقول : كان سعد بن سعيد مؤدياً، يعنى انه كان يحفظ ويؤدى ما سمع . وقال ابن عدى: له احاديث صالحة، تقرب من الاستقامة ، ولا ارى بحديثه بأساً مقدار ما يرويه ، ومثل هذا إنما ينفى ما ينفرد به ، او يخالف به الثقات، فأما إذا لم ينفرد وروى مارواه الناس فلا يطرح حديثه. سلمنا ضعفه لكن مسلم إنما احتج بحديثه لأنه ظهرله أنه لم يخطىءفيه بقرائن ومتابعات والشواهد دلته على ذلك ، وإن كان قد عرف خطؤه فى غيره، فكون الرجل يخطىء في شىء لا يمنع الاحتجاج به فيا ظهر انه لم يخطىء فيه ، وهكذا حكم كثير من - ٩١ - = الأحاديث التى خرجاها ، وفى إسنادها من تكلم فيه من جهة حفظه ، فإنهما لم يخرجاها إلا وقد وجدا لها متابعاً. وههنا دقيقة ينبغى التفطن لها ، وهى أن الحديث الذى روياه أو أحدهما واحتجا برجاله أقوى من حديث احتجا برجاله: ولم يخرجاه ، فتصحيح الحديث أقوى من تصحيح السند . فإن قيل : فلم لا أخرجه البخارى ؟ قيل : هذا لا يلزم ، لأنه رحمه الله لم يستوعب الصحيح وليس سعد بن سعيد من شرطه ، على أنه قد استشهد به فى صحيحه ، فقال فى كتاب الزكاة : وقال سليمان عن سعد بن سعيد عن عمارة بن غزية عن ابن عباس عن أبيه عن النبى صلى الله عليه وسلم ((أحد جبل يحبنا ونحبه)). الاعتراض الثانى : أن هذا الحديث قد اختلف فى سنده على عمر بن ثابت ، فرواه أبو عبد الرحمن المقرى عن سعيد عن عبد ربه بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبى أيوب موقوفاً ذكره النسائى . وأخرجه أيضاً من حديث عثمان بن عمرو بن ساج عن عمر بن ثابت عن محمد بن المنكدر عن أبى أيوب ، وهذا يدل على أن طريق سعد بن سعيد غير متصلة ، حيث لم يذكر محمد بن المنكدر بین عمر بن ثابت وأبى أيوب ، وقد رواه إسماعيل بن عياش عن مهد بن أبى حميد عن محمد بن المنكدر عن أبى أيوب . فدل على أن لرواية محمد بن المنكدر له عن أبى أيوب أصلا . ورواه أبو داود الطيالسى عن ورقاء بن عمر اليشكرى عن سعد بن سعيد عن يحيى بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبى أيوب . وهذا الاختلاف يوجب ضعفه . والجواب : أن هذا لا يسقط الاحتجاج به، أما رواية عبدربه بن سعيد له موقوفا فإما أن يقال: الرفع زيادة . وإما أن يقال: هو مخالفة وعلى التقديرين: فالترجيححاصل بالكثرة والحفظ فإن صفوان بن سليم ويحي بن سعيد - وهما إمامان جليلان ... وسعد بن سعيد - وهو ثقة محتج به فى الصحيح - اتفقوا على زفعه، وهم أكثر وأحفظ على أن المقبرى لم يتفق عنه على وقفه . بل قد رواه أحمد بن يوسف السلمی شيخ مسلم، وعقيل بن يحي جميعاً عنه عن شعبة عن عبد ربه بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبى أيوب مرفوعا وذكره ابن منده ، وهو إسناد صحيح موافق لرواية - ٩٢ - = الجماعة ، ومقو لحديث صفوان بن سليم وسعد بن سعيد . وأيضاً فقد رواه محمد بن جعفر غندر عن شعبة عن ورقاء عن سعد بن سعيد مرفوعاً ، كروايه الجماعة ، وغندر أصح الناس حديثاً فى شعبة ، حتى قال على بن المدينى : هو أحب إلى من عبد الرحمن بن مهدى فى شعبة ، فمن يكون مقدماً على عبد الرحمن بن مهدى فى حديث شعبة يكون قوله أولى من المقبرى . وأما حديث عثمان بن عمرو بن ساج ، فقال أبو القاسم بن عساكر فى أطرافه عقب روايتها : هذا خطأ ، والصواب : عن عمر بن ثابت عن أبى أيوب ، من غير ذكر محمد المنكدر، وقد قال أبو حاتم الرازى :- عثمان والوليدابنا عمرو بن ساج، يكتب حديثهما ولا يحتج به، وقال النسائى: رأيت عنده كتباً فى غير هذا . فإذا أحاديث شبه أحاديث محمد بن أبى حميد ، فلا أدرى : أ كان سماعه من محمد أم من أولئك المشيخة؟ فإن كانت تلك الأحاديث أحاديثه عن أولئك المشيخة ولم يكن سمعه من محمد فهو ضعيف. وأما رواية اسماعيل بن عياش له عن محمد حميد: فإسماعيل بن عياش ضعيف فى الحجازیین ومحمد بن حميد ، متفق على ضعفه ونکارة حديثه، وكان ابن ساج سرق هذه الرواية عن محمد بن حميد ، والغلط فى زيادة محمد بن المنكدر منه . والله أعلم . وأما رواية أبى داود الطيالسى: فمن رواية عبد الله بن عمران الأصبهانى عنه، قال ابن حبان : کان یغرب ، وخالفه يونس بن حبيب ، فرواه عن أبى داود عن ورقاء بن عمر عن سعد بن سعيد عن عمر بن ثابت ، موافقة لرواية الجماعة. فإن قيل : فالحديث - بعد هذا كله - مداره على عمر بن ثابت الأنصارى ، لم يروه عن أبى أيوب غيره، فهو شاذ، فلا يحتج به ؟ . قيل : ليس هذا من الشاذ الذى لا يحتج به، وكثير من أحاديث الصحيحين بهذه المثابة: حديث ((الأعمال بالنيات )) تفرد علقمة بن وقاص به ، وتفرد محمد بن إبراهيم التيمى به عنه ، وتفرد يحيى بن سعيد به عن التيمى . وقال يونس بن عبد الأعلى: قال لى الشافعى: ليس الشاذ أن يروى الثقة مالا يروى غيره ، إنما الشاذ: أن يروى الثقة حديثاً يخالف ماروى الناس = - ٩٣ - = وأيضاً فليس هذا الأصل مما تفرد به عمر بن ثابت ، لرواية ثوبان وغيره له عن النبى صلى الله عليه وسلم، وقد ترجم ابن حبان على ذلك فى صحيحه ، فقال - بعد إخراجه حديث عمر بن ثابت -: ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به عمر بن ثابت عن أبى أيوب ، وذكر حديث ثوبان من رواية هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عن يحي بن الحرث الذمارى عن أبى أسماء الرحى عن ثوبان ، ورواه ابن ماجه . ولكن لهذا الحديث علة، وهى أن أسد بن موسى رواه عن الوليد بن مسلم عن ثور بن یزید عن يحي بن الحرث به . والوليد مدلس ، وقد عنعنه، فلعله وصله مرة ، وداسه أخرى. وقد رواه النسائى من حديث يحي بن حمزة ومحمد بن شعيب ابن سابور ، وكلاهما عن يحي بن الحرث الذمارى به . ورواه أحمد فى المسند عن أبى المان عن إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن الحرث به، وقد سمح الحديث أبو حاتم الرازى ، وإسماعيل إذا روى عن الشاميين حديثه صحيح ، وهذا إسناد شامى. الاعتراض الثالث : أن هذا الحديث غير معمول به عند أهل العلم. قال مالك فى الموطأ : ولم أر أحداً من أهل العلم والفقه يصومها ، ولم يبلغنى ذلك عن أحد من السلف ، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ، ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء ، لو رأوا فى ذلك رخصة عن أهل العلم ، ورأومم يعملون ذلك ، تم كلامه، قال الحافظ أبو محمد المنذرى: والذى خشى منه مالك قد وقع بالعجم ، فصاروا يتركون المسحرين على عادتهم والنواقيس وشعائر رمضان إلى آخر السنة الأيام ، فينئذ يظهرون شعائر العيد. ويؤيد هذا ما رواه أبو داود فى قصه الرجل الذى دخل المسجد وصلى الفرض ، ثم قام يتنفل ، فقام إليه عمر ، وقال له ((اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك ، فبهذا هلك من كان قبلنا ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصاب الله بك يا ابن الخطاب)). قالوا : فمقصود عمر : أن اتصال الفرض بالنفل إذا حصل معه التمادى وطال الزمن ظن الجهال أن ذلك من الفرض ، كما قد شاع عند كثير من العامة: أن صبح يوم الجمعة خمس سجدات ولا بد ، فإذا تركوا قراءة ( الم تنزيل ) قرأوا غيرها من سور - ٩٤ - = السجدات ، بل نهى عن الصوم بعد انتصاف شعبان حماية لرمضان أن يخلط به هوم غيره فکیف بما یضاف إليه بعده ؟ فيقال : الكلام هنا فى مقامين : أحدهما : فى صوم ستة من شوال ، من حيث الجملة . والثانى : فى وصلها به . أما الأول فقولكم : إن الحديث غير معمول به: فباطل ، وكون أهل المدينة فى زمن مالك لم يعملوا به لا يوجب ترك الأمة كلهم له ، وقد عمل به أحمد والشافعى وابن المبارك وغيرهم . قال ابن عبد البر: لم يبلغ مالكاً حديث أبى أيوب ، على أنه حديث مدنى ، والإحاطة بعلم الخاصة لا سبيل إليه ، والذى كرهه مالك قد بينه وأوضحه : خشية أن يضاف إلى فرض رمضان ، وأن يسبق ذلك إلى العامة ، وكان متحفظاً كثير الاحتياط للدين ، وأما صوم الستة الأيام على طلب الفضل ، وعلى التأويل الذى جاء به ثوبان ، فإن مالكا لا يكره ذلك إن شاء الله ، لأن الصوم جنة ، وفضله معلوم: يدع طعامه وشرابه لله ، وهو عمل بر وخیر ، وقد قال تعالى (٥٧:٢٢ وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) ومالك لا يجهل شيئاً من هذا، ولم يكره من ذلك إلا ما خافه على أهل الجهالة والجفاء إذا استمر ذلك ، وخشى أن يعد من فرائض الصيام، مضافاً إلى رمضان ، وما أظن مالكاً جهل الحديث ، لأنه حديث مدنى انفرد به عمر بن ثابت ، وأظن عمر بن ثابت لم يكن عنده ممن يعتمد عليه ، وقد ترك مالك الاحتجاج ببعض ما رواه عمر بن ثابت . وقيل : إنه روى عنه ، ولولا علمه به ما أنكر بعض شيوخه ، إذ لم يثق بحفظه لبعض ما يرويه ، وقد يمكن أن يكون جهل الحديث ، ولو علمه لقال به ، هذا كلامه . وقال القاضى عياض : أخذ بهذا الحديث جماعة من العلماء . وروى عن مالك وغيره كراهية ذلك، ولعل مالكا إنما كره صومها على ما قال فى الموطأ : أن يعتقد من يصومه أنه فرض ، وأما على الوجه الذى أراده النبى صلى الله عليه وسلم جائز . وأما المقام الثانى : فلا ريب أنه متى كان فى وصلها برمضان مثل هذا المحذور كره أشد الكراهة ، وحمى الفرض أن يخلط بة ما ليس منه ، ويصومها فى وسط الشهر أو آخره، وما ذكروه من المحذور فدفعه والتحرز منه واجب، وهو من قواعد الإسلام . - ٩٥ - = فإن قيل : الزيادة فى الصوم إنما يخاف منها لو لم يفصل بين ذلك بقطر يوم العيد ، فأما وقد تخلل فطر يوم العيد فلا محذور . وهذا جواب أبى حامد الاسفراينى وغيره . قيل: فطر العيد لا يؤثر عند الجهلة فى دفع هذه المفسدة . لأنه لما كان واجباً فقد يرونه كفطر يوم الحيض ، لا يقطع التتابع واتصال الصوم ، فبكل حال ينبغى تجنب صومها عقب رمضان إذا لم تؤمن معه هذا المفسدة . والله أعلم . فصل فإن قيل: لم قال ((ست)) والأيام مذكرة، فالأصل أن يقال (( ستة)) كما قال الله تعالى : (سبع ليال وثمانية أيام ) وهل لشوال بخصوصه مزية على غيره فى ذلك ، أم لا ؟ وهل للست خصوصية على ما دونها وأكثر منها ، أم لا ؟ وكيف شبه من فعل ذلك بصيام الدهر ، فيكون العمل اليسير مشبهاً بالعمل الكثير ومن جنسه؟ ومعلوم أن من عمل عملا وعمل الآخر بقدره مرتين لا يستويان فكيف يكون بقدرهعشر مرات؟ وهل فرق بين قوله ((فكأنما صام الدهر» وبين أن يقال : فكأنه قد صام الدهر ؟ وهل يدل الحديث على استحباب صيام الدهر ، لأجل هذا التشبيه ، أم لا ؟ . فالجواب: أما قوله (ست)) ولم يقل (ستة)) فالعرب إذا عدت الليالى والأيام فإنها تغلب الليالى إذا لم تضف العدد إلى الأيام ، فمتى أرادوا عد الأيام عدوا الليالى ، ومرادهم الأيام . قال تعالى ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً) قال الزمخشرى: ولو قيل (وعشرة)) لكان لحناً . وقال تعالى: ( يتخافتون بينهم إن لبتتم إلا عشراً ) فهذه أيام ، بدليل قوله تعالى بعدها ( إذ يقول أمثلهم طريقة : إن لبثتم إلا يوماً ) فدل الكلام الأخير على أن المعدود الأول أيام، وأما قوله تعالى ﴿سبع ليال وثمانية أيام) فلا تغليب هناك، لذكر النوعين وإضافة كل عدد إلى نوعه . وأما السؤال الثانى ، وهو اختصاص شوال : ففيه طريقان . أحدهما : أن المراد به الرفق بالمكلف ، لأنه حديث عهد بالصوم ، فيكون -٩٦- = أسهل عليه ففى ذكر شوال تنبيه على أن صومها فى غيره أفضل ، هذا الذى حكاه القرافى من المالكية ، وهو غريب عجيب . الطريق الثانى : أن المقصود به المبادرة بالعمل ، وانتهاز الفرصة ، خشية القوات . قال تعالى ( فاستبقوا الخيرات ) وقال ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ) وهذا تعليل طائفة من الشافعية وغيرهم . قالوا : ولا يلزم أن يعطى هذا الفضل لمن صامها فى غيره ، افوات مصلحة المبادرة والمسارعة المحبوبة لله . قالوا : وظاهر الحديث مع هذا القول . ومن ساعده الظاهر فقوله أولى . ولا ريب أنه لا يمكن إلغاء خصوصية شوال، وإلا لم يكن لذكره فائدة . وقال آخرون : لما كان صوم رمضان لابد أن يقع فيه نوع نقصير وتفريط ، وهضم من حقه وواجبه ندب إلى صوم ستة أيام من شوال ، جابرة له ، ومسددة لخلل ما عساه أن يقع فيه. جرت هذه الأيام مجرى سنن الصلوات التى يتنفل بها بعدها جابرة ومكملة، وعلى هذا : تظهر فائدة اختصاصها بشوال ، والله أعلم . فهذه ثلاث مآخذ . وسوى هذا جواب السؤال الثالث: وهو اختصاصها بهذا العدد ، دون ما هو اقل واكثر فقد اشار فى الحديث إلى حكمته، فقال فى حديث أبى هريرة (( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها فثلاثين بثلاثمائة ، وستة بستين ، وقد صام السنة )) وكذلك فى حديث ثوبان ولفظه (( من صام ستة ايام بعد الفطر كان تمام السنة ، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)) لفظ ابن ماجه. واخرجه صاحب المختارة. ولفظ النسائى فيه (( صيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بشهرين. فذلك صيام سنة)) يعنى صيام رمضان وستة ايام بعده ، فهذه هى الحكمة فى كونها ستة . وأما ما ذكره بعضهم من أن الستة عدد تام ، فإنها إذا جمعت أجزاؤها قام منها عدد السنة . فإن أجزاءها النصف والثلث والسدس ، ويكمل بها ، بخلاف الأربعة والإثنى عشر وغيرهما ، فهذا لا يحسن ، ولا يليق أن يذكر فى أحكام الله ورسوله . وينبغى أن يصان الدين عن التعليل بأمثاله . = - ٩٧ - = وأما السؤال الرابع: وهو تشبيه هذا الصيام بصيام الدهر ، مع كونه بقدره عشر مرات : فقد أشكل هذا على كثير من الناس . وقيل فى جوابه: المعنى : أن من صام رمضان وستة من شوال من هذه الأمة فهو كمن صام السنة من الأمم المتقدمة . قالوا : لأن تضعيف الحسنات إلى عشر أمثالها من خصائص هذه الأمة . وأحسن من هذا أن يقال : العمل له بالنسبة إلى الجزاء اعتباران : اعتبار المقابلة والمساواة وهو الواحد بمثله ، واعتبار الزيادة والفضل ، وهو المضاعفة إلى العشر ، فالتشبيه وقع بين العمل المضاعف ثوابه ، وبين العمل الذى يستحق به مثله ، ونظير هذا: قوله صلى الله عليه وسلم ((من صلى عشاء الآخرة فى جماعة فكأنما قام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر فى جماعة فكأنما قام ليلة)). أما السؤال الخامس، وهو الفرق بين أن يقول ((فكأنما قد صام الدهر)) وبين قوله (( فكأنما صام الدهر)) هو أن المقصود تشبيه الصيام بالصيام . ولو قال : فكأنه قد صام الدهر ، لكان بعيداً عن المقصود ، فإنه حينئذ يكون تشبيهاً للصائم بالصائم . فمحل التشبيه هو الصوم، لا الصائم ، ويجىء الفاعل لزوماً ، ولو شبه الصائم لكان هو محل التشبيه ، ويكون مجىء الصوم لزوماً، وإنما كان قصد تشبيه الصوم أبلغ وأحسن لتضمنه تنبيه السامع على قدر الفعل وعظمه وكثرة ثوابه ، فتتوفر رغبته فيه . وأما السؤال السادس - وهو الاستدلال به على استحباب صيام الدهر - فقد استدل به طائفة ممن يرى ذلك . قالوا ولو كان صوم الدهر مكروها لما وقع التشبيه به ، بل هذا يدل على أنه أفضل الصيام وهذا الاستدلال فاسد جداً من وجوه . أحدها : أن فى الحديث نفسه أن وجه التشبيه هو أن الحسنة بعشر أمثالها، فستة وثلاثون يوماً بسنة كاملة ومعلوم قطعاً أن صوم السنة الكاملة حرام بلاريب والتشبيه لا يتم إلا بدخول العيدين وأيام التشريق فى السنة وصومها حرام فعلم أن التشبيه المذكور لايدل على جواز وقوع المشبه به فضلاً عن استحبابه فضلاً عن أن يكون أفضل = (م ٧ - عون المعبود ٧) - ٩٨ - = من غيره . ونظير هذا: قول النبى صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن عمل يعدل الجهاد؟ فقال (( لا تستطيعه. هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تقوم فلا تفتر، وتصوم فلا تفطر؟ قال : لا. قال: فذلك مثل المجاهد )) ومعلوم أن هذا المشبه به غير مقدور ولا مشروع . فإن قيل: يحمل قوله ((فكأنما صام الدهر)) على ما عدا الأيام المنهى عن صومها . قيل: تعليله صلى الله عليه وسلم حكمة هذه المقابلة، وذكره الحسنة بعشر أمثالها ، وتوزيع الستة والثلاثين يوماً على أيام السنة : يبطل هذا الحمل . الثانى: أن النى صلى الله عليه وسلم سئل عمن صام الدهر، فقال (( لا صام ولا أفطر، وفى لفظ ((لا صام من صام الأبد)) فإذا كان هذا حال صيام الدهر فكيف يكون أفضل الصيام ؟ الثالث: أن النبى صلى الله عليه وسلم ثبت عنه فى الصحيحين أنه قال ((أفضل الصيام صيام داود)» وفى لفظ ((لا أفضل من صوم داود: كان يصوم يوماً ويفطر يوماً)) فهذا النص الصحيح الصريح الرافع لكل إشكال ، يبين أن صوم يوم وفطر يوم أفضل من سرد الصوم. مع أنه أكثر عملا. وهذا يدل على أنه مكروه ، لأنه إذا كان الفطر أفضل منه لم يمكن أن يقال بإباحته واستواء طرفيه . فإن العبارة لا تكون مستوية الطرفين، ولا يمكن أن يقال: هو أفضل من الفطر ، بشهادة النص له بالإبطال ، فتعين أن يكون مرجوحاً ، وهذا بين لكل منصف . ولله الحمد . - ٩٩ - ٥٨ - باب كيف كان يصوم النبى صلى الله عليه وسلم ٢٤١٧ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَةَ منْ مَالِكٍ عنْ أَبِى النّغْرِ مَوْلَى عُمَرَ بنِ مُبَيْدٍ اللّهِ مِنْ أَبِ سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّْنِ مِنْ عَائِشَةَ زَوْعٍ النّبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم أَنَّهَاَ قالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَصُومُ حتى نَقُولَ لاَ يُفْطِرُ وَ يُفْطِرُ حتى نَقُولَ لاَ يَصُومُ وَمَا رَأَيْتُ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم اسْتَكْعَلَ صِيامُ شَهْرٍ قَطَّ إلاَّ رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ فى شَهْرِ أَ كْثَرَ صِيامًاً مِنْهُ فِى شَعْبَان)). ( باب كيف كان يصوم النبى صلى الله عليه وسلم ) ( يصوم حتى نقول لا يفطر) فيه أنه يستحب أن لا يخلى شهراً من صيام ، وأن صوم النفل غير مختص بزمان معين بل كل السنة صالحة له إلا رمضان والعيد والتشريق . قيل كان يصوم شعبان كله فى وقت ويصوم بعضه فى سنة أخرى . وقيل كان يصوم تارة من أوله، وتارة من آخره، وتارة بينهما وما يخلى منه شيئاً بلا صيام لكن فى سنين . وقيل فى تخصيص شعبان بكثرة الصوم لكونه ترفع فيه أعمال العباد ، وقيل غير ذلك . فإن قيل: تقدم أن أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم فكيف أكثر منه فى شعبان دون المحرم؟ فالجواب لعله لم يعلم فضل المحرم إلا فى آخر الحياة قبل التمكن من صومه ، أو لعله كان يعرض فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه كسفر ومرض وغيرهما . قال العلماء: وإنما يستكمل غير رمضان لئلا يظن وجوبه. قاله النووى. قال المنذرى: وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى . - قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله : وفى صومه صلى الله عليه وسلم شعبان أكثر من غيره ثلاث معان : - ١٠٠ - ٢٤١٨- حدثنا مُوسَّ بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرناحمادٌ عن محمّدٍ بنِ حَمْرٍو عِنْ أَبِ سَّمَةَ عنْ أَبِى هُرَيْرةَ عن النَّيِّ صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَاهُ [بهذا]. زَادَ: كَانَ يَصُومُهُ إِلاَّ قَلِيلاً، بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ)) . ٥٩ - باب فى صوم الاثنين والخميس ٢٤١٩ - حدثنا مُوسى بنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا أَبانُ أخبرنا يَحْتِى عنْ "ُمَرّ بنٍ أَبِى الْحْكَمَ بن ثَوْبانَ عنْ مَوْلَى قُدَامَةَ بن مَظْمونٍ عِنْ مَوْلَى أُسَامَةً (زاد كان يصومه إلا قليلا بل كان يصومه كله ) أى لغاية قلة المتروك . قال المنذرى: وهذه الزيادة أخرجها مسلم فى صحيحه وفى البخارى أيضاً ((كان يصوم شعبان كله . ( باب فى صوم الاثنين والخميس ) (يحيى) هو ابن أبى كثير قاله المزى (عن مولى قدامة) مجهول لا يعرف لكن قال المزى : روى عن أبى عبيد الله مولى قدامة بن مظعون غير هذا الحديث - أحدها : أنه كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ، فربما شغل عن الصيام أشهراً، تجمع ذلك فى شعبان ، ليدركه قبل صيام الفرض . الثانى : أنه فعل ذلك تعظيما لرمضان ، وهذا الصوم يشبه سنة فرض الصلاة قبلها تعظيما لحقها . الثالث: أنه شهر ترفع فيه الأعمال ، فأحب صلى الله عليه وسلم أن يرفع عمله وهو صائم. قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله : وأخرج النسائى من حديث المسيب بن رافع عن سواد الخزاعى . عن عائشة قالت ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم الإثنين والخميس)) وأخرج عن المسيب عن حفصة قالت ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم الإثنين والخميس)) =